رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والثلاثون
قربها لأحضانه، وانفاسه تحكي قصة عشق عجز عنها اللسان، واحتضان العيون اكثر من مليون شاهد، فكانت نظراته كفيلة أن تحكي معاناة العشق الصامت، دقيقتان فقط، كانتا كفيلتين بأن تفقد ضي عقلها، بعدما شعرت بلهفته، ونبض قلبه تحت كفيها، لتتولَّى مشاعرها القيادة دون وعي، فيغدو قلبها هو السيد الآمر المتحكِّم بها. رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، بينما كانت يداه تثبِّت جسدها المرتجف. ليسحبها لعالمه للمرة الثانية يغرق بشهد ثغرها، دفعت صدره بوهنٍ بعدما فقدت أنفاسها، فابتعد عنها وأنفاسه المتلاحقة ترتطم بوجهها، حاملةً عنفوان مايشعر به.
همست بصوتٍ مرتجفٍ: يوسف، ابعد. ماينفعش اللي بنعمله.
اقترب منها مرة اخرى، تتنقَّل عيناه على ملامح وجهها التي غرق في عشقها، وأبعد خصلةً ناعمةً التصقت بخدِّها، ثم همس بصوتٍ يفيض بتشتُّته: ضِعت. لا عارف أتقدِّم، ولا قادر أرجع، ينفع اللي عملتيه فيَّا؟
تجمَّعت دموعها في عينيها، وهمست بانكسارٍ متقطِّع: اعمل اللي إنتَ عايزه، أنا مبقاش فارق معايا حاجة.
رفع إصبعه ليضعه فوق شفتيها المرتجفتين، واقترب ببطءٍ يوشك أن يلامس شفتيها مرة اخرى، فأغمضت عينيها بخوفٍ وارتجافٍ وهمست برجاءٍ مبحوح: يوسف، ابعد بقى...
زاد قربه، يجذبها إليه أكثر فأكثر: ياريت أقدر مبقاش ينفع.
وضع جبينه فوق جبينها وسحب جسدها يلفُّ ذراعيه حوله: إنتي مراتي دلوقتي، يعني محدش يقدر يمنعك عنِّي.
حاولت التملُّص من بين يديه وهي تضغط بيدها على فتحة روبها المائل، وهي ترى نظراته التي لأوَّل مرَّة تراه بها، دنا أكثر حتى دفن رأسه بعنقها يستنشق رائحتها، بدخول ميرال التي فزعت من ذلك المشهد، فتحرَّكت سريعًا للخارج، أغمضت ضي عينيها تشعر بانهيارها، لا تريد أن تبعده، وكذلك لا تريد اقترابه، قبلةٌ من شفتيه الساخنة على عنقها لتفزع وتدفعه بكلِّ قوَّتها ورغم ارتجاف جسدها، إلَّا أنَّه تراجع خطوةً للخلف وهدرت بصوتٍ يتهدَّج خوفًا: اطلع يا يوسف برّة لو سمحت. إيه اللي إحنا بنعمله دا. مش صح، ممكن طنط ميرال ترجع دلوقتي، تقول علينا إيه؟
ظلَّ يحدِّق في وجهها بعينينِ تائهتين بين الشوق والعتاب، قبل أن يهمس بغضبٍ مكتوم: يعني إيه مش فاهم كلامك؟
لم يكد ينهي جملته حتى انفتح الباب بعنفٍ، ليظهر إلياس واقفًا أمامهما، ملامحه مزيجًا من ذهولٍ وشررٍ متطايرٍ من عينيه. استدار يوسف سريعًا، تجمَّد جسده للحظة وهو يرى والده يقتحم المكان بتلك الهيئة؛ ألتفت سريعًا نحو ضي التي شهقت ونزلت دموعها على وجنتيها من رؤية عمِّها إليها بأحضانه، ويوسف الذي كاد يجن من رؤية والده لهيأتها تلك.
تراجع بجسده خطوةً أمامها، يحاول حمايتها من نظرات والده، ثم واجه والده بنبرةٍ حاول جاهدًا أن يُخفي ارتجافها:
إيه يا بابا اللي حضرتك عملته دا، إزاي تدخل علينا كده، مش المفروض تخبَّط الأوَّل؟!
لم يكترث لحديثه بداية الأمر، بل ظلَّت عيناه معلَّقتين على ضي، نظراته تشتعل غضبًا كلَّما لاح له ارتباكها واحمرار وجهها، وهناك هواجس تضرب عقله، هدأ قليلًا بعدما وقعت نظراته على حزام روبها المغلق، وفاق على حركات يوسف الجنونية وهو يقف أمامها كدرعٍ بشري، يحاول أن يحجبها عن أعين أبيه.
لاح الخبث بعقل الياس بعدما واجه غيرة ابنه الجنونية، فاقترب منهما خطوة، لكن يوسف تراجع فورًا، يرفع يده بتحذيرٍ غاضبٍ:
بابا. لو سمحت.
زمَّ إلياس شفتيه، وانحنى قليلًا برأسه وهو يزفر أكثر عندًا، ثم قال بصوتٍ أجشّ يقطر سخرية:
ده إنتَ بجح يا واد، عايزني أخبَّط على أوضتي وأنا داخلها؟!
في تلك اللحظة، دخلت ميرال بخطواتٍ متوترة، محاولةً أن تسيطر على غضب إلياس، تنقَّلت عيناها بينهما بخوفٍ واضح.
ابتلع يوسف لعابه بصعوبة، محاولًا السيطرة على صوته المرتعش:
بابا. مش قصدي والله، بس ممكن تخرج دلوقتي، نتكلِّم بعدين برَّة؟
رفع إلياس حاجبه بسخريةٍ باردة، ثم نظر إلى ضي التي مازالت تختبئ خلف يوسف وهمس بنبرةٍ حادَّةٍ عنيدة:
ضي...
صمت لحظة، ثم أردف بصوتٍ قاطع
اطلعي من ورا الحلوف دا، وقوليلي كنتوا بتعملوا إيه في أوضتي؟
شهقت وارتعدت أوصالها، ممَّا ازداد غضب يوسف الذي كوَّر قبضته، سحبته ميرال للخارج: إلياس. تعال نشوف بابا مصطفى، ياله حبيبي.
لكنَّه لم يتحرَّك إنشًا واحدًا، وظلَّ واقفًا بمقابلة ابنه: هطلع، لو خرجت ومكنتش ورايا هدخل وأطلَّعها برَّة كدا، ويبقى ورَّيني هتعمل إيه، ثم رفع نظره إليها: بتتخبِّي من عمِّك وراه يا بنت أرسلان؟
سحبته ميرال تكتم ضحكاتها. تدفعه بخفَّة للخارج.
خرج يمسح على خصلاته وابتسامة أنارت وجهه بعد حزنه على مصطفى. دفنت ميرال رأسها بصدره تحاول أن تمنع ضحكاتها. دفعها بخفَّةٍ بعيدًا: بتضحكي على إيه إنتي كمان؟
لكزته تضحك واقتربت أكثر تحاوط خصره: بس بقى كسفت العيال، إنتَ فظيع والله.
رفع حاجبه ساخرًا: الواد بيقولِّي مابتخبطش ليه، شوفتي بجاحة الحلوف.
رفعت ذراعيها تحاوط عنقه، وشبَّت على أطرافها تنظر لعينيه: جايبه من بعيد، نسيت نفسك ولَّا إيه؟
ياريت يا ميرال هانم تعرَّفيه، أنا متأكد إنُّه كان عارف إنِّنا جوَّا، بس لو معملش شو مايبقاش إلياس باشا. قالها يوسف الذي خرج على كلمات والدته ينظر لذراعها وهي تحيط عنق والده وقال: مش هتكلِّم. قالها وغادر من أمامهما، بينما ظلَّ إلياس يتابع تحرُّكه الغاضب، استدار إلى ميرال: ادخلي شوفي ضي، زمانها منهارة، عرَّفيها كنت بعانده مش أكتر، أنا واثق فيها.
أومأت وتحرَّكت للداخل، بينما ظلَّ مكانه للحظات ثم اتَّجه إلى غرفة مصطفى.
بغرفة يوسف:
دلف إلى الداخل كوحشٍ جريح يتخبَّط في قفصٍ ضاق على أنفاسه. يثور كمن فقد عقله، يركل مايعترض طريقه، كأنَّ في داخله إعصارًا يبحث عن مخرج.
توقَّف أخيرًا يلهث، تتناثر أنفاسه الغاضبة بكبتٍ جحيمي، إلى أن سقط على المقعد، يمرِّر كفِّه في شعره بعنفٍ كاد يقتلع معه روحه.
أغمض عينيه للحظة، لكن ملامحها اندفعت إلى ذاكرته كطعنةٍ، فهبَّ واقفًا ينزع قميصه بعنفٍ حتى تناثرت أزراره على الأرض كدموعٍ مبعثرة.
اندفع إلى الحمَّام، دلف تحت ماءٍ باردٍ يُصبُّ على جسده كالسياط.
ظلَّ واقفًا ينهج، وكتفاه يرتجفان، وداخل صدره بركانٌ لا يهدأ، كأنَّه يحترق بصمتٍ، والنار تأبى أن تخمد.
خرج ينزع روب حمامه بدخول بلال إلى غرفته، دلف بنصف جسده متوقِّفًا على باب الغرفة: فاضي نتكلِّم؟
أومأ بصمتٍ وهو يجفِّف خصلاته، اقترب منه ودارت عيناه بالغرفة، ثم قال: انت مبهدل الدنيا ليه كدا
لم يجبه، فسحب نفسًا قائلًا
إيه رأيك نرجع بيتنا؟ نبات ونيجي كلِّ يوم بعد مانخلص شوية ونرجع تاني، حاسس إنِّي مخنوق ومش عارف أتعايش.
استدار اليه يوسف بعدما ألقى منشفته واتَّجه إلى أحد الأدراج ينزع سجائره، مع اقتراب بلال يسحبها بعنف: أنا بكلِّمك على فكرة، ولمَّا سألتك قولت لي هيَّ مرَّة حد عزم عليك وماحبتش تكسفه.
تابعه برفعةِ حاجبٍ وصمت، ثم تراجع إلى المقعد وجلس قائلًا: بلال دماغي وجعاني، ومش ناقصك إنتَ كمان.
اقترب منه وعيناه تحاوط اضطرابه: مالك يايوسف، وإيه اللي حصل بينك وبين ضي؟ سمعتها بتكلِّم باباك عايزة تفسخ الخطوبة.
سحب المقعد وجلس بمقابلته يتعمَّق بملامحه وقال بنبرةٍ متَّزنة: يوسف إنتَ عارف غلاوتك عندي، ربِّنا أعلم إنتَ بالنسبالي مش مجرَّد ابن عم وبس، وهيَّ كمان دي روحي. -مضحكش عليك أنا كنت رافض ارتباطكم ببعض مش عيب فيك والله، بس أنا عارف أختي وعارفك، إنتَ مش بتاع قصص الحبِّ اللي ضي بترسمها من خلال قرائتها للروايات، وطبعًا فاكر كلِّ إجازتك كانت قفشات بينكم، بس بعد الخطوبة معرفش حسيت إنَّك واحد جديد، بيحاول يبني عالم تاني غير اللي متعوِّده منَّك، أه عارف موضوع كتب الكتب جه بدون علمك، بس منكرش اليوم دا شوفت حاجة فيك مختلفة، وخصوصًا لمَّا رجعتوا بالدبل.
كان يستمع إليه بصمتٍ موجع. اقترب بلال بجسده يربت على ساقيه: يوسف إنتَ عايز تكمِّل مع ضي فعلًا، ولَّا ناوي على إيه، ولسة موضوع الهجرة دا في دماغك، طيب لو هتهاجر هيَّ هيكون مستقبلها إيه معاك؟
أنا حاولت أفهم من بابا بس كلِّ اللي قاله، سيب الدنيا ماشية زي ماهيَّ.
زفرة حارقة أخرجها من لهيب أعماقه، بعدما أنهى بلال كلماته ثم قال: أنا استلمت الجنسية من أسبوع يابلال، وبابا عرف كلِّ حاجة، علشان كدا جوِّزوني ضي على أساس تضغط عليَّا ومسافرش.
أومأ بلال منتظرًا بقيِّة حديثه، تراجع بجسده بعدما سحب سجائره من كفِّه وقال: مناقشة الرسالة الأسبوع الجاي، بعدها هقرَّر، أنا كدا كدا لازم أسافر علشان أكتسب خبرات أكتر.
طيب وضي يايوسف، مصيرها إيه؟
نفث دخانه ينظر إليه ثم قال: هاخدها معايا.
ضيَّق عيناه بتساؤل: يعني إيه مش فاهم، هتاخدها إزاي؟
هنتجوِّز. نتمِّم جوازنا، مش همَّا عايزين كدا.
توقَّف بلال يهزُّ رأسه بالرفض: ومين هيسمح لك بكدا، لا ماما ولا بابا.
-وإيه اللي يخلِّيهم يرفضو. مش هنتجوز.
يوسف، إنتَ عايز إيه بالظبط؟
قالها بلال بصوتٍ خافت لكنَّه مشحونٌ بالتعب: مش عارف...
تمتم بها يوسف وهو يزفر تنهيدةً طويلة، كأنَّها خرجت من عمق صدره لا من فمه.
ثم مال برأسه للخلف قائلًا: عايز أنام يا بلال. قوم روح أوضتك، ونكمِّل كلامنا بعدين.
نهض بلال بتردُّد، يحدِّق فيه لحظة، ثم قال بنبرةٍ غلبها العتاب: يعني مش راجعين البيت؟
ردَّ يوسف دون أن يلتفت: أرجع إزاي وأسيب جدُّو تعبان؟ روح إنتَ لو عايز.
استدار بلال متَّجهًا للباب، وقال قبل أن يخرج: هشوف ضي أخدها معايا.
لكن يوسف انتفض سريعًا من مكانه: لأ.
اقترب منه خطوةً ونبرته أكثر حدَّة ممَّا: سيبها، أنا هاوصَّلها تدريبها الصبح. عايز أتكلِّم معاها في موضوع مهم.
تأمَّله بلال للحظةٍ بعينٍ تبحث عن مايخفيه، ثم أومأ في صمت، وانسحب للخارج دون كلمةٍ أخرى.
أغلق الباب خلفه، وأسند ظهره إليه، أغمض عينيه وصراعٌ مرير يعصف بداخله كعاصفةٍ لا تهدأ.
أخرج هاتفه واتَّصل بأمِّه: ماما، ماعنديش لبس في الدولاب.
جاءه صوتها الدافئ من الطرف الآخر: نسيت يا حبيبي، هكلِّمهم يطلَّعوا هدومك.
صمت لحظة، ثم سأل بصوتٍ خافتٍ كأنَّه يخشى الإجابة: وضي لسه عندك؟
ردَّت بعد تنهيدةٍ مسموعة: عيَّطت كتير لحدِّ مانامت، احمد ربِّنا إنِّ مرات عمَّك ماجتش وشافتها بالحالة دي.
سكتت ثواني ثم أضافت بصوتٍ حذرٍ: يوسف. أنا واثقة فيك، وعارفة إنَّك مستحيل تغلط.
ضي بتعيَّط علشان باباك شافها معاك ولَّا في حاجة تانية؟
كلماتها اخترقت صدره كسهامٍ مشتعلة، اشتعل وجهه خجلًا وغضبًا من نفسه، وصمته كان أبلغ من أي اعتراف.
ارتفع صوت ميرال بتوترٍ يخالطه الخوف: يوسف، إنتَ عملت في البنت إيه؟
أغلق عينيه، وزفر بحرارة وقال ببرودٍ مصطنع يخفي اضطرابه: أنا تعبان يا ماما، عايز أنام.
هتبعتي الهدوم ولَّا أنام بالبورنس؟
ثم أنهى المكالمة، ألقى الهاتف بعنف على الفراش، وأسند كفَّيه إلى وجهه، يلهث كمن يحاول الهروب من نفسه.
ألهذا الحد صار ضعيفًا؟
لم يقدر حتى على كبح مشاعره، ولا على مواجهة حقيقةٍ يخشاها أكثر من ذنبه.
ظلَّ صامتًا دقائق، تتردَّد أنفاسه المتقطِّعة، قبل أن ينهض متّّجهًا نحو الشرفة يبحث عن نسمةٍ تعينه على التنفس بعدما خنقته جدران الغرفة وكأنَّها تضيق عليه عمدًا.
وقف هناك يحدِّق في العتمة، وصدره يعلو ويهبط بانفعالٍ مكتوم.
طرقٌ خفيفٌ على الباب أيقظه من دوَّامة أفكاره، التفت ليراها العاملة تدخل بهدوء، وضعت ثيابه في الخزانة بنظامٍ ثم قامت بترتيب الغرفة، وانسحبت دون كلمة.
ظلَّ مكانه عيناه تتعلَّقان بالفراغ، كأنَّ داخله يُساق إلى هوَّةٍ بلا قرار.
همس لنفسه بصوتٍ أجشّ: هتعيد معاناة إلياس يا يوسف. ولَّا ضي هتحبَّك أكتر من حبِّ أمك لأبوك؟
ارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة أشبه بغصَّة: مصدَّق نفسك. معقول هتحبَّك زي حبِّ أمَّك لأبوك؟
طيب. وإنتَ هتحبَّها زي حبِّ أبوك؟
ضحك بمرارة، وصوته اختنق في حلقه: دول ماتوا في حبِّ بعض. وفي الآخر دبحوا بعض.
تفتكر عندك القدرة تكون قوي زيه. تقدر تواجه.
ولَّا هتكسرك العيون اللي هتحاكمك.
ولو جالك ابن، هيعاني، هيتعاير. هتغيَّر هويتك، ولَّا هتعيش بهوية مجهولة النسب زيك؟
انحنى على السور، ضغط بيده على صدره وكأنَّه يمنع انفجاره، وزفرةٌ حارقة خرجت منه كأنَّها جمرة تسكن أعماقه: آه...
آه لو خرجت، كانت تزهق أرواحًا كثيرة.
رمق السماء بعينين مثقلتين، ثم همس بصوتٍ واهنٍ كاعترافٍ أخير: حبتها اوي حتى ذبْتُ عشقًا لعينيها...
نظر إلى ساعته، ثم تحرَّك بخطواتٍ نحو الطابق الأعلى، حيث غرفة مصطفى.
طرق الباب بهدوء ودلف، فوجد إلياس يجلس إلى جوار مصطفى الغافي، بينما أرسلان يتابع صامتًا.
اقترب يوسف بخطواتٍ حذرة، مدَّ يده ليتفحَّص المؤشرات على الجهاز، فبادره إلياس قائلاً بنبرةٍ مطمئنَّة:
بلال لسه كان هنا، وقال إنِّ كلِّ حاجة تمام.
أومأ يوسف برأسه دون رد، ثم رفع نظره نحو مصطفى، وعاد بنظره الى والده وقال بصوتٍ خافت: بابا، مفيش علاج ينفع من غير أكل.
ثم التفت يبحث بعينيه عن فريدة وتساءل: فين تيتا؟
توقَّف إلياس ونظر إليه بقلق: فيه حاجة يا يوسف؟
هزَّ رأسه نافيًا، ثم قال: أنا بس عايز أقلِّل المحاليل. لازم ننشَّط الجهاز الهضمي، والقلب كمان مايتعبش من كتر السوايل.
اقترب أكثر، وقال بنبرة لينة وهو يشرح: جسمه دلوقتي مش قادر يستقبل سوايل كتير. نبض القلب بيضعف، ومش عايزين نوصل لمرحلة الخطر.
الكبد مرهَق جدًّا، ولو زوِّدنا المحاليل السوائل هتتجمَّع في بطنه وصدره، وهيتعب أكتر.
أنا مش بمنعها خالص، بس نقلِّلها، ونبدأ نرجَّع الأكل الطبيعي بالتدريج.
قطع حديثهم دخول ميرال، تقدَّمت بخوفٍ واضح في عينيها: فيه إيه، مالُه بابا مصطفى؟
التفت إليها يوسف، بدخول فريدة بخطواتٍ متوتِّرة، فبادرها قائلًا: عايز نبدأ نأكِّله كلِّ ساعتين أو تلاتة حاجة بسيطة.
رفعت فريدة حاجبيها اعتراضًا: بس الدكتور مقالش كده يا حبيبي! ».
ابتسم يوسف نصفُ ابتسامةٍ، وقال بلطفٍ: تيتا، الدكتور بيتكلِّم عن علاج الكبد، وأنا بتكلِّم عن القلب، مش عايز عضلة القلب تضعف، فهنقلِّل المحاليل مش هنمنعها، ونعتمد على الأكل الخفيف.
مش محشي ولا لحمة، أنا قصدي عصير، زبادي، تفاحة مبشورة، الحاجات دي اللي تقويه، وأنا هكتب لك لستة بالأكلات اللي تنفعه.
في تلك اللحظة فتح مصطفى عينيه بتعبٍ، فاقترب يوسف مبتسمًا رغم توتره: عامل إيه يا درش، شايف الكلِّ ملموم حواليك ازاي؟
ارتسمت ابتسامةٌ باهتة على وجه مصطفى، وهمس بصوتٍ واهنٍ مفعم بالحنان: ربِّنا يبارك فيكم يا حبيبي، ».
انحنى يوسف نحوه، حاوط جسده بذراعيه، ونظر إلى عينيه بعزمٍ حنون: يلَّا، لازم تفوق. شايف الكلِّ خايف عليك قدِّ إيه؟
ضحك مصطفى بخفوت، رفع كفِّه المرتجف يلمس وجنة حفيده، فقبَّل يوسف يده، ثم همس: إن شاء الله هتعمل العملية وهترجع أحسن من الأوَّل.
لقيت متبرِّع، وخلال أيام هينزل مصر، والدكتور اللي هيمسك العملية من أحسن الناس في المجال ده.
منقدرش على بعدك يادرش.
ساد الصمتُ لحظةً، لم يُسمع فيها سوى أنين الأجهزة وارتجاف النفس بين الرجاء والخوف. بين حفيدٍ يُمسك بالأمل كأنَّه وعد حياة، وجدٍّ يبتسم وهو يودِّع بعينيه الحنون.
انسابت دموع مصطفى وهو يحدِّق في عيني يوسف، وخرج صوته متهدِّجًا كأنَّ كلَّ نفسٍ يُقتطع من روحه: عايز أحضر فرح يوسف يا إلياس، ممكن تحقَّق لأبوك الأمنية دي؟
تجمَّد يوسف في مكانه، ورفع نظراته التائهة بين وجه والده وملامح جدِّه. اعتدل إلياس على مقعده، بينما اقترب أرسلان بخطواتٍ هادئة وقال بابتسامةٍ واهنة: إن شاء الله يا عمُّو. تقوم بالسلامة وهنعملُّهم أحلى فرح.
لكن مصطفى تمتم بصوتٍ بالكاد سُمع: قبل العملية...
هزَّة عنيفة اجتاحت جسد يوسف، كأنَّ الكلمة صفعةٌ أيقظت بداخله كلَّ خوفٍ دفين، تراجع خطوتين للخلف وهو يرسم ابتسامةً مرتجفة: هروح أنام. تعبت، تصبحوا على خير.
تبعته نظرات أرسلان بقلقٍ صامت، بينما رمقت ميرال إلياس بنظرةٍ غامرة بالحزن، ثم جلست جوار مصطفى على طرف الفراش، لامست يده المرتجفة وقالت بصوتٍ رقيق: حبيبي، المهمِّ صحتك دلوقتي. إزاي هنعمل فرح وإنتَ لسه تعبان؟
أومأت فريدة تؤكِّد حديثها، تبتلع غصَّة في حلقها: خفِّ يا مصطفى، وكلِّ اللي نفسك فيه هيتحقَّق.
صمتٌ ثقيل كأنَّ انفاسها اختنقت بوجعها. اكتفى أرسلان بنظرةٍ طويلة نحوهم، ثم استأذن وغادر.
دلف يوسف إلى غرفته بخطواتٍ متعثِّرة، كأنَّ الأرض ترفض أن تحمله.
عيناه تائهتان في الفراغ، وصدره يعلو ويهبط بأنفاسٍ متقطِّعة، كلُّ سؤالٍ ينهشه كوحشٍ جائع: هل سيتزوج، هل سيكرِّر الألم ذاته؟
توقَّف أمام المرآة، نظر إلى انعكاسه، وكأنَّه يرى غريبًا لا يعرفه.
هوَّ إنتَ أهبل؟
همس لنفسه وهو يحدِّق بعينيه المحمرَّتين: ماإنتَ عارف الخطوة الجاية. الفرح. ولَّا كنت ناوي تهرب، هتقدر. تفتكر هتقدر تعيش بعيد عنها بعد ماحبِّيتها.
ولَّا نسيت كنت بتعمل إيه معاها من ساعتين بس؟
دا كان ناقص حاجة وجوازك يكون كمل...
هتكون واطي وتخون عمَّك. وتقلِّل من أبوك؟
تقطَّعت أنفاسه، وارتجف جسده كمن يختنق من داخله. وقلبه ينزف، وعقله يصرخ بالهرب، ولا مفرَّ من الاثنين.
ظلَّ واقفًا للحظاتٍ بدت له دهورًا، حتى دوى طرقٌ على الباب، تبعه دخول إلياس.
تجوَّل ببصره في الغرفة ثم ثبَّت نظره عليه: نتكلِّم هنا ولَّا تحت؟
رفع يوسف وجهه نحوه، وقال بصوتٍ يتهدَّج بين دموعٍ محبوسة: حبِّتها. بس مش هقدر أتمِّم جوازنا، إنتَ اللي عملت فيَّا كده، ليه وجعتني كده يا بابا؟
بقيت واقف في نصِّ البحر، لا عارف أرجع، ولا عارف أعدِّي.
اقترب إلياس منه بخطواتٍ بطيئة، كأنَّه يخشى أن ينهار أحدهما لو اقترب أكثر.
اخترق عينا ابنه التي تحرَّرت دموعها، لم يفعل شيئًا سوى أن احتواه بين ذراعيه.
يحاول أن يُخفي ارتجافه حتى لا يظهر ضعفه أمام ابنه:
حبيبي، ممكن تهدى علشان نعرف نتكلِّم؟
ما تخلِّنيش أحسِّ بالذنب. وتقول عليَّا أب سيِّئ.
تحرَّر يوسف من حضنه بوجعٍ غائر، ورفع عينيه المبلولتين نحوه:
مش عايز أتجوز يا بابا. وفي نفس الوقت حبِّيتها ومش قادر أبعد، مش هقدر. أنا مش إلياس.
ميغرَّكش كلامي أنا ضعيف، مش هقدر، صدَّقني يا بابا مش هقدر.
اقترب إلياس، واحتوى وجه ابنه بين راحتيه، ينظر في عينيه كأنَّه يبحث عن ذاته القديمة داخله.
ضغط على وجنتيه بحنانٍ مؤلم وقال بصوتٍ خافت: يوسف، حياتك غير حياتي. وضي غير ميرال.
اسمعني كويس، الماضي امسحه من دماغك، عيش حياتك يا حبيبي. ميرال وإلياس كانوا قصَّة، لكن يوسف وضي. قصَّة تانية خالص.
هزَّ يوسف رأسه نافيًا بعنفٍ، ودموعه تتساقط بحرارة: ماليش دعوة بحياتكم، اللي أعرفه إنِّ ميرال كانت بتحبِّ إلياس واتخلِّت عنُّه، وسابت طفل مايعرفش في الدنيا غير حضن أمُّه.
دار بخطواتٍ متوترة، كأنَّه يهرب من صور الماضي التي تتلاحق أمامه كمشهدٍ سينمائي قاتم: مهما اللي مرِّيتوا بيه مايدِّيش الحق لِأم تتخلَّى عن طفلها.
مايديش الحق لراجل يطرد مراته بقميص نومها وهيَّ تبكي!
إيه دا. دا حب. ولَّا عذاب اقنعني.
أنا مش قوي زيك علشان أعيش العذاب دا...
تراجع يرفع ذقنه وقال: انسى موضوع الجواز دا، أنا مش هتجوز.
سمعتني و زي ماورَّطني. خرَّجني.
تجمَّدت ملامح إلياس للحظة، لكن يوسف لم يمنحه فرصة للكلام، تابع بانفجارٍ موجوع: دا اللي فهمته من اللي حصل...
أنا ماليش دعوة باللي مريتوا بيه، أنا عايز طفولتي اللي اتسرقت منِّي. تقدر ترجَّعها لي؟
اقترب أكثر يطعن والده بعينيه المليئتينِ بالدمع والغضب: تقدر ترجَّع لي حياتي اللي سحبتوها منِّي.
تقدر ترجَّعني مدرستي اللي كنت بحبَّها واضطرِّيت أسيبها علشان غيَّرتوا اسمي؟
علشان صحابي اتريقوا عليّّا وقالولي مزوّر.
قولِّي يا إلياس باشا...
أبني حياة إزاي وأنا مش عارف أحرق الماضي؟
ساد صمتٌ ثقيلٌ كقبرٍ فُتح على أسرارٍ مدفونةٍ بين أبٍ يعترف داخله بالهزيمة، وابنٍ لا يعرف سوى حقِّه الذي أُهدرَ ظلمًا.
طيب ممكن تقعد وتسمعني، ووعد بعدها هعملَّك اللي إنتَ عايزه، ولو عايز تسافر هساعدك كمان.
تساعد مين يا بابا؟ أنا خلَّصت كلِّ حاجة، هبعد عن كلِّ حاجة تفكَّرني بالوجع اللي مش قادر أتحمله.
نظر الياس لداخل مقلتيه وضغط عليه بنبرة موجوعة: هتبقى مرتاح يا يوسف، لمَّا تبعد عن أبوك وأمَّك والبنت اللي حبِّتها، هتبقى مرتاح فعلًا؟
بابا، لو سمحت. خلِّيني مرَّة واحدة أعمل حاجة لنفسي.
اقترب منه إلياس، مدَّ ذراعيه ليحاوط ابنه برفق، يربت فوق كتفه بصوتٍ خافتٍ مبحوح: طيب، اقعد واسمعني، وبعد كده قرَّر اللي إنتَ عايزه.
تراجع يوسف وجلس ببطء، لكن داخله كان جمرةٌ تلتهمه ببطء.
بدأ إلياس يسرد له كلَّ شيءٍ منذ اكتشافه الحقيقة، حتى هروب ميرال وعودتها، كان يوسف يستمع بصمتٍ ثقيل، فهو يعلم بعض التفاصيل، لكنَّه لم يكن يعرف مامرَّت به والدته خلال سنواتِ ابتعادها.
رفع رأسه أخيرًا، عيناه دامعتانِ وصوته مختنق: يعني إيه، كانت مدمنة؟!
أومأ إلياس بتنهيدةٍ، كأنَّها تُنتزع من روحه، ثم بدأ يقصُّ له كلَّ شيء، أسباب تأخرها، مامرَّت به، وكيف تغيَّرت حياتها.
قبضةٌ قويةٌ اعتصرت صدره وهو يسمع معاناة والدته، ثم رفع نظره لوالده بعينينِ مشتعِلتين: وليه عملوا فيها كده! ومين دول؟!
تابع إلياس حديثه بصوتٍ يملؤه الوجع، يروي له علاقتها برؤى وراجح، وكلِّ ماجرى، كأنَّ كلَّ حرف ٍيخرج من فمه شوكةٍ تحرق جوفه.
نهض يوسف فجأة، ملامحه ترتجف بين الغضب والذهول، عيناه تائهتان: معقول! فيه أم وأخت يعملوا كده؟ أنا كنت فاكر الموضوع غيرة على راجل، لكن لمّّا سألتكم عن خالتي، قولتوا إنَّها هاجرت!
هزَّ رأسه ببطء، عيناه تترقرقان: لا يا حبيبي خالتك محبوسة، كان المفروض تتعدم لأنَّها قتلت رانيا، بس المحامي بتاعها جاب شهادة إنَّها مجنونة، وقدر يخفِّف الحكم.
صدمات متتالية وقعت فوق رأسه كجبلٍ أثقل من احتماله، تاهت أنفاسه وقال بصوتٍ مخنوق: معقول فيه حد يكره حد كده؟
اقترب منه واحتوى كتفيه يحاول تهدئة ارتعاشته: ماما تعبت في حياتها أوي، ومنكرش أنا كنت سبب في بعض الوجع، بس أنا بقولَّك يا يوسف. أمَّك دي أقوى أم في الدنيا، محدش يتحمِّل اللي هيَّ عانته. كلِّنا اتأذينا، بس هيَّ أكتر واحدة اتأذت.
علشان كده، ماقدرتش أحقَّق حلمي؟
رد الياس عليه بقهر: علشان كده حاولت أبعدك عن أي حاجة توجعك تاني.
مسح على وجهه بعنف، كأنَّه يحاول يمحو الماضي من على ملامحه، وجلس يضمُّ قبضتيه في صمتٍ خانق.
اقترب إلياس وجلس بجواره، حدَّق به طويلًا فاستدار يوسف يقول بصوتٍ مبحوح: بحاول أقنع نفسي، والله بحاول.
قالها وأغلق عيناه بعدما تراجع بجسده للخلف.
تأمَّل وجه ابنه، صمته، ارتجافة أنامله، ثم همس بنبرةٍ متقطِّعة: يوسف. هوَّ أنا كنت أب فاشل كده معاك، مقدرتش أخرَّجك من اللي كان بيحصل حواليك؟
ابتسم يوسف بمرارة وأطرق رأسه: أبدًا يا بابا مافشلتش، على قدِّ ماقدرت ربِّيتني، بس حضرتك نسيت إنِّي كنت طفل. مالحقتش أعيش طفولتي.
سحبه إلياس برفق، ضمَّه تحت ذراعيه، وضع رأسه على كتفه، وهمس: آسف يا حبيبي، يمكن كنت قاسي علشان ماتكبرش ضعيف، وماحدش يكسرك.
ربت يوسف على كفِّ والده، ونظر إليه بنظرةٍ تذيب الصخر: مش زعلان منَّك صدَّقني. يمكن حاجات كنت بشوفها وجعتني علِّمت فيَّا، حاولت أدفن الماضي، بس كأنُّه مش راحمني، كنت دايمًا بسأل نفسي: ذنبي إيه وذنبك إيه، وذنب ماما إيه؟
بس زي ماحضرتك دايمًا بتقول. دي أقدار ولازم نرضى بيها.
ضمَّه إلياس أكثر يربت على كتفه بحنانٍ صادق، كأنَّه يحاول ضمَّ سنواتٍ ضاعت منهما معًا:
حبيبي لازم تعرف إنَّك أغلى من روحي، مفيش أغلى منَّك في الدنيا.
التفت يوسف نحوه بعينين يملؤهما وجع السنين، وقال بصوتٍ مختنق: بتكذب يا إلياس. من إمتى وأنا أغلى من ميرال؟
ضحك إلياس بخفَّةٍ حزينة، وجذب رأس ابنه يضع جبينه فوق جبين ولده كأنَّه يحاول بثَّ الطمأنينة في قلبه: إنتَ أغلى يا بن إلياس. أمَّك حاجة، وإنتَ وأختك حاجة تانية خالص.
تراجع يوسف قليلًا، وارتفع حاجبه بسخرية مُرَّة: من لحظات كنت بتقول مفيش أغلى منَّك، دلوقتي أمِّي وشمس كمان؟
لكزه والده بخفَّة، ونهض من مكانه يزفر وكأنَّه تخلَّص من ثِقلٍ جاثمٍ على صدره: المهم، شوف عايز تعمل إيه وأنا معاك.
ثم التفت إليه بنظرة خبثٍ لطيفة وقال: ضي أصلًا قالت لي تفسخوا الخطوبة، يعني مش هتزعل لو قرَّرت تفسخها وتسافر. بس خلِّي بالك السفر حاجة، والهجرة حاجة تانية. سفر يابنِ إلياس مش هروب، فاهم؟ دا حقِّ أمَّك وأبوك عليك.
وقف يوسف بمحاذاة والده، يرمقه بصمتٍ مطوَّل، ثم قال بنبرةٍ واهنة: سبني أفكر، وبعد كده أردّ عليك.
اقترب منه إلياس وربت على كتفه، ونظراته تتشبَّث بوجه ابنه كأنَّها ترجوه ألَّا يضيع: بس وإنتَ بتفكَّر، افتكر متظلمش بنت عمَّك، خصوصًا إنَّك بتحبَّها. وافتكر إنَّها اتكشفت عليك، أكيد فاهم قصدي، حتى لو محصلش حاجة بينكم يكفي إنَّك أمِّنتها بحضنك، مش هكمِّل لأنَّك عارف معنى كلامي، هيَّ ملهاش ذنب، واللي هتعمله أختك هتلاقيه. عيش حياتك يا يوسف، وزي ماقلتلك، لو عايز تسافر، سافر، بس متنساش أبُوك وأمَّك.
ثم أشار إلى صدره بابتسامةٍ واهنة: وقبل ماتقول ردَّك. اسأل قلبك، شوف هيقدر يتحمل البُعد ولَّا لأ، أكيد إنتَ أكتر واحد عارف تعب القلب يا دكتور القلب.
قالها ومضى بخطواتٍ بطيئة نحو الخارج.
ظلَّ يوسف مكانه، نظراته معلَّقة بالباب، وكلمات والده تتردَّد داخله
مدَّ يده إلى صدره يتحسَّس موضع النبض، كأنَّه يختبر قلبه الذي صار شاهدًا على كلِّ وجعٍ مضى...
ثم أغمض عينيه وهمس لنفسه: للأسف يا بابا عرفت تضغط على ابنك في المكان اللي بيوجعه.
بقصر الجارحي: كان جالسًا بشرفته كعادته، ينظر بسماء العشق خاصَّته، دلفت والدته تحمل فنجانين من القهوة: تسمح لي أشرب فنجان قهوة معاك؟
اعتدل يشير إليها بعدما توقَّف يتناول منها القهوة وقال: تسلم إيدك حبيبتي.
جلست بمقابلته مبتسمة وأردفت: عامل إيه في شغلك، اللوا بيشكر فيك أوي، بيقول إنَّك ذكي وبتتعلِّم بسرعة.
سامعك ياماما.
استندت على كفَّيها وقالت: وبعدهالك ياحبيبي. بترجع من شغلك وتقفل على نفسك، حتى الأكل دايمًا شبعان.
ماما أنا تعبان، بابا هيروح إمتى لعمُّو إلياس؟
للدرجة دي حبيبي بتحبَّها؟
أوي ياماما، وحاسس هيحصلِّي حاجة لو ماحصلش نصيب.
شعرت بالألم وصرخ قلبها على مااستمعت إليه، فقالت: طيب إنتَ هتقدر تبعد عن وظيفتك؟
استند على الطاولة ونظر داخل أعين والدته: ماما مش عمُّو الياس أخو عمُّو أرسلان، إزاي كنتوا موافقين على ضي وشمس لأ؟
تنهَّدت تسحب نفسًا ثم زفرته بهدوء وقالت: أوَّلًا السنِّ بينكم حبيبي، ثانيًا عمُّو أرسلان مراته أبوها مش إرهابي ولا له أخت مسجونة، وأخِّين ليهم ملفات في الأمن الوطني ولَّا جدِّتها ربِّنا يسهلَّها بلاويها كتير.
قاطعها حمزة وقال: بس عمِّ إلياس هوَّ عمِّ أرسلان.
بص يا حبيبي. أبوك مكنش موافق على ضي من الأوَّل، بس سمع عمَّك أرسلان بيتكلِّم مع عمُّو فاروق عن حياتهم اللي ادمَّرت، وقالُّه حياة ولاده ادمَّرت. وخايف على مستقبل ولاده، بابا حب يخفف عنُّه، علشان كدا سألك البنت لو عجبتك هيقدِّم تاريخها اللي يثبت إنِّ راجح مات، يعني عمِّ باباها ومراته، ويثبت إنِّ أرسلان مالوش علاقة، وإنُّه متربِّي تحت رعاية إسحاق وفاروق، ودا بما إنَّك دلوقتي شغال، يعني مش لسة هتتقدِّم للكلية، فدا بحدِّ ذاته كويس، إنَّما شمس أهلها كلُّهم حبيبي فهمت؟
طيب مايحاول يا ماما مع شمس، زي ماكان هيعمل مع ضي؟
ابتسمت بحنانٍ وهي تهزُّ رأسها، تربت على كفِّه قائلةً برفق: حاضر، هكلِّمه. بس خلِّيك متأكد يا حمزة، شمس مع شغلك صعب زي ماقولتلك قبل كده، شمس غير ضي. رؤى خالتها لسه عايشة ومحبوسة، وطارق غير اللي مات في السجن. إنَّما ضي، كان مجرد عمِّ أبوها ومات، يعني الماضي خلص.
تنهَّدت قليلًا ثم تابعت: وبابا كان شايف ثغرة إنِّ أرسلان مش متربِّي معاهم، وده اللي كان هيخلِّيه يقدِّم كلِّ الإثباتات عشان يسهِّل الأمور...
قاطعها رنين الهاتف فجأة، فتوقَّفت ونظرت للشاشة: هرد على تليفوني يا حبيبي.
أومأ بصمتٍ وهو يشيِّعها بنظرةٍ شاردة، ثم انخفض بوجهه يتمتم بحزنٍ مكتوم: يارب. لو فيها خير، اجمعني بيها.
سحب هاتفه ببطء، تطلَّع إلى اسمها المحفوظ تحت مسمى الحياة، ابتسم بحنينٍ واشتياق موجع، ثم تردَّد للحظة قبل أن يضغط زرَّ الاتصال.
عند شمس. كانت مندمجة في مذاكرتها، دوى رنين الهاتف. نظرت للشاشة، عبست، ثم تمتمت: -السلام عليكم؟
صمتٌ جعل قلبها يضطرب دون سبب، وكأنَّ صدى أنفاسه وصل قبل صوته.
-مين معايا؟
لم يرد...
تكرَّرت النغمة، فرفعت الهاتف ثانيةً بنفاد صبر: مين معايا؟
وأخيرًا جاء صوته، دافئًا، خافتًا، كأنَّه سرٌّ خرج رغمًا عنه: أنا، يا شمس.
تجمَّدت ملامحها، وعبست، وقالت بحدَّة: إنتَ مين؟
ابتسم على الطرف الآخر، ابتسامةٌ شفت جرحٍ لا يُشفى، وردَّ بصوتٍ يخفي وجعه تحت نبرة مزاح: -زوج المستقبل.
قالها ثم أغلق المكالمة، وأسند ظهره إلى المقعد، يتراجع بجسده وزفرةٍ حارقة تخترق صدره، يدفع خصلات شعره للخلف بعصبية، يتأمل الفراغ أمامه وكأنَّها تقف فيه...
مظهرها الطفولي يراوده، وابتسامتها تومض بين عينيه كذكرى عصيَّة على النسيان.
نظرت إلى الهاتف المغلق، رفعته تبحث عن الرقم، وخطر على ذهنها اسمه: مين حمزة، معقول يكون هو؟! أيوة صوته. تأفَّفت تجمع خصلاتها التي تناثرت بعشوائية، لحظات ودلفت ضي
رفعت عيناها إليها. هبَّت من مكانها بعدما وجدت عيناها المتورِّمة، يبدو أنَّها كانت تبكي: ضي مالك حبيبتي، بتعيطي ليه؟!
أشارت إلى الفراش وقالت: عايزة أنام، نمت في أوضة باباكي، محستش بنفسي.
ساعدتها بنومها وجلست بجوارها تمسِّد على خصلاتها: إيه اللي حصل كنتي بتعيَّطي؟
هزَّت رأسها بالنفي وهمست بتقطُّع: عايزة أنام يا شمس لو سمحتي.
قاطعهم طرق على باب الغرفة يتابعه صوت أرسلان. أمسكت يدها وقالت بهمس: مش عايزة بابا يشوفني كدا، اطلعي قولي له نايمة.
أومأت ونهضت متَّجهة تفتح الباب وابتسامتها البريئة تزيِّن وجهها: اتفضل حضرتك يا عمُّو.
مساء الورد على حبيبة عمُّو، عاملة إيه يا روحي؟
قالها أرسلان وهو يداعب خصلاتها.
احتضنت ذراعه وقالت بمرح: كويسة الحمدلله بس ناقصني حكاوي حضرتك، بقالنا زمان ماحكناش حدوتة.
قهقه عليها يسحب رأسها لأحضانه وهتف: قريب إن شاءالله، خلَّصي امتحانات والإجازة جاية أكيد هنقعد مع بعض.
ضي صاحية ولَّا نايمة؟
لأ، نامت من شوية. لو محتاجها ضروري أصحِّيها.
لأ حبيبتي. كنت عايز أطَّمن عليها بس، من وقت ماجينا هنا مشفتهاش.
ابتسمت بحنان وقالت: هنا بردو بيتها، يعني هتكون كويسة، طنط غرام جت قعدت معانا شوية بعد ماوصلنا، وبعدها هيَّ خرجت مع مامي وأنا نمت.
تمام حبيبتي. تصبحي على خير.
قالها أرسلان وهبط للأسفل، بصعود إسلام: ابنك عامل إيه؟
الحمدلله دور برد، هوَّ نايم دلوقتي، بابا صاحي ولَّا نايم؟
لأ، صاحي والكلِّ عنده، تصبح على خير حبيبي.
وحضرتك من أهل الخير.
صعد إسلام إلى غرفة والده، بخروج فريدة وميرال.
سحبته فريدة وهي تهمس: بابا نام حبيبي. ابنك عامل إيه؟
كويس يا ماما، ملك تحت، نام وقولت لها تخلِّيها جنبه.
ربتت على كتفه وقالت: طيب انزل خلِّيك مع ابنك، بابا نام، وإلياس هيبات جنبه الليلة رفض ممرضة تكون معاه وأنتوا موجودين.
أومأ لها بإرهاق وقال: هبص عليه وهنزل، أنا فعلاً هلكان، هنام ساعتين وأطلع علشان الياس يرتاح.
قاطعته بعاطفة أموميَّة قائلة: لا حبيبي. خلِّيك جنب ابنك، وكلِّنا هنا حواليه، متخلِّيش مراتك لوحدها، السنِّ دا بقى مقرف، ومتنساش إنَّها حامل، وأنا الصبح هاخده منها.
قبَّل يدها وجبينها قائلًا: ربِّنا يخلِّيكي لينا ياستِّ الكل، حاضر هشوف بابا وأطَّمن عليه، وهنزل علشان غادة كمان تحت مع ملك، عايزة تطلع لبابا.
أومأت له فتحرَّك بينما ظلَّت عيناها تتابعه إلى أن أغلق الباب: ماما هتفضلي صاحية؟ ارتاحي حبيبتي شوية، وزي ماقولتي إلياس هيطلع.
صمتت تنظر إلى ميرال بعيونٍ حزينة تهمس بخفوتٍ قاطع: خايفة أخسره يا ميرال، متعرفيش مصطفى بالنسبالي إيه، الأيام الحلوة كلَّها لفريدة كانت في حضنه.
ضمَّتها ميرال وربتت على ظهرها: حبيبتي إن شاءلله يخف، يوسف بيقول عمليات النقل دي بقت سهلة، وإن شاءلله العملية تنجح ويرجع لنا.
-إن شاء الله حبيبتي. تذكَّرت يوسف فقالت: يوسف رافض يعمل الفرح ليه يا ميرال؟
تنهَّدت بتألُّم وقصَّت لها كيف تمَّ عقد قرانه على ابنة عمِّه. تطلَّعت إليها بذهول: بتجوزوا الولد غصب عنُّه، إلياس اتجنِّن يا بنتي!
هزَّت رأسها بالنفي وقالت: يوسف كان عايز يهاجر يا ماما، وميرجعش أبدًا هنا، كان لازم إلياس يعمل حاجة يربطه بيها.
يعني إيه يهاجر دي، هوَّ اتجنِّن الواد دا ولَّا إيه؟ قالتها وتحرَّكت إلى غرفته، حاولت ميرال منعها، ولكنَّها شعرت بنيرانٍ تغلي بصدر ابنها، دقيقة واحدة إلى أن اقتحمت غرفته دون استئذان.
نهض من نومه: فيه إيه؟!
-قوم لي كدا يا عريس.
اعتدل بفمٍ مزموم: آااه عريس، مادام فيه عريس لازم أصحصح، إيه جايبين العروسة تبات في حضني.
لكزته فريدة تضحك: أومال ليه بيقولوا إنَّك مغصوب يابنِ إلياس؟
كذابين ماتصدِّقهمش يا تيتا، دول أعداء النجاح. وقعت عيناه على ميرال المتوقفة على باب الغرفة، أشار إليها: ادخلي يا أمِّ العريس ولَّا مكسوفة؟ هوَّ أنتوا خلاص أخلاقكم ضاعت في زمن الفتن.
توسَّعت أعين فريدة تلكمه بقوَّة حتى سقط على الفراش يضحك: والله ظلماني يا تيتا أنا قصدي جدُّو مصطفى تعبان وعايزني أتجوز، طيب ينفع، افرضي يعني جيت يوم الفرح وجدُّو وحشني وعايز أبات في حضنه، يرضيكم أزعَّل العروسة؟
قهقهت فريدة على كلماته: حبيبي إنتَ صحيح رافض بنت عمَّك؟
هزَّ رأسه سريعًا واعتدل بجلوسه، رفع عيناه إلى والدته التي مازالت بمكانها بملامح حزينة: مين قال إنِّي رافض بنت عمِّي، بالعكس يا تيتا، مش هلاقي أحسن منها، بس أنا كنت رافض الجواز في الظروف دي.
حبيبي إنتَ حقيقي عايز تسافر، نهون عليك يا بني؟
مسح على وجهه بعنف وتراجع بجسده على الفراش: ممكن تسيبوني آخد قرار بنفسي، بلاش تضغطوا عليَّا، أنا لسة قايل الكلام دا لبابا...
طيب حبيبي مش المفروض دا يكون قبل ماتكتبوا كتابكم؟
رفع عيناه لوالدته وردَّ بهدوء: خلاص يا تيتا، نطَّمن على جدُّو وبعد كدا نشوف إيه اللي حيحصل.
يعني إيه يا يوسف؟
تيتا عايز أنام، عندي شغل بكرة كتير، وكمان مناقشة الدكتوراه، كلُّه فوق دماغي وجاي تسألوني في إيه.
خرجت ميرال بعدما وجدت إصراره بالرفض في موضوع الزواج. بينما ظلَّت فريدة معه بعض الوقت.
بغرفة غادة.
دلفت إلى غرفتها بعد أن اطمأنَّت على أطفالها، أغلقت الباب خلفها، وأسندت ظهرها إليه، أطبقت جفنيها وأنفاسها تتلاحق كأنَّها تُكابر حتى لا تنهار بالبكاء، ولكن عظُم الألم بداخلها، وانسابت دموعها خافتة.
ساعات وهي تتجلَّد بعدم البكاء أمام إخوتها، تخفي رجفتها وتكتم ضعفها حتى لا تُرى مكسورة.
اعتدلت تسحب قدميها بخطواتٍ مثقلة، إلى أن بلغت الفراش، هوت عليه تُخفي وجهها بين الوسائد، تخنق شهقاتها كي لا يسمعها أحد.
فمنذ وصولها لم يهاتفها. يومان من الجفاء كعُمرٍ كامل، علاقتُهما صارت كخيطٍ واهٍ يتآكل بصمت، حتى حين علم بمرض والدها لم يأتِ، أرسلها بالسائق وكأنَّها غريبةٌ عنه، لا زوجة ولا أمِّ أبنائه.
سحبت الغطاء وذهبت بنومٍ عميق، حتى أنَّها لم تستمع إلى رنين هاتفها، ولا شعرت بدخول فريدة تطمئن عليها.
صباح اليوم التالي.
صعد إلى غرفة جدِّه، وجده مستيقظًا بجواره فريدة، ابتسم إليه وأشار بالدخول: صباح الخير يا حبيبي.
انحنى وطبع قبلةً فوق رأسه: صباح الخير يا جدُّو، عامل إيه النهاردة؟
الحمدلله. أنا هحضر رسالتك النهاردة.
طالعه بذهولٍ موجوع: حضرتك تعبان، أكيد بابا هيصوَّرها لايف لحضرتك.
هزَّ مصطفى رأسه وقال بإصرار: قولت هحضر، أنا كويس النهاردة الحمد لله، لو مبقتش كويس النهاردة هبقى إمتى.
حبيبي اسمع منِّي علشان ماتتعبش أرجوك.
قاطعهم دخول إلياس، يلقي تحية الصباح، ثم اقترب منهما: جاهز يا يوسف؟
إن شاءلله يا بابا.
نظر إلى مصطفى ورسم ابتسامة: هصورلك كلِّ حاجة، المهم تكون مرتاح. تمتم بها إلياس بينما انحنى يوسف ينظر إلى ملامح جدِّه المرهقة وقال: ادعيلي يا جدُّو، النهاردة أهمِّ يوم في حياتي.
ربت مصطفى على ذراعه: واثق فيك يا حبيبي، إن شاءلله هترجع وإنتَ سعيد بنجاحك.
التفت إلى فريدة التي ابتسمت قائلة: صلِّيت لك طول الليل ودعت لك، إن شاءلله ترجع سعيد يا حبيبي.
إن شاء الله يا تيتا. بعد إذنكم، ببلاوي تحت ونفخني اتِّصالات.
خرج متَّجهًا إلى الخارج مع خروج شمس من غرفتها: أحلى دكتور هيْنَوَّر قاعات مصر كلَّها.
ضحك يوسف بخفوت وهو يضمُّها بحنان، بينما عينيه تتسلَّلان نحو غرفةٍ بعينها. وقال: قاعات مصر ليه، هوَّ أنا هشتغل مهرِّج يا بت؟
يوووه، هيرجع يقول يا بت تاني.
ضربت الأرض بقدمها في دلالٍ طفولي، فابتسم نصف ابتسامة قبل أن يسأل: ضي فين؟
نايمة من إمبارح، معرفش جت معيَّطة ليه.
ربت على ذراعها وهو يشعر بانقباضٍ في صدره: طيب هشوفها. استنِّيني تحت.
قالها ودلف إلى الغرفة.
كانت تغطُّ في نومٍ مضطرب، أشبه بغيبوبةٍ من التعب والبكاء.
جلس على طرف الفراش، مدَّ يده يرفع خصلاتها عن وجهها الشاحب: ضي...
تمتم باسمها مرَّاتٍ الى أن فتحت عينيها التي لم تجف من البكاء، رمقته بتوترٍ واعتدلت سريعًا، تشدُّ الغطاء على جسدها: دخلت هنا إزاي؟
صمت، يراقبها بعينٍ أنهكها السهر فهتف بمرارة: دي صباح الخير بتاعتك؟
مدَّت يدها تسحب الدبلة من فوق الكومودينو، ثم فتحت كفِّه، وضعت الدبلة بداخله: دبلتك معاك، أنا مش مستعدِّة أعيش على قراراتك، خلاص مفيش نصيب بينَّا.
أنا مش هيِّنة علشان أستنَّى رضا الباشا.
أنا ضي الشافعي والغلط مش عندك، عندي أنا. اللي سلِّمت لك قلبي.
اقتربت منه بجسدها، ونظرت لعينيه نظرةً ممزوجةً بالخذلان والألم: سافر يا يوسف، ومتحاولش تراضي حد بالعافية.
لو شايف سعادتك في السفر، سافر، وامسحنا كلِّنا.
وأنا أوَّل واحدة امسحني.
أنا ماشتريش حدِّ بايعني.
رفع كفَّيه برفق، مرَّرهما على خصلاتها كأنَّه يحاول تهدئة وجعها منه وتمتم: سمعتي كلامي أنا وبابا صح، عشان كده نايمة معيَّطة؟
ارتعشت شفتاها، وتجمَّعت الدموع بعينيها، ثم أشارت نحو الباب: عايزة أنام، اطلع برَّة.
أنا قلت اللي عندي، ومتعملش زي ماعمّي طلب منَّك، أنا مسامحاك.
نهض ببطء، وضع الدبلة بمكانها من جديد، وهمس بصوتٍ واهن: معرفش فاكرة ولَّا لأ. بس النهاردة مناقشة رسالة الدكتوراه بتاعتي.
هديِّتك وصلت.
رفعت رأسها إليه بنظرةٍ قاتلةٍ وهمست: زي هديِّتك ماوصلت بعد ماكنت في حضنك. بعد ماأمِّنتلك يا ابن عمِّي.
تهاوت الدموع على وجنتيها، ثم استدارت، تجذب الغطاء عليها تبكي بصمتٍ خانق.
ظلَّ واقفًا للحظاتٍ يتأمَّلها، كلُّ مافيه يريد أن يقترب. لكنَّه اختار الصمت.
انحنى وطبع قبلةً على رأسها، وهمس بجوار أذنها بصوتٍ مبحوحٍ متكسِّر: والله حبِّيتك أوي.
قالها ثم غادر الغرفة...
بينما هي انهارت بالبكاء حتى اختنق صوتها، كان يستمع إلى بكائها، وقلبه يُكوى بجمرات النبض داخله، ركض بخطواته الواسعة، علَّ صوت بكائها ينقطع، ولكن كيف بكاء الحبيب تصمته الأذن والقلب يصرخ به.
مرّّت ساعات إلى أن وقف أمام أساتذة مناقشة رسالته، ينهي كلماته عن أبحاثه في مجال القلب:
السادة الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة الكرام...
أتمنى ان يشهد هذا اليوم بتتويج رحلةٍ امتدَّت لسنواتٍ من البحث والتأمُّل في أقدس مافي الإنسان ألا وهو قلبه.
فالقلب ليس مجرَّد مضخَّةٍ للدم، بل هو محراب الحياة، مركزها النابض، ومرآة مايختلج في داخلنا من خوفٍ أو حبٍّ أو رجاء.
وقد سعيتُ في هذه الرسالة إلى استكشاف العلاقة الدقيقة بين العاطفة البشرية والوظيفة القلبية، متتبِّعًا الأثر المتبادل بين الانفعال النفسي والتغيُّر الفسيولوجي، بمنهجٍ علميٍّ صارمٍ يجمع بين الدقَّة الإكلينيكيَّة والتحليل العصبي الهرموني.
وتُظهر نتائج البحث أنَّ القلب يستجيب للحالةِ الشعورية. فالحزن يُحدث اضِّطرابًا في الإيقاع الكهربائي، والخوف يُسرِّع النبض عبر تنشيط الجهاز السمبثاوي، بينما الطمأنينة تُعيد التوازن وتخفِّضُ من معدَّلات التوتُّر الهرموني.
أي أنَّ للحالة النفسية أثرًا مباشرًا على انتظام النبض، وعلى إفراز بعض الهرمونات المسؤولة عن توتُّر عضلة القلب واستقرارها.
إنَّ هذا التفاعل يُبرهن أنَّ الإنسان وحدةٌ لا تتجزَّأ، وأنَّ الطبَّ لا يكتمل إلَّا حين يُعالج الجسد والوجدان معًا.
من هنا، فإنَّ رسالتي ليست مجرَّد دراسة أكاديمية، بل هي دعوةٌ إلى طبٍّ إنسانيٍّ يرى في المريض إنسانًا قبل أن يراه حالتة.
فالطبيب الحقيقي لا يعالج الجسد فحسب، بل يُنصت إلى نبض الرُّوح قبل أن يضع سمَّاعته على الصدر.
وختامًا، أُهدي هذا الجهد المتواضع إلى كلِّ قلبٍ أرهقته المشاعر، وإلى كلِّ طبيبٍ يؤمن أنَّ شفاء المريض يبدأ من الإصغاء إلى نبضه، لا من قراءة رسمه فقط، ظل لفترة يتناقش برسالته الى ان انتهى.
بعد انتهاء المناقشة.
ساد الصمتُ للحظاتٍ في القاعة، لم يُسمع فيها سوى صوت أنفاس يوسف المضطربة وهو ينظر إلى أعضاء اللجنة الذين تشاوروا فيما بينهم بصوتٍ خافت. التفت بنظراته الى والده الذي ابتسم له بفخر، يومئ برأسه، توقَّف ينتظر سماع النتيجة بيدانِ ترتجفان، رغم أنَّه اعتاد مواجهة العمليات الدقيقة في غرف الجراحة، لكن تلك اللحظة، كانت أشبه بعمليةٍ لقلبه هو.
باسم جامعة () كلية الطب. قسم أمراض القلب، قرَّرت اللجنة بالإجماع منحك درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى.
تجمَّد يوسف للحظة، لم يلتقط أنفاسه إلَّا حين سمع تصفيق القاعة يرتفع من حوله. نهض ببطء والدموع تعانق بريق عينيه، مدَّ العميد يده مصافحًا إياه: مبروك يا دكتور يوسف.
ابتسم وتوقَّف عن النطق للحظات إلى أن ردَّ بصوتٍ متهدِّج: شكرًا لحضراتكم، الشرف ليَّا قبل الدرجة.
وبين التصفيق والتهنئة، غافلته دمعة تساقطت على سترته البيضاء. دمعةُ نصرٍ، وحنين، ووجعٍ طويلٍ أخيرًا تُوِّج بالنجاح
استدار سريعًا إلى والده الذي ضمَّه بكلِّ قوَّته ونزلت دموعه بفخر: ألف مبروك يا حبيبي
-الله يبارك فيك يا بابا.
ابتعد ينظر ألى أرسلان الذي تلقَّاه بين ذراعيه: مبروك يا دكتور.
عمُّو حبيبي. الله يبارك فيك.
جذبه بلال بقوة: مبروك يا واد يادكتور. دعتلي يالا؟
ضحك وهو يضمُّه: إنتَ ليه بتحسِّسني كنت في أوضة ولادة؟
لكزه بلال بضحكاتٍ مرتفعة: فصلتني يخربيتك.
التفت يبحث عن والدته، التي خرجت من القاعة بعد إعلان منحه الدكتوراه: ماما فين؟ لم يتم حديثه بعدما وجد ضي تقف بجوار شمس على باب القاعة. انسحب من أمام والده وتوجَّه إلى وقوفهما، ولكنَّها كانت تحرَّكت مرتديةً نظَّارتها واتَّجهت إلى سيارتها دون أن تتحدَّث معه، قابلته شمس: مبروك يا جو، بقولَّك ماما كانت برَّة بتعيَّط، كنت عايزة أقولَّك تخرج لها.
أومأ لها وعيناه على سيارة ضي التي غادرت المكان. تحرَّك إلى جلوس ميرال.
حاوط جلوسها من الخلف: يعني بدل ماحضرتك تزغرطي تهربي برَّة كدا!
أزالت دموعها واستدارت برأسها: مبروك يا حبيبي. جوَّا كان زحمة، قولت أستنَّاك هنا.
جلس بجوارها ينظر لعينيها الباكيتين مردفًا: ماما إنتي أحسن أم في الدنيا دي كلَّها، مش عايز أشوف نظرة الانكسار دي تاني، وبعدين يبقى عندك دكتور حلو وعريس كمان وتعيَّطي؟!
رفعت عيناها إليه سريعًا وهتفت بلهفة: يعني مش هتسافر وتكمِّل جوازك؟
نهض يسحب كفَّها وأشار إلى والده: يالَّه نرجع علشان جدُّو.
وصلت اليهم شمس تتساءل: ماما شوفتي ضي؟ بدوَّر عليها مش لقياها.
اتَّجهت ببصرها نحو ابنها وقالت: مشيت، تعبانة وقالت عايزة ترتاح.
حاوط أكتافها يقول: خلِّيها ترتاح.
قاطعهم وصول غادة: حبيب عمِّتو بقى دكتور وهيكشف على قلبي.
حبيبتي ياعمِّتو، بلاش أكشف عليه ممكن يوقف خالص.
ضحكت تلكزه.
استدار على كلمات مالك: مبروك يادكتور.
الله يبارك فيك يا حضرة الظابط.
بمنزل يزن
دلفت رحيل الى غرفة ابنتها، تبحث بين اشيائها الخاصة، فتحت احدى ادراج خزانتها، وجدت احد الهواتف، فتحته بيد مرتعشة لتجد اسم مدون عليه، برقت عيناها بذهول، وانسابت دموعها، مررت اناملها بين اشيائها، ليتوقف قلبها وهي ترفع تلك الصورة الصغيرة، تنظر اليها بذعر
لا لا مستحيل بنتي مش كدا، قالتها ببكاء مرتفع، ليدلف اسر على صوت بكاء والدته
ماما في ايه؟!
ألقت مابيدها في الدرج سريعًا، وقامت باغلاقه. وحاولت النهوض، ولكن جسدها لم يساعدها لتشعر بغمامة سوداء تدور بها، وتهوى فوق الارضية يرتطم جسدها بقوة في الأرضية.
بمنزل ارسلان
عادت إلى منزل والدها، بعدما اطمئنت على منحه الدكتوراه، دلفت تلقي حقيبتها وتنزع حذائها تهاتف والدتها
ماما انا رجعت على بيتنا، هبات هنا الليلة مع بلال، فيه حاجات على اللاب عايزة اعملها
اجابتها غرام على الجهة الاخرى
حاضر حبيبتي. خلي بالك من نفسك
طالعتها ميرال بقلق
فيه ايه ياغرام
ضي بتقولي رجعت على البيت عندها حاجات على اللاب ونسيت تاخده.
استمع الى حديث غرام، فاتجه إلى سيارته بعدما وصل الجميع الى فيلا السيوفي وتوجه اليها وهو يرفع هاتفه يحاول الاتصال بها.