قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الخامس والعشرون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الخامس والعشرون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الخامس والعشرون

لم تكن آثار الجروح المتقرّحة على جسد صالح تشفي غليل وانتقام جلاده، تنفس أسماعيل بأنفاسٍ حارة من وهج المرارة بفقدان أشقائه بعدما قتلهم هذا المجرم...
أبصق اسماعيل عليه في احتقار وأشمئزاز في حين أن صالح كان في حالة أقرب للإغماء، يأخذ أنفاسه بالكاد بعدما ظل قرابة الساعة يتلقى الضربات الصارخة على جسده العاري...

أتى رجل كبير أشيب الشعر يرتدي عمامة بيضاء وجلباب طويل أسود وعليه عباءة سوداء تشبه الروب الطويل، كان أكبر رجال عائلة سالم وكبيرهم أيضا، اتكأ جابر على عصاه في نظرة ثاقبة خلفها جحيم الأنتقام، قال بصوتٍ خشن صارم رغم هدوئه: ها ياصالح؟، صدقت لما قولتلك مسيرك تقع في إيدي؟، صدقت لما قولتلك أني هقطع من جسمك حتت وأنت حي؟، صدقت لما قولتلك هاخد منك دم ولادي؟..

دفع ولده أسماعيل السوط أرضا عندما ارتفع رنين هاتفه الذي تركه بمعطفه الملقى على أحد المقاعد بالقرب، رمى صالح بنظرات نارية من الكراهية ثم تحرك اتجاه المعطف وأخذ الهاتف منه...

أجال النظر لبرهة بالرقم الظاهر دون اسم!، أجاب ليعرف من المتصل ربما الأمر خطير،!
نظر جابر لإبنه أسماعيل في شك، بينما رد اسماعيل ليكتشف هوية المتصل: ألو،؟

أجاب على الطرف الآخر من الإتصال صوت مألوف لأحد رجال العائلة وقال بصوتٍ هلوع من شدة الخوف: الحقني يا أسماعيل، رجالة صالح خطفوا عمك جبر، وهيبقى راجل قصاد راجل، سلسال دم مابينتهيش والمظلوم اللي بيدفع التمن!
برقت عينا أسماعيل بصدمة.! وكأن الرعد يطل منهما في خناق، ردد بصدمة: يعني إيه؟، وأنتوا كنتوا فين يا ولاد ال،؟

تلفظ أسماعيل السباب والشتائم بغضب شديد وهو يهتف ويصيح، بينما امتقع وجه كبير العائلة جابر عندما ادرك ما حدث من سباب وترداد الكلمات بعنف من فم اسماعيل...
الشيطان يبتسم عند نيل الهدف،!
يكيد كيدًا ويخبأه حتى للآت، هكذا كان صالح الذي وكأنه أشتدت قواه، ارتفعت ضحكته بشماته وانتصار، وهو مقيد ينزف جسده الدماء!

وقال بنظرة انتصار محتقرة من شأن سجانه الساذج: مش قولتلك،؟، مش هتلحق تاخد راحتك في الأنتقام، عارف لو كنت موتني، مكنش عمك هيموت بس، بموتي حياتكم كلكم كانت هتتحول لجحيم، ولا عيلة السوالم كلها تقدر عليا، دينك هيترد يا أسماعيل يا سوالمي، اقتلني لو تقدر؟

كاد أسماعيل أن ينقض عليه بعزم أن يقتله بالفعل ولا يحسب لأي شيء حساب، أعترض طريقه أبيه وهتف به بحدة ونظرات خوف على شقيقه المخطوف: عمك جبر في إيديهم وأنا مش مستعد اضحي بيه، كفيانا وجع، طالما بقى راجل فصاد راجل يبقى عمك يرجع سليم واشوفه بعيني الأول، وبعدين ارميلهم الكلب ده ربنا ينتقم منه...

هز أسماعيل رأسه ونظر بشرر عنيف لصالح الذي يبتسم بسخرية له رغم حالة الأعياء والعجز الذي عليها، وهتف بتأكيد وتصميم لا تراجع فيه: نهايتك مش هتبقى على إيد حد غيري، هفكرك قريب يا...

ركض عليه وظل يركله ويصفعه ويلكمه قبل أن يفك قيده، بينما يتلقى صالح الضربات في صمت وتأوه...
فك اسماعيل قيده بعد ذلك ووضع جسده في كيس كبير من الخيش، ثم أمر أثنين من رجاله بوضعه في السيارة حتى يتم البدل...

طوال الطريق وهو يقود سيارته تائه بعض الشيء، شارد الذهن بإستثناء بعض التركيز على سير الطريق...

تنفس وجيه ببعض الثقل الذي خرج مع أنفاسه الحائرة، لأول مرة يندم على شيء.!
كيف وافق أن يعود لطليقته لمجرد أن يربح شعور لحظي بالإنتقام من ليلى؟
القرارات الغير محسوبة والتي تؤخذ بإندفاع دونما تفكير تُعقّد كل سبيل للطريق الصحيح...
كان عليه شاق أن لا يرد ضربة مؤلمة القتها ليلى بوجهه برفضها الاقتران به أو حتى الأعتراف بالحب، ولا يوجد أسباب واضح للرفض!

ليتها حتى اوضحت بعض مما تشعر به، ولكنه أيضا اخطأ عندما لم يفكر بأمر لم يرغبه يومًا، أين عقلك وقتها يارجل؟
عنّف نفسه بضيق شديد وهو يطرق على المقود بيديه في حدة...
بعد وقتً لم يشعر به طال أو قصر، وقفت سيارته أمام منزله الكبير، أوقف موتور السيارة وظل جالساً للحظات يستعد لمواجهة محتومة ونقاش يعلم أنه سيطول بينه وبين زوجته...

ترجل من السيارة ووجهه ترتسم عليه تعابير الضيق وكأنه مرغم على الدخول...
وجيه،؟

وقف وجيه عند أولى الدرجات على السلم بداخل المنزل ليصعد لغرفته، حتى انتبه لصوت والده الذي يبدو وكأنه علم بالأمر،!
لم يصدم بذلك، كل شيء متوقع الآن...
أقترب رشدي الذي أنتظر أبنه بنفاد صبر حتى أتى أخيرًا، وقف الجد رشدي بنظرة تتمعن بوجه أبنه بدقة وقال في محاولة ناجحة للهدوء: عايز اتكلم معاك شوية، أظن مش هنتكلم هنا!

حاول وجيه بنظرة طويلة أن يستشف أي شيء بنظرات أبيه، وشكه يزيد أكثر، ولكن حسنا، لا بأس، في جميع الأحوال كان سيخبره...
قال لنفسه ذلك وهو يتوجه إلى مكتبه بالطابق الأرضي خلف والده...
وبالمكتب...

جلس الجد رشدي بقدمان ثقيلتان على أريكة وثيرة بعيدة عن المكتب الخشبي وكان من البديهي أن لا يكترث لأمر صحته كثيرًا ويظل مستيقظا متأهبا للحظة وصوله...

جلس وجيه أيضا مقابلًا له بمقعد جلدي بمجلس الزوار، فقال رشدي ببعض الحدة: عمرك ما كنت بتخبي عني حاجة، ولا كنت أفتكر أنك تخبي عني حتى!، بس أظاهر أني كنت غلطان!، تقدر تفهمني اللي بيحصل؟، أنت صحيح هتتجوز؟

تنهد وجيه بهدوء فهذا كان توقعه وصدق حدسه، أجاب بثبات يخالف شعوره الحقيقي من ثورة شوق لحبيبته: آه هتجوز، اكيد جيهان اللي قالتلك!..

تعجب رشدي من مدى الهدوء الذي يتحدث به وجيه وكأنه يجيب عن خبر سعيد وليس أمر صادم للجميع!
فقال وجيه قبل أن يتحدث أبيه وينفعل أكثر من ذلك: أنا عارف أن اكيد الخبر صدمك فيا، بس اسمعني الأول واحكم عليا، قولي لو قراري غلط، حط نفسك مكاني وشوف هل هتقدر تضحي باللي أنت عايزه وعيشت سنين تستناه ولا لأ!

تطلع رشدي بوجه أبنه التي أظهرت عينيه الألم والوحدة وشيء من العذاب، فبدأ وجيه يسرد أمر عشر سنوات من الفقد، وحب يأبى أن ينتهي، بل وكأنه يتجدد مع كل شروق للشمس!
ويغفو قليلًا بمحطة الذكريات مع كل غفوة!
ظل يتحدث ووجهه يزداد وضوحا لمشاعره الحقيقية، وما يمر به، وما يعذبه كرجل يحب امرأة بكامل كيانه، حب كامل الكيان...

يكن للحب كان مكتمل عندما يصبح حقيقي، هذا الكيان يظل بداخلنا، جزءً منا، لا يقبل الهدم إلا إذا انتهينا...

وختم قصة عشرة أعوام بجملة بها مرارة تصاحب صوته وعينيه: حبيتها بكل كياني، وحبيتها بكل ما فيها، مش عارف لو كان ده درجة من الهوس ولا الجنون، بس اللي أعرفه أنها أكتر شيء بتمناه واتمنيته في حياتي، أنا بحبها ومحدش قدر ياخد مكانها...

صمت رشدي وهو ينظر لوجيه، ران صمت بينهما بعد ذلك، صدم رشدي لحديث أبنه الذي خفي عليه طيلة هذه السنوات، وكره أنه لم يعرف هذا الأمر منذ زمن، قال بعتاب: يعني روحت تتقدملها من ورايا؟، مفكرتش حتى تكلمني وتاخد رأيي؟، أنا مش مصدق أنك عملت كده من ورايا ولحد دلوقتي معرفش!

تنهد وجيه مرةً أخرى بضيق شديد وهو ينظر للبعيد وقال: لما عرفت من والدها اللي حصل مابقتش عارف أفكر، قررت في لحظة اروح معاه واكلم جدها بنفسي، صدقني مكنتش هتفق على أي شيء غير وأنت معايا، بس الوقت مكنش يسمح أني ارجع واتكلم وتفكر وتيجي معايا، ده كله هياخد وقت كبير وهي كانت بتتسرق مني!

سافرت لجدها عشان أتقدم لها، لما حصل اللي حصل رجعت واحد تاني، مهزوم ومكسور، كل حاجة فيا بتعاتبني لحبي ليها، مقدرتش حتى أكرر اللي حصل وأقوله بيني وبين نفسي بصوت عالي...

نظر لوالده بأسف وأستطرد: متأكدتش أنها مظلومة غبر بعد ما اتقابلنا تاني، بعد عشر سنين ضاعوا من عمري في وحدة وألم، أنا أخترت وحدتي لأني مكنتش قادر أنسى اللي حصل، وكنت هظلم أي انسانة أتجوزها زي ما حصل مع جيهان...
شيء مش سهل أني أبقى مع واحدة وقلبي في حتة تانية بعيد، أو أن يجي في بالي مجرد تخيل أنها مع واحد تاني، احساس كان بيقتلني...

قال رشدي بدهشة: مكنتش متخيل أنك تحب واحدة للدرجة دي؟، أول مرة أشوفك كده!..

أطرف وجيه عينيه بهدوء رغم غليان مشاعره وقال متابعا: مش مجرد حب، أنا نفسي معرفش وصلت للمرحلة دي أزاي،!
بس تفتكر بعد كل اللي حكيتهولك ده وبعد سنين العذاب ليها وليا دي، ما نستحقش نفرح وتعوضني عن فراقها وأعوضها عن اللي شافته؟، وريميه بنتها اللي اتعلقت بيها زي ما تكون بنتي من صلبي، واتعلقت بيا وحاسة معايا بالأمان كأني أبوها!..
قولي بعد ده كله كان المفروض أقرر إيه؟

قال رشدي بتأكيد: تتجوزها...

نظر له وجيه وشع الأمل بداخله كأنه أبيه يوثق قراره فأكد رشدي بقوة وهو ينهض ويقترب من وجيه بابتسامة دافئة: أنا طول عمري كنت باخد القرار عن كل ولادي إلا أنت، أنت اللي كنت بحس أنك سندي وضهري وحمايا، كنت بثق في أي قرار تاخده...
مش هكدب عليك أني حزنت لما عرفت أنك خبيت عني وقررت من ورايا، بس عذرتك لما شوفت الحيرة والعذاب ده في عنيك يابني!

أكتر حاجة مريحاني أنك هتكون مبسوط وسعيد بجد لو اتجوزت ليلى، أتجوزها...

نهض وجيه من مقعده وهو ينظر لأبيه بشيء من الأرتياح فواصل رشدي قائلًا: يمكن لو كنت قابلت ليلى بعد جوازك من جيهان كانت وجهة نظري اختلفت شوية، أنما يبقى حرام لما تعذب نفسك وتعذبها وتفترقوا تاني وفرحتكم مع بعض...
أنت خيرت جيهان وسيبها تختار ولو وافقت تكمل، أعدل ما بينهم، واللي مخوفني بصراحة أني شاكك أنك تقدر تعدل ما بينهم، ليلى واخدة كل عقلك وتفكيرك وقلبك، ما سبتش حاجة لجيهان!

عادت الحيرة بعين وجيه فقال بصدق: ليلى رافضة الجواز عشان حاسة بالذنب ناحية جيهان...

رد الجد رشدي بتفسير وقال: الموضوع دلوقتي متوقف على قرار جيهان، لو وافقت تتجوز أنت وهي تفضل معاك ساعتها بشوية محايلة ليلى هتوافق، لو جيهان رفضت وطلبت الطلاق بصراحة يبقى أفضل ليها، لأنها مش هتقدر على الحياة دي أنا متأكد، بس برضو ساعتها ليلى اعتقد هتوافق...
نسيت أقولك أن جيهان سابت البيت، ما قالتش رايحة فين، بس قالت هتريح أعصابها شوية وهترجع، كلمها واعرف هي فين وأطمن عليها!

تفاجأ وجيه بدهشة فهي لم تخبره بذهابها،!
أخرج هاتفه وأجرى اتصال ومع هذه الثواني استطاع لجم عصبيته من الأمر، وتفهم موقفها بعقلانية ومدى ضيقها، تحدث بهدوء عندما أجابت بعد لحظات: أنتِ فين؟

اعتدلت جيهان بعينيها المنتفخة من البكاء وهي جالسة على فراش في غرفة بفندق صديق والدها عاصم شكري، أجابت وهي تبتلع ريقها بمرارة وتمسح دموعها بأناملها: أنا قاعدة في فندق، فندق عمي عاصم صديق بابي الله يرحمه...

تأكد من رجفة صوتها أنها تبك، فقال بمحاولة أن يجعلها تهدأ: وسيبتي البيت ليه؟، مكنش ينفع تفكري بهدوء وأنتِ هنا؟، يا جيهان أنتِ لسه مراتي يعني ماينفعش تبقي في مكان بعيد عن البيت وحتى أنتي مش بيت والدك عشان أسيبك وابقى مطمن عليكي!، أنتِ فين وأجي أخدك؟

قالت جيهان بعدما فكرت للحظات في شيء وقالت: طب ممكن أطلب منك طلب؟

قال وجيه بهدوء: أطلبي.

ابتلعت جيهان ريقها وبعينيها شيء تضمره، فقالت بنظرة تلتمع ببعض المكر: تعالالي الفندق، حاسة أننا هنتكلم هنا بشكل أهدى وأعقل، مش عشان تاخدني، بس حابة أبعد عن الجو المشحون في البيت عندك...

لم يكن وجيه لديه أي أعتراض بحديثها، فوافق على الفور وهو لا يدرك بعد ما تضمر چيهان بجعبتها، قال: تمام، هاتي العنوان...

أخبرته جيهان العنوان وانتظرت رد فعله، أختبرت معرفته بعنوان وجود ليلى، لو كان يعرف سيرتبك ويماطل بالقبول وسيظهر بصوته ولو بعض التردد، ولكنه فاجئها ووافق سريعا في ثوان...
أنتهى الإتصال وظلت جالسة شاردة للحظات، إلى أيت سيسوقها العناد والتحدي، إلى أين يأخذها خوفها من عودتها للوحدة وتكن صيدًا سهل لمعدومي الضمير من الرجال الذي يغررون بها...

نهضت بحركة سريعة وبدأت لا تتعرف على نفسها حقا كأنها أنسانة أخرى من تتصرف، انتقت من ملابسها رداء سهرة القته بالخطأ في حقيبتها وهي تترك المنزل منذ بضع ساعات وما كانت بحاجةً له وهي هنا...

كان الرداء من طبقتي مخمل منفصلين، أحدى الطبقات من الممكن أن تستعمل بمفردها ولكن كانت تتجنبها وترتدي الرداء كاملًا، الرداء سيبدو قصيرًا وعاري دون الطبقة الأخرى الخارجية، ولكنها ستفعل ما يوسوس به شيطانها الذي تملّك بتفكيرها للتو...

السماء تبدو ملبدة بالغيوم، وتنذر بطقس سيء ليلًا، دفعات الهواء كانت تميل أغصان الأشجار وتهزها بعنف، هواء عاصف دون مطر!
كالعين التي تصرخ الما والدموع متجمدة بها!

كان آسر قد خلد للنوم منذ بعض الوقت أو بالأصح كان يتظاهر أنه نائم، ولحق به جاسر وبقية الشباب في سباتٍ عميق...

أنتشر الظلام بالغرفة الواسعة حتى نهض آسر ببطء لكي لا يشعر به أحدًا من الشباب، شعر ببعض الأختناق والوحشة!

ما يجعله يشعر هكذا!، الساعة الآن لم تقترب حتى لمنتصف الليل...

ما الذي يجعل الأنفاس تضيق إلى هذا الحد وتشعر بالحنين لشيء يبدو وكأنه الحياة!
ضاقت أنفاسه أكثر وقرر يصعد لسطوح المندرة ليستنشق بعض الهواء...

صعد بعد لحظات ولفحه الهواء الرطب ولكنه كان بمأمن وهو يرتدي زي رياضي ثقيل بمزيج لوني الأبيض والأسود، أقترب من السور الذي يطل على طريق سير الفلاحين والحقول الواسعة، ونقيق الضفادع يبدو مزعج بعض الشيء بهذا الهدوء والسكون...

أخذ أنفاسه بقوة واستنشق هواء نقي لرئتيه أزال به بعض الضيق، وسأل نفسه بغرابة، لما يشعر بلهفة لرؤية تلك الفتاة بالذات؟
لما يراها بأحلامه يوميًا!، هل لأنه يفكر بها؟
أم لأنه لا زال غاصبًا مما فعلته به؟
جميع الأحتمالات تترك التساؤلات وجميعها يربكه!

شيء يخبره كلما رآها أنها منه، أو ستكون كذلك، أو كأنها كانت!، يا الله، لما كل هذا الغموض بمشاعره الغير مفهومة لديه!

وضعت يد على كتفه فتفاجأ آسر والتف بنظرة دهشة حتى وجد يوسف خلفه يبتسم بعفوية، قال يوسف بصوت خافت ولكنه مسموع أيضا: حسيت بيك وأنت بتقوم، جيت وراك أطمن عليك، أنت زعلان من حاجة يا آسر؟، قولي؟

شعر آسر كأنه يريد أن يفصح ويعترف، ولكن بأي شيء يعترف؟، قال وهو يدير رأسه للجهة الأولى ويخفيه عينيه الشاردة عن يوسف: مش عارف يا يوسف، أو يمكن لأول مرة بعترف، أنا في حاجة جوايا مش عارف أوصفها ولا فاهمها، لهفة وحنين لشيء، إيه هو، مش عارف!

أعتقد يوسف أن الأمر يخص حبيبة آسر الأولى فقال بتلقائية: أنت لسه بتحبها؟

قطب آسر حاجبيه ببعض التفكير والصمت، سأل نفسه فلم يجد الجواب، هل حقا لا زال يحبها؟، أم أنه يتذكرها وقت الفراغ فقط!، أم أن الأمر لا يخصها بالأساس؟

قال بصدق بنظرة حائرة: تقصد حبيبة؟، مش عارف برضو، تفتكر لسه بحبها؟، تفتكر احساسي ده عشان وحشاني؟

رد يوسف بجدية: وليه لأ؟، ممكن جدًا، أنا فاكر أنك مكنتش بتبطل كلام عنها، مكنتش بتبطل تكتب فيها شعر!، أنت حتى سيبت الكتابة والشعر من بعد الكلية وبعد ما...

انقطع حديث يوسف عندما انتبها سويا لصوت شيء وقع فجأة وأحدث جلبة بهذا الصمت والسكون، نظرا سويا حولهما فوجدوا من تستقيم وتأخذ قوالح الذرة بزكيبة من الخيش بقرب السور الفاصل بينهما، نظر يوسف لسما التي ترتجف يديها بشكل ملفت وتخفض رأسها وكأنها تحجب عينيها عن شيء مخجل!
قال وهو يتنفس الصعداء: أنا قولت إيه اللي وقع واتفاجئت!، شكلنا خضناكي، متأسفين معلش...

ابتلعت سما ريقها بمرارة شديدة لا تعرف مصدرها منذ أن اقتحمت كلمات يوسف أذنيها، لم تعرف لماذا وكأن شيء بقلبها أنشق!
قالت بصوت مرتجف وهي تتهرب مبتعدة: أنا، لمؤاخذة، كنت باخد قوالح الدرة عشان منقد الولعة، و، نعناعة نايم مرضيتش اصحيه، لمؤاخذة...

كررت أسفها زهي ترتجف وكأنها بحالة مرض، وكان قد استدار آسر بلهفة غير مفهومة لها، ولكن هذا اللقاء لم يثمر حتى ولو نظرة منها أو حتى تعنيف مثلما اعتاد، رفعت عينيها لهما فتفاجأ بلمعة دموع وبعدها ركضت سما من أمام أنظارهما،!

لم يعلق يوسف على الأمر وعاد متحدثا مع آسر الذي تتبعت عينيه خطواتها بحيرة شديدة، ولهفة وكأنه ود لو يركض ويوقفها، ليتحدثا ويتحدثا، لأحاديثا كثيرة مثلما كان يراها بأحلامه ويسعد بها...

وضعت سما بغرفة أمها المدفأة التقليدية لبعض أهل الريف، وهي إناء معدني يتحمل لهيب النيران القصيرة المناسبة لإشعالها بالغرف الواسعة لسكان الريف وجلب الدفء من وهجها...
ابتسمت دون شعور بمذاق الابتسامة حتى اغمضت أمها عينيها مع دفء الغرفة، وظلت تنظر للنيران التي تلتهب بالأخشاب وأعواد الذرة، اطرفت عينيها دمعة بشيء يتحسر بقلبها!
لماذا تبكي؟
ولأي شيء؟
وعلى أي شيء؟

قطعًا حمقاء غبية وهي تحزن على شيء أبعد حتى من أحلامها!
وكيف حتى أتى بأحلامها لا تعرف؟
وهي كلما رأته عاملته بجفاء وتعنيف مفرط!

ترددت كلمات يوسف بخاطرها مرارًا، وكان الأكثر تردادًا أجابته هو؟، يحب فتاة من المدن، ليس غريب!
اكانت تتخيل أنه حتى من الممكن أن يلتفت إليها؟
وانهمرت الدموع تتوالى من عينيها بعد ذلك...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة