رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل السادس والعشرون
ومن غرابة ما نفعل، نسأل أنفسنا أحيانًا، من نحن؟ هل ما نفعله وليد ما نعانيه أم كان حقيقتنا دون أن ندري!
بعد دقائق كثيرة، انتهت جيهان من الاستعداد للمقابلة، وقفت أمام المرآة تختبر عبق أنوثتها، طلاء شفاه أحمر صارخ، رداء مخملي من نفس اللون، يليق كثيرًا مع بشرتها البيضاء الناصعة، لا، كان الأسود سيبدو أكثر أغراء!
تساءلت بحيرة وهي تستدير نصف استدارة يمينًا ويسارًا وعينيها على حركة جسدها وانحناءاته الواضحة بأنوثة تدير الرؤوس!..
رأت أن تزيد من كحل عينيها لتبرز أكثر، ابتلعت ريقها وكانت تجاري شيء يركض بداخلها، ويجعلها تستشيط غضبا كلما شعرت أن أنثى أخرى ربحت الجولة...
هل تعقص شعرها ذيل فرس، أم تحرره حرٌا طليق؟
أيهما أكثر فتنة؟
باتت الرؤية والقرارات مشوشة، تريد أي شيء من الممكن أن يجعله يميل إليها...
كان تسمع أن الرجال أول شيء يخطف قلوبهم هو الجمال، لن يكون الأمر استثناء مع وجيه
ليس عليه أن يكون استثناء، رجل مثل جميع الرجال...
هنا على بُعد خطوات كانت ليلى، في الغرفة المجاورة تمامًا، هل جنّت عندما أتت وهي تعرف أنها هنا؟
ماذا لو اكتشف وجيه كيد أنوثتها؟
يقول ما يقول...
هكذا قررت بتحد، ستأخذ الطريق إليه مهما كلفها الأمر، ستؤكد إلى ليلى أن الرجال سواء، وأنها تستطع أن تربح متى قررت ذلك، وأنها تستحق الحب التي تتمناه من رجل صادق في حبها...
ابتلعت جيبهان غصة جاءت من أغصان ضعفها الحقيقي، ورقتها التي الجمتها نيران الفقد والغيرة، التمعت عينيها لثوان بسيطة، خرجت من ضعفها على انعكاس مظهرها المغري بالمرآة...
لم تخرج هكذا بالتأكيد بهذا الرداء القصير، سترسل في مجيئه لهنا...
دق هاتف الغرفة ودق التحدي بها من جديد، مع بعض التوتر والترقب، توجهت للهاتف ثم رفعت السماعة لتجيب وعينيها كأنها تنقش ما تضمره بخفاء: نعم.؟
أجاب الطرف الآخر وكان موظف الاستقبال بالفندق، وقال برسمية: مدام جيهان، في شخص منتظر حضرتك في الريسيبشن، اسمه وجيه الزيان، هو قالي أنه زوج حضرتك، لكن ماينفعش أسمحله يطلع للجناح غير لما أخد منك ok، دي قوانين الفندق...
قالت جيهان بابتسامة مترددة على وجنتيها: اوك، خليه يطلع أنا مستنياه، وبعد أذنك أنا طلبت الروم سيرفس عشان العشا، لكن اتأخروا، ممكن تستعجلهم؟
وافق الموظف وقال بجدية: تمام يا فندم، خمس دقايق بالضبط ويكون عندك...
انتهى الاتصال ودق قلب جيهان وابتلعت ريقها الذي كأن جف فجأة من فرط التوتر!
ركضت اتجاه المرآة مجددًا وتفحصت مظهرها بنظرة أخيرة، وتعجبت من توترها هذا؟
كأنها ستستقبل رجل آخر غريب، كأنه ليس زوجها التي تنتظره وكأنها عذراء مرتبكة بهذا القدر!
مرت الدقائق ثقيلة، بطيئة، حتى انتبهت لدق على باب غرفتها، ازدردت ريقها وارتفع معدل التوتر بداخلها، ولكنها كانت تردد بتعنيف لنفسها، وماذا العيب في أن تلقي مكامن أنوثتها أمام زوجها وبين ذراعيه؟
أخذت نفس عميق جعل بعض الثبات يعود إليها ثم اتجهت للباب، فتحت باب الغرفة ليتقابلا أعينهما، شملها وجيه بنظرة بها حيرة واستغراب...
لم يظن أنها تنتظره هكذا!، بهذه الزينة والأناقة!
بل ظن أنه سيجدها باكية حزينة حالتها يرثى لها!
ثم وقعت نظرته بتعجب ودهشة لردائها المخملي الأحمر القصير!
هل كانت تنتظر أحد؟، أم كانت تنوي الخروج هكذا؟
قال بحدة وهو يشير بنظرته لردائها: أنتِ كنتي هتخرجي بالشكل ده؟
تملّكها بعض الثقة من عصبيته، راقها أنه شعر بالغيرة، ازدادت ثقتها بنفسها أكثر وابتسمت تلقائيًا: مين اللي قالك أني كنت هخرج اصلًا؟
دخل وجيه الغرفة وأغلق الباب، ظل واقفا يتأمل نظراتها التي ترمقه بحذر وارتباك، وبلحظة تحاول التدلل!
قال بتساؤل ممزوج بعصبية وقد بدأ يشك بشيء: اللبس ده مش لمجرد أنك تقعدي بيه؟، ده فستان سواريه!
مش ده استايلك أصلًا يا جيهان، ولا كنتي بتحبي تلبسي عريان بالشكل ده!
ابتسمت وهي تقترب إليه، وتوهمت أن عصبيته ولغيرته هذه بوادر تفتح لها أذرع الأمل لقلبه، وضعت يدها على صدره بنظرة تنظر له ببطء وتغنج ثم قالت بهمس وقصدت نعومة صوتها: أنا كنت مستنياك، هو أنا هتشيك كده غير لمين غيرك؟
تعرف أنك وحشتني في الكام ساعة دول؟
ثبت نظرته عليها للحظات، وفهم ما تمر به، وتعانيه، هي تحاول أن تردعه، وتحاول أن تربحه إليها، ربما كان الأمر صائب لو كان قلبه بالأساس خاليًا، فهو رجل بالأخير، مؤكد سيرضيه ما تفعله هذا لترضيه...
ولكن هي لا تعرف لو فعلت أكثر من ذلك فلن يميل القلب إليها، القلب ساقط كليًا باتجاه آخر، مضاد...
قال بنصف ابتسامة كي لا يشعرها بغصة أنها لا تروقه: جميلة، ممكن بقى تغيري الفستان ده ونرجع البيت؟، أنا مش هجبرك على حاجة، أي قرار هتاخديه هنفذه...
هزت كتفها بدلال وقالت بصوتها الهامس: العشا جاي دلوقتي، نتعشى وبعدين نتكلم، هنا زي البيت مش فارقة كتير، وبعدين الفندق ده غالي عليا جدًا، وكنت بقعد فيه اغلب الوقت، ده مِلك عمي عاصم صاحب بابي...
تأفف وجيه وشعر بالملل فجأة، رغم أن الحديث لم يطول بينهما!، ولكن الضجر يأتي بيننا وبين الغرباء، والغريب هو الذي لم يصل لقلوبنا مهما ظل بالقرب، سيظل غريب!
قال بجدية مقاطعا سيل نظراتها التي تحاول إغرائه بها: غيري هدومك ويلا عشان نرجع البيت، أحنا أعقل من التصرفات دي!
أنزلت يديها بسرعة من على صدره وبحركة عصبية ترادفت مع نظراتها المنفعلة، ودقات قلبها المرتبكة اتقدت غيظ وغضب من جموده أمامها!
صاحت بانفعال وعصبية وعينيها بمقتبل الدموع: مش راجعة معاك، أنت محسسني أنك حتى مش طايق تشوفني!، أنت بتظلمني لعلمك!
رمته بنظرتها الأخيرة الدامعة واستدار ناحية الشرفة الواسعة، التي راقبت من خلالها ظهور ليلى، واختبرت وقع أي صوت ومدى وصوله لشرفتها الجارة، أن لم تخرج فعلى الأقل ستسمع، وستحاول جاهدة أن تجعلها تنتبه...
أزاحت جيهان ستائر الشرفة وتسللت اليها واقفة بمهب الهواء البارد، تمايلات خصلات شعرها الأشقر بقوة اندفاع الهواء وكونت هالة من الشعاع الأصفر حول وجهها...
تنهد وجيه بضيق من قولها، لا يحب أبدًا أن يجعلها تشعر هكذا، وليس عليه فعل شيء غير أنه يحاول أن يرضيها طالما لا زالت زوجته، وشاق على ضميره تأنيبه بالظلم!
تحرك اتجاهها وجاهد لكي يبتسم ويتعامل بلطف، وقف خلفها بالشرفة وقال بتوضيح: أكيد أنا لو مش عايز أجيلك ولا أشوفك مكنتش جيت!
لم تجعله يتابع واستدارت بلافته سريعة، ارتمت على صدره باكية وهي تضمه وتتظاهر بالتعاسة، قالت ببكاء مصطنع وهي تقصد علو صوتها: أنا عارفة أنك جاي تشوفني ومهنش عليك تخليني أبات برا البيت، بس حبيت أريح أعصابي شوية، أنت عايزني أرجع البيت معاك؟
أنزعج وجيه قليلًا من صوتها العالي وهي تشهق وتبكي وتتحدث هكذا!، بالتأكيد سمع جيران الغرف المجاورة كل ما قالته!
أخذ نفس آخر وحاول أن يبدو هادئا رغم أنه بالفعل يضيق منها ومن كل ما تفعله وكل شيء يتقبله منها بالكاد، ربت على كتفها برفق وقال: اكيد مش هحب أنك تباتي برا البيت، ماتنسيش أنك لسه مراتي...
ابتسمت جيهان وهي تنظر له بعينيها الباكيتين، مسحت دموعها ثم اقتربت منه قائلة بنظرة ماكرة: أنت بتغير عليا صح؟..
أغمض عينيه للحظة وود لو يدفعها بعيدًا عنه، ولكنه أن فعل سيبدو فظ غليظ عكس طبيعته، وهي ليست امرأة غريبة عنه، هذه زوجته وسيحاسب عليها أمام ربه، هذا الشيء الوحيد الذي كان يقومه ويرجعه عن أعلان شعوره الحقيقي نحوها، ولفظها بعيدًا، والنهاية لابد أن تكون بالمعروف والترك بإحسان، دون جرح شعورها...
قال بجفاء: أنا لسه قايلك أنك ما زلتي مراتي، يعني اكيد هغير عليكي!
همس له بنبرة أقرب للتوسل: أنا عايزة أفضل هنا، وعايزاك تفضل معايا، مش عايزة أرجع الفيلا، لو ليومين بس، أرجوك.!
اطعمت ليلى أبنتها في هذه اللحظة وهي تتجاهل بعض الأصوات البعيدة التي يبدو أنها تأتي من اتجاه الشرفة، لم تتبين جيدًا نبرة الصوت ولم تهتم بما يقال طالما الأمر لا يعنيها...
دثرت ليلى أبنتها بالفراش وقبلتها من جبهتها وهي تبتسم، حتى اطلقت جيهان ضحكة عالية قصدتها عندما توسلت لوجيه ووافق أخيرًا قضاء اليوم فقط معها، نظرت ليلى أمامها وبدأت تشعر بأن الصوت مألوف!
توجهت للشرفة لكي تغلق زجاجها والستائر حتى سمعت صوت جيهان بوضوح وهي تقول: أنا بموت فيك، مكنتش أعرف أني هوحشك للدرجادي وهتجيلي بمجرد ما تكتشف غيابي...
ران صمت بعد ذلك، لم تستطع ليلى الصمود وفتحت الشرفة حتى تؤكد ظنها لتجد مشهد كان أبعد حتى يأتي بأحلامها، وجيهان بين ذراعيه بهذا القرب وهذه الجراءة والوقاحة...
تجمدت ليلى كالتمثال وهي تنظر بلا حراك، حتى وجدت وجيه يجذب جيهان للداخل ولا زالت متعلقة به كالطفلة العنيدة!
رؤيته هكذا لا تعني شيء غير أنهما عاشقان يقضيان أسعد اوقاتهما...
بينما كان وجيه يجذب زوجته للداخل وابتعد عنها بغيظ وعصبية قائلا بعدما أغلق نافذة الشرفة: أنتي اتجننتي؟، هي دي تصرفات واحدة متزنة وعاقلة؟، في حاجة اسمها خصوصيات لو ما تعرفيهاش!
رغم أنها اغتاظت لعصبيته ولكنها كادت أن تضحك عاليًا عندما لمحت ليلى وهي متجمدة هكذا من رؤيتهما معا، بهذا الوضع الحميمي، بينما كان وجيه يواليها ظهره ولا يدرك أنها حتى قريبة لهذه الدرجة...
اقتربت جيهان منه وقالت بابتسامة: محصلش حاجة لده كله بس عموما أسفة، خلاص بقى ما تزعلش وفك التكشيرة دي!
ابعد وجيه نظره عنها ببعض الضيق...
تقريبًا جرت ليلى قدميها حتى تدخل للغرفة، بذات الصدمة، أن كان يحبها كل هذا الحب فما هذا الذي رأته للتو؟
كيف يكن لرجل قلبين في جوفه؟
إذن أنه كاذب!
أو مشاعره لأنه لم يصل إليها!
عناد مع النفس!..
قالت الصغيرة ريميه وهي تفرك عينيها بكسل: ماما، تعالي احكيلي حدوته زي الأول، للشاطر وجيه...
لم تكن تحتمل حتى ذكر اسمه الآن، نظرت لأبنتها وصرخت بغضب وبكاء: ما تجبيش اسمه قدامي مش عايزة اسمعه!
انتفضت الصغيرة من صراخ أمها وتكورت بفراشها وهي ترتجف بخوف، ثم بدأت تبكي هي الأخرى...
ودخلت ليلى بنوبة بكاء وصدمة بعد ذلك، غفلت حتى عن نوبات الهلع التي تنتاب صغيرتها عند التعنيف...
وعند مطلع الفجر...
فتح يوسف زر الإضاءة بعينا ناعستان عندما انتبه لدق شديد على باب المندرة...
فتح الباب بقلق حتى وجد نعناعة يقف لاهثاً وكأنه كان يركض من طريق طويل، قال يوسف بتوتر وهو يراه على حالته هذه: في إيه يابني مالك؟
استيقظ الشباب الثلاثة أيضا على صوت الدق حتى أجاب نعناعة بخوف يتطاير من عينيه وصوت يتوسل واستغاثة: البت سما بنت عمتي، كانت بترجع وسخنة وفي الآخر أغمى عليها وبتخترف!، الحقنى يا دكتور ابوس ايدك...
انتفض آسر من فراشه كأنه لدغه عقرب وكاد أن يتعثر وهو ينهض من فراشه سريعا حتى الباب، هتف بوجه الصبي: مالها سما؟، أنطق مالها،؟