قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والسبعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والسبعون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والسبعون

حتى لو فاز القبول الآن، ولكن هنا شيء يعكر هذا القبول، وكان وجيه يعرف أنه لا يجبرهن بالمعنى الظاهر، بل أنه على تأكيد أنهن الآن يتنفسن الصعداء بإزاحة هذا العبء من على كاهلهن...
وبدا على رعد تحديدًا وكأنه ربح الجائزة الكبرى. فقط ينتظر الوقت المناسب لإعلان سعادته، ريثما بما يمر من وقت عصيب بسبب حالة الجد الصحية، فقال يوسف بموافقة تامة: صح كده يا عمي، كان لازم ده يحصل وإلا مكنتش حاجة هتتغير.!

سمع الجميع تنهيدة رعد التي تُظهر سعادته الصامتة بهذا القرار الحاسم الغير قابل للمناقشة أو حتى التراجع، وقال بعينين تلتمع بقوة من فرط ما يفيض بهما من أمل وسعادة تلوح بالأفق: أول مرة في حياتي حد يجبرني على شيء وأبقى سعيد بيه وراضي.
لم تحتمل رضوى كتمان دموعها واستدارت راكضة من الغرفة وهي تكتم فمها، كي لا يصدر عنها أخف شهقة، لم تحتمل الفكرة ذاتها، رغم أنها لوهلة كادت أن تطير فرحا،!

ومع ذلك تعترف لنفسها أنها ما أن تصبح زوجته سيبدأ هو بكل ما يستطيع ليجعلها تسامحه، وشيء من الثقل يجهد قلبها ويرهقه، فكأنها تستحي من هذا العهد الذي قطعته على نفسها بأن تجعله يتلوى ندما وألمًا!، قبل أي شيء.

فالتفت الجميع لها وبعد دقيقة ركضن الفتيات الثلاث خلفها، وأصبح رجال العائلة يقفون أمام بعضهم البعض في ثبات. ويقف العم وجيه أمامهم في صلابة وهيمنة، وقال: مكنتش عايز الخطوة دي وكنت سايبها للآخر، بس بعد اللي حصل لجدكم كنت مضطر للأسف.

وبدأ يتحدث رعد ويقلل من حدة الموقف ولكن وجيه قاطعه بصوتً غاضب وكشف عن موقفه الصريح معه: أنت بالذات مش عايز اسمع صوتك، أنا مرضتش اهينك قدام البنات عشان ما أقللش منك، بس حسابك معايا ما خلصش يا رعد، جدك بس يقوم بالسلامة وهعرفك أزاي تعلي صوتك عليه وتوصله للحالة دي، أنا حذرتك قبل كده وأنت ما اتعلمتش! يبقى تستاهل اللي هيحصلك.

تقدم رعد خطوات إلى عمه ونظراته بها الكثير من الأسف والاعتذار فقال بألم صادق: حقك عليا يا عمي، أنا أسف وندمان على اللي عملته، للأسف مش بعرف أسيطر على غضبي، بس اوعدك مش هتتكرر تاني.

هز وجيه رأسه برفض هذا الرد، وقال بيأس: لا مابقتش أصدقك لأني سمعته المرة اللي فاتت وخذلتني، وبخلاف كل شيء فأنا بحذرك يا رعد واعتبر كلامي تهديد لأني مش هخلفه، أنت هتتجوز رضوى وهتبقى مراتك، أنما لو عرفت أنك اتغابيت واتصرفت تصرف غبي من تصرفاتك فعايز أقولك أن طلاقها هيكون أيسر الحلول عندي، كل اللي فات حاجة. واللي جاي حاجة تانية خالص، وزي ما جوزتهالك زي برضو ما ممكن اطلقها منك لو جرحتها تاني.

والمرادي هجوزها لواحد تاني وقدام عينك، زي ما بعتبركم ولادي فهما بناتي...
قال رعد بصدق: أنا تعبت أوي عشان اوصل للوقت ده يا عمي، يمكن حتى ما وصلتلوش بنفسي وأنت كنت السبب بعد ربنا، فتفتكر أني ممكن أفكر حتى اجرحها بكلمة؟، رضوى رغم أني متأكد أنها بتحبني بس عمرها ما كانت هتوافق عليا، أنا عارف أني جرحتها أوي واللي جاي مش وقت تصرفات غبية، وقت صلح واستقرار...

قال وجيه وتمنى بكل قلبه أن يكن هذا ما سيحدث بالغد القريب، فقال جاسر بابتسامة: وبعدين يا عمي انت عارف كويس أنك مش هتطمن عليهم غير معانا، يمكن اتصرفنا في اللي فات بتهور شوية لكن والله بنحبهم وعايزين نتجوزهم بجد.
رد وجيه على جاسر بصرامة: الكلام اللي قولته لرعد مش ليه لوحده، ده لكل واحد فيكم، يعني اللي هتيجي تشتكيلي من واحد فيكم هنسى أني أعرفكم أصلًا وتصرفي مش هيعجبكم...

قال جاسر مدافعا: لو لاحظت يا عمي أنا ما بقتش اكلم أي بنت، والله ما بقيت حتى بقولهم صباح الخير!..
قد انتبه وجيه بالفعل من هذا الأمر بالأيام الفائتة، ولكن الامر كليًا سيحسمه التجربة الفعلية. وها هي ستبدأ.

فقال: ياريت بقا تستمر على كده، جميلة اعند من رضوى ولو قررت تبعد أنسى أنك تقدر تغير قرارها مهما عملت، ولو خسرتها مش هتلاقي زيها، أظن أنك عرفت بنات بما يكفي وعارف قيمة بنت محترمة زي جميلة...
تدخل آسر وقال بنظرة بها وميض تشتت وحيرة: أنا يمكن وضعي مختلف شوية يا عمي، لو مكنتش عملت كده مكنتش هقدر أخد الخطوة دي بسهولة واطلبها بنفسي، وهي مكنتش هتوافق، أنت كده قصرت علينا طريق طويل كله مشاكل...

قال يوسف بتصميم وهو يخرج عن نطاق الحوار: أنا عايز أشوف جدي بقا.؟
أشار وجيه للباب وقال: تقدروا دلوقتي تشوفوه، بس مش أكتر من 10 دقايق.

وبغرفة الجد بالمشفى الذي بدأت الدماء تعود لوجه تدريجيًا، وبدا تنفسه هادئ منتظم كأن ما كان يثقل صدره بالهموم هما وأنزاح بعيدًا...
ودخل الشباب الأربعة الغرفة بخطوات تعمدوا أن تكن بلا صوتً مزعج عالِ ولكن متعجلة أيضا، وأنحنى رعد على رأس جده بقبلة تخللها قطرات من الدموع التي سقطت من مقلتيه، وهمس معتذرا بندمٍ شديد: حقك عليا يا جدي أنا أسف، أنا غلطان وأستحق اللي بيحصلي كله، لو سامعني رد عليا ارجوك.

ومن الجهة الأخرى المقابلة لرعد فعل يوسف ما فعله أيضا ووضع قبلة حنونة على جبين جده وقال: أنت بخير يا جدي، حاجة بسيطة بس خضتنا عليك.
ومثلما فعل يوسف فعل جاسر وآسر وظلوا يتحدثون لجدهم النائم في سلام لبعض الوقت، حتى أتى الفتيات للغرفة، ولكن المُلفت للانتباه أن لم يكن من بينهن رضوى!
فنظر لهن رعد وقال بتقطيبة: هي رضوى فين.؟

أجابت حميدة وهي تتأمل وجه جدها بألم: في الأوضة اللي بيتنا فيها امبارح، هتيجي بعد شوية.

وشعر رعد أنها لربما كانت بحالة لا يرثى لها الآن، ربما كانت تبكي بشدة، وربما صدمت من قرار العم الصادم!، وربما قررت أن تأتي بعدما يرحل كي لا تراه!، ولكنه يعرف أن بين كل هذه البعثرة بداخلها قلب يشتاق لأن يعلن سعادته التائهة.

ومضى الفتيات إلى جدهن بلهفةً مُعلنةً بأعينهن، وظلوا يتأسفن له أيضا حتى فتح الجد عينيه بالتدريج وببطء شديد، فحدق فيه رعد وارتمى على صدره بكلمات مرتجفة معتذرة، ونطق الجد بصعوبة قائلًا: أنا، بخير، ماتخافوش.

ربت جاسر على رأس جده مبتسما وقال: أنا عارف أنك بخير يا جدي وهتقوم بالسلامة، حمد الله على سلامتك ياجدي.

رفع رعد رأسه له بعينان دامعتين وقال له: سامحني يا جدي أنا غلطان، أنا مش اد زعلك مني.

افترّ ثغر الجد رشدي عن ابتسامة تتسع بصعوبة من فرط التعب وقال بصوتً ضعيف: مش عايزك أنت اللي تزعل مني يا رعد، يمكن جبرتكم كتير، بس كنت خايف تبقوا زيي!، كنت عايزكم تشيلوا شهادة كبيرة ومحدش يحط قيمتكم من قيمة اسم العيلة بس!، زي ما حصلي، كانوا بيقولوا عليا الفاسد اللي مفلحش في حاجة غير الجري ورا البنات وفلوس عيلته اللي معيشاه!، رغم أني كنت بشتغل وبكسب برضو!، بس استخسروا فيا حتى ورثي!، مكنتش عايز واحد فيكم يحصل معاه كده، بس والله حبيتكم أكتر من نفسي ومكنش قصدي أن كل ده يحصل،!

والتهبت عينيً الجد بالدموع الصادقة، فضمه رعد بمحبة شديدة وقال دامعا: ننسى اللي فات با جدي، ومن هنا ورايح طلباتك كلها أوامر واحنا راضيين ومبسوطين، هقولك آه من قبل ما أعرف اللي هتقوله...

مسح يوسف عينيه وقال ليضيف نكهة المرح: احنا هنقلبها نكد كده ليه؟، جدي وزي الفل أهو واطمنا عليه، وأحنا وفي كتب كتاب وأفراح مستنيانا، يبقى المفروض نفرح بقا!

وعلى رغم موقف الفتيات من الشباب إلا بعدما رأو تحسن حالة الجد بالحديث مع الشباب قبلن الأمر بعض الشيء...

انتظرت جيهان وليلى خارج الغرفة، حيث قالت جيهان بتعجب: ما كنا دخلنا معاهم نطمن على حمايا!

اوضحت ليلى وقالت: ماينفعش دلوقتي، خليهم يدخلوا الأول ونسيبهم يقولوا اللي عايزين يقولوه براحتهم، لما يطلعوا هندخل.

اقتنعت جيهان بذلك التفسير وصمتت، حتى أتى رجل في العقد الخامس من العمر وبين يديه ورقة مليئة بعدة تفاصيل مطبوعة، وقال لجيهان: أنا روحت لدكتور وجيه في مكتبه بس ماعرفتش ادخله لأن كان في حد معاه، فلو سمحتي يا مدام جيهان أنا محتاج قرار في الموضوع ده.

سألته جيهان باهتمام: قرار إيه؟

بدأ الرجل الشرح وهو التابع لقسم الحسابات بالمشفى، ثم أضاف: الحمد لله كلنا عملنا فحص ومافيش حالات ظهرت تاني وحصل تعقيم للمستشفى كلها، بس بالنسبة للبنت اللي اتعدت دي وبتشتغل هنا تكفلة علاجها هتكون على حساب المستشفى ولا حسابها؟، لأن في حد طلب من قرايبها يدفع الحساب وأنا اجلت لحد ما اتكلم مع الدكتور وجيه.

أخذت جيهان الورقة منه وطلبت منه قلم حبر لتسجل توقيعها الشخصي، فأعطاها الرجل القلم فقالت وهي توقع: تكلفة علاجها على حساب المستشفى طبعا طالما سبب العدوى من هنا، تكلفة علاجها كاملة دخلها في حسابي الخاص مش حساب وجيه، والاتنين التانيين كمان معاها، ومش عايزة ااكد عليك طبعا في تقديم الرعاية الكافية ليهم لحد ما يتعافوا عشان هتابع بنفسي...

أخذ الرجل الورقة الموقعة وقال بموافقة: تمام جدًا، شكرًا يا مدام جيهان، بعد أذنك.

اومأت جيهان برأسها حتى غادر الرجل، ولم يكن على وجهها أي تعبير حتى تفاجأت بنظرات ليلى لها، نظرات ليلى كانت بها شيء من الإعجاب فقالت: ربنا يجازيكي خير، تصرف جميل منك.

ابعدت جيهان عينيها عن ليلى وقالت بنظرات تاهت للبعيد قليلًا: ده مش صدقة مني ده واجب، طالما الأذى جالهم وقت شغلهم يبقا احنا نتحمل علاجهم لحد ما يقوموا بالسلامة...

اوضحت ليلى وهي تنظر لجيهان بنظرة مختلفة لأول مرة تطل من عينيها وقالت: برضو اتصرفتي برحمة. بدليل أنك دخلتي علاجهم على حسابك لوحدك، وكان ممكن تشاركي التكلفة مع وجيه كمان بما أنكم شركا بالاساس...

لم تتحدث جيهان، ولكنها شعرت لاول مرة أنها منتصرة أمام ليلى، لم تغلبها بالمكائد والشر، ولكن غلبتها بموقف طيب لم تقصده ولا ترتب حدوثه. ولا حتى انتظرت هذه الكلمات من ليلى...

ومرت ساعاتً كثيرة، حتى بدأ قرص الشمس ذات الشعاع الباهت تغيب عن الأنظار، والمساء أصبحت رمادية تثير الشجن بالنفوس، فتمت رضوى صلاة المغرب بغرفة المشفى بينما تمددن الفتيات الثلاث الاخريات على السريران بالغرفة، فنهضت رضوى وقالت لهن: أنا رايحة أشوف جدي...

اعتدلت جميلة بنومتها وقالت لها: انا زهقت معاكي كلام يا رضوى من الصبح، بس بجد جدي مش مستحمل وانا حكيتلك اللي قاله رعد ليه بالحرف، احنا ما قدمناش حل غير أننا نوافق!..

وافقتها حميدة وقالت: انتوا عايزين ايه اكتر من اللي عملوه!، دول شوية كمان وهيبوسوا رجليكم عشان توافقوا!

وكان رأي سما مختلف كثيرًا عن شقيقاتها فقالت: أنا فاهمة رضوى، وعارفة اللي في دماغها وعشان كده ماجدلتهاش خالص، سيبوها ومحدش يضايقها...

نظرت رضوى لسما بنظرة امتنان ثم قالت: هروح أشوف جدي ويارب يكون الشباب مشيوا، أنا استنيت كتير.

وتحركت للباب وخرجت متوجهة لغرفة الجد، بينما التفتت جميلة بغيظ لسما وقالت: أنتي بقا ست العاقلة اللي فينا وعايزاها تنفذ اللي في دماغها؟..

رفعت سما حاجبيها وقالت بسخرية: مالك كده يا جميلة اتقلب حالك؟، مش ده جاسر برضو ولا واحد تاني؟، مش ده اللي كنتي بتحلفي لتنتقمي منه؟

تلعثمت جميلة قليلًا ثم قالت ببعض التوتر: آه هو جاسر، وكنت حالفة انتقم منه، بس برضو شايفة أنه شاري وانه بيتغير عشاني، بدليل مافيش ولا بنت بقت تتصل في البيت ولا بقيت أشوفه بيتكلم أصلا في التليفون، ومش عيب يعني أني اسامحه ولو شوية، هو عيب أني أحب يعني!

ابتسم سما وقالت: والله لو بجد اتعدل يبقا ربنا يتمملكم بخير، وأنا مش بقول أنك غلطانة، بس رضوى واقعة بين أنها فرحت انها جت من عمها وحطنا قدام الامر الواقع، وزعلانة لانها عارفة أن لو بقت مراته مش هتعرف تنتقم منه زي ما كانت بتفكر...

تدخلت حميدة وقالت بحدة: بصوا بقا أنا سكت كتير عليكم، بس مابقتش قادرة خلاص، احنا عرفنا أن سبب تصرفهم تحكمات جدي مش أنهم رفضينا يعني!، والأهم من كده أن كلهم شارينا وبيتمنوا لينا الرضى نرضى، يا ختي نتجوزوهم وننتقم منهم براحتنا!

وكتمت حميدة ابتسامة رافقت هذا القول، فغمزت لها جميلة بمكر وقالت: صح يابت، هو أنتي فكرك أني هسلم كده بسهولة؟، ده أنا هدوخه الأول، هخليه مشغول بيا ليل نهار، وبما أن قرار عمي لازم يتنفذ فهنفذه، بس زي ما احنا عايزين برضو.

وعبرت رضوى الممر حيث غرفة جدها، فأستوقفها رعد الذي كان ينتظرها لعلمها أنها تنتظر لحظة مغادرته للمشفى وتأتي!

فتهربت من عينيه بارتباك حيث قال بمكر: بلاش تقولي لجدي حاجة تزعله يا رضوى، وسبيني أصالحك وأنتي مراتي، اعتقد هيكون الصلح أجمل بكتير...

ابتلعت رضوى ريقها بارتباك شديد، ولم تعرف بما تقول، ولو نطقت لظهرت رعشة صوتها لتفضحها توترها علنًا أمامه!
وسيعرف أنها حائرة!، أذا انها تريد، أذا أن لا زال بقلبها شيء يدفعها لتعود تلك السمراء التي تحمر خجلا عندما تراه!..

فعاد قائلا بصوتً هادئ جدًا: جدي هيخرج بعد يومين كده، وكتب كتابنا الأسبوع الجاي، أحنا أتفقنا النهاردة معاه على كده، يعني دلوقتي نعتبر مخطوبين.

رفعت رأسها بنظرات مصدومة، حتى وجدته يبتسم بدفء وعاطفة شديدة، وأثرت تلك الابتسامة على مشاعرها ولكنها أجابت بأنفعال لم يكن هو حقيقة ما تشعر به: بعني إيه كتب كتابنا الأسبوع الجاي!، من غير ما...

قاطعها وصول وائل الذي احتدت ملامحه عندما رأى رعد يقف معها وينظر لها بتلك الطريقة الحنونة، فأسرع اليهما وقال لها وقد تجاهل رعد تمامًا: أنا بتصل بالصدفة بالبيت وعرفت الخبر، الف سلامة على جدك يا رضوى.

جذبه رعد من ذراعه بعصبية وهتف به: آنسة رضوى، رضوى دي ما تتقالش تاني وإلا هعمل اللي كان نفسي اعمله من زمان.

نظر وائل ليد رعد على ذراعه وقال له بنرفزة: أنت ما حرمتش من اللي عملته أول مرة ولا إيه يا رعد؟، وبعدين أنا اتقدمتلها رسمي ومنتظر الرد، وعلى فكرة كان بينا قبول وتوافق وده كان باين أوي وقت المقابلة.

اتسعت عينان رضوى بدهشة، فلم يكن الأمر أبدًا مثلما يقول وائل، بل كانت إجاباتها جافة دون روح، وحتى نظراتها كانت حزينة وبعيدة عنه تمامًا بتلك المقابلة، فمن أين أتى بهذا القول الجائر؟

تحكم رعد للمرة الأخيرة بأعصابه وقال: طب اللي أنت ما تعرفهوش أن رضوى بقت خطيبتي وكتب كتابنا الأسبوع الجاي، يعني أنت مش مرفوض ده أنت مطرود يابني!

صدم وائل مما قاله رعد والتفت لها بغضب وسأل: الكلام ده حقيقي؟

لم يكن بأمكانها أن تكذب الخبر أو ترد بالايجاب، فصمتت، فهتف بها وائل دون أن يتحكم بنفسه، فنظرت له بحدة ودهشة من تصرفه السخيف معها وأن كان محقا بعض الشيء، حتى اغتاظت منه وقالت: أنت بتشخط فيا كده ليه؟، ايوة صحيح وحضرتك مرفوض وحتى لو كنت وافقت بعد أسلوبك معايا ده كنت هرفضك!

صاح بهما وائل بغضب شديد وشعور كبير بالإهانة وقال: يعني إيه الكلام ده؟، هو أنتي اتخطبتي بين يوم وليلة؟، ولما أنتي كنتي مخطوبة وافقتي تقابليني ليه!

نظرا لأن وائل لم يعرف ما حدث فعصبيته هذه له الحق فيها، فقالت بشيء من الاعتذار: أنا أسفة يا أستاذ وائل، الموضوع مش زي ما أنت فاهم ولا كنت مخطوبة لما قعدت معاك، بش مش هينفع أشرحلك للأسف، بجد بعتذرلك وبأذن الله هتلاقي اللي احسن مني.

لم يحسن استقبال أسفها وارتفع صوته بصياح وغضب شديد، وهتف: أنا اللي غلطان اللي اتقدمت لواحدة...

ولم يتابع ولم ينطق حرف زائد حتى وجد نفسه يدفع للحائط بشراسة وانقض عليه رعد ونشب أظافره في عنق وائل قائلا بنظرات عنيفة: حرف زيادة عنها وهخليك انت والحيطة واحد، اللي بتعلي صوتك عليها دي كلها أيام وتبقى مراتي، يعني لو بس اتعرضتلها بنظرة مش هيكفيني رقبتك...

صرّ وائل على أسنانه بنظرات انتقامية، حتى جذبت رضوى يد رعد وهي تهتف به: ابعد عنه وسيبه يمشي بلاش أذية!

تركه رعد ولكن نظراته مهددة بدرجة خطيرة، فعدل وائل هندامه وهو ينظر لهما باحتقار وابتعد، حتى التفت رعد وقال بعصبية لها: شوفتي اللي كنتي بتتحديني بيه!، لو مش هعمل فضيحة في المستشفى كان زماني مخليتش فيه ضلع سليم، ده عايز يخطبك بالعافية وياخدك مني!، ده ياخد روحي الأول.

ابعدت رضوى عينيه عنه ولكن للعجب أنها قاومت ابتسامة ولكن هجمت الابتسامة على شفتيها رغما عنها، فتسمر رعد مكانه للحظة وهو يحاول أن يتأكد أنها بالفعل تبتسم!

وقال مبتسما بعدم تصديق: أنتي بتضحكي بجد ولا أنا مش شايف ولا إيه؟..

استجمعت مقاومتها وتحكمت بنفسها، فظهرت ثابته وقالت: لا مش بضحك، هضحك على إيه يعني؟

تنهد رعد تنهيدة عميقة ثم رمقها بابتسامة ماكرة وقال: اعندي براحتك، كلها كام يوم بس...

اطرفت عينيها بارتباك شديد وركضت لداخل غرفة جدها، فاتسعت ابتسامته، وقال بابتسامة خبيثة: استنينا كتير، نستنى كمان الكام اليوم دول، بس باين كده أن الأيام الجاية جميلة زي جمال عنيها...

وبعد مرور ساعتين تقريبًا...
وبمكتب وجيه...
دخل وجيه مكتبه بعد فترة عمل سريعة فوجد والدة الفتيات ومعها الصبي بأنتظاره، فرحب بهما وجلس أمامهما بالمكتب وقال: ليه تعبتي نفسك!، انا طمنتك بالتليفون والحمد لله أبويا حالته اتحسنت وهيخرج بعد يومين ويكمل علاجه في البيت...

أجابت وداد بقلق: أنا معرفتش أصبر لحد ما يرجع وجيت اطمن عليه، بس لما البنات قبلوني وجابوني على هنا قالولي اللي حصل وكلامك معاهم وقرارك.

تطلع بها وجيه وقد أدرك وتفهم مخاوفها، بينما الصبي أصرّ الصمت وترك الحديث لهما وراقب ما يقال بإنصات، فقال وجيه بتفهم: أنا متوقع أن القرار ده يمكن خوفك، ويمكن زعلك، بس أنا لو كنت لقيت الأمور بتتحسن مكنتش عملت كده، وكمان أنا عارف ومتأكد أن رغم أن يبان قراري إجبار لكن في حقيقته انقاذ للموقف، البنات صعب يوافقوا وأنا عارف أن جواهم موافقين بس اللي حصل عندكم في البلد مأثر على نفسيتهم، والشباب أنتي طبعا عارفة أنهم عايزين ومرحبين، يعني اصلا انا ما أجبرتش حد، لكن سرعت بس القرار ده، وعلى فكرة أنا حريص على مصلحتهم أكتر من الشباب. دول بناتي.

قالت وداد بثقة فيه: أنا مش بثق في حد أكتر منك، وبصراحة كنت قلقانة شوية بس أنت طمنتني، هو اللي مقلقني يعني أنه هيتجوزوا وهما لسه زعلانين وشايلين في نفسهم من اللي حصل في البلد.

وهنا تدخل الصبي وقال لعمته: يا عمتي لما يتجوزوا الوضع هيختلف، جميلة هتبطل تهزأ جاسر لأنه هيبقى جوزها ولازم تحترمه، وبقية البنات هيبقوا كده، ونخلص بقا من خناقاتهم وتطمني عليهم وتبقى كل واحدة مع جوزها يراضو بعض براحتهم.

قال وجيه موافقا حديث الصبي: بالضبط كده، الأمور هتبقى أسهل لو اتجوزوا، كتب الكتاب الأسبوع الجاي والفرح بعده بشهر على ما نجهز كل شيء، وعشان تكوني مطمنة عليهم أكتر هخلي البنات كلهم معاكي في اوضة واحدة، أنا مقدر خوفك وفاهمه، وعلى فكرة ولاد أخواتي مش هيتعدوا حدودهم، وخير البر عاجله.

تنهدت وداد براحة وهي تبتسم، ثم قالت: عندك حق، خير البر عاجله.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة