قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والسبعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والسبعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والسبعون

يبدو أن الانسان لا يدرك مدى خطأه إلا عندما تقع كارثة تصفعه ليستفيق!
في خلال وقت قصير كانت العائلة بجميع أفرادها تقف أمام باب الرعاية المركزة.
ينظرون جميعا وفي أعينهم خوف مهيب ودموع محتبسة ببعض الأعين...

وكان وجيه يقف متجمدا كالحجر. وكان في أمكانه أن يدخل مع الأطباء بمشفاه. ولكن لم يستطع أن يرى والده بتلك الحالة المتعبة والمنهكة من المرض، كأن يد قيدت روحه عن الحياة عندما رأى والده يسقط مغشيا عليه!
لامست يده ليلى في رجفة لتمده بالدعم، ولكن عينيه كانت بعيدة عن كل من حوله، كأنه يرتعب من فقدان والده ويكتم صرخة ذعر!

اليوم فقط ذاق احساس من كان يراهم من الغرباء بتلك اللحظات، وها هو ينتظر الطبيب ليطمأنه. كأنه لم يدرس الطب يومٍ ولا يعرف منه شيءً.!
والفتيات يقفن بمحاذاة بعضهن وظهورهن للحائط في ترقب وخوفا شديد، بينما رعد يجلس على مقعد معدني فضي بعيدًا عن الجميع، ويرمي رأسه بين يديه في دموع متساقطة لا يرها أحدًا، كان سقوط جده بتلك الطريقة هو أنهيار كامل لظهر العائلة وبمثابة كسر ساقيها كليًا!

وأراد يوسف أن يذهب إليه ويشدد من عضده قليلًا ويُعينه، ولكن مع ذلك الشعور بالشفقة فيض هائل من الغضب أيضاً...
ولم يستطع الشباب أيضا أن يدخلوا للغرفة والجد بهذه الحالة الهائلة الضعف، ربما صدمة للجميع!

خرج أحد الأطباء بعد قليل وركض وجيه اتجاهه وكذلك البقية، حتى قال الطبيب قبل أن يسأله أحد: هو اكيد أهمل الدوا بتاعه وصحته في الفترة الأخيرة، جاتله غيبوبة سكر، وبأذن الله هيكون بخير، ياريت محدش يدخله دلوقتي ونسيبه يرتاح وأعصابه تهدأ لأن في مشاكل في القلب للأسف...
قال وجيه بالكاد بوجه شديد الشحوب: هدخل أنا بس أطمن عليه...

والفت للجميع قائلا بأمر: ارجعوا انتوا البيت، محدش هيدخله غيري...
اعترض يوسف وقال برجاء: يا عمي ماينفعش أحنا...

وقاطعه وجيه بحدة وغضب وكان الطبيب تركهم وأنصرف، وقال: انتوا كلكم السبب في اللي هو فيه، محدش هيدخله دلوقتي وادعوا ربنا ان ما يحصلوش حاجة، عشان مش هرحم حد فيكوا...
نظر الشباب لبعضهم في يأس وحزن شديد وبعض رمقات الندم، وبعدما دخل وجيه لغرفة العناية أتت فتاة راكضة وهي ترتدي زي الأطباء، ووقفت أمام آسر قائلة بلهفة مصطنعة: جدك ماله يا آسر؟، أنا لما عرفت أنه جدك جيتلك جري...

نفخ جاسر بعصبية وابتعد عن الشباب، وتطلع يوسف بآسر في غضب، حتى قال آسر بنفاد صبر وقد حجب جسد حبيبة نظرات سما المحدقة فيهما بصدمة: جدي هيبقى كويس بأذن الله...
أضافت حبيبة بنظرات متلاعبة ولهفة مزيفة: بأذن الله، ما تقلقش أنا هفضل جانبك لحد ما نطمن عليه، مش هسيبك.

أغمض آسر عينيه لمدة دقيقة في رغبة شديدة لأن يدفعها لأبعد مكان عنه، ولكنه تحكم ورد قائلا: لا متتعبيش نفسك، روحي تابعي شغلك يا دكتورة حبيبة...
وكانت سما تردد اسم الفتاة وتتذكر ذلك اليوم الذي كرر نفس الاسم على سطوح مضيفة بيت الريف، وتذكرت انه نفس اسم حبيبته الأولى!، ويبدو من تصرفات الفتاة أنها هي ذاتها!

لاحظت حميدة نظرات شقيقتها سما المصدومة، فسحبتها بعيدًا كي تنتزعها من هذا الموقف المثير لدقات حزنها الصامت الدفين...

أنحنى وجيه على وجه والده المغمض عينيه ومُعلق له محاليل وريديه، وأمر بخروج الممرضات في جملة واضحة، فخرج الممرضتان من الغرفة وطبيبة معهن، وفرغت الغرفة سوى منه ووالده الذي لا يعي شيء تقريبًا مما حوله...

سقطت دموع وجيه التي لم تظهر سوى نادرا جدًا بسنواته الأربعين، ثم قبّل يد والده بقوة وهمس له بمحبة شديدة: قوم عشان خاطري، كل اللي أنت عايزه هنفذهولك بس أفضل وسطنا، وقعتك قدامي خلتني أحس أني لأول مرة ضهري اتكسر!..

ولم يستطع منع دموعه لمدة دقائق، حتى استقام وهو يمسح عينيه من الدموع، ونظر للمحلول الوريدي المتساقط قطرة قطرة بين أوردته، وقال له بهدوء مرةً أخرى: هتكون كويس وتمام بأذن الله، وليك عندي مفاجأة هتريحك أوي لما تقوم بالسلامة...

وقبّل والده من جبينه بحنان فائق ثم خرج بعد دقائق من الغرفة...
نظرت له ليلى بخوف ولهفة لضمه عندما لمحت عينيه الحمراء من الدموع، وكرر أمره للشباب مرةً أخرى حتى لا يدخلون إلى الجد حتى الصباح على الأقل...

اقتربت جيهان منه عندما انتبهت أن يترك الممر ويتوجه لمكتبه بالطابق ذاته، فقال لها دون أن يلتفت: سبيني لوحدي يا جيهان، أنا راجع بعد شوية، اكدي على الممرضات محدش يدخله دلوقتي.

فأومات رأسها بقلق عليه وعادت أدراجها جالسة على أحد المقاعد الفضية، وتبعته ليلى بنظراتها في لهفة عنيفة وبالفعل تقدمت خطوات، وفجأة وجدت جيهان تقف وتمنعها قائلة: وجيه قال نسيبه لوحده شوية، لما بيبقى مضايق مش بيحب يتكلم مع حد...

نظرت لها ليلى بحدة ونظرة منفرة من يدها التي سدت طريقها وقالت بعصبية: أنا مش حد ومش هسيبه لوحده في الحالة دي مهما حصل ومهما أعترض!

ودفعت ليلى يد جيهان بعيدًا وركضت تقريبًا لمكتب زوجها وجيه بنفس الطابق، فوقفت جيهان ساهمة وناظرة لها في شيء من التيهة...

ودقت ليلى بعد لحظات على باب مكتبه، ولم تسمع رد، وكررتها لتجد أنه رد بغضب وبهتاف مانعا الدخول!

ولكنها فتحت الباب ببطء ونظرت منه لدقيقة حتى شاهدها وجيه وابعد عينيه الدامعتين ووقف وابتعد عن مقعده وولاها ظهره، ثم قال بصرامة: سبيني لوحدي يا ليلى لو سمحتي.

ولكن ليلى لم تسمح له بأن يبعدها، دخلت وأغلقت الباب بأحكام حتى لا يدخل أحدًا آخر ومضت إليه بخطوات محسوبة، وعندما وقفت خلفه قالت بتأكيد: لا مش هسيبك لوحدك يا وجيه، فضفض معايا وخرج اللي جواك أن شالله حتى تضربني بس ما تسكتش كده وتقفل على نفسك!

وصمت وجيه وهو يبتلع ريقه بألم شديد، وفجأة وجدها تجذبه من ذراعه لينظر لها، وبثوانٍ ارتمت بين ذراعيه بضمة قوية، وعكس ما قاله منذ قليل فقد ضمها بقوة يديه المرتعشتين وقال وصوته ظهر فيه الدموع وهو يدفن وجهه بكتفها: أول مرة أشوف أبويا بيقع من طوله كده!، أول مرة أشوفه بالضعف ده!، لما كان بيتعب قبل كده مكنش أبدًا بيوصل للمرحلة دي، أنا خايف عليه أوي يا ليلى، أنا مش خايف، أنا مرعوب!

ترقرقت الدموع من عينيها بألم، ثم قالت بتأكيد: هيكون بخير بأذن الله، بس المهم مايتعرضش للزعل تاني...

صمت وجيه لبعض الوقت، ثم ابتعد وهي يمسح دموع عينيه وقال بنظرة امتلأت تصميم وحدة: في قرار كنت مأجله لأخر وقت لما كل الحلول تخلص، بس غيرت خططي...

نظرت له ليلى بقلق وسألت: قرار إيه؟

ضيق وجيه عينيه وعادت شخصيته الصارمة اليه وأجاب: كتب كتابهم هيتم بعد ما أبويا يقوم بالسلامة بأذن الله، غصب عنهم ده اللي هيحصل، مع أني عارف أن كل واحد وواحدة فيهم كانوا مستنين مني أخد القرار ده من زمان، بس كنت عايزها تيجي بالرضا، لكن طالما كلهم بيعاندوا بعض بالشكل ده، أنا اللي هاخد القرار ده عنهم وهينفذوه...

ولم يكن متوقع من ليلى أن تتقبل ذلك القرار بهذه السهولة، فقالت بموافقة رأيه: اللي حسيته أنهم بيحبوا بعض، بس في مشاكل مانعة كل واحد فيهم يقرب من التاني، اللي أنت شايفه يا وجيه صح اعمله، وأنا معاك.

نظر يوسف للفتيات الاتي يبكين في بؤس وحزنً شديد، واقترب إليهن وقال لحميدة: ماينفعش تفضلوا واقفين كده لحد الصبح، هشوفلكم أوضة فاضية ترتاحوا فيها الكان ساعة دول لحد ما عمي وجيه يوافق ندخل لجدي...

وافقت حميدة على مضض حتى أخذ يوسف الفتيات لأحدى الغرف القريبة بالطابق ليبقين عن قرب من أي شيءً يجد حدوثه، وما أن جلست رضوى على أحد المقاعد بالغرفة وانخرطت في نوبة عنيفة من البكاء وشعور الذنب المخيف هذا الذي يجتاح قلبها وروحها.

فقال يوسف لها برفق: مالوش داعي العياط مش هيفيد بحاجة...

ردت رضوى عليه باكية: لو حصله حاجة مش هسامح نفسي، بس والله غصب عني أنا مجروحة أوي ومش عارفة أنسى...

تحدث جاسر بغضب من خلف يوسف بعدما لحقهم للغرفة: ياريت بعد جدي ما يفوق تصلحوا انتي ورعد اللي عملتوه!، وياريت كل واحدة فيكم تشوف هي من جواها بجد عايزة ايه ومتعاندش، حتى لو غلطنا بس اعتذرنا وندمنا وعلى الأقل كنتوا سيبتوا لينا ولو نص فرصة نثبت فيها أننا صادقين!

قال يوسف له بعدما لاحظ أزدياد بكاء الفتيات: خلاص يا جاسر، مش وقته الكلام ده!

هتف جاسر بعصبية بهم جميعا: ده هو ده وقته!، جدي اللي حصله ده هيتكرر لو فضلوا يحسسوا بالذنب وأننا عملنا كده بسبب تحكمه فينا!، وصحته اصلا مش متحملة، أنا قولت اللي الكلمتين اللي كنت كاتمهم ومقدرتش ما أقولهمش، بس طالما ده يريحه وهيريحنا كلنا ماتنكروش، يبقى ليه لأ ما نفرحش ونفرحه معانا؟

شرد الفتيات بما قاله جاسر ويبدو أنهن لأول مرة يأخذن حديثه على محمل الجد...

وحتى ساعات الصبح قد منع وجيه دخول أحد لغرفة أبيه، حتى دقت الساعة السادسة صباحا وهو جالس بقرب فراشه بالغرفة، دون وجود أحدا آخر، وعندما فتح الجد عينيه ببطء اسرع اليه وجيه بلهفةً شديدة وحمدا كبير أن والده بدأ يستفيق بالفعل ولم يستغرق وقتً أكثر من هذا وتتدهور حالته، فقال وجيه بعدما قبل رأسه بحنان: أنت بخير يا بابا أطمن، واللهِ بخير.

تنفس الجد رشدي بصعوبة وحرك جفنيه ببطء شديد، ثم بدأ يتمتم بكلمات حروفها متقطعة وقال: أنا، فين،؟

ربت وجيه على رأس أبيه بحنان وقال: في المستشفى، شوية فحوصات كده على السريع عشان بس مستوى السكر نزل شوية، لكن الحمد لله دلوقتي بقيت تمام، بس أهم حاجة ما تهملش الأدوية تاني...

ويبدو أن الجد بدأ يتذكر آخر مشهد قبل أن يفقد الوعي، وبدأت عينيه تتلألأ من الدموع، فقال وجيه له بتأكيد: أقوى كده وقوم بسرعة عشان انت اللي هتكون مسؤول عن كل حاجة في كتب كتابهم...

اجفلت عينان الجد في دهشة، حتى هز وجيه رأسه بتأكيد وقال بابتسامة: زي ما قولتلك كده بالضبط، أنا قولتلهم وكلهم وافقوا عشان تفرح وكل شيء اتحل الحمد لله، مستنين بس تقوملنا بالسلامة.

بدأ رفيف ابتسامة يظهر على ثغر الجد غير مصدقا، وكان وجيه يكذب بأخبار الشباب والفتيات، ولكنه سيفعل ذلك اليوم، وسيسوي الأمر بالرضا أو بالاجبار.

وبمكتب وجيه بالمشفى اجتمع الشباب والفتيات بعدما أحضرهم وجيه جميعهم، وتجاهل رعد عن عمد، فلو ترك لجام غضبه لأبرحه ضربا حتى يكتفي...
ووقف أمامهم ناظرًا لهم بثباب، حتى قال يوسف بقلق: يا عمي أحنا عايزين ندخل لجدي نطمن عليه، ليه مانعنا؟

رد وجيه عليه بصوتً حاد: محدش هيدخله غير لما يوافق على اللي هقوله دلوقتي، واللي مش هيوافق يتفضل بدون نقاش يرجع البيت...

توجهت أنظار الجميع لوجيه بانقباض وتركيز وقلق، حتى قال وجيه قرار: كتب كتابكم بعد ما يخرج جدكم ويتعافى، أظن انتوا مش محتاجين فترة خطوبة!، وكل بنت فيكم زعلانة من اللي هيكون جوزها في شيء أظن الأمور هتكون أوضح بعد كده وتقدروا تنهوا الأمور دي ما بينكم، ولعلمكم...

أنا كنت سايب الحل ده للآخر، وسيبت كل واحد وواحدة فيكم تحلوا أموركم بنفسكم من غير تدخل مني أو من أي حد، ورغم كده الموضوع كان بيزيد سوء!، وقراري ده مافيهوش راجعة واللي معترض يتفضل يمشي، أنا قولت لجدكم أنكم بالفعلوا وافقتوا ومستنين خروجه، واللي هيرفض كلامي ده هيكون المسؤول قدامي عن أي تدهور في حالة أبويا الصحية، وعمري ما هسامحه...

وانتظر وجيه أن يعترض أحد، ولكن من نظرات الشباب أنهم كأنهم وجدوا الطريق بعد فترة تيهة وغياب، ومن نظرات الفتيات الثلاثة باستثناء حميدة أن الحيرة اخرست أصواتهن، ولم تسطع واحدة منهن أن تعترض خصوصا أن العم وجيه وضع الحالة الصحية للجد في كفة من الميزان، والكفة الأخرى وضع قرارهن بالقبول أو الرفض، ويبدوا أن القبول قد فاز،!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة