رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والخمسون
وصل إليها بخطواتٍ مترنِّحة، يشعر بكلِّ خطوةٍ تنزِف ماتبقَّى من رجولته، وكأنَّها غرست سكِّينًا باردًا في منتصف صدره وتركته ينزف بصمت. تعلَّقت عيناه المتخمَتان بالقهر والخذلان
بعينيها الجامدتين، فاختنق صوته وهو يهمس بكلماتٍ خرجت مكسورة: أنا مش راجل يا رولا، شايفاني مش راجل في عينيكي؟
ارتجف قلبها تحت نظراته، وتاهت في وجعٍ لم تعهده من قبل، لتنهمر دموعها رغماً عنها كأنَّها تعتذر ولا تعرف كيف، صمتٌ ثقيلٌ سقط على المكان، صمتٌ يوجع أكثر من الصراخ، حتى شعرا معًا بانسحاب أرواحهما قطعةً قطعة.
استدار بجسدٍ منهك وظهرٍ محنيٍّ، يشعر بأنَّه يحمل فوقه خطايا العمر كلِّه، يناجي ربَّه بصمتٍ موجع أن تنشقَّ الأرض وتبتلعه، أن تنقذه من هذا العجز الذي يلتهمه حيًّا.
أمَّا هي فهوت على الفراش كجسدٍ بلا روح، انفجرت باكيةً بصوتٍ مرتفع، بكاءُ امرأةٍ انكسرت، وفقدت السيطرة ولم يعد لديها ذرَّة قدرةٍ على الاحتمال، لا على الحب ولا على الألم.
جلس بالخارج، عيناه تدوران في المكان كغريبٍ لفظته الدنيا، يشعر بأنَّ الجدران تضيق عليه وتطبق على صدره، داهمه الاختناق، مدَّ يده المرتجفة إلى كوب الماء، كاد يسقط منه، ارتشف رشفةً واحدة فأحسَّ بها أشواكًا تمزِّق حلقه، وصراخها باسمه يجلده من الداخل: لو راجل طلَّقني.
اهتزَّ جسده بعنف، ضغط على الكوب بكلِّ مافيه من قهرٍ حتى انفجر بين كفَّيه، غاصت الشظايا في يديه، سال الدم دافئًا لكنَّه لم يشعر لم يهتم. كان الألم الحقيقيّ أعمق من أن تلمسه الجراح.
ظلَّ يحدِّق بعينين فارغتين في الَّلاشيء، شعر بأن قلبه سقط أخيرًا أرضًا وتحطَّم، وكأنَّ رجلاً بداخله مات، دون جنازة ودون وداع.
ظلَّ بمكانه لعدَّة دقائق على حاله ذاك.
تحرَّكت نحوه بخطواتٍ متردِّدة لتعتذر عمَّا صدر منها، لكن شهقةً حادَّة أفلتت منها حين رأت الدماء تنساب من كفَّيه.
ركضت إليه، أمسكت يديه بذعر ورفعت عينيها الغارقتين بالدموع: ليه كده! إنتَ مش حاسس بنفسك؟
سحب كفَّيه منها بعنف، ونهض متَّجهًا إلى غرفته.
توقَّف عند عتبة الباب، موليًا إيَّاها ظهره، وصوته خرج مكتومًا موجوعًا: ربِّنا يرزقك بالراجل اللي تتمنِّيه، ويبعد عنِّك الشخص اللي مش عارف يبقى راجل معاكي.
ثم التفت بنصف جسده، ونظر إلى عينيها نظرةً قاسية كسكِّين: لو عاملتك برجولتي صدَّقيني ماكنتيش زمانك هنا. أنا اتعاملت معاكي ببلال أرسلان الشافعي استحملي الشخص اللي قدَّامك، أيًّا كان إنتِ شايفاه إيه. مش التافه اللي عقل الكونتيسة متصوراه.
اقتربت منه بخطوةٍ يائسة، وهمست: بلال مكنش قصدي.
لكنَّه دلف إلى الغرفة وأغلق الباب خلفه بقسوة.
توقَّفت تحدِّق في الباب المغلق، هنا شعرت بأنها فقدت القدرة على التنفُّس.
استدارت متَّجهةً إلى غرفتها، راحت تدور فيها لدقائق كروحٍ حبيسةٍ لا تعرف مخرجًا.
جلست على الفراش، نزعت حجابها وألقته بغضب؛ ومسحت وجهها بكفَّيها تحاول السيطرة على نوبة الغضب القاتل التي تعصف بها.
كنت متأكدة إنُّه لسة فاكر، وبعدين بقى.
ودا أعمل فيه إيه، أعادت خصلاتها بغضب حتى كادت ان تقتلع جذورها: غبية يا رولا غبية، لا وبعد اللي حصل روحتي طلبتي تكونوا أصدقاء. دارت بجنون بالغرفة تصرخ وهي تجذب خصلاتها: أوف أوف. أديني حبِّيتك ومش قادرة أشيلك من قلبي.
توقَّفت وذهبت بذاكرتها.
قبل عدَّة سنوات وخاصَّةً في أحد الأيام، حين كانت ماتزال بالثانوية.
مساءٌ ربيعيّ، بحديقة منزل إلياس تعجُّ بالضحكات، الجميع مجتمعين بانتظار رؤية الهلال؛ هل سيكتمل شعبان. أم أنَّ الغد أوَّل أيام الشهر الكريم؟
كانت تجلس على الأرجوحة؛ تستمع إلى حديث ضي عن تعقيد مواد الثانوية خاصَّةً الفيزياء، شاردةً نصف شرود.
قاطعهم وصول يوسف فجأة: ضي، شفتي شمس مش معاكم ليه؟
توقَّفت أمامه، التفتت تشير نحو منزلهم: قالت هتجيب عصير، شوفها جوَّه.
أومأ يوسف واستدار، لكنَّه توقَّف مع وصول بلال، الذي قفز بخفَّة وجلس على الأرجوحة بجوار رولا، فاهتزَّت قليلًا تحت وزنهما، سحب من بين يدها طبق يحتوي على أنواع الفواكه.
التفتت إليه بضيقٍ مصطنع: إيه يا بني هتوقَّعنا! وأخدت فواكهي.
ضحك وهو يدفع الأرجوحة بقدمه للأمام: اطَّمني ماسكها كويس.
تسلَّلت نسمةٌ ربيعيَّة داعبت وجهيهما فصمتت، بينما راقبها بلال بطرف عينه، ساكنًا على غير عادته وتحدَّث:
جو كلَّ سنة وإنتَ طيب، بكرة أوَّل يوم في رمضان، شدِّ حيلك علشان تقدر تصوم لي وتصوم لك.
رمقه يوسف باستهزاء، وردَّ ساخرًا: ليه عيِّل. ولَّا عندك عذر شرعي يا حبيبي؟
انفجرت ضي ورولا ضاحكتين على كلمات يوسف الذي تحرَّك يسبُّه، بينما التفت بلال إلى رولا بغيظٍ مصطنع: بطَّلي ضحك يا بت، وقومي شوفي مذاكرتك.
اقتربت منه بجسدها، تراقص حاجبها بمشاكسة: إنَّما ماقلتش يا ببلاوي إيه عذرك علشان الصيام؟
سحبها من خصلات شعرها بخفَّة: تعالي وأنا أقولِّك يا سحلية.
ضحكت بصوتٍ مرتفع، ولكمته في كتفه ليبتعد عنها، استمرَّ الوضع بينهما على هذا النحو، مشاكسة وضحكات لا تنتهي لفترةٍ ليست بالقصيرة.
نهضت ضي وصاحت غاضبة: نفسي لمَّا تقعدوا مع بعض أحسِّ إنُّكم عاقلين، بجد هربانة منكم أنتوا الاتنين، قالتها واتَّجهت للداخل، بينما ظلَّ هو وهي جالسين على الأرجوحة: مالها ضي مش طايقة نفسها ليه؟
كم مسألة في الفيزيا جابلوها اكتئاب، كانت بتقول هتشوف عمُّو إلياس يشرح لها شوية.
أممم. أيوة بابا مش هنا، هشوفها مع إنِّي ماصدَّقت أخلص من الثانوية بسبب المتخلِّفة الفيزيا دي.
استندت بذراعها على الأرجوحة وطالعته بابتسامة: لازم تركِّز، أومال مين هيذاكرلي لمَّا أوصل تالتة، اقتربت منه تنظر لعينيه: عرفت إنَّك كنت ممتاز فيها يادوك.
عاد بجسده للخلف: ابعدي يا بت، يخربيتك أنا صايم.
صايم إيه يا بني! لسة المفتي بيقول بكرة أوَّل رمضان.
لا ماهو من وقت ماقال أنا نويت الصيام.
ضحكت بصوتٍ مرتفع وهو يراقب ابتسامتها بحب، طارت خصلاتها بفعل الرياح. رفع كفِّه يضعها خلف أذنها: تعرفي شعرك حلو أوي، لو أنا مكانك كنت خبِّيته.
وياترى أخبِّيه إزاي يا ذكي؟
الحجاب، زي ماما ومامتك وطنط ميرال.
حدجته بنظرةٍ صامتة ثم قالت: لا، ومالكش دعوة بيَّا، وبعدين أختك بشعرها ليه بتطلب منِّي؟!
استند بذراعه على الأرجوحة وعيناه تعانق جسدها بالكامل وقال: مش يمكن أنا عايزك إنتي غير.
قالها والهدوء النسبي يخيِّم عليهما.
نظرت لعينيه بصمت، شعرت بمضمون كلماته، ورغم ذلك أردفت: هيَّ أقرب لك منِّي.
طالعها بعينٍ تحكي الكثير بعشقها قائلًا: هيَّ مهمَّة وإنتي برضو مهمَّة، قالها وغيَّر حديثه: عملتي إيه في الامتحانات؟
الحمد لله، لسه مادتين، المهمِّ أخلص قبل العيد. زعلانة على ضي، يا حرام هتذاكر في العيد.
ابتسم: وإيه يعني، هوَّ في أحسن من المذاكرة؟
كشَّرت بضيق: مابحبَّهاش المهم احكي لي إيه أخبار الجامعة وصاحبت كام بنت؟
قطَّب جبينه: بتهزَّري، صح؟
ضحكت: لا طبعًا، إيه يعني لمَّا تصاحب بنات؟ خصوصًا إنَّك كبرت دلوقتي.
هزَّ رأسه نافيًا، ثم التفت ينظر إليها بجديَّة: لا، مابحبِّش كده، سكت لحظة قبل أن يضيف: مش هكلِّم بنت غير لمَّا أكون بحبَّها.
اتَّسعت عيناها بدهشةٍ ساخرة: والله! زي البنت اللي كنت عايز تتجوِّزها عرفي اللي أكبر منَّك بخمس سنين؟
تجمَّدت ملامحه: مين دي؟
رفعت ساقيها فوق الأرجوحة، واستدارت نحوه تربِّع ساقيها، ونظرتها تحمل مزيجًا من المزاح والفضول: اللي رُحت لعمُّو يخطبها لك.
ارتفعت ضحكاته، يضرب كفَّيه ببعضهما، ثم طالعها بغمزة: إيه، غيرانة؟
زمَّت شفتيها بسخرية: أغير من إيه وليه؟ أنا بس مستغربة تفاهتك.
وضع ذراعيه فوق الارجوحة بخفَّة: أوَّلًا أنا مش تافه يا تافهة، إحنا كنَّا بنعمل مقلب في عمُّو إلياس، يوسف كان متوتِّر بسبب النتيجة، فحبِّيت أغيَّر مودُه، وفكَّرت نروح نعمل كده.
ثم أضاف وهو يضحك: قال إيه جواز عرفي.
رمقته بغيظ: لا وكمان زعلان علشان بقول تافه.
اقترب منها مهدِّدًا مازحًا: يا بت ماتخلِّينيش أضربك على وشِّك.
دفعته بيدها: طب قوم من جنبي، روح شوف الجثث اللي عندك في الأوضة.
نهض من مكانه وهو يضحك، تاركًا إيَّاها تبتسم رغم ضيقها.
بعد عدَّة أيام، كان يجلس في شرفته منشغلًا بدراسته، رفع رأسه قليلًا، حرَّك عنقه ثم أرجع جسده للخلف ليعدِّل وضعية جلوسه.
دلفت والدته تحمل كوبًا من العصير: عملت لك عصير يا حبيبي، علشان شربت اتنين قهوة من وقت الفطار لحدِّ دلوقتي، بلاش قهوة تاني.
رفع رأسه إليها بتعب: قدَّامي درس معقَّد يا ماما وعايز أركِّز، ومن وقت مافطرت دماغي مش مجمَّعة.
اقتربت غرام بعدما وضعت كوب العصير، ورفعت كفَّها فوق رأسه، بدأت تقرأ بعض آياتٍ من القرآن الكريم.
دقائق معدودة، ثم نهضت تطبع قبلةً على رأسه: اهدى، اقرأ آية الكرسي وادعي دعاء المذاكرة، وإن شاء الله كلُّه هيهون.
قبَّل يدها الموضوعة على كتفه، ورفع رأسه إليها: ربِّنا يخلِّيكي ليَّا يا ستِّ الكل.
ربتت على كتفه بابتسامةٍ دافئة: ويوفَّقك يا حبيب قلبي.
عاد للمذاكرة مرَّةً أخرى، لكن بعد فترة قصيرة نهض، اتَّجه إلى السور يستند عليه، محاولًا فكَّ الضغط.
تجمَّّد جسده فجأةً حين رآها جالسةً في الحديقة، خصلات شعرها تتحرَّك مع الهواء.
دار بعينيه حول المكان، لمح يوسف جالسًا في شرفته، لكنَّه لم يكن منتبهًا لوجودها.
هبط الدرج سريعًا واتَّجه نحوها، وجدها مازالت في مكانها.
توقَّف أمامها متفاجئًا: إنتِ إزاي قاعدة كده؟
رفعت عينيها إليه باستغراب: هوَّ إيه اللي إزاي؟
أشار بعصبيَّة خفيفة إلى شعرها وملابسها، ثم دار بعينيه في المكان: قاعدة كده عادي، وإحنا كلِّنا موجودين، إنتِ فاكرة نفسك صغيرة؟
ألقت مابيدها وتوقَّفت أمامه، عيناها تقدحان شررًا.
إنتَ مالك؟ حتى لو قعدت من غير هدوم مالكش دعوة.
دفعها بعنف حتى ارتطم ظهرها بالجدار، وانحنى بجسده يهمس بجوار أذنها بنبرةٍ مليئةٍ بالتهديد: لا ليَّا وبعد كده اللي أقولِّك عليه يتنفِّذ، من غير ولا كلمة.
ركلته بكلِّ ماأوتيت من قوَّة، فتراجع خطوةً إلى الخلف: إياك تقرَّب منِّي كده تاني يا متخلِّف! إنتَ مين أصلًا؟
عاد إليها في لمح البصر، قبض على خصلات شعرها وسحبها نحوه بقسوة: هقرَّب وأكتر من كده كمان، ولو مالمِّيتيش نفسك هلمِّك بطريقتي.
رفعت حاجبها بسخريةٍ لاذعة.
ليه بقى إن شاء الله، تكونش أبويا ولَّا أخويا؟
رفع يده كمن يهمُّ بصفعها، لكنَّه تراجع في اللحظة الأخيرة يكبح غضبه بصعوبة، ثم مال بجسده مقتربًا: لا، هبقى جوزك يا عينيَّ، سبع سنين وهعلِّمك الأدب.
قهقهت بضحكةٍ ساخرة، وأشارت إليه بازدراء: ليه عمية، مالقتش غيرك؟ بصِّ على قدَّك يا حبيبي. أنا يوم ماأفكَّر أتجوِّز، أتجوِّز واحد الناس كلَّها تشاور عليه، مش واحد متخلِّف كلِّ كلامه هزار وهبل.
اقتربت منه بخطواتٍ ثابتة، وشبكت كفَّيها خلف ظهرها، نظراتها تخترقه: وأوعى تفكَّر علشان دخلت طب تبقى حاجة تعجبني لأ، أنا مابحبِّش الدكاترة ولا ريحتهم من الأصل، خلِّينا نختصر من بدري بدل مانتعب بعض، شوف حدِّ شبهك.
ساد صمتٌ ثقيلٌ لثوانٍ، وهو يحدِّق فيها غير مصدِّق، ثم سأل بصوتٍ خافت: إنتِ بتتكلِّمي بجد يا رولا؟! أنا كنت مفكَّر إنِّك بتبادليني نفس مشاعري، اقترب خطوةً وعيناه تفضحان عشقها: أنا بحبِّك، ممكن تكوني لسة صغيرة مش مستوعبة، بس أنا بجد بحبِّك.
بلاش كلامك الهزار دا، أصله تقيل على قلبي حتى لو هزار.
زمَّّت شفتيها بسخريةٍ قاتلة: هوَّ إنتَ مفكَّر كلِّ الناس هلَّاسة زيك؟
بلال إحنا قرايب آه، إنَّما علاقة خاصَّة مستحيل.
خطت خطوةً أخرى حتى صارت أمامه تمامًا، ورفعت أناملها تلامس كنزته في حركةٍ مستفزَّة: آسفة يا دكتور إنتَ مش نوعي المفضَّل من الرجالة ماتزعلش، في بنات كتير تليق على شخصيِّتك، إنَّما رولا الشافعي طموحها أكبر منَّك.
ثم أدارَت له ظهرها ببرودٍ وأضافت: دلوقتي ياريت تسيبني، عايزة أكمِّل مذاكرتي ولا أقولَّك روح لصاحبك وشوفوا أي تفاهة تعملوها، رغم إنُّكم في كلية طب، إلَّا إنُّكم تافهين.
قالتها وتحرَّكت إلى مقعدها، فتحت هاتفها وشغَّلت الموسيقى، كأنَّ وجوده لم يعد يعني لها شيئًا.
أمَّا هو، فظلَّ واقفًا مكانه لثوانٍ طويلة، جامدًا كالصخر، يحدِّق فيها بذهول
هل فعلتها؟
هل فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة من عمرها، أطاحت بكبريائه ورجولته أرضًا؟
التفتت ترمقه بنظرةٍ جانبيةٍ حادَّة، وقالت ببرودٍ ساخر: إيه الوقفة دي، عارفة إنِّي حلوة، لكن مينفعش تفضل تصوَّرني كتير؟ على العموم إحنا في رمضان لمِّ نفسك.
تقدَّم بخطواتٍ بطيئة حتى بلغ مقعدها، وانحنى مستندًا بكفَّيه على الطاولة الدائرية أمامها، عيناه تغوصان في عينيها بثقلٍ واضح: آسف يا رولا واعتبري الكلام اللي قلته من شوية تفاهة من تفاهتي، وزي ماقلتي إنتِ أكبر من طموحاتي. وأنا بوعدك يا بنت عمِّي همسح كلِّ كلمة قلتها، وياريت إنتِ كمان تعتبرِيها نكتة سخيفة من سخافات بلال.
تلاعبت بخصلات شعرها بلامبالاةٍ متعمَّدة، وغرست نظرتها في عينيه بلا تردُّد: أنا أصلًا مش فاكرة إنّت قلت إيه ولا يهمِّني، مشكلتك يا بلال إنَّك مكبَّر نفسك زيادة عن اللزوم.
اقتربت بوجهها قليلًا منه، وقالت بنبرةٍ قاطعة: مش إنتَ قولت إنَّك أكبر منِّي بتلات سنين، أه ومع ذلك بحسَّك عيل مالوش عقل، ومش معنى إنَّك دخلت طب تبقى الشخص ال«واو». بالعكس.
توقَّفت فجأة، وتراجعت بجسدها نصف خطوة، ومازالت تطالعه بازدراءٍ صامت، ثم أضافت: على إيه أغلط، مش مستاهلة. أنا أصلًا بكره العلوم وكلِّ اللي بيدخلوها.
اعتدل في وقفته، وهزَّ رأسه كمن أنهى نقاشًا خاسرًا: ليلة سعيدة.
قالها وغادر المكان دون أن يلتفت، بينما ظلَّت تتابعه بعينيها حتى اختفى عن ناظرها تمامًا.
فتحت كتابها بعصبية، تقلِّب صفحاته دون تركيز، وتأفَّفت بصوتٍ منخفض: مش ناقص غير بلال يعكَّر مزاجي كفاية ستِّ ماما اللي محسِّساني إنَّنا عايشين في زمن الجاهلية.
بينما هو خطا في الممرّ خطوتين ثم توقَّف.
وكلماتها لم تخرج من أذنه، بل غرست نفسها في صدره.
عيل مالوش عقل تافه مش نوعها طموحها أكبر منُّه.
شدَّ على فكِّه حتى كاد يسمع صرير أسنانه، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ غير منتظمة.
لم يتألَّم لأنَّه رُفض بل لأنَّه ولأوَّل مرَّة شعر أنَّه صغيرًا حقًّا أمام نفسه.
ثلاث سنوات ثلاث سنواتٍ كان يراها فيها لم تكن مجرَّد بنت عمِّه فقط، بل كانت من نبض له القلب، الحياة بأكملها، ولكن اليوم فقط فهم الحقيقة القاسية: هي لم تره يومًا رجلًا.
مرَّر كفِّه على وجهه بعنف يحاول مسح الإهانة، لكن الكلمات كانت أعمق من أن تُمحى، لم تغضبه لأنَّها أهانته أوجعته لأنَّها قالتها بثقة، بلا تردُّد، كأنَّها حقيقة لا تحتمل النقاش.
توقَّف أمام باب الخروج، انعكس وجهه في الزجاج فتجنَّب النظر.
لم يُرِد أن يرى نفسه كما رأته هي.
مش نوعي المفضَّل طموحي أكبر منَّك، ابتلع غصَّة حارقة وغادر
وهو يدرك في قرارة نفسه أنَّ تلك الليلة لم تكسر كبريائه فقط بل كسرت شيئًا أعمق، شيئًا لن يُصلَح بسهولة...
مضى الشهر الكريم سريعًا، ولم تراه في أيٍّ من التجمُّعات العائلية، وكأنَّ الغياب كان اختياره الوحيد كي لا يفضح مايخفيه صدره، حتى جاءت ليلة العيد.
كان جالسًا في حديقة منزله، مسترخيًا على المقعد الخشبي، يحدِّق في شاشة هاتفه يتحدَّث مع يوسف عبر مكالمة الفيديو.
قال بلال مبتسمًا: يعني هتوصل على ستَّة الصبح؟
ردَّ يوسف وهو يعدِّل الكاميرا: أيوة، لسة قافل مع بابا حالًا.
تنهَّد بلال: ماترجع تكمِّل الكام سنة هنا يا يوسف.
ابتسم يوسف: لا يا بلال أتمنَّى إنتَ تيجي تكمِّل طب هنا، هتستفاد خبرة أكتر.
هزَّ بلال رأسه بتفكير: بفكَّر والله وهكلِّم بابا إن شاء الله. وحشتني على فكرة.
ابتسم يوسف بحب: وإنتَ أكتر يا حبيبي وبعدين انا غايب اسبوعيت بس يابني
لم يرد عليه بلال سوى باابتسامة، فقال
محتاج حاجة من ألمانيا؟
ابتلع بلال غصَّته وقال: محتاجك تيجي بالسلامة.
لوَّح يوسف بكفَّيه: سلام لحدِّ مانتقابل بكرة إن شاء الله.
انتهت المكالمة.
أغلق بلال الهاتف وأسند جسده للخلف، يرفع بصره إلى السماء المعتمة.
كانت تقف على بُعد خطوات.
حمحمت بخفَّة واقتربت: عامل إيه؟
اعتدل في جلسته سريعًا، كأنَّها فاجأته: كويس الحمد لله.
جلست أمامه، تتأمَّله بحذر: سألت ضي وقالت إنَّك هنا ليه مجتش تفطر عندنا زي كلِّ أسبوع؟
ثم أضافت بنبرةٍ أخف: إنتَ زعلان منِّي؟
هزَّ كتفه وهو يشيح بنظره بعيدًا: هزعل ليه؟ رجعت من الكليَّة متأخَّر ونمت، ماقومتش غير بعد المغرب. حتى ماما لمَّا رجعت من عندكم كنت لسة نايم.
فركت كفَّيها بتوتُّر، وحدَّقت في الأرض قبل أن ترفع عينيها إليه: بلال متفهمنيش غلط، بجد أنا بعزَّك زي آسر ويوسف، بس مش إنتَ الشخص اللي أتمناه أكمِّل حياتي معاه.
ضاقت عيناه بدهشة مصطنعة، بينما قلبه كان يصرخ بعنف: مش فاهم قصدك؟
استندت على الطاولة الصغيرة بينهما وقالت: على الموضوع اللي قولته من كام أسبوع.
تنفَّس بعمق محاولًا التماسك: مش فاكر يا رولا، أنا مصدَّع فعلًا ومش فاكر حاجة.
نظرت إليه مطوَّلًا: عن حبَّك ليَّا يا بلال أنا بس.
رفع كفِّه مقاطعًا: أنا نسيت من وقت ماخرجت من عندك، وقلت لك ساعتها اعتبريها نكتة.
سكتت لحظة، ثم سألت بابتسامةٍ بريئة: يعني مش زعلان؟
طالعها بنظرةٍ كادت تخنقه براءتها كانت الطعنة الأعمق.
تسرَّع باعترافه، نعم. لكن هل للقلب سلطان؟
مدَّّت يدها إليه في محاولةٍ تلقائية: بلال
توقَّف الزمن.
حدَّق في كفِّها الممدودة، ثم نهض ببطء دون أن يلمسها، أدخل يديه في جيبيه يبتلع وجعًا أثقل من الكلام.
ثم قال بهدوءٍ موجع: لا مش زعلان.
رفعت رأسها بقلق: متأكِّد؟
ابتسم ابتسامةً خفيفة، مكسورة: رولا، اللي يزعل بيبقى مستنِّي حاجة وأنا مش مستنِّي.
سكت لحظة، ثم أضاف بنبرةٍ أخف، لكنَّها أثقل على قلبه: إنتي حرَّة، وده حقِّك وعمرك ماكنتي ملزمة تردِّي على شعوري، ممكن أكون تسرَّعت أو فهمتك غلط، الغلط عندي مش عندك.
كلمات ناضجة، مثالية لكنَّها خرجت من رجلٍ كان يتمنَّى أن يصرخ، أن يقول كنت أتمنَّى أكون أنا.
لكن الرجولة أحيانًا تكون في الصمت لا في الاعتراف.
خفضت يدها، وشعرت لأوَّل مرَّة أنَّ بينهما مسافةً لا تُقاس بالخطوات.
نادت اسمه بخفوت: بلال تابعت بتردُّد: ممكن بقى نرجع أصدقاء زي الأوَّل. أنا بجد كنت خايفة إنَّك تكون زعلان.
نظر إلى كفَّيها، كأنَّهما تشهدان على ارتباكها، ثم رفع عينيه إليها ببطء، وقال بنبرةٍ هادئة جارحة: وهتصاحبي واحد تافه مش من طموحاتك؟
سحبت كفَّيها سريعًا وكأنَّها احترقت من نظرته، وارتبكت: بلال أنا.
قاطعها، وهو يشيح بوجهه: آسف يا رولا عندي مذاكرة ومش فاضي.
ثم أضاف ببرودٍ متعمَّد: وبالمناسبة، كليِّة الطبّ اللي بتقولي عليها للناس اللي مش من طموحاتك، عايزة مجهود كبير. ممكن بقى تسبيني لوحدي، محتاج أستعدّ.
ابتلعت كلماتها وقالت بخفوت: تمام أنا آسفة إنِّي عطَّلتك.
ردَّ سريعًا، وكأنَّه يصحِّح لنفسه قبلها: لا، أنا كنت فاضي معطَّلتنيش ولا حاجة بس الوقت الفاضي خلص.
ثم نظر إليها نظرةً أخيرة: وأنا زي ماأنا، لو في حاجة مش فاهماها تعالي في أي وقت.
هزَّت رأسها: تمام همشي علشان تشوف مذاكرتك.
خطت بضع خطوات ثم توقَّفت، واستدارت: طيب بكرة العيد، هنخرج زي كلِّ سنة ولَّا هتنكِّد علينا؟
زمَّ شفتيه بسخرية، وقال: طيب كان ليه المقدِّمات دي كلَّها؟ ماكنتي تقولي جاية علشان كده.
أفلتت ضحكةً قصيرة، واقتربت منه: أهو قفشتني. ماما مش هترضى تخرَّجني، وآسر مالوش في الخروج، وضي بتقول مالهاش مزاج، وشمس صغيرة وباباها هيرفض.
تنهَّد وهو يهزُّ رأسه: آه مبقاش غير الكوبري بتاعك.
انحنت نحوه: مش كوبري أوي، وافق بقى علشان أعرَّفك على صديق هتحبُّه قوي.
رفع حاجبه باستخفاف: صديق! هو إنتِ مصاحبة؟
قاطعته بنفاد صبر: ليه، هوَّ أنا صغيرة علشان ماأصاحبش؟
السؤال مش كده السؤال مين اللي وقَّعتيه؟
ضحك بمرارة: لا والله؟ وإنتِ جاية تقوليلي عادي كده؟
ثم قال بحدَّة: متعرفيش إنِّ اللي تعمل كده تبقى مش محترمة؟
اشتعلت عيناها: لا والله، أمَّال إنت كنت هتعمل إيه، ولَّا بتحلِّل لنفسك وتحرَّمه على غيرك؟ ولَّا علشان رفضتك وشوفت الأحسن.
كلمات رغم أنَّها كلمات إلَّا أنَّ إهانتها لرجولته فاقت كلَّ معانيها بمعاجمها.
ممَّا جعله يهبُّ من مكانه فجأة، وقد فقد السيطرة: إنتِ بتساويني بناس متعرفهاش؟
ثم صرخ: أوَّلًا أنا ابن عمِّك وعمري ماكنت هضرِّك، وكنت ناوي نتجوِّز!
اقترب خطوة: إنَّما التاني يا محترمة عايز يقضِّي وقت لذيذ.
رفعت حاجبها باستخفاف: أنا قلت لك إنَّك مش من نوعي هفضل أقولها كلِّ شوية.
تراجع إلى مقعده، وأشار إليها بيده بعدما كره نفسه من ضعفه: امشي من هنا عندي مذاكرة.
ثم أضاف بوجعٍ خفيّ: عندك أخوكي خديه، عرَّفيه على اللي إنتِ عايزاه.
اندفعت نحوه وكأنَّها ستلكمه: مش محتاجاك، وهخرج ومالكش دعوة بيَّا!
عودة للوقت الحاضر.
خرجت من شرودها وتحرَّكت سريعًا إلى غرفته، دفعت الباب ودلفت للداخل تبحث عنه، وجدته متسطِّحًا بظهره على الفراش يضع كفَّيه فوق عينيه، نظرت لكفَّيه المجروحتين، خرجت لبضع دقائق ثم عادت إليه، جلست بجواره على الفراش ثم سحبت كفَّيه، فتح عيناه للاعتراض، ولكنَّها أشارت إليه بتهديد: مش عايزة اعتراض، إيدك مجروحة. أغمض عيناه وكأنَّها لم تكن موجودة. نظَّفت جرحه، وبدأت تعقم كفَّيه، عيناها على ملامحه الرجولية وهو مغلق العينين، تجمَّعت الدموع في عينيها وماضيها الأليم يخنقها، وكلمات الماضي كنيرانٍ تشعل صدرها عمَّا صدر منها تجاهه، أنهت تضميد كفَّيه، وضعتها بهدوء فوق صدره: عمري ماشفتك قليل أبدًا، بالعكس والله دايمًا كنت بشوف فيك حاجات مش موجودة في حدِّ تاني، ممكن أتكلِّم معاك بسخافة، علشان إنتَ الوحيد اللي كنت بتتقبَّل حالتي.
مدَّت كفيَّها بتردُّد على وجهه: بلال إنتَ غالي عليَّ أوي.
هبَّ كالملسوع وابتعد عنها: مش زعلان، وزي ماقولتي من شوية، اتعوِّدت على أسلوبك، كنت بتحمِّلك ومفيش بينا ارتباط مش هتحمِّلك وإنتي مراتي.
دمعة شريدة شقَّت جفنيها، تنظر إلى هروبه منها، ثم همست
تعرف بحبَّها منَّك وإنتَ بتقول مراتي دي، حاسَّة إنِّي ملكية خاصَّة.
توقَّف من فوق الفراش واتَّجه الى خزانته: رولا إنتي هتفضلي صديقة غالية، وزي ماقولتها لك زمان، عمري ماأدير وشِّي، ولا عمري هخلف وعدي ليكي.
نهضت واقتربت منه: بلال لازم نتكلِّم، فيه حاجات عايزة أقولَّك عليها.
استدار إليها: حاجات زي إيه، لسة فيه إهانة عايزة تكمِّليها؟
دنت حتى وقفت أمامه، وانحنت ترفع كفِّه بين كفَّيها: أنا مش عايزة أطلَّق، عايزة نكمِّل حياتنا مع بعض.
ابتعد سريعًا يسحب كفِّه: مش هنقدر يا رولا وهنجرح بعض، بلاش. خلِّيكي غالية عندي، مش عايز أوصل لمرحلة مش كويسة معاكي.
التفت بنصف جسده: وبعدين جوازنا هيرجَّع لك طريقك زي ماحلمتي، ومتخافيش طلاقنا مش هيكون عقبة.
بلال بس أنا.
قاطعهم رنين هاتفه، رفعه: أيوة؟
دكتور بلال الشرطة جت أخدت دكتورة كارما من شقِّتها.
إيه، ليه؟!
منعرفش يا دكتور، بس سمعت إنِّ العمارة مبلَّغة فيها وبيقولوا كلام مش حلو في حقَّها.
تمام أنا جاي.
قالها وأغلق الهاتف، ثم اتَّجه إلى أحد الأرقام: أيوة يا متر، ممكن تسبقني على القسم.
أيوة يا دكتور، كنت لسة هكلِّمك بنت عمِّ مدام كارما كلِّمتني وبتقول أخدوها. فيه بلاغات إنَّها بتجيب شباب عندها.
تلاقي طليقها الحيوان، تمام يا متر ربع ساعة وأكون في القسم.
قالها وأغلق الهاتف وقام بنزع كنزته يرتدي ثيابه سريعًا، متناسيًا وجود رولا بالغرفة. أخرج بنطاله وقام لينزع مايرتديه صاحت قائلة: إنتَ هتخرج، رايح فين دلوقتي؟ أنا عايزة أتكلِّم معاك.
التفت إليها بذهول على وجودها: رولا اطلعي عايز أغيَّر، أه هخرج، حدِّ في مشكلة ولازم أكون جنبه.
اقتربت منه تحاول كبح دموعها: حدِّ في مشكلة ولَّا الأستاذة الرقَّاصة اللي كانت في فرحنا؟
رولا. عايز أخرج، وعيب تغلطي في حد مش موجود، ملناش دعوة بحد.
اقتربت منه كالمجنونة: مالك مستعجل أوي، وهتتجنِّن من الخوف عليها، إيه ضمن الشباب اللي بتعزمهم.
رفع كفِّه وكاد أن يلطمها على وجهها إلَّا أنَّه تراجع يصرخ فيها حتى فزعت: برَّة. اطلعي برَّة.
بمنزل يوسف.
فتحت عيناها على رنين هاتفها، ابتعدت قليلًا عن أحضانه، سحبت الهاتف وأغلقته سريعًا. التفتت إليه، كان غارقًا في نومٍ عميق، نومُ من لم يذق الراحة منذ أيام. اقتربت منه، دفنت رأسها في صدره تستنشق رائحته بولهٍ وطمأنينة، ثم طبعت قبلةً سريعةً عليه.
تململ في نومه، فابتعدت قليلًا حتى لا توقظه، ظلَّت تراقب ملامحه وهو نائم، رفعت أناملها تمرِّرها على وجهه كأنَّها تحفر تفاصيله داخل قلبها، ابتسمت وهمست بصوتٍ خافت: يارب ولد يشبهه نفسي في ولد يشبهه أوي.
اقتربت، قبَّلته مرَّةً أخرى وهمست أمام شفتيه: أكيد هيكون شبهك، ماهو إنتَ شبه عمُّو إلياس أوي، يبقى ابنك هيطلع شبهك.
مرَّرت أناملها على أنفه مرَّة، وعلى شفتيه مرَّةً أخرى وهي تضحك بخفَّة. فتح عينيه أخيرًا، يهمس بنبرةٍ مثقلةٍ بالنوم: بتعاكسيني وأنا نايم؟
لفَّت ذراعيها حول عنقه ودفنت نفسها في أحضانه: أعمل إيه؟ حاجتين بس اللي بتمتَّع بيهم معاك وإنتَ نايم.
صمتت ولم تُكمل، فابتسم بخبث: والحاجة التانية؟
دفنت رأسها في صدره تلكمه بخفَّة، فارتفعت ضحكاته وهو يضمُّها بقوَّة: صباح الحبِّ يا حبيبي.
رفعت رأسها وقالت بابتسامة: صباحك جنَّة وإنتَ في حضني.
داعب أنفها وهو يبتسم: لسه مشبعتش نوم هيَّ الساعة كام؟
الساعة اتناشر.
سحب الغطاء ومدَّ ذراعيه إليها: طيب هنكمِّل نوم ولَّا إيه؟
هزَّت رأسها: أنا مبقتش عايزة أنام، فوقت خلاص.
أغمض عينيه وقال بتقطُّع: أنا هكمِّل نوم
دنت منه وهمست: يعني عايزني أخرج ولَّا أنام؟
فتح عينيه بإرهاق: إنتي عايزة إيه؟
خلَّلت أناملها بخصلاته: مبعدش عنَّك طبعًا.
سحبها إليه بقوَّة: طيب نامي يا حبيبي، ولمَّا أصحى أقولِّك عايز إيه.
مضت ساعات
وقف أمام المرآة يمشِّط شعره، خرجت من الحمَّام وتوجَّهت إليه: خارج ولَّا إيه؟
التفت إليها مبتسمًا، ثم عاد يكمل مايفعل: لا، هشوف ماما زعلانة، وأعدِّي على باباكي، مقموص هوَّ كمان.
اقتربت منه واحتضنته من الخلف: يعني هتروح بيتكوا وبيتنا وأنا فين في جدولك؟
استدار وسحبها إلى أحضانه: نصِّ ساعة بالكتير، أنا مش خارج النهاردة، وبعدين عندنا حفلة، نسيتي افتتاح مكتب آسر النهاردة؟
لفَّت ذراعيها حول خصره: ماليش دعوة بالحورات دي كلَّها، عايزة ليلة لينا. راضية بعد الحفلة، المهمِّ ماترجعش الساعة اتناشر ولَّا واحدة.
انحنى وقبَّل وجنتيها: وعد، النهاردة مش هخرج أي مكان، واعتبري الليلة خاصَّة بيكي، أستأذنك بس ساعة علشان آسر مايزعلش.
رفعت نفسها وقبَّلته، تنظر لعينيه بابتسامةٍ راضية، وقلبها يهمس قبل شفتيها: المهم إنَّك راجعلي ويا سيدي ساعتين، لكن ولا دقيقة بعد كدا، إنتَ ملكي أنا مش ملك للعيلة كلَّها.
مرَّر أنامله على المنشفة التي تحاوط جسدها، يبتسم بخبث: طيب عايز أعرف الملكية الخاصَّة وصلت لفين؟
ضحكت تدفن رأسها في صدره، وهمست بخفوت أنفاسها: على طول في حضنك بس.
احتضن رأسها وقبَّلها بلطف، ثم همس: هنزل خلِّيهم يجهِّزوا الفطار لمَّا أرجع.
تمام.
هبط للأسفل برشاقة، مع خروج زهرة: دكتور، هتفطر دلوقتي؟
نظر بساعته ثم إليها: جهِّزي، نصِّ ساعة وراجع. قالها وتحرَّك للخارج وهي تراقب تحرُّكه بابتسامة. وصلت الأخرى إليها: وبعدين يا بنت اعتماد، مش قولت اللي بتعمليه دا غلط.
التفتت إليها وقالت: مالكيش دعوة خلِّيكي في شغلك.
بالخارج.
ترجَّل من سيارته عند نزول يوسف من منزله: أوووه حضرة الدكتور الأمُّور وصل أرض الشافعية بالسلامة.
صباح الخير.
صباح خير إيه يا بني الساعة تلاتة هوَّ اليوم لخبط ولَّا إيه؟
لسه صاحي من النوم أبوك في البيت؟
أبويا. مش عارف، ممكن يكون في البيت وممكن ميكنش.
بقولَّك إيه لسه مشربتش قهوتي ومش رايق يا مرسي على الصبح.
قالها وتحرَّك متَّجهًا إلى منزل عمِّه. تحرَّك خلفه وهو يقول: استنى يا بهجت بس، أبويا زمانه نايم لسة، إنتَ عارف العضمة كبرت
علي الصحيان تلاتة الضهر، استدار إليه: إنتَ شارب إيه يلا على الصبح؟
بنت خالك مشرَّباني من ركبي.
نزل يوسف بعينيه إلى ساقيه، ثم انفجر ضاحكًا بصوت عالٍ: لا مش في دماغك يا دوك عيب، إحنا متربيين.
جزَّ على أسنانه وتركه، لكنَّه توقَّف على صوت ضحكاتٍ مرتفعة. التفت إلى مصدر الصوت، فوجد أرسلان خلف الأرجوحة وغرام فوقها، وضحكاتها تتصاعد في الهواء.
برقت عيناه بدهشة، بينما اقترب بلال منه: الواحد بقى يجي له تهيؤات يا أخي هوَّ أنا سبت سعيد صالح ودخلت على حسن يوسف ولَّا إيه؟
لكز يوسف الذي كان يطالعهم بصدمة، فأشار إلى أرسلان: دا اللي بتقول عليه العضمة كبرت دا المفروض يد فنوني أنا.
قالها وهو يتَّجه نحو أرسلان بسرعة، تحرَّك بلال خلفه: يافضحتك يا بلال الناس هتقول إيه عليَّ دلوقتي؟
عند أرسلان: طيب والله أحسن من البنات اللي عندها عشرين.
ضحكت غرام مسحوبةً بالأرجوحة: خلاص بقى يا أرسلان نزِّلني كفاية دوخت.
وقف يوسف يحاول السيطرة على ضحكاته، اقترب من وقوف أرسلان ووضع كفِّه على كتفه: ماتخدني زقَّة يا أرسلان، عايز أعرف الشعور في الهوا إيه؟
أوقف الأرجوحة. قفزت غرام بإحراج من فوقها، اقترب بلال منها: صباح الخير على شباب المنطقة، تصدَّقوا أنا مكسوف من نفسي، دا أنا بقوم وضهري بيترقع، وأنتوا ماشاء الله بتقضُّوا شهر العسل في الحديقة.
لكزه يوسف: اسكت يا بني، داعب ملابس أرسلان: أنا مش هقول زي ابنك المتخلِّف دا. أنا عايز نوع الدوا اللي بيرفع الركب
دي.
توقَّفت غرام خلف أرسلان وتورَّدت وجنتيها، اتَّجه بلال إليها: طب والله زي القمر يا ماما، فعلًا الأم مدرسة. كمِّل البيت يا بهجت.
إن مرجحتها تمرجحت في الهوا.
رمقهم أرسلان بسخرية: عايز إيه ياض إنتَ وهوَّ؟
ردَّ يوسف: سرِّ خلطة الشباب يا شيخ الشباب.
أشار إلى غرام: ادخلي لمَّا أشوف العيال الظريفة دي عايزة إيه.
دفع بلال يوسف واقترب من والده: إيه يا أرسو، ليكم أوضة يا حبيبي، مش علني كدا قدَّامنا، راعوا إنِّنا شباب طايش.
اتَّجه بنظره ليوسف: وإنتَ ياعنيَّا عايز تقول إيه؟
ربِّنا يدِّيلك الصحة يا حج. المهمِّ خد بالك، الواحد ممكن يكون سعيد ويركب مرجيحة وفجأة تلاقيه وقع من عليها.
بمنزل يزن.
دلفت إيمان إلى آسيا وسدن: إحنا هنا في مصر مش في أمريكا، أنا مبقتش متحمِّلة تصرفاتكم دي، إيه اللي أنتوا عايزنه بالظبط؟
نرجع تاني أمريكا يا مامي، حضرتك قولتي جرَّبوا، أنا شهر مش قادرة أقعد هنا.
اقتربت منها وصاحت بغضب: مش هنرجع يا آسيا، خلاص دي بلدنا.
حضرتك كنتوا بتكذبوا علينا علشان تجبونا.
بت اخرسي، إنتي عايزة توصلي لإيه؟
أرجع لحياتي يا ماما، مش عايزة هنا.
قبضت على ذراعيها بقوَّة وزمجرت بغضب: مفيش رجوع تاني، وهتعيشوا هنا غصب عنِّك، والحياة المقرفة اللي كنتوا عايشينها أنسوها سامعين ولَّا لأ؟
قالتها وألقتها بغضبٍ على الفراش، خرجت وهي منهارة.
قابلها يزن ينظر إليها بذعر: إيمان في إيه؟
بكت بصوتٍ مرتفع، وجلست على المقعد: تعبت يا يزن تعبت من البنات، مبقتش قادرة عليهم وعملت زي ماقولت ورجعت بيهم، بس زي ماهمَّا مش عايزين يتغيَّروا، النهاردة النانا اشتكت منهم، وشدُّوا مع آسر، أنا تعبت والبنات ضاعوا منِّي.
ربت على كتفها بمحبَّة، ثم حاوطها بذراعيه كأنَّه يصدُّ عنها العالم: اهدي أنا هتكلِّم معاهم بعد الحفلة. كريم برضه بيشتكي منهم.
بمنزل إلياس
كان يقف يستند على سيارته، وهي تقف امامه باابتسامتها الخجولة
عندنا حفلة النهاردة هتيجي ولا مش هتقدر
للاسف ياشمس مش هينفع، فيه مشوار مهم خارج القاهرة مع احد القادة. اقترب منها مبتسمًا
ان شاء الله اعوضها لك
هزت رأسها بالنفي
لا براحتك طبعًا، أنا بسأل عادي
خلي بالك من نفسك
داعب وجنتيها وهو يتعمق بالنظر اليها
هتوحشيني من هنا للاسبوع الجاي
وانت كمان.
قالتها بنبرة خافتة، لمعت عيناه بالسعادة، وعيناه على شفتيها التي تلفظت مايروي قلبه، لمح الياس قادمًا عليهما، دنا منها وفجأة مرر انامله على شفتيها
طيب الكلام الحلو دا، اموت واعرف طعم الشفايف الحلوة دي
تراجعت كالملسوعة، بينما وصل اليها الياس يسحبه من ثيابه
انا كنت متأكد من طولة لسانك
شهقت شمس تضع كفيها على فمها، بخروج ميرال من المنزل
ضحك حمزة وهو يشير الى ميرال
شوفتي انا بنضرب اهو، خليكي شاهدة.
دفعه الياس بغضب مصطنع
ماتتلم يلا بقى
قالها بعدما تيقن انه يتلاعب به
دنا من الياس وهو ينظر اليه باابتسامة
ادوق الفراولة وانا هقعد محترم.
بمنزل طارق.
أنهت زينتها ثم اتَّجهت إلى غرفة طفلها، كانت المربية تطعمه، وماإن لمحها حتى نهض من مقعده وركض إليها بفرحٍ خالص: مامي إنتِ خارجة؟
انحنت تسحب كفَّيه الصغيرين، ثم أشارت إليه بالجلوس وهي تبتسم بحنانٍ مشوبٍ بالقلق: على حبيبي شطور، وهتسمع كلام أنطي منى لحدِّ مانرجع من مشوارنا، صح يا حبيبي؟
حاضر يا مامي، هسمع الكلام.
نهضت، ورفعت بصرها إلى المربيَّة بنظرةٍ صارمة تخفي خلفها خوف الأم: متسيبهوش ولا دقيقة، شوفيه أخد إيه في الليسن وطمِّنيني على الرسم والتلوين.
حاضر يا مدام.
انحنت، وطبعت قبلةً دافئة فوق وجنتيه: عايز حاجة يا علوش؟
نو مامي بس متتأخَّريش، وخلِّي بابي يجيب البيسكل.
جاءه الردّ مع دخول طارق، وهو يبتسم بثقة الأب: ومين قال إنِّ بابي نسي البيسكل؟ جه يا حبيبي أرجع، وبكرة ننزل نلعب سوا في الجاردن.
صفَّق على بيديه الصغيرة، وركض نحو والده الذي جلس على عقبيه واحتضنه بقوَّة.
ابتسمت هند لطفلها، لكنَّ عينيها انزلقتا لا إراديًّا نحو طفلها الآخر، ذاك الذي لم يقترب من طارق يومًا بسبب كلماتٍ مسمومة زرعتها أمِّه في قلبه الصغير: يلَّا يا طارق.
أمسك كفَّها وغادرا المنزل.
دقائق معدودة، واختفت السيارة عن الأنظار دون أن يلحظا الرجلين اللذين كانا يراقبان المكان من بعيد: أيوة خرج هوَّ ومراته.
أنصت للطرف الآخر، ثم قال ببرود: حاضر.
بمنزل مالك.
اجتمع الجميع حول مائدة الطعام. رفعت ابنة عمِّه أحد الأطباق، ووضعته أمامه بابتسامةٍ مصطنعة: عارفة إنَّك بتحبِّ النوع ده، خلِّيتهم يعملوه مخصوص.
نظر إلى الطعام، ثم إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة: مبقتش آكل حاجة من غير ماغادة تكون بتحبَّها بتحبِّيه يا دودي؟
تعلَّقت عينا غادة بأحد أنواع الأسماك التي تعشقها، مدَّت يدها لتقرِّب الطبق، ثم التفتت إلى ابنة عمِّه: بجدِّ مش عارفة أشكرك إزاي أنا بحبِّ النوع ده قوي.
وضعته أمام مالك: حلو ولذيذ، عارفة بقالك كتير ماكلتوش، بس علشان خاطري النهارده كلُه.
سحب الطبق منها، وأومأ برأسه: تسلم إيدك يا حبيبتي.
راقبتهم ابنة عمِّه بضجرٍ واضح، ثم نهضت قائلة: أنا شبعت.
توقَّفت لحظة، كأنَّها تنتظر شيئًا.
انحنت ليالي والدة مالك نحو غادة بابتسامةٍ غامضة: تسلم إيدك يا حبيبتي.
علي إيه يا طنط؟
علي كلِّ حاجة، قالتها بنبرةٍ مثقلة بالمعنى.
عقد مالك حاجبيه متسائلًا: فيه إيه يا ماما؟
مفيش يا حبيبي.
بعد دقائق معدودة، عادت تحمل طبق فاكهة ووضعته على الطاولة: الفاكهة دي طبيعية وحلوة
قُطع حديثها فجأةً بصوت المربية، مرتجفًا، مذعورًا: مالك باشا فريدة أُغمى عليها، وبتنزف دم من بقَّها!
هبَّ من مكانه كالمجنون، اندفع نحو ابنته، بينما تجمَّدت غادة في موضعها، كأنَّ الزمن صُعق معها: هيَّ قالت فريدة! ولَّا أنا سمعت غلط؟
لكزتها ليالي بقوَّة: غادة، شوفي بنتك قومي يا بنتي!
لكن صوت المربية ظلَّ يصدح في أذنها، يجلد وعيها بلا رحمة: «فريدة أغمى عليها وبتنزف من بُقَّها».
بمنزل يوسف.
والله انا خايفة على حمزة من عمو الياس
التفت اليها وهو يغلق زر قميصه وتحدث
هو بيهزر معاه، بابا بيحبه، وبيحب حبه لشمس
اقتربت تساعده في غلق زرائر
انت مشفتش عمل ايه، لولا طنط ميرال كان زمانه معلقه في الشجرة
ضيق عيناه متسائلًا
عمل ايه
ضحكت وهزت رأسها وهي تعدل وضعيه قميصه
بيقولها الشفايف دي طعمها ايه، وعمو سمعو
قهقه يوسف بصوته الرجولي
لا دا كدا يحمد ربنا انه خرج سليم
صمتت تطالعه بحب وقالت.
مش عايزين نتأخر في الحفلة، فيه موضوع مهم لازم نتكلم فيه
طالعها باستفهام وقلبه ينبض بعنف
موضوع ايه
ابتسمت وهي تعدل وضعية ياقته
لما نرجع إن شاء الله
تجول بنظراته على ثيابها
هتخرجي كدا، انا مش راضي
نظرت لفستانها
دا حلو. ماله
اشار الى صدرها واردف: ضيق من هنا ياضي، والحجاب قصير ومبين كل حاجة
قبلت وجنتيه وقالت بنبرة هادئة
حبيبي. تصميم الفستان كدا، وبعدين دا من تصميمي، وهو واسع، بس بياخد وضع الجسم.
هز رأسه بالرفض: مش عجبني، ومعنى مش عجبني انك عرضة كدا، غيري لو سمحتي
تنهدت ثم تحركت بصمت الى الغرفة.
بعد عدة ساعات
بأحد الأحياء المرموقة.
في إحدى البنايات الفاخرة، أُقيم حفلًا هادئًا يضمُّ نخبةً من الطبقة الأرستقراطية، موسيقى ناعمة، ضحكات محسوبة، ونظرات تزن كلَّ تفصيلة.
دلف إلياس إلى الداخل بجوار ميرال، يتفحَّص المكان بعين الخبير، كمن يقرأ ماخلف الجدران لا مايظهر للعيان: المكان ده حلو قوي وكمان فيه حركة.
أومأت ميرال وهي تجول ببصرها في الأرجاء، تلتقط الوجوه والهمسات: وإنتَ عملت هنا ليوسف عيادة كمان؟
أومأ، وأشار إلى المبنى المكوَّن من سبعة طوابق: آه، الدور التاني، اللي فوقيه آسر، وبعده بلال. يزن قالِّي أقسِّم دور للبنات اللي حابَّة تعمل شغل خاص بيها.
أيوة، سمعت إنِّ ضي بتتعلِّم تصميم، وعايزة تبقى فاشون ديزاينر.
توقَّف فجأة، وعقد جبينه: ليه، هتسيب شغلها؟
هزَّت رأسها نافية، وتابعت بهدوءٍ مدروس: لا، من وهيَّ صغيرة ونفسها تبقى مصمِّمة، طبعًا أرسلان رفض زمان. دلوقتي هيَّ عايزة تنمِّي هوايتها، البنت ذكية، وعلى فكرة لو شوفت تصميماتها هتعجبك.
ويوسف عارف الكلام ده؟
معرفش بس أكيد قالت له.
ظلَّ صامتًا للحظة، وكأنَّ فكرةً ما بدأت تنمو في رأسه، دون أن يُفصح عنها.
بمنزل بلال.
طرق على باب غرفتها.
لا رد.
فتح الباب بهدوء، فوجدها جالسة في الشرفة، ساكنة على غير عادتها، تحدِّق في فراغٍ لا نهاية له، اقترب منها بخطواتٍ بطيئة: إنتِ لسه ماجهزتيش؟
لم تتحرَّك لم ترد.
تقدَّم حتى وقف أمامها مباشرة: بكلِّمك.
قالت ببرودٍ موجع دون أن تنظر إليه: مش رايحة تعبانة.
انحنى، ووضع كفِّه على جبينها، فانعقد حاجباه: مالك؟ سخنة لازم تروحي لدكتور.
هزَّت رأسها بالرفض: لا هنام شوية وأبقى كويسة.
جلس أمامها، محاولًا كبح نفاد صبره: رولا، مينفعش ده أخوكي، طيب هدخل إزاي لوحدي؟
رفعت عينيها إليه أخيرًا، نظرة باردة كسكِّين: خد أي واحدة من حبايبك.
ومتخافش، محدش هيقولَّك حاجة كلُّهم عارفين طبيعة جوازنا.
نهض من مكانه، ونظراته تحاصرها: بتغلطي كتير قوي، وأنا بحاول أعدِّي
بلاش نزعل من بعض.
قفزت واقفة أمامه، وصوتها خرج صارخًا ممزَّقًا: إنتَ مين أصلًا علشان زعلك يهمِّني؟! إنتَ ولا حاجة سامعني؟ ولا حاجة ونظرتي فيك طلعت صح.
كوَّر قبضته، يحاول السيطرة على غضبه، ثم أومأ برأسه ببطء: ماطلبتش منِّك أكون مهمّ بس اجهزي، لازم ندخل الحفلة مع بعض، الناس هتقول إيه، ولمَّا يسألوني أرد أقول إيه؟
دفعته بحدَّة، وبروده زاد النار اشتعالًا: اطلع برَّه ربِّنا ياخدك علشان أرتاح.
أغمض عينيه للحظات، وشعر بانقباضٍ قاسٍ في صدره: اللهمَّ آمين لو ده فيه راحتك، يمكن بعدي ربِّنا يرزقك براجل.
قالها وتحرَّك للخارج.
أمَّا هي، فهوت على المقعد، وانسابت دموعها بلا وعي، تشعر بانهيار عالمها قطعةً قطعة كلَّما تذكَّرت حديثه بعد عودته مع تلك الشمطاء: ماتفتحيش الباب لحد، وبكرة الصبح هعدِّي عليكي تكوني لمِّيتي هدومك.
هتروحي بيت كويس ومتأمِّن، وحتى الخدم هشوف حدِّ أمين.
انتفضت من شرودها، ونهضت تدفع كلَّ ماتطاله يدها، تصرخ، حتى سقطت على الأرضية باكية.
ظلَّت على حالها طويلًا إلى أن نهضت، ومسحت دموعها بعنف: والله لأكرَّهك نفسك يا دكتور.
بعد فترة.
دلفت إلى الحفل بخطواتٍ متردِّدة، ورغم ذلك التردُّد، تحرَّكت بثباتِ أنثى تبحث عن نفسها وسط عاصفةٍ لا ترحم.
قلبها لم يعد يعرف سوى نبضٍ واحد باسمه.
كان أخوها أوَّل من التفت، وخطا إليها سريعًا بلهفةٍ صادقة: حبيبتي، اتأخَّرتي ليه كدا؟
ابتسمت ابتسامةً باهتة، تخفي خلفها وجعًا ثقيلًا: آسفة يا آسر مبروك يا حبيبي المكتب، وإن شاء الله تبقى أشطر محامي في مصر.
حاوط خصرها بحنان الأخ، وتحرَّك بها إلى الداخل: حبيبة أخوها الحنونة.
انفلتت عيناها تبحثان عنه
كان يعطيها ظهره، يقف مع يوسف وضي.
توقَّفت لحظة، ثم همست لآسر: عايزة أقعد في مكان هادي مش قادرة على الدوشة.
جال بنظره في المكان، ثم أشار إلى طاولةٍ تطلُّ مباشرةً على النيل: اقعدي هناك وهبعت لك شمس أو ضي.
أومأت، وتحرَّكت بهدوءٍ مصطنع، بينما بداخلها صخب لا يُحتمل.
توقَّفت أمام سواد النيل، تحدِّق فيه بشرود.
كأنَّ حياتها انقلبت فجأةً مثله، مظلمة، غامضة، بلا قمر.
توقَّف أحدهم بجوارها: عاملة إيه؟
التفتت إليه، وهزَّت رأسها بخفَّة: كويسة إنتَ عامل إيه؟
ماشي الحال عايز منِّك خدمة، ممكن؟
استدارت إليه بكامل جسدها، تشير إلى نفسها بدهشة: خدمة منِّي أنا؟
وضع كفِّيه في جيب بنطاله، ونظر إلى النيل قبل أن يقول: أيوة.
عند آسر، اقترب من وقوفهم: ضي، فين شمس؟
بحثت بعينيها، ثم هزَّت كتفيها: معرفش كانت هنا مع ماما.
أشار بيده ناحية الطاولة المطلَّة على النيل: طيب ممكن تروحي لرولا؟ قاعدة هناك مش عايزها تبقى لوحدها.
استدار بلال بسرعةٍ لا إراديَّة: هيَّ جت؟ كانت تعبانة.
وقعت عيناه عليها.
كانت تقف مع أحدهم، مرتديةً ذاك الرداء الفيروزي الذي يتطاير مع نسمات الربيع، كأنَّه يعلن حضورها
تجمَّد للحظة ثم تحرَّك دون كلمة.
ويوسف يتابعه بصمتٍ ثقيل، يفهم أكثر ممَّا يُقال.
اقتربت ضي، تعلَّقت بذراعيه محاولةً جذبه: وبعدين بقى، هنفضل كدا؟
تنهَّد بعمق، وعيناه لا تزالان معلَّقتين عليها: الموضوع بيتعقَّد أكتر وأكتر
ثم استدار برأسه إليها: ماتشغَّلي البطيخة اللي فوق جسمك دي ولَّا إنتِ شاطرة تشغَّليها عليَّ بس.
اقترب بلال منها حين رأى أحدهم يقف أمام رولا يقترب خطوةً أخرى، ويميل ناحيتها قائلًا بنبرةٍ منخفضة: عارف هتقدري تساعديني.
التفتت إليه، وعيناها التقتا بعيني بلال في اللحظة ذاتها.
لحظة صامتة لكنَّها كانت أعلى من أي صراخ. توقَّف أمامهما: أهلًا يا باشهمندس.
أهلًا دكتور بلال. التفتت إليه وقالت: بكرة في الشغل هرد عليك.
تمام، بعد إذنكوا.
تبسَّمت بمجاملة فتحرَّك من أمامها، توقَّف بلال بجوارها: شايف جيتي يعني. وكان إيه لزوم أدخل لوحدي؟
رفعت عيناها إليه: ياريت تتعامل معايا بعد كدا علاقة ولاد العم. اقتربت خطوةً حتى التصقت به وهمست: وجودك زي عدمه بالنسبالي، ولو زهقت روح للدكتورة الحنيِّنة، أه وياريت شوية هدوم عندها علشان بقيت أزهق من وجودك يا، مضحِّي باشا.
قالتها وانسحبت إلى وقوف ضي ويوسف.
بينما ظلّّ متوقِّفًا بمكانه يشعر وكأنَّ أحدهم يطوُّقه بطوقٍ من نيران.
كان يوسف يراقبهما. فاتَّجه إليه: إيه اللي حصل بينكم؟
التفت بعينه إليه: أنا كتبت كتابي على كارما النهاردة.
جحظت عيناه بذهول: أكيد اتجنِّنت؟
من زمان وأنا مجنون، قالها واتَّجه إلى سيارته وغادر الحفل.
وصلت إليه ضي: إيه اللي حصل وليه بلال مشي؟
مسح على شعره بغضب، يضغط على شفتيه بعنف.
سحبت ذراعيه: يوسف مالك؟ وصل إليهم آسر: هوَّ بلال خرج ليه؟
جاله مشوار مهمّ، شوية وراجع.
بأحد الاركان.
رفع هاتفه: أيوة معاك.
زي ماتوقَّعت يا باشا، جم علشان يخطفوا الولد، بس متخافش مربوطين.
تمام شوفوا شغلكم معاهم لحدِّ ماآجي.
اقترب آرسلان منه: فيه حاجة يا إلياس؟
الحيوانة كانت عايزة تخطف ابن طارق، بس متخافش اتوقَّعت دا بعد حركتها الأخيرة.
طيب عملت إيه مع رؤى؟
زهقت منها يا أرسلان، بكرة ولَّا بعده يحوِّلوا ورقها للمفتي، أهي نرتاح منها، وكفاية عذابها المدَّة اللي فاتت.
يعني عملت اللي في دماغك برضو؟
للأسف ياريتني سمعت كلامك من يوم موت رانيا، كان المفروض تموت معاها.
توقَّف عن حديثه بعد ارتفاع هاتفه مرَّةً أخرى. ابتعد عن الضجيج: إيه حبيبتي؟
بكت بصوتٍ مرتفع: إلياس. فريدة بنتي بتموت يا إلياس.
تجمَّد جسده للحظات يحاول أن يستوعب ماتقوله: غادة اهدي فيه إيه؟
بنتي عندها سرطان في الدم.
لحظة مميتة وهو يستمع إلى كلماتها التي أشعرته بأنَّ صدره انشقَّ لنصفين.
بعد عدَّة ساعات.
ارتدت منامةً حمراء، تنساب على جسدها بنعومةٍ أنثوية وأشعلت إضاءةً خافتة، جعلت المكان أقرب لحلمٍ دافئ.
العطر الذي تحبِّه ملأ الغرفة
كانت تنتظره لا كزوجة فقط، بل كأنثى تعلَّق قلبها كلِّه على حضوره.
في الخارج، كان صوته متعبًا في الهاتف: أنا مش قادر أستوعب اللي عملته إزاي تعمل حاجة زي كدا من غير ماتقولِّي؟
يوسف، أنا مصدَّع بعدين نتكلِّم.
إنتَ فين دلوقتي؟
في البيت.
طيب إيه رأيك أجيلك شوية؟
لا تعبان وعايز أنام.
أنهى المكالمة ودلف للداخل.
توقَّفت عيناه عليها فورًا
لحظة صمت، كأنَّ قلبه نسي ألمه فجأة.
اقتربت منه بابتسامةٍ تلمع في عينيها، جمالها الليلة مختلف، هادئ، حميمي.
نظر إلى منامتها الرقيقة، إلى زينتها الناعمة ثم توقَّفت عيناه عند اسمه، مرسومًا على صدرها بعنايةٍ عاشقة.
وصلت إليه، ووضعت كفَّيها على صدره: أخيرًا ارتحت من الدوشة.
مدَّ يده، داعب خصلاتها ببطء، مرَّ بأنامله على عنقها، ثم انزلق إلى صدرها حيث اسمه: عملتيه إمتى ده؟
عانقته، وضحكت بخفَّة: بعد ماروحت عند عمُّو إيه مش عجبك؟
جمع شعرها على جانبٍ واحد، وانحنى يطبع قبلةً طويلةً على جبينها، كأنَّه يحتمي بها من كلِّ مايؤلمه.
أغمضت عينيها، تذوب بقربه، ثم همست بصوتٍ مملوء بالأمل: يوسف أنا عايزة بيبي.
روحت للدكتورة إمبارح وقالتلي أحسن وقت للحمل الأيام دي علشان.
توقَّفت.
رفع رأسه ببطءٍ شديد
كأنَّ العالم كلِّه انزلق من تحت قدميه.
الدفء انسحب فجأةً من ملامحه.
تنفُّسه اختلّ، وعيناه زاغتا للحظة، كأنَّ ضربةً غير مرئية أصابته.
ابتسمت، تراقبه بثقة العاشقة التي تظنُّ أنَّها تهديه حلمًا: أكيد فاهم معنى كلامي يا دكتور.
تراجع خطوة. ثم أخرى.
كأنَّ الاقتراب منها صار يؤلمه.
لاحظت تغيُّر وجهه، وصمته القاسي: يوسف، مابتردِّش ليه؟ أنا بقولَّك الدكتورة قالت.
اتَّجه إلى غرفة الملابس كالهارب.
لحقت به، أمسكت ذراعه برجاءٍ خائف: يوسف.
انتزع ذراعه بعنفٍ مكتوم: مش عايز أطفال.
تجمَّدت مكانها.
الكلمة نزلت على قلبها ببرودة الموت.
استدار إليها، وصوته خرج مشروخًا رغم قسوته: كفاية كلِّ اللي شاغلك تجيبي أطفال. وأنا. أنا فين من حياتك؟
حدَّقت فيه بذهولٍ موجع: إيه اللي بتقوله ده! مش إحنا اتَّفقنا؟
ضحك ضحكةً قصيرة، بلا فرح: أنا مااتَّفقتش.
إنتِ اللي زنَّانة وكلِّ همِّك ولاد.
مع إنِّك عارفة إنِّي مش عايز.
اقترب منها، وقد فقد السيطرة، وعيناه تحترقان: اختاري يا ضي يا أنا، يا الأطفال.
شعرت بأنَّ الأرض تميد بها.
هزَّت رأسها، والدموع انسابت بلا توقُّف: عايزة أطفال منَّك منَّك إنتَ.
صرخ، وكأنَّ صراخه اعترافٌ موجع: وأنا مش عايز.
مش قادر مش عايز!
لو عايز حاجة من الدنيا، هتبقي إنتِ وبس! إنتِ فاهمة؟
إنتِ.
بس إزاي هنعيش من غير ولاد لينا؟
دفعها بعيدًا، وصدره يعلو بعنف، والدموع خانته أخيرًا: يبقى نطلَّق.
سقطت الكلمة ثقيلة قاسية
كسرت كلَّ ماكان دافئًا منذ دقائق.
وقفت مكانها، تحدِّق فيه بعينين فارغتين.
أمَّا هو، فاستدار بعيدًا عنها
منكسرًا، موجوعًا، كأنَّه خسرها وهو مازال يحبُّها.
قالها وغادر المكان بأكمله.
بعد فترة بمنزل بلال:
كان يجلس بالخارج يعمل على جهازه، بملامح جامدة، ذهنه بما قالته واتهمته به قبل دلوفها الحمام
قاطعه رنين هاتفه، سحبه سريعًا، وبمجرد أن رأى الاسم ابتسم دون وعي: أيوه يا حبيبتي.
لم يأته رد، فقط بكاء مكتوم اخترق أذنه.
توقف جسده كله، ونبرته تغيرت: مالك في إيه؟
تعبانة أوي...
قالتها بين شهقات متقطعة: حاسة إن حياتي بتتسرق مني.
طيب، طيب، اهدي شوية.
تنفس بعمق: إيه رأيك نخرج نتعشى بره؟ نقعد ونتكلم، انا كمان مخنوق
جلست على الأرضية الباردة، تنظر حولها بضياع، وكأن الجدران تقترب منها.
بلال، مش قادرة أتنفس.
توقف عن الحديث فجأة حين استمع إلى صوت ارتطام قوي بالداخل
اعتدل في جلسته، وقلبه قفز من مكانه: وهمس دون وعي
رولا
?أدار الهاتف جانبًا وقال بصوت حاول أن يبدو ثابتًا: طيب، ربع ساعة وهعدي عليكي.
ثم أضاف سريعًا كي ينهي المكالمة: جهزي نفسك، هعدي عليكي.
أغلق الهاتف واتجه مباشرة نحو باب الحمّام، طرق عليه بخفة أولاً: رولا انتي كويسة؟
لا إجابة.
بالداخل كانت تبكي. فقد انزلقت قدمها وسقطت بقوة على الأرضية، جسدها ارتطم بحافة البانيو، ولم يكن يس ترها شيء. حاولت النهوض، لكن الألم ش قّها نصفين، ومع الحركة اندف عت الدماء بغزارة.
زحفت على الأرض تبكي بشهقات مكتومة، وضعت كفّيها على فمها كي لا يصل صوتها إليه.
مدّت يدها نحو صندوق الإسعافات الأولية زحفًا، لكن ركبتيها المفتوحتين ازداد نز يفهما، والدوار اشتد حتى غامت رؤيتها.
بالخارج، طرق الباب بقوة أكبر: ردّي عليّ! طمنيني، انتي كويسة؟
لم تستطع الرد.
كل ما خرج منها أنين مكسور، تحاول ابتلاعه.
هنا، وصل الجنون ذروته.
تجمّد في مكانه لحظة، ثم فقد عقله حين التقط أذنه ذلك الأنين المكتوم.
دفع الباب بقدمه مرة، واثنتين، ومع كل دفعة كان بكاؤها يعلو رغم محاولاتها كتمه.
رولا!
انفتح الباب أخيرًا على مصراعيه.
اندفع للداخل، يبحث عنها بجنون، خرج اسمه من عينيها قبل شفتيها
ليتوقف وتسمّر في مكانه، وأنفاسه انحبست، وعيناه
اتسعتا بذعرٍ صامت...
وهو يراها ممددة على الأرض، شاحبة، وجسدها يرتجف، والد ماء تلطخ البلاط من تحتها.
رولا، نطق اسمها بقلبٍ منتفض ليخرج اسمها منه كأنّه صلاة، كأنّه استغاثة، وهو يشعر بانهيار عالمه في ثانية من الد ماء التي يراها تحتها، ليفقد عقله بالكامل...