رواية نستولوجيا للكاتبة سارة ح ش الفصل الرابع عشر
كم من حكاية حب تكررت عن مسامعنا. كم مرة سمعنا كم يعشقها وكم تقع هي في غرامه يوم بعد اخر. كم نبضت قلوبنا بعنف ونحن نشاهد التقاء نظراتهم وعناق كلماتهم الصامتة. كم قصة حب منها قد استمرت كما هي إلى نهايتها؟ ألم تسألوا أنفسكم ذات مرة لِما بعد كل هذا الحب ببساطة ينتهي كل شيء ولا ينازع الطرفين ليبقيا معاً كما تعهدا؟!
ببساطة لأن هناك لحظات نتعب فيها من المحاولة. لحظات نتنازل فيها عمن نحب لنرتاح من معاناتنا، وهذا لا يسمى حباً!
الحب لا يكمن بعدد المرات التي نسمع فيه كلمة أحبك في اليوم
ولا يكمن بعدد الهدايا
ولا بالغيرة المجنونة.
الحب ببساطة يكمن جماله في تناقضه. أن تحب يعني أن تعرف جيداً أن الطرف الاخر مذنب أو من الممكن أن يتخلى عنك في يوم. ومع ذلك أنت ستحبه بكل ما تملك من قوة. فالحب عضلة لا أرادية تتحرك من دون تدخل الانسان بها!
كان يختلس النظر اليها بينما تحرك الطعام بملل في صحنها دون أن تشاركهم حديثهم. هناك أحياناً قرارات نتخذها في لحظة طيش حين نثق أن الطرف الأخر لن يفعل شيء ولن يبتعد عنا مهما حصل. لذلك ببساطة نحن نستمر بجرحه وإدّعاء أنه لا فرق بوجوده أو رحيله، فقط لأننا نضمن بقائه وحبه لنا بكل الحالات. وهذا ما كان يزن واثق منه!
تخيل أنها ستفعل كما كل مرة حيث ستبرر له أسبابها وتتوسله أن يسامحها.
تخيلها ستبكي وتختلس النظر اليه أيضاً وتمنحه نظرات ألمها وحزنها.
او على اقل تقدير تخيل أنها من الممكن ان تتصرف تصرفاتها الطائشة التي اعتادها مؤخراً وتبدأ بإثارة غيرته عن طريق تقربها من مازن، وقد كان مستعد لهذا بعد أن سألته عن ثقته من قراره من أنه لن يغار.
ولكن كل تخيالته تم دحرها جانباً وهو يجدها تتجاهل كل شيء ابتداءٍ منه وانتهاءٍ بمازن ولم تفعل أي شيء مما توقعه أن تفعله. وكأنها فجأة أصبحت شخص يجهل كيف تفكر وما هي خطوتها التالية!
- حبيبتي؟!
قالها مازن بصوت أعلى هذه المرة وهو يلمس لها يدها بعد أن تجاهلت نداءه الاول من غير قصد. أقشعر جسدها فوراً من لمسته وسحبت يدها كالملسوعة وهي تنظر له باستهجان بينما هو يرمقها باستغراب. ثوانٍ حتى استعادت رشدها فطرفت بعينيها عدة مرات كمن استيقظ من حلم مزعج ويحاول استيعاب الواقع من حوله!
- هل أنتِ بخير؟!
أخذت نفس عميق وهي تترك الشوكة من يدها بينما تقول: - أجل أجل. لا تقلق!
- لم تلمسي شيء من طعامكِ. ألم يعجبكِ؟!
- لا لقد أعجبني. ولكن صداع رأسي يزعجني فقط!
مط شفتيه بضيق وهو يقول: - ازداد كثيراً صداعكِ هذا يا ليلى. دعينا نذهب الى المستشفى!
نهضت من كرسيها وهي تسحب سترتها التي علقتها على ظهر الكرسي وقالت وبعض الانزعاج يرتسم على وجهها: - أسفة. ولكن على الذهاب الان.
نهض مازن من مكانه بينما قالت روان: - لا يزال الوقت مبكراً يا ليلى!
ردت بينما تلبس سترتها: - أسفة حقاً ولكن ربما سنلتقي بوقت لاحق. لا اشعر بالارتياح. عن إذنكم!
اكتفى يزن بالتحديق بها بنظرات جامدة بينما هي لم ترمقه ولو بنظرة سريعة واتجهت نحو الباب بينما لحقها مازن واوقفها قبل أن تفتحه وقال من غير أن ينساب صوتهما نحو الاثنين الاخرين: - هل كل شيء بخير حبيبتي؟!
شتت ابصارها في كل زاوية على وجهه أو خلفه من غير النظر إلى عيونه مباشرةٍ بينما تقول: - أنا بالفعل أشعر بعدم الارتياح يا مازن واريد الرحيل الان لو سمحت
- حسناً لا بأس. أنتظري سأحضر مفاتيح سيارتي وأعود.
امسكته من يده فوراً لتوقفه ما أن خطى خطوته الاولى وقالت بنبرة غير قابلة للنقاش وعيونة مترجية:.
- مازن لو سمحت. أنا بالفعل اريد البقاء وحدي. لدي مشوار سأقوم به ثم سأذهب نحو منزلنا. لا داعي لقدومك. وذاتاً يزن هنا لا يزال بحاجة أليكم. لذلك أرجوك أتركني أذهب بمفردي!
- ليلى.
قاطعته فوراً: - مازن أرجوك، أنت من قلت أنه أن اتخذ أحدنا قرار فعلى الاخر احترامه. وأنا بالفعل أحتاج البقاء بمفردي!
تنهد بقلة حيلة وقبّلها من أعلى جبينها وهو يقول: - حسناً حبيبتي. سأحترم رغبتكِ!
عصرت قبضتها على يده أكثر وهي تقول بأمتنان: - شكراً لك.
ثم تركته ورحلت بينما هو عاد نحو مائدة الطعام وبعض ملامح الهم بدأت تتراكم على وجهه. سأله يزن بشيء من الاستهجان فور جلوسه: - هل تركتها ترحل بمفردها حقاً؟!
فرد الاخر بجدية: - ليلى ليست طفلة صغيرة وسأحترم رغبتها أن أرادت البقاء بمفردها ولن أجبرها على شيء!
قالت روان بهدوء دون النظر اليه وهي تشغل نفسها بقطع شريحة اللحم التي امامها بسكينها الصغيرة:.
- يزن يقصد أنها لم تكن بحالة جيدة بالاخص مع ألم رأسها. لذلك كان من الأفضل لو أنك رافقتها!
استغرق مازن ثوان قبل أن يتمكن من اجلاء صوته والرد عليها بثبات ومن دون أن ينظر اليها ايضاً:
- لن يحصل لها شيء. لن أغضبها مني فقط لأني متشائم وسأتوقع حصول شيء لها. سأتركها على راحتها!
رفعت كتفيها كعلامة كما تشاء من غير أن تعلق بشيء ليسود الصمت المكان بمشاعر مختلفة داخل كل واحد فيهم!
جلست بعيون شاردة تغرقها بعض الدموع وهي تحدق بطيور النوارس البعيدة التي تتجمع فوق صخرة لا تعلم كيف لها أن تتوسط الماء وكأنها تطفو عليه!
سقطت منها دمعة وخاطبته. بعد فترة طويلة من الانقطاع. بعد ايام من دون أن تفتتح أي حديث معه:
- أنت لا تفعل شيء من غير سبب.
ثم رفعت ابصارها نحو السماء قليلاً لتسقط بعض تلك الدموع المتجمعة وأكملت تمتمتها قائلة:.
- أن كنت لم تقسمه لي لِما جعلتني أحبه؟ لِما جعلتهم ينتقلون لبنايتنا؟ بل لِما جعلتني لا أعرف كيف أربط شريط حذائي؟!
ثم قالت بدموع أشد وصوت مهزوز:.
- ما الذي فعلته أنا لأستحق هذا؟ أن كنت قد قررت أن لا أكون له فلِما جعلتني أعرفه؟ ولِما لا تجعلني ببساطة أحب مازن الان؟ أنا أحاول وأنت تعرف يا إلهي هذا، ولكن كلما حاولت التقرب منه كلما أزددت الابتعاد عنه. لا اعرف كيف ولكنك تفهم ما أعنيه. أنت تعرف وترى كل شيء ومع ذلك لا تساعدني. أتكرهني؟!
ثم قالت بأسى وتوسل:
- حاشاك أن تفعل!
اسندت يديها بجوارها على المسطبة لتثبت جسدها الهزيل وهي تبكي بقوة بينما تخفض رأسها وتقول:
- أنا أنتظرك. أنتظرك أن تفعل شيء. أنت لا تفعل شيء من غير سبب. لذلك أرجوك أريني اسباب كل هذا. أرني لِما حصل كل هذا أتوسل اليك. مهما كان الدرس الذي تريد مني تعلمه فأنا قد تعلمته أقسم لك، فقط خلصني مما أنا فيه!
الوحدة لا تكون مؤلمة. الوحدة ستكون كذلك أن نحن أردنا منها أن تكون. فالوحدة جميلة. لن يزعجك أحد، ولن يستغل أحد حبك ليبتعد ويؤذيك. الوحدة أحياناً تأتي كنعمة ونحن من نجحدها. وفي تلك اللحظة جحدت ليلى نعمتها دون أن تعلم لاحقاً أنها ستحارب لتحصل عليها. رغم كرهها لها!
انتهت جلسة اعترافها السرية التي تبوح بها كل ما تكتمه مع الله. رغم إنه يعلم كل شيء. ولكنها تدرك أنه الوحيد الذي لن يمل أو ينزعج من الاستماع اليها وكثرة شكواها!
عادت الى منزلهم الخالي حيث بدأت شمس العصر بالانخفاض شيئاً فشيئاً لتخلق عالم احمر اللون يعكس زوايا موحشة في ارجاء منزلهم الساكن وشبه المظلم ذو الارضية الخشبية والجدران ذات الطلاء القاتم التي تضفي الاكتئاب مع هذه الاجواء!
وضعت مفاتيحها على المنضدة بجوار الباب ونزعت فردتي حذائها والقتهما جانباً دون أن تضعهما في مكانهما المعتاد ونزعت بعد ذلك سترتها والقتها على ظهر الاريكة. فتحت شعرها بتعب والقت مشبكها من دون تحديد وجهة الالقاء. نزعت -بل قطعت- تلك القلادة التي تحوط عنقها والقتها بعيداً، ومن ثم القت بجسدها ارضاً من غير إرادتها!
فجأة تحول جسدها لقطعة حديد والارض اشبه بالمغناطيس لتسحبها اليها وتغط بعالم الظلام من غير أي أنذار مسبق. لم تشعر بألم السقوط على بطنها ووجهها. لم تشعر بالارض تلتفت بها قبل ذلك. هي فجأة قد دخلت عالم اللاوعي!
كانت وكأنها دقائق، لا بل وكأنها لحظات حتى فتحت عينيها. لوهلة شعرت انها لا تزال فاقدة لوعيها من كمية الظلام التي تحيطها. رفعت جسدها بتعب عن الارض وتلمست بجوارها عن اي دليل يرشدها اين هي بالضبط وما الذي حصل فلم تجد سوى ارضية ملساء!
مدت يدها نحو جيب بنطالها وسحب هاتفها لتشغل الاضاءة وتنهض ليتهاوى جسدها فوراً بضعف من جديد على الارض. هي لم تكن ترى جيداً ولكن شعرت بأن الارض تدور بها هذه المرة وكأنها ستفقد الوعي مرة اخرى. استغرقت بضع دقائق من الزمن لتستعيد رباطة جأشها وتسترجع قواها لتنهض بهدوء وصولاً الى مفاتيح الانارة ليبتلع النور هذا الظلام الدامس الذي يكتنف الارجاء!
اتجهت نحو الحمام ورشقت وجهها بالماء البارد لعلها تتنشط قليلاً ولكن لم يكن يبدو أن الماء قد ترك أي تأثير عليها. نظرت نحو وجهها في المرأة لترتعب من منظر الشحوب والاصفرار الذي سيطر عليها فجأة.
فتحت خزانة الادوية الصغيرة الموجودة هناك واخذت حبوبها المسكنة لعلها تتخلص من هذا الألم الذي يشوش لها الرؤيا. ولكن لم يبدو أن الأمر يجدي ايضاً.
جلست على طرف حوض الاستحمام وهي تحيط رأسها بعجز بينما تجحظ بعينها. اشارات ترفض تصديقها. كثرة الصداع، تشوش الرؤيا، التقيء الصباحي اغلب الاوقات، تخدر اطرافها وعدم الشعور بها. كلها كانت تجد لهم سبب. ولكن تزايدهم اصبح يجعلها تشك أنها بالفعل تعاني من خطب ما. لا سيما بعد حادثة اليوم حيث فقدت الوعي لثلاث ساعات متواصلة!
سحبت هاتفها من جيبها مرة اخرى وترددت بادئ الامر ولكنها حسمت قرارها واتصلت بالمستشفى. لحظات حتى ردت عليها موظفة الاستعلامات فقاطعت لها جملتها الطويلة التي تتضمن الترحيب واسم المستشفى لتقول بنفاذ صبر:
- لو سمحتِ هل يمكنني التحدث الى الطبيبة روان؟!
- هي غير متواجدة الان سيدتي ستبدأ موعد مناوبتها بعد ساعتين!
اغلقت الهاتف فوراً من غير ان تعلق بشيء وزفرت بضيق وهي تعيد فرك رأسها.
سارت بضعف نحو غرفتها متجاهلة عدد المكالمات الفائتة والرسائل من مازن واستلقت فوق سريرها تحدق بسقفها بجمود. بدأت التشائمات تتراود لعقلها والتفائل يزيحها جانباً. تفكر بمستقبل اسود مشؤوم ولكنها رغم ذلك لا تخاف منه. انها في حالة استسلام قصوى وبرود يسيطر عليها دون أن تمنعه من الانتشار. انها تحتاج اليه!
انها اطول ساعتين في حياتها وهي تنتظر موعد ذهاب روان الى المستشفى. انتظرت 15 دقيقة اضافية ما بعد الساعتين وعاودت الاتصال بالمستشفى.
- هل حضرت الدكتورة روان لو سمحتِ؟!
قالتها باقتضاب ما ان رفعت موظفة الاستقبال السماعة فردت الاخرى بعملية:
- اجل سيدتي. من اخبرها؟!
- قولي لها انها حالة طارئة من إحدى مريضاتها ومن الضروري ان اتحدث اليها فوراً.
- انتظري لدقائق بينما استدعيها لو سمحتِ.
جلست باستعدال ثم نهضت محو خزانتها لتستخرج معطف ذو قلنسوة خفيف غير شتوي يتلائم مع طقس اليوم وبنطال ازرق طويل بينما تضع السماعة على اذنها تنتظر سماع صوت روان لا غير. ما هي ألا خمس دقائق حتى وصلها الصوت المرجو:
- مرحبا. من معي؟!
فوقفت ليلى فوراً بثبات تاركة كل ما يشغلها وقالت:
- روان انها انا.
فردت الاخرى باستغراب:
- ليلى؟!
- اجل. ولكن لا تلفظي اسمي كثيراً. لا اريد من احد ان يعرف بمكالمتي هذه. لا سيما يزن ومازن.
- حسناً. ولكن سأغلق الخط واتصلي بي على هاتفي الشخصي. سجلي الرقم.
تناولت قصاصة ورق صغيرة فوراً وبدأت بتدوين الرقم لتعاود الاتصال بها مرة اخرى ولكن هذه المرة على هاتفها الشخصي. دخلت روان الى مكتبها واغلقت الباب من خلفها وهي تقول بقلق:
- هل هناك شيء يا ليلى؟!
فقالت الاخرى وبعض الخوف يختلجها:.
- روان. لا اشعر اني بخير.
- يا إلهي. ما الذي حصل؟!
- وهذا ما اريد معرفته. سآتي الى المستشفى لتجري لي بعض الفحوصات ولكن لا اريد من احد سوانا ان يعرف بالامر ارجوكِ.
- حسناً لا تقلقي لن يعلم احد. أن كنتِ متفرغة فتعالي الان فمناوبة يزن ستبدأ بعد ساعة أو اقل ومازن بعد ساعتين لذلك لن تلتقي بهم.
- ممتاز. لن اتأخر. سأغير ملابسي واتي فوراً.
وبالفعل ما ان انهت المكالمة اتجهت نحو خزانة ملابسها لتغيرهم بسرعة وتتجه نحو المستشفى.
صعدت نحو الطابق الرابع حيث مكتب روان الذي ارشدتها اليه موظفة الاستقبال. طرقت الباب ودخلت لتجد روان منغمسة وسط كومة من ملفات مرضاها.
نهضت من مكانها والتفت من خلف المكتب لتستقبل ليلى وهي تقول بشيء من القلق:
- ما الذي حصل بالضبط؟!
جلست ليلى على الكرسي وهي تقول بضعف:
- وهذا ما اريدكِ ان تخبريني به!
واجهتها روان على الكرسي الاخر وهي تقول:
- اشرحي لي خطبكِ بالضبط.
- حسناً. بغض النظر عن كثرة الصداع وتشوش الرؤيا وتخدر اطرافي. لقد فقدت الوعي اليوم لثلاث ساعات!
وكون روان طبيبة وقد مرت عليها عشرات الحالات فأن اعراض كهذه مألوفة لديها مما جعلها تخرس فوراً عن الرد بأي شيء وارادت جملة ما تقمع بها ما يختلج بداخلها وما ترى انعكاسه بعيون ليلى ولكنها للأسف لم تجد.
لحظات حتى نهضت روان من مكانها واستخرجت الضوء الصغير من جيب مئزرها الطبي وفحصت كلتا عيون ليلى بتمعن ودقة ليزداد انقباض قلبها اكثر من غير ان تبدي اي تعليق. استقامت بظهرها التي تحنيه وقالت وبعض التوتر كان جلياً في نبرتها:
- دعينا لا نحكم على اي شيء الان من غير اتمام الفحوصات جميعها، تعالي معي!
وسارت من غير ترك مجال لليلى كي تعلق بشيء أو ان تجهض لها قلقها فتبعتها بصمت وعلى مضض الى غرفة الاشعة الخاصة بالرأس.
دخلتا الى غرفة يفصلها من الوسط حاجز وباب زجاجي يطل على غرفة اخرى يجلس فيها طبيب اخر.
نزعت روان عن ليلى حلقات اذنها وكل ما هو معدني وجعلتها تستلقي داخل الجهاز قبل ان تدخل هي نحو الغرفة الاخرى وقالت لزميلها يعقوب:
- نريد اجراء الفحوصات لها.
انهت جملتها وجلست على الكرسي المجاور له امام الشاشات الكثيرة فقال بينما يبدأ بتشغيل الجهاز:
- تبدين قلقة، هل تخصكِ المريضة؟!
- أجل. نوعاً ما!
وحرصت على عدم الكشف عن هويتها كي لا يعلم مازن او يزن بقدومها كما طلبت ليلى.
بدأ الجهاز عمله ليبدأ قلب روان بالانقباض وشفتيها بتمتمة دعاء تتوسل به الله ان يكون كل شيء بخير وان ما تظنه خاطئ رغم يقينها منه.
لحظات اخرى وبدأ وجهها يشحب حين بدأت الصور لرأس ليلى تتوضح امامها. رفعت يدها لتغلق بها شفتيها بصدمة تمنع نفسها من التفوه بحرف جزع واحد. حاولت قدر الامكان ان تتمسك بخيط امل ضعيف عسى أن تكون النتائج خاطئة. أو انه ليس ما تظنه. ولكنها تعرف جيداً ما يحصل. عرفت ذلك منذ ان فحصت لها عينيها!
نظر لها يعقوب بأسى وقال:
- دعينا لا نستعجل الاحداث يا روان. قد يكون ورماً حميداً!
احنت جذعها العلوي واحاطت رأسها بكلتا يديها. ما من صورة سيئة ومأسوية لم تخطر على بالها في لحظتها.
شباب فتاة في مقتبل ربيعها وتفتحها. والديها الذان لا يملكان غيرها. مازن الذي سينكسر بعد أن وجد بصعوبة ما يجبره، ويزن الذي سيموت!
وقعت دمعة من غير إرادتها فوراً وتلتها اخريات من غير ان تسيطر عليهم. مسح يعقوب برفق على ظهرها المنحي وقال:.
- روان أنتِ طبيبة وقد أعتدت على حالات كهذه وعرفتِ كيف تواسين المريض واهله. فهل أنتِ من ستضعفين الان؟ فكري بالفتاة ما الذي سحصل لها أن بثثتِ الخبر لها وأنتِ بهذه الحالة، وأيضاً دعينا لا نستعجل فقد لا تكون كتلة سرطانية!
كفكفت دموعها وقالت بصوت مهزوز:
- أتمنى حقاً أن لا تكون كذلك. أن هي حصل لها شيء فكثيرون سيموتون بعدها يا يعقوب!
- لا تتشائمي. دعينا نكن اكثر تفائل وكل شيء سيكون بخير.
نهضت من مكانها وقالت:
- ارجوك لا تخبر اي احد بقدومي اليوم واجراء فحوصات لها. لا سيما ليزن ومازن. لا اريد أن ادخل في تحقيق او اسئلة عمن تكون وما الذي حصل!
- لا تهتمي. لن افعل!
- شكراً لك!
اطفئ الجهاز لتدخل روان الى الغرفة فاستقبلتها فوراً عيون ليلى المتلهفة بخوف للنتيجة فتبسمت روان بينما تقترب منها وتلبسها حلقات اذنها بلطف وهدوء فقالت ليلى:
- إذاً؟!
- دعينا نذهب الى مكتبي!
ومرة اخرى تخرج روان قبل ان تترك لليلى فرصة التعليق لتتبعها الاخرى بصمت.
جلستا مرة اخرى حيث كانتا تجلسان ولا تعرف كيف تبدأ روان حديثها الى ان قالت ليلى بنفاذ صبر:
- روان؟ هل ستتحدثين أم ماذا؟!
نظرت لها روان بتردد وحيرة ثم سألتها قائلة:
- ليلى؟ منذ متى بالضبط تنتابكِ حالات الدوار والتقيء او فقدان الشعور بالاطراف؟
سكتت لثواني قليلة تستذكر ثم قالت:
- اظن من اربعة شهور.
فهتف روان فوراً باستهجان:.
- اربعة شهور ولم تفكري يوماً بمراجعة طبيب؟
لترد ليلى ببرود:
- لا احب مراجعة الاطباء بالاضافة كنت اعالج صداعي بالمسكنات ودواري بالراحة وأما اضطراب معدتي فانا اعلم انه بسبب جدول غذائي السيء. فما الحاجة لمراجعة طبيب؟
حدقت بها روان ما بين عدم استيعاب وما بين استنكار وشفتيها تنفرجان عن بعضهما تعجز عن الرد امام سذاجتها!
لحظات حتى مسحت وجهها بتعب وزفرت بتضايق وحيرة وهي تعيد ابصارها نحو ليلى وتقول:.
- اسمعي ليلى. تهاونكِ بحالتكِ زاد الامر سوءً. فحسب
لتردف الاخرى باستفهام:
- اي امر؟
تلعثمت روان بالرد رغم كونها طبيبة اعتادت على بث انباء مشابهة فقالت ليلى فوراً بنبرة حادة:
- أي امر يا روان؟!
فردت الاخرى باستسلام:
- لقد اظهرت النتائج. ان. ان لديكِ تورم في رأسكِ.
فتحت ليلى عينيها بصدمة وبدأت الرؤيا تتشوش لديها. هل أحسست يوماً أنه فجأة قد تم تشغيل ساعة عدّك التنازلية؟ هذا ما سمعته ليلى في لحظتها، تكتكة الدقائق وهي تهبط اكثر واكثر لتخطفها بعيداً نحو سبات طويل. بعيداً عن كل من احبته أو أحبها!
قالت بنبرة مرتجفة بينما تكتسي عينيها بطبقة دمع خفيفة:
- ماذا؟ تورم؟ هل هذا يعني إني سأموت؟!
فأسرعت روان موضحة:
- لا نعرف ان كان تورم حميد ام خبيث. سنجري عملية لنعرف!
وهنا وقفت ليلى بفزع اشد متناسية لحظة صدمتها من الخبر وهي تقول:
- عملية؟، ويعرف مازن؟ واسرتي؟ ويزن ايضاً؟
ثم هزت رأسها بنفي وهي تقول:
- هذا مستحيل.
فنهضت روان لترد بحدة:
- كفى سذاجة يا ليلى. اخبركِ ان لديكِ تورم في رأسكِ وانتِ لا زلتِ تفكرين بأمور تافهة كهذه؟!
لتهتف بها ليلى بعصبية:
- قد تبدو تافهة لكِ ولكن انا لدي اسبابي.
لترد الاخرى بعصبية مشابهة:.
- اسباب ماذا بالضبط؟ وأي اسباب هذه التي تجعلك تتهاونين في حياتكِ؟
ترددت بادئ الأمر قبل ان تسمح لدموعها بالهطول بينما تقول:
- مازن سيتمسك بي اكثر ان ادرك بأمر مرضي ولن يتخلى عني. هكذا سأؤذيه أكثر. واسرتي سترفض استقلالي عنهم بعد تخرجي ان عرفوا.
ثم نظرت لها ببعض الدموع وهي تقول:
- ويزن سيجن ان عرف، لذلك ارجوكِ عليكِ ايجاد طريقة اخرى.
فردت روان بأسى:
- لا توجد يا ليلى. علينا اخذ عينة من الورم وزرعها لنعرف.
مدت يديها لتتمسك بيديّ روان وهي تقول بترجي:
- إذاً لنؤجل امر العملية لما بعد تخرجي. لم يتبقى على امتحاناتي النهائية سوى شهرين أو أقل، يمكنني الصمود لذاك الوقت. صحيح؟
هزت روان رأسها بأسى وهي تقول:
- اسفة يا ليلى ولكني لا اعرف سرعة انتشار الورم لديكِ ولا يمكنني ان اجازف. اليوم الواحد سيكون فارقاً ما بين علاجكِ وما بين اليأس من ذلك.
وقفت تختم بذلك قرار تجد الاولوية لها في اتخاذه من غير فرض رأي اخر عليها وهي تقول بحسم:
- أمنحيني بضعة أيام لأفكر واتخذ قراري النهائي. وقبل ذلك أنتِ لن تبوحي بالأمر يا روان!
وقفت الاخرى وقالت مجبرة:
- حسناً. ولكن أتخذي القرار العاقل وليس العاطفي يا ليلى!
اومأت موافقة من غير رد وودعتها وخرجت من الغرفة...
جزء بداخل قلبها منقبض بشدة وهي تتخيل نفسها تسير خطواتها نحو الموت وليس مستقبل تخطط لها وتتخيله كما خططت. كلما حاولت رسم شيء تحذفه وهي تتخيل أن لا فائدة من حدوثه دام انها لربما لن تعيشه!
وجزء اخر من ذلك القلب قد مات مسبقاً فاكتسى بالبرود وهي تجد نفسها ستتقبل فكرة الموت ان اجرت عملية الزرع وتم اثبات أنه ورم خبيث. انها ببساطة متعبة لدرجة أنها لا تبالي بأي شيء للوقت الحالي!
فُتح باب المصعد وتضارب كتفها مع الاكتاف التي اخترقتها لتدخل بينما هي تخرج. اصبح ضجيج المشفى هادئ فجأة ولم يعد هنالك اي صوت. انها منذ الان في عالم اخر بعيداً عن كل هؤلاء!
- ليلى؟!
فجأة نبض قلبها الميت وهي تسمع صوته ينادي اسمها باستغراب عند باب المستشفى الذي خرجت منه لتوها!
تأتأت بصوت هامس وكأنها تحدث نفسها:
- يزن؟!
اقترب منها وهو يقول بشيء من القلق:
- هل أنتِ بخير؟!
في لحظتها تولد بداخلها حنين للماضي فقدت السيطرة عليه لوهلة. تمنت لو انها تجهش بالبكاء كطفلة متذمرة وهي تبث له كل تلك الانباء السيئة التي تحملها بين طيات روحها. ان يضمها اليه يواسيها ويبكي معها. ان يقلب الدنيا رأساً على عقب كي يبث بها الاطمئنان ويرسم الابتسامة وسط خوفها وحزنها، ان تعود ببساطة شيء تخصه وحده. ولكنها تعلم انها منفية عن عالمه وممنوعة من الاقتراب!
تبسمت بضعف وهي تقول:.
- أنا بخير. لم أكن يوماً أفضل حالاً!
زاد استغرابه اكثر وهو يقول:
- لا تبدين كذلك بالنسبة لي!
توسعت ابتسامة مرارتها اكثر وهي تقول:
- أنت تركز بي اكثر مما يجب سيد يزن.
اشاح وجهه بغيض لثواني ثم نظر اليها قائلاً:
- لست اركز. انا افعل واجبي.
ثم قال بنبرة ساخرة:
- فأنتِ خطيبة صديقي ومن واجبي أن اطمئن عليكِ. فقد تحتاجين لشيء وهو غير موجود.
هزت رأسها موافقة على كلامه بملامح ساخرة ومتعبة من اصراره على سذاجته ذاتها وقالت مختتمة هذه المسرحية الهزلية:
- شكراً لشهامتك. ولكني لست طفلة لأحتاج مساعدة أحدهم ان غاب مازن عني. يمكنني الاعتناء بنفسي، عن أذنك!
وما ان استدارت وسارت بضعة خطوات زفر بضيق ولحقها فوراً وهو يديرها من يدها اليه مرة اخرى وقال بنبرة صادقة:
- حسناً أنا أسف. لم اقصد.
بقيت تنظر داخل عينيه بجمود ليردف فوراً:.
- ولكني حقاً قلق. هل أنتِ بخير؟ وجهكِ يبدو شاحباً بعض الشيء وايضاً خرجتِ اليوم من شقتي وأنتِ متوعكة. والان أنتِ في المستشفى. فهل هناك شيء؟
ادارت عينيها في الارجاء قليلاً تحاول التفكير بشيء يجعله يقمع فضوله دون ان يكتشف كذبتها التي سيعرفها فوراً، نظرت اليه اخيراً وقالت نصف الحقيقة:.
- اتيت لأجري بعض الفحوصات من اجل ألم رأسي، حرصت على القدوم بغياب مازن فهو كثير القلق لذلك جئت من اجل اجراء الفحوصات فاليوم لم تنفع المسكنات معه.
- و؟!
- اجريتها وتبين إني اعاني من ضعف البصر قليلاً وهذا ما يسبب لي الصداع لا سيما مع كثرة الدراسة. لذلك مضطرة ان ارتدي النظارة من الان فصاعداً اثناء الدراسة.
نظر اليها بتشكيك لثواني ثم زفر بضيق وهو يستسلم لقصتها ملتمس واقعيتها. فكونه طبيب يدرك جيداً ان هذا من الممكن ان يكون بالفعل احد اسباب صداع رأسها!
- حسناً إذاً. هل هناك من سيوصلكِ؟!
- سأستقل تاكسي.
فرد بعصبية:
- أظنكِ تدركين جيداً رأي حول سيارات الاجرة؟
فردت ببرود:
- اجل ادرك. ولكن مازن يوافق عليها!
فعرف انها تلمح لحديثهما معاً هذا النهار حول قراره بخصوصهما فرد ببرود مماثل:
- حسناً إذاً. كما تشائين!
وتركها راحلاً بينما هي تراقبه بألم.
ممنوعة أنتِ من الدخول، يا حبيبتي، عليه.
ممنوعة أن تلمسي الشراشف البيضاء، أو أصابعي الثلجية.
ممنوعة أن تجلسي، أو تهمسي، أو تتركي يديكِ في يديه.
ففي جناح مرضى القلب يا حبيبتي.
يصادرون الحب، والاشواق، والرسائل السرية.
دخل الى المستشفى وهو يحترق من كل جهة من جهات روحه واعصابه. لا يعلم متى يتخذ القرار النهائي بخصوصها لينهي كل هذا الألم. لا يستطيع ببساطة تركها، وبالوقت ذاته يمنعها من تجاوز الحدود معه كما لو لم تكن حبيبته لعشر سنوات.
ارتدى مئزره واتجه نحو غرفة الطوارئ ليبدأ عمله هناك. وجد مريض جديد دخل للمستشفى منذ لحظات وحوله يجتمع الممرضين وبعض طلاب المرحلة الاخيرة الذين يباشرون عملهم تحت الاشراف من طبيب مختص وكان يزن هو المسؤول عن هذه المجموعة المتألفة من ثلاث شباب وفتاتين.
اخرج ضوئه الصغير وفتح عين المريض الذي كان مسبقاً مغمى عليه وقال بشيء من الاقتضاب:
- ما هي حالته؟!
فردت احدى الطالبتين والتي تدعى سوزان:.
- حادث سيارة ادى الى ضرر كبير في الرأس.
- هل اجريتم الاشعة؟!
- لا. ليس بعد.
نظر لها ببرود وهو يقول:
- وكيف استنتجتِ حضرتكِ انه يعاني من ضرر شديد؟!
لتقول الاخرى بثقة وشيء من العناد:
- اظنه واضحاً جداً من حالة رأسه أنه متضرر كثيراً.
فقال بينما يعيد ابصاره نحو عيون المريض يفحصها:
- ليشرح لها احدكم لو سمحتم اننا لا نحكم على المريض بالعين المجردة.
ثم نظر اليها مكملاً توبيخها:.
- وان بعض المرضى تبدو اعضائهم بخير ضاهرياً ورغم ذلك نفقدهم لأنهم يعانون من نزيف داخلي واخرون يحصل معهم العكس.
تجاهل احراجها واحمرار وجهها وهو ينظر نحو احد الممرضين ويقول:
- جهزوا غرفة العمليات بسرعة.
ثم اشار نحو سوزان وطالب اخر معها قائلاً:
- وانتما ستأتيان معي لغرفة العمليات.
ثم ترك المكان وذهب ليجهز نفسه بينما نزعت سوزان السماعة من حول عنقها وهي تقول بسخط لزميلها ماجد:.
- ألا يمكنه أن يكون اي شيء اخر غير ان يكون حقير ومغرور مع متدربيه؟ انه ذاتاً لم يتخرج منذ سنين طويلة وبالكاد مارس عمله منذ بضع سنين من غير اشراف!
ليرد ماجد بابتسامة:
- ولكن لا ننكر انه ماهر في مجاله وهو الوحيد من بين كل طلاب سنة تخرجه من تم اختياره للبعثة خارج البلاد ليدرس هناك سنة كاملة. لذلك عليكِ أن تكوني ممتنة أنكِ تعملين تحت اشرافه.
- سأكون ممتنة حين اتخرج ولن اكون عرضة لمزاجية الطبيب يزن.
وضعت السماعة جانباً بضجر واتجهت هي الاخرى لتجهز نفسها من اجل العملية.
دخلت الى الغرفة لتجد الجميع بمن فيهم المريض متواجدين في القاعة التي يتوسطها سرير المريض وحوله الباقين وادواتهم.
كانت نظرة يزن كافية لتوصل لها فكرة عدم استحسانه لفكرة وصولها متأخرة ولكنها لم تبالي.
وقفت امامه على الطرف الاخر من السرير وبدأ هو العملية مع مساعدة ممن حوله. ثواني حتى قال وسط هدوء المكان الذي يخلو من اي شيء سوى من اصوات الادوات الحديدية ونبضات قلب المريض:
- هل تدركين يا حضرة الطبيبة أن نتائج الاشعة قد اظهرت ان ضرر رأس المريض كان خارجياً فقط وسيكون بخير بعد الانتهاء من تضميده؟
نظرت له بصمت ساخط وقد ادركت انها المعنية بالكلام فرفع بصره اليها واكمل:.
- وأن التضرر الاكبر كان في الرئتين وفي مناطق حساسة قريبة من القلب.
- لقد فهمت الفكرة حضرة الطبيب. لا داعي لتكررها!
فرد باستجهان بينما تتوقف يداه فوق صدر المريض المفتوح:
- عفواً؟
فضربها ماجد المجاور لها بمرفقه على يدها لتصمت فوراً فهو يدرك جيداً ان زميلته الطائشة هذه ستوقع نفسها في ورطة ذات يوم بسبب صراحتها في الردود من غير خوف من اي عواقب. فقال مغيراً مجرى الحديث يحاول انتشال انتباه يزن الذي يحدق بها بحدة:
- اظن ان ضربات قلب المريض تتسارع حضرة الطبيب.
اعاد ابصاره فوق جسد المريض وهو يقول:
- لست اصماً يا ماجد ويمكنني سماعها منتظمة!
تقبل ماجد هذا الاحراج وهو سعيد بأنه اوقف معركة ان بدأت لن تنتهي على خير ان كان الطرف الاخر سوزان وردودها المستفزة. انها فتاة ذكية ومرحة وطيبة القلب. ولكن في المواجهات ليست كذلك ابداً ولن تضيع حقها أو تتنازل بسهولة!
لحظات اخرى وقال يزن:
- ماجد. انت سستولى امر معالجة رأسه. وسوزان أنتِ ستكملين العملية تحت اشرافي.
نظرت له بصدمة وهي تقول:
- ماذا؟ لا يمكنني ذلك. لست مستعدة.
فقال بعصبية:.
- أنتِ في مرحلتكِ الاخيرة وشيء كهذا يجب ان تكوني معتادة عليه من مراحل سابقة. فماذا يعني انكِ غير مستعدة؟ هل بعد سنة ان تخرجتِ، على مرضاكِ ان ينتظروكِ لتكوني مستعدة حتى وان كانوا على مشارف الموت؟!
- ليس هذا ما اقصده. ولكن حالة المريض حرجة وتحتاج الى طبيب مختص وليس الى متدرب من الممكن ان يخطأ.
- هذا الشيء انا من احدده وليس أنتِ.
نظرت له بغضب بعيونها العسلية اللامعة بينما تغطي بقية وجهها كمامتها الخضراء وقالت بأصرار بينما ترمي له حروفها ببطئ:
- المريض في حالة خطرة. لن اجازف هذه المجازفة. أنا اسفة!
- تدركين جيداً أنكِ ستتعرضين للعقاب أن خالفتي اوامر طبيبكِ المسؤول ولا سيما في غرفة العمليات، نقاشات كهذه غير قابلة لنخوضها لا سيما هنا ايتها الطبيبة وهناك حياة مريض بين ايدينا.
نظرت نحو ماجد فهمس لها مشجعاً:.
- عليكِ نسيان ما حصل يا سوزان. يمكنكِ فعلها!
اخذت نفساً عميقاً ومدت يدها المرتجفة بتردد نحو المشرط الذي يمده لها يزن. وسعت فتحة صدر المريض اكثر وبدأت بمعالجة اعضائه الداخلية المتضررة ويزن يراقبها بجمود وهو يلاحظ توترها وارتفاع مستوى تنفسها عن قبل دقائق. كانت حرارة الجو جيدة ولكن رغم ذلك بدأ جبينها يتصبب عرقاً وكأنها تقوم بتعطيل قنبلة على وشك الانفجار بوجهها.
دقائق حتى شهقت بفزع وقلب المريض تتسارع نبضاته ويضطرب ضغط الدم لديه. اوشكت على البكاء وفقدان تماسكها لو لا أن صرخ بها يزن:
- ركزي معي. ما الذي ستفعليه في حالات كهذه؟
تراجعت خطوتين نحو الوراء وهي تصيح به بهستريا:
- عليك فعل شيء بحق السماء. نكاد نفقد المريض.
فقال بحدة:
- عليكِ أنتِ أن تفعلي شيئاً ما. هذا مريضكِ فتصرفي بسرعة قبل أن تفقديه.
احاطت رأسها بكلتا يديها وبدأت تعاني من اختناق واضح ليلتفت ماجد اليه ويقول:
- حضرة الطبيب، لا يمكنها ان تفعل ذلك. انت لا تعرف شيء عن حالتها. علينا التصرف ار...
فقاطعه يزن فوراً:
- الخيار لكِ سوزان. هل ستنقذين مريضكِ؟ أم ستراقبيه يموت؟!
نظرت له من بين رؤيتها المشوشة بفعل الدموع وبالكاد يمكنها سحب انفاسها وهي تشعر ان الغرفة تضيق بها اكثر واكثر، حدقت بعيون يزن لثواني لتدرك انه لن يفعل شيء وانه ينتظرها هي ان تفعل. وخط ضربات قلب المريض اوشك على الاستقامة!
سحبت فوراً اعمدة الحديد الصغيرة الخاصة بصدمات القلب مباشرةٍ حيث كان صدر المريض مفتوح واعضائه مكشوفة من غير شيء يحميها.
قالت بحزم:
- اشحن لأقصى حد
فقال ماجد:.
- سوزان. ربما من الافضل ان تبدأي تدريجياً.
- فات الاوان على التدريجي. اشحن!
فرد الممرض الخاص بمهمة الجهاز:
- تم.
فأحاطت القلب لتصعقه لفترة قصيرة جداً وتبعد يديها فلم تستقر نبضاته فقالت:
- مرة اخرى.
- تم.
وصعقت القلب مرة اخرى لتنجح هذه المرة وتعود الضربات لبعض الانتضام وتعود ضرباتها هي للاستقرار بعد ان اوشكت على التوقف ايضاً. سمعت صوت انفاس يزن يطلقهم براحة فكان جلياً ان اعصابه مشدودة اكثر منها. نظرت اليه بجمود ممزوج بغضب ونزعت القفازين عن يديها قائلة:
- أنت اكمل العملية. انا انسحب.
وتركت القاعة وخرجت وسط نظراته الباردة التي لا توحي بشيء من غضب او رضا!
عاد هو لما كان يفعله وماجد مشغول بتضميد رأس المريض والحرص على عدم وجود اي نزيف داخلي. غرقت القاعة بالسكون من جديد من غير اي صوت الى ان قال ماجد واخيراً:
- قبل ستة أشهر تقريباً، احضروا فتى في الرابعة عشر من عمره كان قد تعرض لطلق ناري في مناطق متعددة وخطيرة من جسده. أدرك الاطباء أنه لن ينجو ولكن مع ذلك ادخلوه لغرفة العمليات رغم انعدام الامل، وكانت سوزان احد الموجودين في العملية!
وهنا توقف يزن لوهلة ونظر اليه ليكمل ماجد وبعض الاسى يغطي له عيناه:
- ومات الفتى بين يديها. ورغم ان الجميع اخبرها ان حالته كانت ذاتاً امراً ميؤس منه ولكنها لم تستطع تقبل الفكرة. لقد كانت المرة الاولى منذ دخولها الطبية التي تشاهد فيها موت احدهم بشكل مباشر. والأسوأ أنه كان مجرد فتى صغير.
اعاد ماجد ابصاره الى حيث يعمل بينما استمر يزن بالنظر اليه وهو يكمل:.
- لا تزال الى الان تعاني من الكوابيس مما حصل وترفض اجراء اي عملية للوقت الحالي. تخشى موت احدهم مرة اخرى بين يديها.
أحس يزن بشيء من التأنيب عليها. عليه ان يكف حقاً عن تفريغ شحنة غضبه بأي شخص يقابله. فليس الجميع روان ومازن!
انهى العملية ولا يزال امر سوزان يشغله. ليس معتاداً ابداً على جرح الناس أو ان يكون عديم الاحساس معهم. كم يجعلنا الحب بشعين ومع ذلك نقدسه ونجده شيء مثالي ونقي!
خرج الى حديقة المستشفى فوجدها تجلس على مسطبة وحيدة هناك من غير احد ليواسيها. فكما عرف من زميلتها التي ارشدته الى مكانها انها تفضل دائماً ان تبكي وحدها من غير رفقة!
- كان يمكن ان اكتب بكِ تقرير اذم به انسحابكِ من العملية بهذا الشكل وكان هذا سيؤثر على درجاتكِ النهائية كثيراً!
رفعت عيونها المحمرة كأنفها بسخط اليه وقالت:
- ولما لم تفعل يا ترى؟!
جلس بجوارها وزفر بضيق وقال:
- لأني عرفت القصة من ماجد.
عادت لتنظر امامها من جديد وهي تكمل بكائها بصمت وغضب فأكمل هو بدوره:
- انا اسف، اعرف إني كنت فظ معكِ. ولكنكِ كنتِ مخطئة ايضاً.
كادت ان تعترض بعناد ايضاً فقاطعها بهدوء اقرب الى التعب:.
- أنتِ طبيبة في مرحلتكِ الاخيرة. طبيبة ستكون مسؤولة عن نفسها من غير مشرف بعد فترة. لذلك ليس من المعقول ان تحكمي على شخص بالعين المجردة ولا ان تعاندي اوامر طبيب اكثر منكِ خبرة وخدمة، ما بين ايدينا ليس لعبة. انها ارواح بشر يا انسة سوزان. بشر لديهم من يحبهم ومن سيصاب بالتعاسة الابدية لموتهم.
فهتفت به بمرارة:
- وهل تجدني عديمة الاحساس لأتلاعب بارواح المرضى من غير اهتمام؟!
- لستِ عديمة الاحساس. ولكن عنيدة ومتسرعة. وهما صفتين لا يجب ابداً ان يتوفرا بطبيب.
اخرست كلماته بقية حججها بعتابه فنهض من مكانه وهو يغرق يديه داخل جيوب مئزره وقال:
- قدمت اعتذاري عن الطريقة التي حاسبتكِ بها ولم اعتذر لأني حاسبتك. هنالك فرق. لذلك لا تظني ولو للحظة إن ما فعلته اليوم كان صائباً!
ثم استدار ليرحل ولكنه توقف للحظات ونظر اليها مرة اخرى مفكراً قبل ان يقول بعد فترة صمت قليلة:.
- لم يكن ذنبكِ، لقد انتهى وقته فحسب. لذلك رحل!
قوست شفتيها للأسفل واغمضت عينيها بألم لتستعيد ذكرى بشعة وموجعة جداً بالنسبة لها ليكمل يزن:
- عليكِ أن تفكري بأنكِ فعلتِ كل ما بوسعكِ لأنقاذه ولم تهمليه وتتركيه. وليس ان تلومي نفسكِ لأنكِ فقدته.
ثم استدار راحلاً وهي تراقبه بشيء من الذهول، غيرت كلماته البسيطة شيئاً بداخلها. ليس بالشيء الكثير ولكن بعض الاطمئنان وتجرع مرارة الواقع قد تسللت الى داخلها بحديثه. بنبرته الهادئة والرصينة. انها المرة الاولى التي تلتمس هذا الجانب من يزن. فمذ ان تعرفت به والى الان كان بالنسبة لها عصبي المزاج دائماً وفظ وعديم الاحساس. اما اليوم فقد كان لطيف ومرهف المشاعر بشكل اثار لها اعجابها فوراً، دون ان تدرك في يومها انها بدأت تلعب بالنار. فلا شيء مؤلم اكثر من ان تقعي بغرام عاشق مخذول. لن تتمكني من تركه أو مداواته. ولن يتمكن هو من حبكِ في يوم دون أن يراها فيكِ! وكما يُقال حين تقرر ان تلعب بالنار. فلا تملأ الدنيا صراخ حين تحترق.