قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الخمسون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الخمسون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الخمسون

دلفت رولا بهدوء، تُلقي التحيَّة بصوتٍ خافت: آسفة فكَّرتك لوحدك.
استدار إليها وابتسم ابتسامةً ودودة: تعالي يا رولا مفيش حدِّ غريب.
تقدَّمت بخطواتٍ محسوبة، وقلبها يكاد يقفز من بين ضلوعها، وكأنَّ رؤيتها معه بعد اعترافه بحبِّها جدَّد الألم كطعنةٍ مباغتة. اقتربت منها كارما وقالت: عاملة إيه؟
ابتسمت ابتسامةً ناعمة، مصطنعة، ردَّت بنبرةٍ هادئة تُخفي مايعصف بها: كويسة الحمد لله.

خطت بعض الخطوات ثم أضافت سريعًا وهي تستدير: يلَّا أسيبكم بقى علشان عندي شغل.
التفتت إلى بلال: يبقى شوف اللي يناسبك وابعتلي، تمام؟
أومأ برأسه: تمام خدي بالك بقى، لو في أي غلطة هتتجازي يا دكتورة.
ضحكت بخفَّة تهزُّ رأسها: موافقة بس خلِّيك رحيم عندي أقساط.
ضحك بصوته الرجولي: يبقى أسلِّفِك.
كلُّ ذلك ورولا واقفة تراقبهما بصمت، تمنع دموعها من الانزلاق، تشعر بأنَّها غريبة عنه، تآلفهما أدمى قلبها.

خرجت كارما وأغلقت الباب خلفها، فاستدار إليها ينظر بتساؤل: دخلتي بزعابيب وفجأة سكتِّي مالك في حاجة، آه في حاجة جايَّة ليه؟
ابتلعت غصَّتها، وأبعدت بصرها عنه، تحاول السيطرة على ارتعاش صوتها: مفيش، ضي جت وقالت نغيَّر جو، فجيت معاها.
ثم خفضت رأسها: وسكتّ علشان اتكسفت لمَّا دخلت ولقيت اللي اسمها إيه دي عندك.
اللي اسمها إيه؟!

قالها مستغربًا، ثم أكمل بهدوء: مش عارفة اسمها؟ دي كارما. على فكرة شخصية لطيفة، وهيَّ في كليِّة صيدلة، وعيَّنتها هنا في المستشفى، في الصيدلة تحت تاخد خبرة و.
قاطعته بنبرةٍ حادَّة، خرجت دون قصد: أنا ماطلبتش أعرف عنها حاجة.
رفع حاجبه بتعجُّب وهو يقترب منها: عادي، دخلتي وإحنا بنتكلِّم، طبيعي أقولِّك شغلها إيه، إنَّما لو، قاطعته حينما استدارت نحو الباب، قالت بوجعٍ مكتوم: أنا ماشية آسفة إنِّي عطَّلتك.

استني هنا.
قالها بنبرةٍ آمرة، ثم تابع: هوَّ إنتي جيتي في إيه وماشية في إيه؟
ضغطت على حقيبتها بقوَّة، تحاول كبح ارتعاشة قلبها: واضح إنَّك مش فاضي، وأنا هشوف ضي عند يوسف.
وصل إليها بخطوةٍ واحدة، وأطبق على كفَّيها، انخفض صوته وهو يحدِّق بعينيها: تعالي مفيش ضي ولا يوسف دلوقتي.
ثم أردف بنبرةٍ مشدودة: وبعدين هيَّ عنده، إنتي رايحة ليه؟

قاطعهم دخول الممرِّضة: اطلبي فنجان قهوة للأستاذة.
أومأت له وقالت باحترام: الدكتور وصل مكتبه، حضرتك كنت قايل أوَّل ماييجي أعرَّفك.
تمام.
خرجت الممرِّضة، فالتفت إلى رولا: خلِّيكي هنا خمس دقايق، في حاجة الدكتور لازم يشوفها قبل ماأسجِّلها في الرسالة، الممرِّضة هتجبلك قهوتك، مش هتأخَّر.
براحتك.
تحرَّك للخارج بعدما سحب الملف، واتَّجه إلى مكتب الدكتور.

دنت رولا من مكتبه ببطء، جلست على مقعده وأخذت تدقِّق النظر في أغراضه. مدَّت يدها تتحسَّس سمَّاعته الطبية، ثم اتَّجهت إلى جهازه المحمول، حاولت تشغيله لكنَّها فشلت بسبب إغلاقه برمزٍ خاص.
وقعت عيناها على هاتفه الموضوع فوق المكتب، رفعته تتحسَّسه، ضغطت على زرِّ التشغيل، فأضاءت الشاشة بصورةٍ له بجوار يوسف يوم مناقشة رسالته، حاولت فتحه هو الآخر لكنَّه كان مغلقًا برمزٍ أيضًا.

تأفَّفت، وجالت بعينيها في المكان وهي تتمتم بسخريَّةٍ متوتِّرة: بيحسِّسني ظابط مخابرات خايف على السريَّة.
دلف فجأةً وهي مازالت في مكانها. توقَّف يطالعها بصمت.
حمحمت ونهضت سريعًا: قولت أجرَّب شغل الدكاترة.
ابتسم واقترب، فتح الدرج وأخرج بعض الأوراق، ثم قال: أحسن دكتورة، صدَّقيني إنتي ماكنتيش بتاعة علوم.
ابتسمت بخفَّة: أيوه، مابحبِّش العلوم، كنت بحبِّ الرياضة أكتر، غير ميولي للهندسة وأنا صغيرة.

توقَّف فجأة، وكأنَّه تذكَّر شيئًا: نسيت الورق، مخلصتش لسه.
خد راحتك، بس ممكن تفتح اللاب؟ أسلِّي نفسي عليه لمَّا ترجع.
افتحيه طيب
تمتم بها وهو يتحرَّك للخارج، لكنَّه توقَّف على صوتها: مقفول بباسورد! إيه إنتَ شغَّال في المخابرات؟
تراجع نحو الجهاز، وبحركةٍ سريعة ضغط على بعض الحروف وسط ذهولها، ثم خرج دون أن يضيف كلمة.
نظرت إلى الجهاز ثم إلى سرابه خلف الباب.
ارتجفت شفتيها: معقولة؟

هزَّت رأسها نافية: لا أكيد أنا اتخيَّلت. لا، أكيد مش صح.
انسلَّت دمعة مع دخول الممرِّضة، فمسحتها سريعًا.

بمكتب يوسف قبل قليل.

توقَّفت أمام الممرِّضة، تسألها بصوتٍ خافت: الدكتور جوَّا؟
نهضت الممرِّضة بابتسامةِ ترحيب: أهلًا يا مدام، أيوه جوَّا عنده كشف، اتفضلي أكيد الكشف خلص.
دارت عيناها بالمكان، فلاحظت وجود شخصٍ آخر في الانتظار، تراجعت بخطوة ثم جلست على المقعد القريب: هستنَّاه يخلص.
حضرتك لو حابَّة تدخلي؟
أشارت بيدها بالرفض، وقالت بهدوءٍ متعب: لا بعد الكشف ده، وبلاش تعرَّفيه إنِّي برَّة.
حاضر.

مرَّت دقائق ثقيلة وهي بالخارج، تتابع خروج المرضى ودخول آخرين، تنهَّدت بضيق وهمست لنفسها: شكلي هعطَّله ولَّا إيه
قاطع شرودها صوت الممرِّضة وهي تُنظِّم المواعيد: الحجز لبكرة، آخر كشف دخل. الدكتور مسافر وهيرجع بعد بكرة، تحبِّ تحجز لبكرة؟
أومأ الرجل بالموافقة، وتكرَّر الأمر مع غيره.

بعد قليل خرج آخر مريض، فأشارت إليها الممرِّضة: اتفضلي يا مدام، كده الدكتور خلَّص كشف النهاردة علشان مسافر عملية برَّة المحافظة مع دكتور حمدي.
أومأت دون تعليق.
دلفت للداخل بساقين مرتعشتين. فتحت الباب بهدوء وقلبها ينتفض بالألم، تقدَّمت بخطواتٍ ثقيلة، بينما كان يوسف منشغلًا بجهازه، تحدَّث ظنًّا أنَّها الممرِّضة: هدى، تعالي جهِّزي الشنطة وخدي الحاجات دي ودِّيها عند دكتور بلال.

اقتربت منه في صمت، وعيناها ترسمان ملامحه، استدار بمقعده مستكملًا حديثه: وشوفي دكتور
توقَّف فجأةً حين وجدها أمامه. همس اسمها دون وعي.
انسابت دموعها فورًا.
نهض من مكانه واقترب: بتعيَّطي ليه، في إيه؟
لم تجبه، ألقت بنفسها بين ذراعيه وبكت بصوتٍ مرتفع. سحبها إلى الأريكة الموجودة في أحد أركان المكتب، وضمَّها إليه: اهدي وبطَّلي عياط، فهِّميني إيه اللي حصل؟
لم تنطق. فقط نشيجٌ مكتوم يهزُّ جسدها.

احتضن وجهها بين كفَّيه، ومسح دموعها بأنامله: بطَّلي عياط، ليه بتقلقيني عليكي؟
همست بصوتٍ مكسور: زعلان منِّي؟
صمت للحظات، بينما كلمات الصباح ترنُّ في أذنه، رفعت كفَّيها إلى وجهه، ونظرت في عينيه: أنا آسفة سامحني. مكنش قصدي، بس إنتَ
وضع إصبعه على شفتيها: إش خلاص.
ابتعد خطوة، والتفت ليلتقط بعض أوراقه: قومي روحي، لازم أخرج دلوقتي.
تعلَّقت به بنبرةٍ مرتعشة: يعني إنتَ زعلان منِّي؟

توقَّف، ثم ابتعد قليلًا ناظرًا أمامه دون أن يلتفت: مش زعلان، الموضوع انتهى وقت ماخرجت من البيت.

أدارت وجهه إليها، وعيناها تلمعانِ بالدموع التي لم تستطع حبسها: يوسف إيه اللي حصل معاك إمبارح؟ ومتقولش عمليات، لأنِّي مش مصدَّقة.
تجمَّد للحظة، لم تكن المشكلة في السؤال. بل في نظرتها.
تلك النظرة التي تخترقه كأنَّها ترى مايدفنه في صدره منذ الأمس.
نهض من مكانه سريعًا، كأنَّ الجلوس أمامها صار خطرًا، واتَّجه إلى مكتبه يجمع أشيائه بيدٍ متوتِّرة: ضي، أنا مش فاضي لازم أمشي دلوقتي.

كان يهرب. يعرف ذلك جيِّدًا.
لكنَّ البقاء أمامها يعني أن ينهار، وهو لا يملك رفاهية الانهيار.
استدار بنصف جسده إليها، محاولًا أن يبدو ثابتًا: هغيب تلات أيام، في عمليات في سوهاج مع الدكتور وطبعًا مش هينفع نرجع قبل كده.
هبَّت من مكانها دون تفكير: هاجي معاك.
التفت إليها فجأة، حدَّق فيها بذهولٍ حقيقيّ، شعر بانهياره، لأنَّها تمسُّ أعمق نقاط ضعفه: تيجي معايا فين؟ إنتي اتجنِّنتي مينفعش!

اقتربت منه وحاوطت خصره، أسندت رأسها إلى صدره كأنَّها تتشبَّث به: خدني معاك يا يوسف علشان خاطري، مش هقدر تبعد عنِّي تلات أيام.
في تلك اللحظة، شعر أنَّ صدره ينهار. أنفاسه ضاقت، وقلبه ارتجف بعنف.
كم تمنَّى أن يحتضنها بقوَّة، أن يقول لها أنَّ البعد يقتله قبلها لكن الحقيقة كانت أقسى.
أطبق على جفنيه وهمس بصوتٍ بالكاد خرج: لازم تتعوِّدي. قالها وهو يطعن نفسه.

يعلم أنَّها ستوجعها، لكنَّه لم يجد جملةً أخرى تحميها من مصيرٍ يخشاه.
رفعت رأسها تنظر إليه، تهزُّ رأسها برفضٍ عنيد: مش موافقة، ولا حتى يوم واحد. هاجي معاك.
اعتصر فؤاده. ياالله، ماهذا الشعور الذي يكاد يخنقه ويدفنه وهو مازال حيًّا؟
شعور رجلٍ يحبّ، ويخاف أن يكون حبِّه سبب الألم.
رفع كفَّيه وحاوط وجهها، محاولًا السيطرة على رجفة قلبه.
أراد أن يصرخ، أن يعترف، أن يقول: أنا اللي مكسور، مش إنتي
أنا اللي خايف.

لكنَّه الرجل الذي تعلَّم أن يبتلع أوجاعه في صمت.
ضي، أنا معايا دكاترة، يعني مش لوحدي، هتيجي معايا إزاي؟ ده شغل مش فُسحة.
العمليَّات دي بكتسب منها خبرات، ولازم أحضرها وأشارك فيها كمان
ولَّا عايزاني أفضل زي ماأنا؟
كانت كلماته منطقيَّة
لكن قلبه كان ينزف مع كلِّ حرف.
ارتفعت على أطراف قدميها، حاوطت عنقه وقبَّلته. قبلةً بسيطة، لكنَّها كانت كافية لتزلزل ماتبقَّى من ثباته.

أغمض عينيه، يدعو الله أن يُبقيه متماسكًا.
لا يريد أن يؤذيها، لا يريد أن يكسِر قلبها. يعرف كم تعشقه، ويعرف أنَّ القدر هذه المرَّة أقوى منهما معًا.
ابتعد عنها أخيرًا، كأنَّ الاقتراب أكثر سيُسقطه.
أشار إلى حقيبته دون أن ينظر في عينيها: يلَّا، لازم أخرج دلوقتي.
قالها وقلبه معلَّق بها، ووجعه مغلقٌ عليه بإحكامٍ كعادته، ظلَّت تنظر إليه في صمتٍ موجع، حتى تلك القبلة التي رفضها مازالت تحترق فوق شفتيها.

ماذا تفعل، هل تهدر كرامتها أمامه.
أم تخرج وتتركه وحيدًا كما يحاول أن يكون؟
لم تُبعد عينيها عنه وهو يجمع أدواته داخل الحقيبة، يتحرَّك كأنَّ شيئًا لم يُكسر بينهما.
اقتربت منه أخيرًا، بعدما ضربت كلَّ قراراتها بحائط العجز، واحتضنته من الخلف، وضعت رأسها على ظهره كطفلةٍ تستنجد: يوسف، أنا تعبانة أوي، مش قادرة.

تجمَّد لثانية. ثم التفت إليها سريعًا وحاوط جسدها، يضمُّها بقوَّةٍ كأنَّها الشيء الوحيد الذي يُبقيه واقفًا.
كان يعلم، يعلم أنَّه يضغط عليها دون ذنب، وأنَّه هو السبب في هذا الوجع: مش زعلان خلاص، صدَّقيني مشغول علشان العمليات زي ماقلتلك.
عانقت عيناها عينيه، مع ارتجافة جسدها التي ترجوه أن تصدِّق.
أرادت أن تطمئن لكن هروب نظراته كان يخنقها.

مال بجسده، وطبع قبلةً سريعةً على شفتيها، ثم رسم ابتسامةً متكلِّفة: إحنا في المكتب ينفع كده؟
للمرَّة الأولى لمعت عيناها بسعادةٍ خجولة.
رغم أنَّ قلبها لم يطمئن، إلَّا أنَّ تلك اللحظة أراحت وجعها قليلًا.
رفعت نفسها وهمست قرب أذنه: بحبَّك لدرجة الموت.
اجتاحته رجفةٌ عنيفة.

ضاع مع همسها، ووضع جبينه فوق جبينها، يتمنَّى لو يستطيع أن يضمَّها ولا يتركها حتى تذوب بين ذراعيه: وإنتي نور قلبي الوحيد مش عايز منِّك غير إنِّك تتمسِّكي بقلبي يا ضي قلبي وبس.
هنا، فاق الاحتمال قدرته.
رفعت ذراعيها حول عنقه وقبَّلته، وقلبها ينتفض بحبِّه.
أخيرًا، رفعها قليلًا يضمُّها إليه، وغاب في قبلتها لثوانٍ معدودة
كأنَّها قبلة حياة، لا يريد بعدها فراقًا.

ابتعد سريعًا حين استمع إلى طرقاتٍ على الباب: دكتور دكتور حمدي بيقول هنتحرَّك بعد خمس دقايق.
أومأ دون حديث، فخرجت الممرِّضة بهدوء.
اقتربت ضي منه بدلالٍ طفوليٍّ تبتسم: خلِّي بالك من نفسك، وعيونك الحلوة دي ماتبصِّش غير على حاجتين، قلب مريضك وصورتي على التليفون.
ابتسمت عيناه على شقاوتها، وأشار لها محذِّرًا: طيب يلَّا شوية وهتفضحيني.
نعم. فضيحة إيه إن شاء الله؟ جوزي وبصالحه، محدِّش له حاجة عندي.

قاطعهم دخول بلال دون طرق، التفتت إليه ضي وهي تضحك: كده أنا بقول الحمد لله إنِّ الممرضة اللي دخلت.
ابتسم يوسف وهو ينظر إلى بلال: مليون مرَّة أقولُّه خبَّط قبل ماتدخل بس عمِّي معرفش يربِّيه.
شوف إزاي! أنا لازم أروح لأبويا وأحاسبه إنُّه مربَّنيش.
وأخبَّط ليه يا أخويا؟ دي أوضة كشف للمرضى، مش أوضة في ديسكو.

قالها وهو يقترب من ضي، يضمُّها تحت ذراعه ويقبِّل جبينها: المستشفى نوَّرت يا روحي، فيه حدِّ ييجي للدكتور البارد ده؟
كنتي تعالي لي، على الأقل بفهم في الحلاوة دي.
رفع يوسف حقيبته وهو يردُّ عليه: سايب لك المستشفى كلَّها يا أخويا، يبقى اعمل فيها عريس المولد.
هوَّ المولد له عريس؟
توقَّف يوسف عند الكلمة، وغمز له: إنتَ بلاش أتكلِّم.
لا والله!

اقترب منه، لكن يوسف تحرَّك نحو الخارج ثم توقَّف عند الباب، التفت إليها: خلِّي بالِك من نفسك.
ثم نظر إلى بلال: خد بالك منها يا ابني.
— ده إنتَ توصِّيها عليَّ؟
خرج يوسف
لكنَّ قلبه ظلَّ واقفًا عندها.
تبِعته بعينيها وهو يتحرَّك بجوار الممرِّضة، يتحدَّث إليها بنبرةٍ هادئة، عمليَّة، كأنَّ الرجل الذي كان بين ذراعيها منذ دقائق لم يكن هو ذاته.

تحوَّل فجأةً من شخصٍ دافئ، قريب، إلى آخر جامد، رسمي، بارد حد القسوة.
شعرت بالغربة عنه وهي مازالت على بُعد خطوات.
حاوط بلال كتفيها بحركةٍ أخويَّةٍ خفيفة: قالِّك كان فين إمبارح؟
هزَّت رأسها نفيًا، تحاول عبثًا أن تحاصر تلك الدمعة التي لمعت بعينيها وهدَّدتها بالسقوط. استدارت إليه تسأله بنبرةٍ مكسورة: إنتَ مش مخبِّي عليَّ حاجة؟
تنهَّد بلال وقال بثبات: والله أبدًا حتى عمُّو إلياس فاكرني عارف حاجة.

أومأت ببطء، ثم قالت وكأنَّها تقنع نفسها قبل أن تقنعه: تمام يا بلال هعمل مصدَّقة، بس لو عرفت أي حاجة قولِّي.
سكتت لحظة، ثم أضافت بصوتٍ أخفض: يوسف مش سليم خالص فيه حاجة كبيرة مخبِّيها.
قطَّب بلال حاجبيه مستغربًا: ليه بتقولي كده! علشان اتأخَّر شوية يعني؟
ابتسم ابتسامة باهتة وهو يكمل: وبعدين لو على الخطوبة، هوَّ عوَّضها قبل كده، شايف الموضوع مش مستاهل القلبان ده كلُّه.
أغمضت عينيها.

مشاهد الأمس القاسية تعصر صدرها عصرًا مؤلمًا، ذلك لم يكن زوجها
كان شخصًا آخر، إمَّا يحاول قتل أشياء بداخله، أو يقسو على نفسه بشيءٍ يحرقه من الداخل أو ربَّما
تاه عقلها في احتمالاتٍ تلسعها كسياط، حتى أفزعها صوت بلال: رولا في المكتب هتيجي ولَّا تنزلي؟
رفعت عينيها إليه فجأة، وكأنَّ سؤالًا ظلَّ عالقًا في صدرها وآن له أن يخرج: بلال، إنتَ ناوي تعمل إيه مع رولا؟
استدار وهو يجيب بنبرةٍ حاسمة: أعمل إيه مش فاهم؟

ثم أضاف بحدَّةٍ خفيفة: لو قصدك موضوع الجواز، فده مش جواز. ولو فتحتي الموضوع تاني هزعل منِّك.
توقَّف فجأةً واستدار إليها، يرمقها بنظرةٍ ذات مغزى، وقال بوضوحٍ لا يقبل النقاش: عمري مادخلت بينك وبين يوسف.
خفض صوته وهو يكمل: فأتمنَّى تحترمي قراراتي، ومتلعبيش بدماغ رولا
ثم ختم بجملةٍ قاطعة: لأنِّنا عمرنا ماهنتقابل في طريق واحد.

كانت بالخلف
تستمع إلى كلماته و قلبها ينخر ببطءٍ وحشيّ، كأنَّ كلَّ حرفٍ منه يقتطع جزءًا حيًّا من روحها.
لم تبكِ لم تصرخ فقط شعرت بذلك الصوت الخافت داخل صدرها، صوتُ شيءٍ جميلٍ يتكسَّر.
استدار متحرِّكًا، لكنَّه توقَّف حين اصطدم بها.
ابتلع ريقه وهو يتأمَّلها؛ ملامح شاحبة تخفي إعصارًا، عينانِ متعبتان تحاولان التماسك بالقوَّة.

ورغم أنَّ كلماته كانت صفعةً بلا يد، إلَّا أنَّها ابتسمت ابتسامةُ من يودِّع نفسه، لا من يجامِل الآخرين.
اقتربت خطوة وكأنَّها تجمع ماتبقَّى منها: مش قادرة أقعد أكتر من كده مع ريحة المطهِّرات والبنج.
صوتها خرج ثابتًا، لكنَّ صدرها كان يختنق: الله يكون في عونكم.
اتَّجه نظرها إلى ضي، وابتسامتها مازالت معلَّقة بوجهها كقناعٍ ثقيل: يارب تكوني صالحتي يوسف ونمشي.

سكتت لحظة، ثم أضافت بخفَّةٍ مصطنعة كسكِّينٍ مغروس: عايزة أعدِّي على الشركة أقطع إجازتي، زهقت من القعدة.
كانت ضي ترى انكسارًا صامتًا، امرأة تحاول الهروب من شخصٍ كان يفترض أن يكون ملاذها.
شعرت بإشفاقٍ موجع، فاكتفت بهزِّ رأسها، ثم استدارت للمغادرة.
في اللحظة التي تحرَّكت فيها، أمسك كفَّي رولا. تجمَّد جسدها
ذلك اللمس الذي كان يومًا أمانًا، صار الآن حملًا ثقيلًا يضغط على جرحٍ مفتوح.
رولا أنا كنت بقول.

رفعت عيناها إليه ببطء، كانتا تلمعانِ بدمعةٍ محبوسة، والابتسامة الباردة مازالت قائمة، لكنَّها كانت ترتعش: إنتَ ضحِّيت
توقَّف صوتها للحظة، تشعر بأن صدرها ينهار، ثم تابعت بقسوةٍ على نفسها: وأنا لازم أدفع تمن التضحية يا دكتور.
كلمة الدكتور خرجت منها كمسافة، كحاجزٍ أخير بينهما.
تنفَّست بصعوبة، وأضافت بصوتٍ واهنٍ متماسك: يومك سعيد بعد إذنك.
سحبت كفَّيها من يده، وكأنَّها تنتزع آخر خيطٍ يربطها به.

تحرَّكت خلف ضي بخطواتٍ مترنِّحة
تعدَّها واحدةً تلو الأخرى. وتتوسَّل إلى ربِّها ألَّا تسقط الآن. ألَّا تبكي أمامه، ألَّا يرى كيف ماتت ببطءٍ وهي مازالت واقفة.

بمنزل إلياس.
ترجَّل من سيارته، وقعت عيناه على ميرال وهي تتَّجه نحو منزل يوسف. أغلق باب السيارة خلفه وتحرَّك إليها بخطواتٍ متوتِّرة. كانت قد وصلت بالفعل، تزامن وصوله مع فتح الخادمة للباب: الدكتور صحي ولَّا لسه؟
أجابتها الخادمة باحترام: الدكتور خرج من بدري يا مدام، من الساعة عشرة.
الساعة عشرة!
تمتمت بها ميرال بصوتٍ خافت، في اللحظة التي وصل فيها إلياس، فأشار للخادمة بالدخول: خلاص.

ثم التفت إليها: يوسف نزل المستشفى، وهيسافر سوهاج النهاردة.
رفعت عينيها إليه، والحزنٌ واضح يكسو ملامحها: من غير مايعدِّي عليَّ! أوَّل يوم يروح الشغل ومايعدِّيش عليَّ؟
سحب ذراعها بلطف، وتحرَّك بها في اتِّجاه منزله: ممكن يكون متأخَّر على شغله، بلاش تخنقيه. إنتي عارفة لو كان عنده وقت كان عدَّى عليكي.
توقَّفت فجأة، وسحبت ذراعها من يده: إلياس أنا قلبي مش مرتاح، ريَّحني وقولِّي ابنك ماله؟

زفر بضجر، ثم صاح بنبرةٍ غاضبة لم يستطع كبحها: هوَّ ابنك طفل، الولد كويس. ابنك راجل يا مدام ودكتور، مش عيِّل علشان تخافي عليه بالشكلِ ده!
ثم تابع بنبرةٍ أكثر حدَّة: قال كان عنده عملية مهمَّة، ينفع يسيب مريض بيتألِّم وييجي علشان خطوبة؟
هزَّت رأسها ببطء، ووضعت كفَّها على صدرها كأنَّها تحاول تهدئة وجعٍ لا يُرى: بتمنَّى يكون كلامك صح، بتمنَّى ماتكونش مخبِّي عليَّ حاجة.

رفعت عينيها المبلَّلتين إليه: علشان قلبي وجعني أوي، ومش عارفة المرَّة دي الدنيا هتعاندني مع مين فيكم.
اجتاحه الألم من نبرتها، ذلك الوجع الخفيّ الذي يعرفه جيِّدًا. هو الآخر يشعر بأنَّ هناك شيئًا ما شيءٌ غامض، حاول الوصول إليه مرارًا، لكنَّه كان كسرابٍ يبتعد كلَّما اقترب.

وبعدين معاكي يا ميرال، ليه تخرَّجيني على شعوري؟ متكبَّريش الدنيا، يوسف كويس بلاش نعامله كطفل، سبيه يعمل اللي عايزه. والله أنا شلت المراقبة من عليه، لو مش مصدَّقة اسألي مالك، مينفعش أراقب راجل ودكتور.
رفعت رأسها إليه، والدموع متكدِّسة تحت جفنيها: مابقولش راقبه، بس أكيد عارف بطرقك هوَّ كان فين.
كان في المستشفى، مخرجش منها. ودا عرفته من الكاميرات علشان قلبي يطمِّن، يعني هوَّ كويس.

أومأت قائلةً بصوت ٍخافت: يارب دايمًا كويس يارب.
حاوط أكتافها وتحرَّك بها تجاه منزله، وهو يتحدَّث بطريقةٍ تمزج بين التدخُّل واللطف: فيه أمِّ عروسة تعيَّط كده على الصبح. طيب لو شمس شافتك تقول إيه، ماما زعلانة علشان اتخطبت.
أزالت دموعها وهي تنظر أمامها، تتحدَّث: هيَّ عارفة إنِّي كنت قلقانة على أخوها.
قطع حديثهما دخول سيارة ضي من البوَّابة الرئيسية. توقَّفت وهمست: هشوف ضي.

ضغط إلياس على ذراعها: وبعدين معاكي، ليه عايزة تقلقيها؟ ميرال، بطَّلي شغل الأطفال دا.
وصلت ضي بجوار رولا بابتسامةٍ عريضة: مساء الخير يا عمُّو، مساء الخير يا طنط.
مساء الخير على الصبايا إيه كنتوا فين؟
كنَّا في المستشفى عند الدكاترة، وبعدين رولا عدِّت على الشركة علشان تنزل شغلها بكرة.
طالعها إلياس بنظرةٍ تقييميَّة ثم قال: ليه يا حبيبتي تنزلي الشغل؟ لسة مكمِّلتيش الشهر.
مفيش يا عمُّو زهقت.

ربت على كتفها وقال بنبرةٍ حنونة: لو حاسَّة إنِّك زهقتي انزلي.
أومأت له ثم انسحبت معتذرةً إلى منزلها، بينما اقتربت ميرال من ضي رغم تحذيرات إلياس وتساءلت بقلب الأمِّ الذي يهفو من الخوف على فلذة كبدها: جوزك فين، وإيه اللي حصل معاه إمبارح؟
تأفَّف إلياس وتركها ورحل وهو يقول بنبرةٍ غاضبة: مش هتتغيَّر أبدًا.
بينما اقتربت ضي منها وأمسكت ذراعها وحاولت رسم ابتسامةٍ مطمئنة: كويس، أنا لسة راجعة من عنده.

طالعتها ميرال بتقييم متسائلة: وليه رايحة له المستشفى، هوَّ مش مبيِّت في البيت؟
ارتبكت في بادئ الامر ولكنَّها سيطرت سريعًا على ارتبكاها وقالت: مشي وأنا نايمة، ومعرفتش إيه اللي أخرَّه إمبارح، فروحت أطمِّن عليه.
يعني هوَّ كويس؟
جدَّا والله، وسافر كمان، ادعي له بقى
ربِّنا يوفَّقه ويبعد عنُّه الأذى يارب.
يارب، تمتمت بها ميرال واستأذنت متحرِّكةً إلى منزلها.

بمنزل يزن.
طرق على غرفة مكتب والده ثم دلف للدَّاخل وهو يحمل بعض الأوراق، وجده يجلس مع كريم: فاضي يا بابا؟
أشار إليه يزن بالدخول، واستدار إلى كريم: شوف المساحة وعرَّفني، إلياس مش هيعترض، وكمان طارق قالِّي لمَّا يرجع من السفر هيرجع بيته، عايز ولاده يتربُّوا هنا.
نهض كريم وقال: تمام هشوف إيمان الأوَّل، أنا عجبني الكمبوند، لكن لازم موافقة إيمان.

شوفوا اللي يريَّحكم، بس من رأيي تفضلوا هنا، اللمَّة حلوة، وزي ماإنتَ شايف، ماتعرفش بيت مين.
أومأ ورد: ودا اللي عجبني، بيفكَّرني بحياة والدي الله يرحمه.
الله يرحمه، معتقدش إنِّ إيمان ترفض خلِّي بالك. وكلِّم أنس ابنك برضو وخد رأيه، هوَّ هيفضل مسافر طول حياته.
رافض مصر خالص يا يزن، بنحاول أنا وإيمان يرجع، لكن رافض قطعًا.
ربِّنا يهديه حبيبي.
هعدِّي على المستشفى.

جلس آسر يمدُّ يده ببعض الأوراق لوالده بعد خروج كريم: دي ميزانية الحفلة اللي هنعملها الأسبوع الجاي، عايز حضرتك تلقي نظرة عليها.
أخذها يزن يتطلَّع إليها ثم أومأ له: كويس حبيبي، وخلِّي أختك برضو تشوفها، عرفت إنِّ عمَّك إلياس كان رشَّحها إنَّها تتابع مع منظِّمة الحفل.
اتحرجت الصراحة يا بابا، دي لسة عروسة ومينفعش نشغلَّها.
كلِّمها وعرَّفها لو فاضية مش هتعترض.

حاضر. هعدِّي عليها دلوقتي، فيه حاجة كمان عايز أتكلِّم مع حضرتك فيها.
أنصت إليه فقال: مش عايز حضرتك تتدخَّل في المكتب رجاء، ولا حتى رواتب الموظفين، عايز أعتمد على نفسي.
نهض يزن من مكانه وهو يطالعه بفخر: حبيبي أنا فخور بيك، وكلامك دا بيسعدني، لكن أوعدني لو فيه أي مشكلة أنا أوَّل واحد يعرف، مفيش حد هيخاف عليك قدِّي، حطِّ دي في دماغك.
من غير ماتقول حضرتك.

قاطعهما دخول رحيل: هنخرج ولَّا إيه؟ الاجتماع هيبدأ بعد نصِّ ساعة.
توقَّف يزن وهو يطالع ابنه: شوف اللي محتاجه في الأوَّل وبعد كدا نتكلِّم.
تمام. اقتربت منه رحيل: فيه مشكلة حبيبي ولَّا حاجة؟
هزَّ رأسه بالنفي وقال: لا، كنت باخد رأي بابا في الحفلة.
ربتت على كتفه بحنانٍ أموميّ وأردفت: أنا موجودة وشاطرة في الحاجات دي، لو بابا مشغول عرَّفني محتاج إيه.
حبيبتي يا ماما متحرمش منِّك، كلِّ حاجة تمام.

أومأت مبتسمة وتحرَّكت خلف يزن، وهي تتحدَّث إلى نجلها: هتخرج ولَّا عندك حاجة في البيت؟
لا، حبيبتي هخرج عندي كام مشوار يخصُّوا المكتب، وصلت إليهم سدن: ممكن توصَّلني لعند مامي في طريقك يا آسر.
حبيبتي محتاجة حاجة؟
لا أنطي، بس كنت متِّفقة مع مامي نخرج بعد شغلها نعمل شوبينج.
تمام. التفتت إلى ابنها: عندك وقت توصَّلها ولَّا أخلِّي السوَّاق ياخدها.

نظر بساعته وأومأ لها: هاخدها في طريقي، بس ادعي لي الطرق متكنش زحمة دلوقتي.

ابتسمت رحيل وغادرت، بينما اقتربت سدن منه وهي تنفث أنفاسها بضيق: ليه هنا عربيات بتطلَّع دخان وريحتها وحشة؟
مش بالظبط، فيه عربيَّات لسه مااشتغلتش بالغاز، فطبيعي البنزين بيتحرق مع زحمة القاهرة.
أوبس يا أَسِر، أنا مابحبِّش الزحمة، ولا الريحة دي.
ارتدى نظَّارته الشمسيَّة وأشار لها أن تتحرَّك، ثم توقَّف فجأةً وعيناه تستقرَّان على ملابسها بثباتٍ أربكها: إنتي هتخرجي كده؟

نظرت إلى نفسها ثم أومأت بلا اكتراث: آه ماله؟ ده جيب.
لا، ده مش جيب يا سدن، ده شورت، وما ينفعش تخرجي بيه.
انحنت تلتقط حقيبتها، ونبرتها خرجت حادَّة: مابحبِّش التدخُّل في حاجتي الخاصَّة، آسِر هتوصَّلني ولاَّ أشوف تاكسي؟
زفر ببطء، كأنَّه يحاول كبح شيءٍ أعمق من الغضب: أنا مش بتدخَّل أنا بنصح.
إحنا مسلمين وربِّنا لمَّا كرم الستّ، ماكرمهاش إنَّها تبقى معروضة. فيه حدود للمسلمة ماتتخطَّهاش.

إيه هيَّ الحدود عندك أستاذ محامي؟
جاء صوتها من الخلف.
التفت آسِر سريعًا، لتقع عيناه على آسيا التي وصلت تحمل كوب مشروبها.
لمعت عيناه بلا وعي، وكأنَّ حضوره أمامها يخلخل توازنه.
استند إلى الجدار، ونظر إليها بنظراتٍ صقريَّة ثابتة: لا يا باشمهندسة مش عندي.
ربِّنا قالها صريحة: ?وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَاظَهَرَ مِنْهَا?
وقال كمان: ?وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى? جُيُوبِهِنَّ?.

ده مش تقليل من الستّ، ده حفاظ عليها.
ابتسمت آسيا بسخريَّةٍ خفيفة: حفاظ، ولَّا خوف من جمالها؟
اقترب خطوة، وصوته ازداد عمقًا: بالعكس
ربِّنا كرم الستِّ بجمالها. وعلشان كده طلب الحفاظ عليه.
الجوهرة مابتترميش في الشارع. ولا بتتحطِّ في إيد أي حد.
الجمال في الإسلام نعمة
والستر احترام للنعمة، مش إنكار ليها.

يعني ستر، مش استعراض
وحدود، مش أذواق شخصية.
بس ربِّنا بيحاسب القلوب مش الأقمشة.
قالتها آسيا بثقة.
صحيح، بس هوَّ نفسه اللي قال: ?ذَ?لِكَ أَدْنَى? أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ?
يعني الشكل رسالة مش تفصيلة مالهاش قيمة، القلب اللي فاهم بيحافظ مش بيجادل.
يعني اللي مش محجبة قلبها فاسد؟
قالتها بنبرةٍ متحدِّية.

هزَّ رأسه نفيًا بعنفٍ مكبوت: لا، بس اللي عارفة إنِّ ربِّنا أمر. وتحوَّل الأمر لنقاش علشان ترتاح. دي مش حريَّة.
الحريَّة إنِّك تختاري نوع لبسك، مش تتناقشي في أساسيات في الإسلام، مش إنِّك تغيَّري معنى التكريم علشان يناسب مزاجك.
زمَّت شفتيها باستخفاف: تخلُّف جهل، عند الستِّ تحكُّمات، إنَّما الراجل براحته.
يعني مامتك متخلِّفة وجاهلة؟!

تدخَّلت سدن وهي تلوِّح بيدها بضجر: يوووه shut up بقى، أنا عايزة أخرج.
لكن آسِر لم يبعد عينيه عن آسيا، واستكمل وكأنَّه يخاطبها وحدها: وبالمناسبة
ربِّنا ماحمَّلش الستِّ الذنب لوحدها.
قال للراجل قبلها: ?قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ?
وبعدها مباشرة: ?وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ?
يعني احترام متبادل، مش ستِّ بتستخبَّى
ولا راجل بيتفرَّج.

رفعت آسيا ذقنها، لكن نبرتها فقدت حدَّتها الأولى: الزمن اتغيَّر يا آسِر.
ابتسم ابتسامةً قصيرة، موجعة: دي مش تكنولوجيا يا باشمهندسة، دا دينَّا، وأظن معظم الأديان بتدعي للتكريم، والتكريم مابيتغيَّرش.
إحنا بس اللي بقينا فاكرين
إنِّ كشف الجمال حريَّة.
ونسينا إنِّ الحفاظ عليه كرامة. افهمي الحرية يا باشهمندسة مش يمكن حضرتك اللي فاهمة الجهل والتخلُّف بطريقة المكان اللي حضرتك اتربِّيتي فيه.

سحب نظره منها أخيرًا، والتفت إلى سدن: براحتك تاكسي أو أوصَّلك.
سحبت آسيا نظرها من عينيه وهي تقول ببرود متعمَّد: اتأخَّرت أستاذ محامي.
وغادرت بينما ظلَّ واقفًا. يشعر أنَّ الجدل لم يكن عن اللبس فقط، بل عن معنى أعمق لم تحسمه الكلمات بعد.
صاحت سدن: تفضل واقف كدا؟

بمنزل أرسلان.
كانت قد انتهت لتوِّها من ارتداء ملابسها، تُعدِّل حجابها أمام المرآة، دلف إليها مبتسمًا يراقبها وقال: حضرة الناظرة خارجة ولَّا إيه؟
التفتت إليه مبتسمة، وهزَّت رأسها وهي تُحكم لفَّ حجابها: أيوه، بقالي كام يوم مارُحتش المدرسة، عايزة أعمل كبسة عليهم شوية.
اقترب ضاحكًا، ثم توقَّف خلفها يضمُّها من الخلف: أحلى ستِّ ناظرة تعمل كبسة.

رفعت وجهها إليه بنظرةٍ متصنِّعة الغضب: بتتريق يا باشا، الله يرحم.
لفَّها إليه، وتعمَّق النظر في عينيها بنبرةٍ صادقة: تعرفي أكتر مهمَّة حبِّيتها في حياتي إيه؟
ضيَّقت عينيها تنظر إليه باستفهام، فرفع ذراعيه فوق كتفيها وقال: مهمِّة شقِّة الإرهابي اللي اتقابلنا فيها، فاكراها؟
حاولت التذكُّر، ثم هزَّت رأسها نفيًا: مش فاكرة الصراحة.

لفَّ ذراعيه حول جسدها أكثر مقرِّبًا إيَّاها منه، وتحدَّث بنبرةٍ مصطنعة الاستياء: معقول ناسية؟! ده أنا المهمَّة دي في قلبي، وحضرتك بتقولي مش فاكرة؟
ضحكت بنعومة، وتشبَّثت بذراعه: لا طبعًا فاكرة، بس مش دي أوَّل مرَّة نتقابل فيها يا باشا، شكل الباشا كِبر وبينسى كتير.
انحنى يهمس، وعيناه تخترقان عينيها: والله الباشا لسه شباب، بس إنتي اللي ظلماه، ولو عايزة تعملي تجربة معنديش أي اعتراض.

ضحكت بصوتٍ مرتفع، دفنت وجهها في صدره ولكزته بخفَّةٍ محبَّبة.
حاوطها بذراعيه، يضمُّها إلى صدره وهمس: ربِّنا يخلِّيكي ليَّا يا غرامي يارب.
ويخلِّيك ليا يا حبيبي يلَّا لازم أخرج دلوقتي واعمل حسابك النهاردة هنسهر عند إلياس.
ابتسم بطاعةِ عاشق: إنتي تؤمري يا جميل.

سحبت حقيبتها واتَّجهت نحو الخارج، لكنَّها توقَّفت عند الباب، التفتت إليه قائلة: بقولَّك إيه، إيه رأيك تعدِّي على رولا وتشوفها عاملة إيه؟ معرفش حاسَّة إنَّها بقت تتكسف منِّنا أوي، دي ماكنتش كده قبل الجواز.
هزَّ رأسه بتفهُّم: تمام، يلَّا علشان ماتتأخَّريش.

بغرفة شمس. كانت تجلس بشرفة غرفتها، تتفحص صور خطوبتها عبر هاتفها. ابتسامة رقيقة شقت شفتيها حينما وقعت عيناها على حمزة، وهو يسحب كفيها ليُلبسها الدبلة، وكأن اللحظة تُعاد من جديد.
قطع شرودها رنين الهاتف، التقطته سريعًا حين رأت اسمه يُنير الشاشة.
صباح الخير
صمت قصير، وأنفاس هادئة تسبق صوته الدافئ
صباح الحب يا حبيبي
ابتسمت وهي تقول بنبرة هادئة: لسه صاحي ولا إيه؟

آه بكلمك من على السرير، لسه ما فوقتش. لازم أسمع كروان حياتي الأول
أفلتت ضحكة خافتة وهمست
فوق بقى، الضهر أذن أصلًا إيه الكسل ده؟
اعتدل في جلسته، مرر يده بين خصلاته وتنهد بحب
لما تيجي عندي، وعد مش هنام غير كام ساعة بس
ارتجف قلبها، وقالت بجدية لطيفة
حمزة، لو سمحت بلاش الكلام ده
ضحك بصوت عالٍ
نفسي أكون قدامك دلوقتي
ليه بقى؟
علشان أشوف العيون البريئة والفراولة اللي على الخدود
اتسعت ابتسامتها وقالت بلهجة محذرة.

طيب يا كابتن، كده هضطر أقفل
تحدث سريعًا
وأهون عليكي؟ مش هصعب عليكي؟
تنهدت، ثم قالت بحنان حاسم
طيب بطل بقى كلامك ده، ويلا قوم، صلي الضهر. ومتنساش بعد كده تظبط المنبه على صلاة الفجر في المسجد.
سكتت لحظة، ثم أضافت بابتسامة
ما بحبش الكسل وعلى فكرة، هتلاقي نفسك نشيط قوي، ووقتك فيه بركة، وهتنام زي الملاك
ابتسم صوته قبل كلماته.

والله إنتِ اللي ملاك قلبي. حاضر. وعلى فكرة، أنا في الشغل بصلي الفجر دايمًا ثم أضاف ضاحكًا
إنما في بيت إسحاق الملايكة بتتطفش
ضحكت شمس بخفة، تهز رأسها وهي تضم الهاتف إلى أذنها
بيت إسحاق إيه بس؟ ده أنا جاية أعمل فيه غزوة صلاة، واحد واحد هتقوموا على الأذان
تنهد بحب
ماشي يا شيخة شمس، خلاص استسلمت بس أوعديني تيجي تصحيني بنفسك
أصحّيك ازاي؟

لا دا مابيتقلش ياروحي، وعد هتكوني منبهي الوحيد اللي بيخليني أقوم من غير ما ألعن اليوم
ضحكت من قلبها، فابتسم وهو مغمض عينيه.
ساد صمت قصير، صمت مريح، يتقاسم فيه القلبان نفس الإحساس رغم المسافة.
حمزة
نعم يا روحي
خليك دايمًا قريب من ربنا علشاني، وعلشانك
جاء رده بلا تردد
قريب منه والله علشان يفضل جامعني بيكي
اغرورقت عيناها، لكنها ابتسمت وهي تنظر إلى صورتهما على الهاتف
ثم همست قبل أن تُغلق المكالمة.

قوم بقى وأنا هشوف مذاكرتي
ماانا قومت وتحت على فكرة، انتي اللي كسولة.

ارتفعت ضحكاتها وهي تقول بمشاكسة
بتفكرني بيوسف وبلال نفس الرد
تذكر شيئًا، فسأل باهتمام
اطمنتِ على يوسف؟
هنا تسلل الحزن لقلبها مع ذكرى أخيها الحنون، فأجابت بنبرة دافئة
آه يا حبيبي، كان عنده عملية برّه المحافظة، علشان كده جه متأخر
الحمد لله، المهم يكون كويس
شردت قليلًا، تستعيد حديثًا دار بينهما منذ فترة، ثم قالت.

آه الحمد لله هسيبك بقى علشان تقوم تصلي الضهر، وأنا كمان أصلي وأشوف مذاكرتي، الامتحانات على الأبواب خلاص
بالتوفيق يا حبيبي
خلي بالك من نفسك
حاضر
أنهى المكالمة، ونهض من فراشه، دقائق قضاها في الحمام، ثم خرج ليؤدي فريضته. بعدها هبط إلى الأسفل، ليتزامن خروجه مع خروج عمران من غرفته، مطلقًا صفيرًا عاليًا
الله أكبر! الكابتن صحي بدري؟ هي الشمس هتنزل الأرض في الشتا ولا إيه؟
رد حمزة بثقة.

الشمس في السما، محدش يقدر يلمسها يا ابني
رفع عمران حاجبه بسخرية
قول والله؟
من غير ما أحلف يا ابني دي حاجة مش بيفهمها غير الأذكياء
هبط حمزة بخطوات سريعة وخلفه عمران، فوجد والدته تشرف على الخدم وهم يضعون الطعام على الطاولة. رفعت عينيها إليه بدهشة
معقول إنت صحيت؟
اقترب منها، قبّل وجنتيها
صباح الخير على أحسن ماما في الدنيا.

ابتسمت وردت: صباح الخير يا حبيبي إنما إيه النشاط ده؟ ده إنت في أجازتك بتقوم الساعة ستة، وممكن المغرب
خلاص بقى يا دينا، هسحب البوسة
ضحكت، تداعب خصلاته
ربنا يسعدك يا حبيبي
اللهم آمين
دخل إسحاق، يتفحصه بعين مازحة
لا حد يقولي إن اللي قاعد ده الكابتن على رأي الشمس والقمر
انحنى حمزة للأمام مبتسمًا.

والله يا إسحاق، والأجرام السماوية كلها كمان ومش بس كده، لا صليت الضهر كمان، وهفطر وأنزل المزرعة، من زمان ما شفتش ريحانة
قهقه عمران
أوووه لا حد يقول الخطوبة بتعمل كده، أنا ماليش دعوة! عايز أخطب هو خطب الشمس، حد يخطب لي القمر
ضحكت دينا وهي تسكب القهوة
يلا شدّوا حالكم
التفت حمزة لوالده الذي رفع فنجانه
مش تقول لابنك مبروك يا إسحاقو؟ على الدراسات العليا
مبروك وإنت فاكر إني ما عرفتش؟

يعني إنت اللي نجحتني؟ أصلّي ما ذاكرتش. قالها عمران بسماجة، بينما رد حمزة
أنا اللي كلمتهم، ولما عرفوا إنك أخو كابتن حمزة نجحوك يا أهبل أي مكان تدخله قوله أنا أخو كابتن حمزة، هتلاقيهم اتكهربوا
ضحك عمران
كده أنا تمام طب ما تقول لحماك يخلف لي بنت كمان
شهق حمزة متصنعًا
وهتستناها يا أهبل؟
لا، هاخدها أربيها المهم يسموها قمر
قاطعتهم دينا بصرامة محببة
هتاكلوا إنتوا الاتنين ولا تقوموا؟ صدعتوني.

حمحم حمزة، وسحب فنجان القهوة
بابا، كنت عايز أطلب منك طلب
رفع إسحاق عينيه إليه
اتكلم
كلم القائد عرفان عايز أرجع لطيارتي اللي اتدربت عليها، مش حابب المكان التاني
بس التاني أريح
بس مش أنا اللي رُحته يا بابا، حضرتك اللي نقلتني. عايز أرجع مكاني تاني، فريقي محتاجني، وليه حضرتك بتدخل في شغلي؟
تأمله إسحاق لحظة، ثم قال
تمام عندك شغل إمتى؟
هنزل السبت إن شاء الله
تدخلت دينا.

إيه رأيك نعزم آل الشافعي الجمعة قبل ما حمزة يرجع شغله؟
أنا موافق يا ماما
التفتت إليه
وهي بتسألك إنت يا حلوف
استدار حمزة نحوها
الأول كلمي ميرال، شوفي ظروفهم
أومأت دينا بهدوء.

مضت عدَّة أيام
في منزل يوسف.
عاد صباح يوم الحفل الخاصّ بافتتاح مكتب آسَر للمحاماة، فتح الباب ودلف إلى الداخل، فاستقبله سكونٌ ثقيل، سكونُ بيتٍ اشتاق لصاحبته.
التقطت زهرة صوت المفتاح فخرجت مسرعة، توقَّفت أمامه بلهفةٍ صادقة: حمد الله على السلامة يا دكتور.
الله يسلِّمك يا زهرة.
ردَّ بصوتٍ هادئ، لكنَّه يحمل إرهاقًا لا تخطئه عين، اقتربت منه وأخذت حقيبته: أطلَّعها فوق لحضرتك؟
لو مش هتعبك.

تحرَّكت تصعد الدرج بخفَّة: تعب إيه بس يا دكتور.
صعد خلفها بخطواتٍ بطيئة، رأسه مثقل، عيناه تحاربان النوم، أشارت إلى باب الغرفة، فأوقفها بنبرةٍ خافتة لكنَّها آمرة: هاتيهالي وانزلي إنتي.
أدخَّلها لحضرتك.
لا انزلي.
بس يا دكتور
قاطعها وهو يسحب الحقيبة من يدها: اسمعي الكلام.
دلف للداخل وأغلق الباب خلفه بهدوء.

توقَّفت زهرة مكانها تنظر للباب المغلق، تشعر بوخزة حزنٍ لا تعرف لها سببًا؛ ثلاثة أيامٍ كاملة لم تره، ولم تعرف عنه سوى سفره، وضعت كفَّها على قلبها الذي ينبض بعنفٍ حدَّ الألم
أمَّا هو
فما إن وضع الحقيبة جانبًا حتى اتَّجه لغرفة النوم، كانت هناك غارقةً في النوم.
توقَّف عند عتبة الغرفة، كأنَّ قدميه تجمَّدتا، نظر إليها طويلًا، اشتاقها حدَّ الوجع، اشتاق دفأها، صوتها، حتى أنفاسها المنتظمة.

اقترب ببطء، جلس على طرف الفراش يتأمَّل ملامحها كمن يخشى أن تختفي. مرَّر عينيه على وجهها، على شعرها المنسدل، وهمس داخله: وحشتيني، انحنى وطبع قبلةً بجوار شفتيها.
آسف هكون أناني وهفكَّر في سعادتنا وحبِّنا، واللي ربِّنا كتبه لينا هنجنيه.
دفن رأسه للحظات بصدرها: مش هقدر أبعد، كام يوم وحاسس إنِّي بموت من غيرك.

رفع رأسه ينظر لملامحها الساكنة المحبَّبة لقلبه: ربِّنا بيحاسبني على اللي طلبته منِّك، بس الحساب عسير ومؤلم قوي قوي، بحاول بس مش قادر.
ظلَّ يتابع سكونها للحظات ثم نهض و
نزع جاكيت بدلته وألقاه بإهمال، خلع قميصه وكأنَّ ثقله كان فوق قلبه لا جسده واتَّجه إلى المرحاض.

خرج بعدها، توضأ ثم وقف يصلِّي
صلاةُ رجلٍ لم يعد يملك من نفسه شيئًا، إلَّا قلبًا مثقلًا وذنبًا يخشى ثمنه.
ماإن سجد حتى انهار.
سجدةٌ لم تكن كسائر السجدات
كانت اعترافًا، وكانت رجاءً، وكانت استسلامًا كاملًا.
ناجى ربَّه بصوتٍ مخنوق، لم يخرج حرفًا، لكن صدره كان يصرخ:
يارب
إن كان في قلبي ذنب، فاغسله. وإن كان في قدري تأخير، فصبَّرني. وإن كان في رحمها حرمان، فارفعه برحمتك لا بعدلك.

يارب لا تجعل خطئي سدًّا في وجه عطاياك.
ولا تجعل خوفي القديم سببًا في كسر قلبها.
هب لنا من لدنك ذريَّةً طيِّبة. تُرضي بها قلوبًا تعبت، وتجبر بها خاطرًا طال انتظاره.
ربِّ لا تذرني فردًا وأنتَ خيرُ الوارثين.
إن كان المنع ابتلاءً، فامنحنا الرضا. وإن كان العطاء قريبًا، فاجعل فرحته كاملة، ولا تحرمنا لذَّة الدعاء ولا جمال الرجاء.
يارب
نستودعك حلمًا خبَّأناه في القلب
فلا تردَّه مكسورًا. ».

تشبَّث بالأرض كأنَّها آخر مايملكه، كأنَّ توسُّله لربِّه في السجود وحده يمنعه من السقوط الكامل، ولما لا قرائي ألم يقل ربِّي عزوجل:
ادعوني أستجب لكم
ظلَّ يوسف يناجي ربَّه
وها هو يدعو بقلبٍ لم يعد يملك إلَّا الرجاء.
توسَّل ألَّا يُؤاخذه بما اقترفت يداه، ولا بما قصَّر فيه قلبه، ولا بما ظنَّ أنَّه صواب فاكتشف متأخِّرًا أنَّه كان ظلمًا.
انهمرت دموعه رغمًا عنه، ثقيلة، حارقة.

دموع رجلٍ طال صمته، وطال احتماله، حتى فاض. وماأثقل بكاء الرجال
فإذا بكى الرجل، فاعلموا أنَّ كلَّ الحوائط التي بناها حول نفسه قد انهارت، وأنَّه لم يعد يملك رفاهية التماسك.
وخاصَّةً إن كان رجلًا بقوِّة يوسف
رجلٌ اعتاد أن يُخفي وجعه. أن يقف حين يسقط غيره.
أمَّا الآن
فقد سقط بين يدي ربَّه فقط. لا شاهد عليه، ولا قناع، ولا قوَّة
سوى عبدٍ يرجو سترًا ورحمةً وألَّا يُكسر أكثر.
ظلَّ ساجدًا طويلًا.

حتى هدأ بكائه. وماهدأ وجعه. اعتدل وجلس بعض الوقت، ثم نهض. عاد للفراش بجسدٍ مرهق وروحٍ أثقل، تمدَّد بجوارها، أغمض عينيه، يريد فقط أن يغفو أن يهدأ.
استنشقت رائحته.
ابتسمت وهي نائمة، ظنَّت أنَّها تحلم. تمتمت باسمه بخفوتٍ حنون.
استدار برأسه نحوها، قلبه انقبض.
رفع كفِّه، مسَّد على خصلات شعرها بحنانٍ افتقده، وهمس بالكاد يُسمع: أنا هنا.

شعرت به. فتحت عينيها ببطء، لتجده غافيًا أمامها، ملامحه مرهقة لكنَّها مطمئنَّة، اقتربت دون تفكير، دفنت نفسها بين أحضانه وكأنَّها وجدت موطنها.
فتح عينيه بتعبٍ فهمست وهي تقبِّله: حمد الله على السلامة، كنت بتقول هتوصل الضهر.
دفن رأسه في شعرها، يختبئ من آلامه: جيت بدري يا ستِّي زعلانة؟
رفعت رأسها، وضعت كفَّيها على وجنتيه، تنظر إليه بعينينِ مليئتين بالاشتياق: لو قولت لك وحشتني قدِّ إيه هتصدَّق؟

نظر إلى عينيها
تلك العيون التي أنهكها غيابه بقدر ماأنهكه بعدها، صوته خرج صادقًا، عاريًا من أي تماسك: لا، مش مصدَّق.
ثم أضاف هامسًا: عشان إنتي كمان وحشتيني أكتر ماتتخيَّلي. لم يُكمل.
اقتربت تهمس باسمه، كلماتها ناعمة، دافئة، كأنَّها تُربت على قلبه المتعب.
ذاب بين همساتها، وذابا معًا
تحت مظلَّة عشقٍ أبدي لا يعرف الغياب طريقًا إليه.

بمنزل بلال
طَرق الباب ولم ينتظر الرد.
كانت تقف أمام المرآة تُنهي زينتها، حين دلف إلى الداخل: إنتي نازلة ولَّا إيه؟
التفتت إليه بنظرةٍ سريعة، ثم عادت تنظر إلى انعكاسها في المرآة: أه، نازلة شغلي. قلت لك من كام يوم، بس واضح إنَّك مكنتش مركِّز.
ثم أضافت ببرودٍ متعمَّد: وعلى العموم ماتفرقش.
اقترب منها، وتوقَّف خلفها مباشرة: بقالك يومين قافلة على نفسك، حتى ماخرجتيش تاكلي معايا.

رفعت أحمر الشفاه، مرَّرته على شفتيها بعناية، وقالت دون أن تنظر إليه: عملت نظام لنفسي علشان وزني.
مواعيدك مش مناسبة معايا.
التفتت إليه فجأة، غرست عينيها في عينيه بقسوة: مش علشان كام شهر مع بعض أضيَّع حياتي.
تقدَّم خطوة، كأنَّه لم يسمع كلماتها أصلًا.
وقعت عيناه على أحمر الشفاه، فاشتعل غضبه: إيه ده؟
أنا مش موافق إنِّك تخرجي كده.
ابتسمت بسخريَّةٍ لاذعة: إنتَ مين بقى إن شاء الله؟
جوزِك يا أستاذة.

قهقهت بمرارة: على ورق وقدَّام الناس بس.
أشارت إلى الباب بعصبيَّة، وصوتها يرتجف من الغضب: برَّه الأوضة دي.
أه، جوَّه البيت ده إنتَ زيك زي أي شخص، حتى اللي ماأعرفوش.
اشتعلت نيران غضبه، واقترب منها كالمجنون: برَّه وجوَّه؟
ولو مش عاجبك، اخبطي دماغك في الحيطة!
أطلقت ضحكةً باردة، موجوعة: في أحلامك يا بلال.
اقتربت منه خطوة، غرست إصبعها في صدره: بلاش تحلم أحلام مش هتتحقَّق.
تمام؟

وأظن إنتَ عارف الموضوع ده من سنين.
ابتسم ابتسامةً مظلمة: لا متخافيش يا أستاذة
دي مش أحلام، دي بالنسبة لي كوابيس سودا.
كانت كلماته كالسكاكين.
أحرقت أنوثتها، دهست كرامتها.
تكوَّرت الدموع في عينيها رغم مقاومتها: طلَّقني يا بلال.
جحظت عيناه وكأنَّها صفعته.
استدار بسرعة متَّجهًا إلى الخارج، لكنَّها صرخت خلفه: قلت لك طلَّقني.
مش عايزة أقعد مع واحد زيك دقيقة واحدة!

عاد إليها بخطوةٍ واحدة، أمسك ذراعها بعنف، جذبها حتى اصطدمت بصدره.
انحنى يهمس قرب أذنها بهسيسٍ مرعب: في كوابيسك إن شاء الله.
أنا مش متجوِّزك علشان عيونك
أنا متجوِّزك علشان أبوكي وأخوكي.
إنتي ماتهمِّنيش.
رغم أنَّها تعلم الحقيقة. إلَّا أنَّ الكلمات كانت نارًا أحرقت صدرها من الداخل.
صرخت به فاقدةً السيطرة: لو إنتَ راجل أوي
طلَّقني!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة