رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والثلاثون
أسبوعٌ آخر مرَّ، والحياة في فيلَّا السيوفي تمضي بين الحزن والعتاب، بين وجعٍ يختبئ خلف الصبر، وقلوبٍ تحاول التماسك رغم ماتسمع.
كان الطبيب قد أقرَّ بضرورة إجراء العملية خلال شهرٍ على الأكثر، قبل أن يخرج المرض عن حدود الكبد
كلمات الطبيب أصبحت ثقيلة كأنَّها حكمٌ مؤجَّل.
المرض لو خرج نطاق الكبد، للاسف هيكون صعب العملية.
في مساءٍ هادئ، دلف يوسف إلى غرفة جدِّه مصطفى: عامل إيه يا جدُّو النهاردة؟
ابتسم مصطفى بخفوتٍ يشي بالإرهاق وقال: الحمدلله يا حبيبي، كويس إنَّك جيت، اقعد، عايز أتكلِّم معاك شوية.
اتَّجه ببصره نحو ميرال وقال بنبرةٍ حانية: سبيني مع حفيدي يا ميرال إنتي وغادة، روحوا ارتاحوا شوية.
غادرتا الغرفة بعد دقائق، فالتفت مصطفى نحو يوسف وأشار له أن يقترب.
جلس يوسف على طرف الفراش، وعيناه تتأملان ملامح جدِّه المتعبة:
عامل إيه في شغلك؟
باباك قالِّي إنِّ عندك فرص حلوة، بس إنتَ لسه في مستشفى الجامعة؟
أيوه، المستشفى اليومين دول فيها عمليات دقيقة وأنا باخد خبرة. مش عايز أستعجل.
تردَّد قليلًا ثم أضاف بصوتٍ منخفض: وكمان لسه ماقرَّرتش هسافر ولَّا هستقرّ هنا.
مدَّ مصطفى يديه واحتضن كفه، ربت على كفَّيه بحنانٍ أبويٍّ يقطر خوفًا: بلاش توجع قلب أبوك وأمَّك عليك يا حبيبي عايز تسافر، سافر، واعمل اللي نفسك فيه.
بس فرَّحهم بيك، بلاش تحرمهم من الفرحة.
أبوك مابيشتكيش، بس أنا حاسُّه تعبان وخايف عليك.
علشان خاطر جدَّك العجوز، متوجعهمش تاني يا ابني.
ارتسمت على وجه يوسف ابتسامةٌ هادئة، لكنَّها ممزوجةٌ بشيءٍ من الحزن.
ربت على كفِّ جده وقال بلطفٍ خافت: حاضر يا جدُّو نطمِّن عليك الأوَّل، وبعد كده نشوف موضوع الفرح ده.
لا يا يوسف، عايز أحضر فرحك بنفسي.
نظر إليه بعينين دامعتين وهو يهمس: إنتَ دكتور وعارف يمكن ماقومش من العملية.
بلاش تحرمني أشوفك عريس يا بني.
صمت يوسف للحظاتٍ، شعر وكأنَّ الكلمات تُثقل صدره.
خفض رأسه وقال بصوتٍ متكسِّر: ومنين هيجينا الفرح يا جدُّو، وحضرتك تعبان؟
ضحك مصطفى بخفَّةٍ مصطنعة وقال: لا يا ابني، أنا كويس.
الكيماوي بيتعب، بس من بعد آخر جرعة حسِّيت نفسي أحسن.
نهض يوسف، وقال وهو يهمُّ بالمغادرة: ربِّنا يشفيك يا جدُّو يا رب.
هكلِّم بابا ونشوف هنعمل إيه.
غادر الغرفة، فيما ظلَّ مصطفى ينظر خلفه، يبتسم ابتسامةً باهتةً.
نزل يبحث عنها بعد غياب اسبوع لم يرَ فيها وجهها.
قابلته غادة تلاعب أطفالها، فابتسم رغم تعبه وسألها: عمِّتو، شوفتي ماما؟
آه حبيبي، في الجنينة ورا مع البنات.
تحرَّك بخطواتٍ متردِّدة نحوهم. وجد شمس تجلس على طاولةٍ دائريةٍ تتصفَّح بعض الأوراق، تردِّدُ كلماتٍ بلغاتٍ مختلفة، بينما كانت ضي تستلقي برأسها على ساقَي والدته، تهمس لها بشيءٍ يجعل ميرال تضحك بخفَّةٍ ناعمة.
مرَّ بجانب شمس دون أن يلتفت، واتَّجه مباشرةً نحو والدته: ماما.
اعتدلت ضي سريعًا، ترفع حجابها فوق خصلاتها المبعثرة، لتلتقي نظراته العتابية قبل أن يجلس بينهما: إزيك يا ضي؟
الحمد لله. أنا هطلع بقى يا طنط، الجوّ شكله هيمطَّر. عايزة أكلِّم بابا علشان هرجع البيت، بلال لوحده.
وقعت عين ميرال على أصابعها الخالية، فهتفت بدهشةٍ: ضي، فين دبلتك حبيبتي؟
فتحت فمها لترد، لكن يوسف سبقها وهو يخرج شيئًا من جيبه بابتسامةٍ خفيفة: كانت بتقع منها، أخدتها أضيَّقها، المرَّة دي مظبوطة. ومستحيل تقع.
توقَّف لحظة، ونظر لعينيها ثم أضاف وهو يرفع حاجبه بخفَّةٍ مصطنعة: ويمكن أحسن نحطَّها في الإيد التانية، مش كده يا ماما؟
ابتسمت ميرال وقالت بلطفٍ محب: يا ريت يا حبيبي.
نزعت ضي كفَّها من بين يديه برفقٍ وقالت بصوتٍ خافت لكنَّه حاد: مش واثقة فيها. الألماس بيبرق بس بيوجع أوي.
قالتها ومضت بخطواتٍ سريعة، وتركته يلاحقها بعينيه حتى تلاشت.
أمسكت ميرال بذراعه برفق: يوسف، أنتوا زعلانين؟
هزَّ رأسه نافيًا، يخفي وراء ابتسامته خيبةً مريرة: متشغليش بالك يا ماما، شدّ بسيط عندي شغل وهتأخَّر، خلِّي بابا يكلِّم عمُّو أرسلان يشوف موضوع الفرح، جدُّو مصرّ عليه قبل العملية.
هبَّت ميرال من مكانها بعينين تتلألآن فرحًا: يعني هتتجوز؟
ضحك يوسف بخفَّةٍ مصطنعة وقال: هتجوز، أومال البِت اللي كانت هنا دي إيه؟
ضحكت ميرال تلاعبه، مازحها قبل أن يسحبها إلى صدره: عايزك تفضلي تضحكي على طول بزعل لمَّا بشوفك حزينة.
رفعت عيناها إليه بحنانٍ عميق:
أوعى تكون ناوي تتجوز علشان تسعدنا؟
التفت إليها يوسف، يبتسم ابتسامةً باهتة وهو يقول: إيه يا ميرال عارف عنِّك إنِّك ذكية.
توسَّعت عيناها بعتابٍ حنون، وقالت بصوتٍ متهدِّج: بتشتم أمَّك يا يوسف؟
ضحك بخفَّة، واقترب منها يقبِّل رأسها بحنان مفعم بالحب: لا طبعًا يا حبيبتي. بس حضرتك بتقولي تتجوز، وأنا متجوز يا ماما.
ثم تنهد وأكمل بهدوءٍ مثقلٍ بالمعنى: متخافيش ولا تزعلي من موضوع ضي، هيَّ كويسة وأنا بحبَّها. على الأقل هيَّ الوحيدة اللي بتتحمِّلني.
تألَّقت ابتسامة راضية على وجهها: حبيبي فرَّحتني يعني مقتنع بيها؟
أومأ برأسه، لكنَّه أدار وجهه بعيدًا كأنّّه يهرب من نظرتها: للأسف يا ماما حبِّيتها، ومبقاش ينفع أرجع ورا.
لمست يده بحنانٍ دافئ وقالت: ربِّنا يسعدك يا حبيبي.
يارب. بس متنسيش، خلِّي بابا يكلِّم عمُّو أرسلان يشوف موضوع الفرح.
تردَّد قليلًا، ثم أضاف بنبرةٍ خافتةٍ فيها ندمٌ دفين: ومتخليهاش ترجع بيتهم بالليل هرجع وأصالحها.
نظرت إليه ميرال بعطفٍ أموميٍّ يقطر حنانًا: إنتَ مزعَّلها قوي؟
أطرق برأسه، وارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ موجوعة: للأسف وجعتها بس هوَّ الحبِّ إيه غير وجع يا ماما؟
بعد الشرِّ عليك من الوجع يا حبيبي.
رفع عينيه إليها مبتسمًا، ابتسامةً حزينةً تشي بما يخفيه صدره من نزفٍ مكتوم: للأسف يا ستِّ الكلّ. اتوجعت، واللي حصل حصل.
تنفَّس بعمق وهو يتمتم قبل أن يدير ظهره ويرحل: مش بقولِّك. الحبِّ وجع.
ابتسمت ميرال بحنانٍ تراقب تحرُّكه، ثم اتَّجهت إلى غرفة ضي.
باليوم التالي.
خرجت من كليَّتها تتحدَّث بهاتفها مع ابنة عمِّها: كنت في المحاضرة يا قلبي، ولسه خارجة دلوقتي.
توقَّفت فجأة، اتَّسعت عيناها بدهشة: قولي والله، يعني إنتي مع يوسف دلوقتي، آه يا ندلة! بعتيني وروحتي من غيري؟
ردَّت قائلة: يا بنتي لمَّا تيجي هتفهمي، بقولِّك ارجعي على الفيلَّا.
تمام، قولي له مخصماه.
عندك حق كلِّنا مش إنتي بس.
قالتها وهي تنظر إلى غادة التي تبتسم عليهما.
ضحكت على كلمات ابنة عمِّها، ثم أغلقت شمس الهاتف وهي تهزُّ رأسها بسخريَّةٍ خفيفة. ثم تحرَّكت بخطواتها نحو سيارتها، لكنَّها تجمَّدت في مكانها حين وجدته متَّكئًا على مقدِّمة سيارتها، نظارته الشمسية فوق خصلاته، ونظراته تتوه فيها بعشقٍ صريح:
أهلًا كابتن حمزة، هوَّ حضرتك بتعمل إيه هنا؟
حمحم بخفَّة واقترب منها مشيرًا إلى سيارته المركونة على الجانب الآخر: كاوتش عربيتي فرقع، فقولت تاخديني في طريقك، ممكن؟
رفعت حاجبيها بدهشةٍ ساخرة: لا والله. وكاوتش عربيتك طول الطريق كان سليم، جِه يفرقع عند كليِّتنا بالذات؟
ابتسم بمكر: أهو من كتر مادمِّي اتحرق.
كتمت ضحكتها بصعوبة وأبعدت نظراتها عنه محاولةً التماسك: وبعدين بقى معاك يا كابتن، مبحبش أسلوب قطَّاع الطرق دا.
ضحك بخفَّة: ده مسلسل تحفة على فكرة، هتلاقي كلِّ الحبايب فيه.
رمقته بفضول: هوَّ إيه دا بقى؟
اقترب أكثر، يتأمَّل عينيها ولون عسلها المائل إلى القهوة بشغفٍ ظاهر، ثم قال بصوتٍ منخفض: المسلسل...
لكن انقطع صوته فجأةً حين دوى صوتٌ مألوفٌ خلفهما، جعلها تلتفت بفزع، وملامحها تتبدَّل تمامًا.
عمُّو إسحاق!
ابتسم إسحاق مقتربًا منهما وأشار إليها بالتقدُّم: إزيك يا عمُّو؟
الحمد لله.
حظِّي حلو شوفتك، أصلي جاي أنا وحمزة نقابل عمران. هوَّ هنا برضو، بس سياسة واقتصاد.
هزَّت رأسها بتوتر ثم قالت بنبرةٍ مهذَّبة: طيب بعد إذنكم، علشان اتأخَّرت.
قالتها وتحرَّكت سريعًا بينما اقترب إسحاق منه: إنتَ اتجنِّنت؟! مش كفاية إنَّك ماشي تراقبها، يابني أبوها لو عرف هيبقى شكلنا وحش.
ارتدى نظارته وتحرَّك قائلًا: اتصرَّف، أنا مش هفضل ساكت كتير، بحاول أصبر لحدِّ ماأشوفك هتعمل إيه.
بسيارة يوسف.
كان متَّجهًا مع فريدة وغادة وضي إلى المشفى لوجودهم مع مصطفى الذي يقوم بفحصه الكامل تحت إشرافٍ طبيٍّ ألماني.
ترجَّلت فريدة أوَّلًا. ولحقتها غادة بينما اتَّجه بنظره إلى ضي: هنطمِّن على جدُّو ونخرج، عايز أتكلِّم معاكي.
ترجَّلت من السيارة: مفيش بينَّا كلام، ومش معنى إنَّك أجبرتني بطريقة شيك قدَّام مامتك ألبس الدبلة يبقى بتحطِّني تحت الأمر الواقع، أنا قولت لك سافر، ومحدش هيسألك على حاجة، وهتكلِّم مع بابا وعمُّو النهاردة.
سحب ذراعها وتمتم: عارفة لو فتحتي بوقِّك بكلمة هعمل فيكي إيه؟
أغلقت الباب بعنف وهدرت به: ولا تقدر تعمل حاجة، لأنَّك خلاص مالكش حكم عليَّا.
والله ياضي، خلاص حكمتي وأصدرتي حكمك. تمام اطلعي ياله.
استدارت وتحرَّكت سريعًا من أمامه.
يومان آخران والعلاقة وصلت الى أقصى مراحل التوتُّر، ليتجنب الاختلاط بها
ذات يومًا عصرًا، كانت تجلس تشاهد صورهما مع بعضهما، طرقت الخادمة ودلفت تحمل باقة من الزهور الحمراء
استاذة ضي، البيه باعت لك دا
اومأت تتلاقاه منها، نظرت اليه فرقعت البطاقة التي عليه
معرفش هترميه ولا لا، شايف مصر كلها شايلة منه، بيقولو عيد الحب
كل سنة وانتي حبيبتي.
ارتفعت دقاتها بعنفوان، حتى تمنت ان يكون امامها، نظرت بساعة يدها، تحسب عدد الساعات لرجوعه و قرَّرت الحديث معه.
اتى المساء ملبَّدٍ بالغيوم، وقفت تنتظره في الشرفة.
عيناها تتنقلان بين الطريق والساعة كلِّ بضع دقائق؛ فلقد تجاوز الوقت الثانية عشرة والنصف بعد منتصف الليل.
شكله مش جاي، ضغطت على شفتيها
لو مجاش هروح له.
لم تمضِ دقائق حتى لمحت أضواء سيارته تخترق البوابة.
ظلَّت تراقبه حتى توقَّف أمام الباب، يترجَّل بخطواتٍ متثاقلة. وجهه شاحبًا من الإرهاق، كأنَّ النوم يهرب منه منذ أيام.
دلف إلى الداخل، فوجد إسلام مازال مستيقظًا، يعمل أمام حاسوبه: مساء الخير يا عمُّو. بتعمل إيه متأخَّر كدا؟
رفع إسلام رأسه بابتسامةٍ باهتةٍ وهو يمسِّد عنقه المتصلِّبة: مساء الخير حبيبي شوية شغل كده وهطلع أنام، عندي محاضرة الصبح محتاج حاجة؟
لا يا حبيبي، روح ارتاح، الكلِّ نام ولَّا إيه؟
آه، مفيش غير باباك فوق عند جدَّك. وعمَّك إسحاق اتَّصل بعمَّك أرسلان وراح له.
تمام، تصبح على خير.
وإنتَ من أهله.
بقي يوسف مكانه بعد أن صعد اسلام، أسند رأسه إلى ظهر المقعد
وغلبه النوم.
في الأعلى، كانت ماتزال تنتظره.
نظرت إلى الساعة للمرَّة الأخيرة، ثم إلى شمس الغارقة في نومها.
سحبت وشاحها حول كتفيها، وسارت بخفوتٍ حتى لا توقظ أحدًا.
نزلت إلى الطابق السفلي. وجدته غافيًا فوق الأريكة.
اقتربت منه ببطء، تنظر إلى وجهه المنهك.
أحزنها منظره، كالذي يخفي وجعه تحت قناع الابتسامة.
انحنت تنزع حذاءه برفق، وعدَّلت رأسه كي لا يتألَّم عنقه.
فتح عينيه بتثاقلٍ يظنُّها والده، لكنَّه وجدها، من أرهقت قلبه عشقًا وندمًا.
جلست على طرف الأريكة وهمست: اعدل راسك علشان متتعبش. نايم هنا ليه؟
حاول بقاء عيناه مفتوحتان، ولكن غلبه النعاس مجدَّدًا.
مدَّت يدها تتحسَّس خصلاته، تلامس جبينه؛ ثم مرَّت بأناملها على ملامحه الشاحبة تتنهَّد وانحنت تطبع قبلةً على وجنته.
فاجأها أن قبض على كفِّها برفقٍ. ثم مدَّ ذراعه في غفوةٍ حانيةٍ دون أن يفتح عينيه.
ابتسمت، ثم نزعت وشاحها بهدوء. وتسلَّلت لتستقرَّ بجواره. تبحث عن دفءٍ يُطفئ برد الروح.
ضمَّها لا شعوريًا يحتويها بين ذراعيه.
دفنت وجهها في عنقه وهمست بخفوتٍ مرتجف: آسفة. ماتزعلش منِّي.
لم يردّ في البداية، ثم خرج صوته الخافت: لو زعلان. ماكنتيش زمانك في حضني.
ابتسمت وسط دموعها وقالت: بس أنا زعلانة منَّك أوي.
ضمَّها أكثر، حتى شعرت كأنَّ ضلوعها تذوب في صدره.
اقترب حتى لامس جبينها وقال بصوتٍ مبحوحٍ صادق: أنا بحبِّك. ومش قادر أعيش من غيرك.
عايزة إيه أكتر من كده؟
رفعت رأسها قليلًا، عيناها تلمعان تحت ضوء الليل: هل اعترف. أم خُيِّل لها؟ كرَّر حديثه مرَّةً أخرى وهو يداعب خصلاتها بأنامله: معرفش إيه اللي حصل بينَّا، بس اللي أعرفه إنِّك بقيتي مهمَّة أوي.
أومال ليه قلت لعمُّو إنَّك مش عايز فرح؟
مسَّد على خصلاتها: دا اللي كنت عايز أقوله لك يوم المستشفى.
طيب قول أنا سمعاك، بلاش قلبي يوجعني.
تنهَّد ثم قال: حبيبتي، ممكن نتكلِّم الصبح؟ مش قادر دلوقتي، عايز أقولِّك على موضوع مهم.
رفعت عينيها إليه، وقالت بصوتٍ متهدِّجٍ ممزوج بالوجع: مرَّتين النهاردة تقولِّي حبيبتي. أنا مش عارفة إنتَ عايز إيه يا يوسف.
أدار وجهه عنها يغالب الإرهاق: عايز أنام. وبس.
ثم أضاف بنبرةٍ منخفضةٍ وهو يغمض عينيه: علشان لو صحصحت، صدَّقيني هزعَّلك.
ابتسمت رغم وجعها على كلماته، وظلَّت تداعب خصلاته برفقٍ حتى أغرقها النوم إلى جواره.
مرّت فترةٌ من السكون، لا يُسمع فيها إلَّا أنفاسهما المتناغمة.
حتى دلف أرسلان من الخارج. فتجمَّدت عيناه على المشهد.
ابنته بين أحضان ابن عمِّها، في سكونٍ يثير الغضب قبل الدهشة.
ارتفع صدره بانفعالٍ مكتوم، ثم رفع هاتفه واتَّصل: انزل تحت دلوقتي، قبل ماأوَلّع في ابنك اللي محدش قادر عليه ده!
كان إلياس، يغلق مصحفه بعد أن أنهى وِرده بجوار نوم والده مصطفى. رفع رأسه بهدوء وقال: فيه إيه يا أرسلان؟
انزل وإنتَ تعرف.
بعد لحظات كان إلياس يقف بجواره. نظر أمامه فشاهد يوسف نائمًا، يحتضن ضي الغافية بين ذراعيه.
تبادل النظرات مع أرسلان، ثم قال بهدوءٍ شديدٍ يُغضب: عايزني أعمل إيه يعني؟
اقترب أرسلان منهما، ورفع صوته: إنتَ يا حضرة الدكتور المحترم!
فتح يوسف عينيه بتثاقل، رمش قليلًا حتى استوعب عمِّه ووالده.
ابتعد برفقٍ بعدما وضع رأس ضي على الوسادة وقال: فيه إيه؟
ابتسم إلياس لبرودِ ابنه، ثم قال ساخرًا: فيه إنِّ عندك أوضة فوق يا حبيبي عيب كده قدَّامنا، قالها الياس بغمزة.
توسَّعت عينا أرسلان غضبًا، وزمجر: والله العظيم.
ثم اقترب من ابنته يصيح: ضي.
فتحَت عينيها بخضَّةٍ، تنتفض من نومها لتجد الجميع واقفين.
تسارعت أنفاسها، فاندفع يوسف واقفًا، وارظف بنبرةٌ حادَّة لكنَّها متماسكة: فيه إيه يا عمُّو، هوَّ حضرتك شايفنا في وضع مشين؟
نايمين في الليفينج، وبهدومنا. ليه الزعيق ده؟
صرخ أرسلان: إلياس، سكِّت الواد ده!
لكن إلياس ظلَّ صامتًا، يراقب.
مدَّ أرسلان يده يسحب ابنته، لكن
وقف يوسف أمامه يمدُّ ذراعه يمنعه: إنتَ مش شايفها كانت نايمة، هتاخدها كده إزاي؟
وبعدين أنا جوزها. واخد بال حضرتك، جوزها.
قالها بنبرةٍ حاسمةٍ، ثم انحنى يحملها بين ذراعيه وهي تهمس بخجلٍ محتجّ: يوسف نزِّلني!
غمز لها بخفَّةٍ رغم الموقف وقال: باقي عمُّو إسلام يقفشنا بس.
يوسف، نزِّلني بقى!
ضحك إلياس أخيرًا، ضحكةً نادرة منذ خطوبة ابنه، بينما أرسلان احمرَّ وجهه من الغضب، يشير إليه صارخًا: شُفت الواد بيقول إيه؟ وصاح على ابنته
ضيّ إياكي تسمعي كلامه!
اختبأت بصدر يوسف، وجهها يشتعل خجلًا.
لكنَّه أكمل طريقه بخطواتٍ ثابتةٍ نحو غرفته، وأغلق الباب بقدمه خلفه.
ألقى بها على الفراش، فنهضت قائلة بغضبٍ مكتوم: اتجنِّنت، إيه اللي عملته ده قدَّامهم، هيقولوا علينا إيه دلوقتي؟
اقترب منها بخطواتٍ هادئةٍ، بينما هي تتراجع بجسدها حتى التصق ظهرها بالجدار.
رفع يده، أسندها إلى الجدار خلف رأسها، ونبرته خافتة لكن حارقة: هيقولوا إيه؟
واحد ومراته. إحنا متجوِّزين.
شهقت وارتجفت الكلمات على شفتيها: يوسف، أنا مش مراتك.
متستهبلش، أنا خطيبتك، مراتك لمَّا أكون في بيتك.
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ صار همسًا: وإحنا فين دلوقتي؟
تأفَّفت بضجر وقالت: في أوضتك.
طيب، اعتبريها بيتي.
دفعته بشراسة وهي تشير إليه بتهديد: إياك تقرَّب منِّي! أنا اللي غلطانة أصلًا علشان نزلت لك.
سحبها بقوَّة حتى اصطدمت بصدره، فتأوَّهت بألم: آه! بتعمل إيه يا مجنون؟
طالعها بنظرات يفترس ملامحها باشتياقٍ كأنَّه يراها بعد غياب عمرٍ كامل: عارفة. هعلِّمك درس عمرك ماتنسيه تاني، علشان بعد كده لمَّا نزعل من بعض ماتتجنِّبينيش تاني. بس الدرس ده مش وقته، لأنِّك وحشتيني أوي.
رفعت نظرها إليه بعينين يملؤهما الارتباك والضعف معًا: أنا تعبانة منَّك ومش عارفة أعمل إيه. مش عايزة علاقتنا تبقى مرهقة، علاقة الحبيبين لو كانت مرهقة يبقى الأفضل الانسحاب.
لم يدعها تكمل حديثها، لينقضَّ على شفتيها، يعاقبها بما تفوَّهت به. لحظاتٌ كانت كالنار، يسحب أنفاسها بين خاصَّتيه، ورغم مقاومتها الخجولة إلَّا أنَّه بدا كالأسد الجريح ممَّا سمع.
ابتعد عنها أخيرًا رغمًا عنه، ومازال يحتضنها بذراعيه، كانت أنفاسها متلاحقة تحاول أن تنظِّمها، بينما ضمّّها هو إلى صدره وأغمض عينيه.
ظلَّا لدقيقتين حتى هدأ تنفُّسها، فأطبقت على جفنيها وهي بين ذراعيه تستمع إلى همسه: ضي. بتحبِّيني؟
خرجت من أحضانه تنظر في عينيه بعمقٍ ودفء: لسَّه بتسأل؟
وضع جبينه على جبينها، يمرِّر أنامله على وجهها بحنانٍ خافت: يعني مهما يحصل بينَّا مش هتزعلي، مش هتسبيني، وتروحي تشتكيني لعمِّي، وتطلَّقي وتبعدي؟
شعرت بخوفه يسكن نبرته، فابتسمت بحبٍّ يسكِّن وجعه: يوسف، أنا بحبَّك أوي. مستحيل أبعد عنَّك وعد منِّي، طول ماإنتَ بتحبِّني مستحيل أسيبك.
ساد الصمت لحظة، قبل أن يهمس كمن يحدِّث نفسه: هيَّ كمان كانت بتحبُّه. وسابته.
حاولت أن تشتَّت أفكاره، فاحتضنت وجهه وقبَّلته بخفَّةٍ هامسة: لسَّه طعمها وحش يا دكتور؟
ابتسم يداعب خصلات شعرها بأنامله: قلبك اسود يابت لسة فاكرة، دي اللي هزت يوسف
يعني كانت مش وحشة
حاوطها بذراعيه ينظر لعيناها
هقولِّك بس مش دلوقتي. يوم الفرح.
ثم أشار نحو الباب وهو يهمس مازحًا: يلَّا روحي أوضتك، شوية وعمِّي أرسلان هيموِّتنا.
هزَّت رأسها بخجلٍ وغادرت بهدوء، بينما بقي هو يراقبها بابتسامةٍ نصفها حب، ونصفها خوف لا يريد الاعتراف به.
مرَّت الأيام سريعًا، حتى جاء اليوم المتمِّم للحنَّة، بعد الاتفاق على إتمام الزفاف قبل عملية مصطفى، وشرط يوسف ألَّا يسافر إلَّا بعدها.
دلف إلى غرفتها يحمل فستانًا من اللون الأحمر، وضعه فوق فراشها وهو يبحث عنها، فالتقته شمس بابتسامةٍ خبيثة: تحت يا حبيبي، بنرسم حنَّة.
ثم اقتربت تهمس له مازحة: ضي عملت تاتو باسمك...
قالتها بغمزةٍ وتحرَّكت للأسفل، فتوقَّف هو مبتسمًا، قبل أن يتَّجه لغرفته مع ارتفاع رنين هاتفه:
أيوه يا ببلاوي؟
إيه رأيك نعمل الحفلة في بيتنا؟
لا، خلِّيها بكرة، النهاردة مينفعش بس هرجع على البيت متأخر
ليه بقى إن شاء الله؟
ابتسم وردّ: بعمل مفاجأة لأختك.
أممم. كدا ماشي.
صمت لحظة، ثم أضاف: يوسف، أنا فرحان أوي علشانك. ربِّنا يسعدكم يا رب.
عقبالك يا حبيبي.
تنهَّد، ثم أغلق الهاتف متَّجهًا إلى غرفة والده.
بعد أكثر من ساعتين ومع محاولات اتِّصالٍ منه إليها بلا رد، نزل بعدما استمع لحديث والدته: حفل الحنَّة هيبدأ على تسعة. الجوّ برد الليلة، مش عايزين نتأخَّر.
دخل غرفة والده بعدما علم أنَّها ستتجهَّز هناك، خرجت من الحمَّام، بعد تعطير جسدها ووضع بعض الكريمات قبل ارتداء ثيابها، استدارت تلتفت حولها ظنًّا بأنَّ شمس هي التي دخلت، ولكنَّها شهقت: إنتَ إزاي دخلت؟!
برجلي. مشيت كدا وفتحت الباب المكتوب عليه: غرفة عروستي القمر.
جزَّت على أسنانها: طيب اطلع برَّة، عيب يا دكتور. لو حد شافك يقول إيه؟
اقترب بخطواتٍ هادئة جعلت قلبها يعزف، وأشارت بإصبعها: ابعد يا يوسف كلّ مانلتَّم على بعض بنطلع بفضيحة، شكلي بقى وحش.
متخافيش، هردمه دلوقتي جردل ألوان وهيبقى عسل.
هوَّ إيه ده؟
وشِّك.
أنا بتاع جردل ألوان يا يوسف. طيِّب يلَّا اطلع برَّة يا محترم.
لم يكترث، واقترب وعيناه تتمرَّدان على جسدها وهو يتمتم: شموسة قالت لي رسمتي اسمي بالحنَّة عايز أشوفه، هشوفه وأطلع بس لو مش زي مافي خيالي.
توسَّعت عيناها بذهولٍ ونطقت: وقح.
تقدَّم إليها خطوةً وجذبها من خصرها: مين اللي وقح يا بت؟
تمتمت بنبرةٍ خجلةٍ في محاولةٍ للتهدئة: يوسف حبيبي، أكيد إنتَ محترم، مش وقح. هتطلع ومش هتعمل حاجة.
رفع حاجبه ساخرًا: أنا والاحترام في خانة واحدة؟ دا أبوكي ضحك عليكي علشان توافقي عليَّا.
صرخت: إنتَ عايز إيه دلوقتي؟
أشار إلى مكانٍ ما وقال بنبرةٍ مقصودة: أشوف رسمة الحنَّة مش هضيَّع ليلة الدخلة أدوَّر عليها.
توسَّعت عيناها تلكزه بقوة. إلَّا أنَّه أمسك كفَّيها لخلف ظهرها واقترب يستنشق رائحتها: إنتي واخدة شاور بالبيرفيوم؟
ضربت أقدامها بالأرض كالطفلة: ابعد يا بني بقى، هصوَّت وأفضحك.
كان يتابع غضبها المحبَّب بابتسامة، سحب رأسها الى أحضانه وهمس بجوار أذنها: لو أعرف هحبِّك كدا، كنت اتجوِّزتك من زمان.
رفعت عيناها التي تلألأت بالدموع: أنا كمان بحبَّك أوي.
طيب اثبتي.
ضيَّقت عيناها بتساؤل: يعني إيه؟
رفع أنامله إلى عنقها يمرِّرها إلى أن وصل إلى فتحة روبها وغمز بخبث: عرفت انك رسمتي تلاتة، شوفت اتنين عايز التالتة، أشوف اسمي منوَّر عليها وهبوسك وامشي.
صرخت تدفعه: أه يا قليل الأدب قالتها تدفعه بقوَّةٍ إلى الخارج وهي تصرخ به، فتحت الباب لدفعه، لكن فجأةً توقَّفا؛ بعدما وجدا الياس يتحدَّث بالهاتف متحرِّكًا من أمام الغرفة فأشار عليها: هيَّ اللي اتَّصلت بيَّا.
اختبأت خلفه تضربه على ظهره:
هيَّ مين دي؟!
اقترب الياس منهما. فابتعد بظهره يخفيها خلفه: هوَّ أنا كلِّ شوية هقولَّك اطلع برَّة يابابا
جزَّ إلياس على أسنانه وهدر بنبرةٍ حادَّة: أومال لو مش مجوِّزينكم غصب عنُّكم كنتوا هتعملوا إيه؟
كنت زمانك بتدفن أحفادك في السر.
هزَّ رأسه من وقاحة ابنه وتحرَّك قائلًا: امشي بدل ماأطلَّقكم يابن إلياس.
طيب اعملها ياابويا، بس شوف مين هيربي حفيدك
توقف الياس يلتفت اليه.
جدو هيربيه
ياحبيبي يابني، كدا عرفت مستقبلك
رمقه الياس بغضب، رغم ضحكته التي يحاول ان يمنعها
بينما لكزته ضي بجنبه
ماتتلم يادكتور، اومال لو مش دكتور كنت عملت ايه
يوووه كنت عملت كتير، احمدي ربنا بقى، المهم انا هروح على بيتنا، لو محتاجة مني حاجة، بما انكم هنا سيدات وانسات
ابتسمت وقالت
هتوحشني. اقترب منها غامزًا: هو لازم الفرح دا، ماتيجي نهرب
دفعته واغلقت الباب خلفها وابتسامتها تنير وجهها.
عند عمران
خرج من منزله، ينظر بساعته متأففًا، ثم رفع هاتفه
ايوة ياجيلان انتي فين
امشي قدام شوية، انا شيفاك.
تحرك الى ان وصل إلى وقوفها
ايه فيه ايه، خضتيني، لازم نتقابل دلوقتي
اقتربت منه بدلال انثوي مدروس، حتى توقفت امامه وقالت بنبرة مغوية
عمران أنا فكرت في موضوعنا، ولقيت حل
صمت ينتظر حديثها فقالت
نتجوز عرفي، وبكدا نكون مع بعض على طول
ايه نتجوز عرفي.
اقتربت اكثر، واستخدمت دلالها ترفع اناملها على فتحة قميصه، تداعب عنقه
اه المهم نكون مع بعض، مادام بابايا وباباك مش متفقين، عايز تضيع حبنا ياميرو.
عند بلال: خرج من المشفى ينظر بساعته. ارتفع رنين هاتفه: أيوة يا دكتور، لا أنا خرجت من المستشفى لسة ماركبتش العربية
استمع إلى الجانب الآخر فردّ: حاضر. خمس دقايق وأكون عند حضرتك. قالها وصعد إلى الأعلى.
دلف للداخل وجد أستاذه يقف أمام جهاز الأشعة، أشار إليه: تعال علشان الكلام اللي كنَّا بنقوله من شوية.
تقدَّم منه ينظر إلى تلك الصور التي تتحرَّك على الجهاز، وحديث الطبيب عن بعض الأشياء التي تخصُّ الأعصاب.
أومأ بلال يهزُّ رأسه وقال: أيوة كنت متأكد بعد ماشوفت الصورة، مالوش علاقة خالص بالغضروف.
خرجت المريضة من الغرفة. توقف بلال ينظر اليها بذهول يحدث نفسه
هي نفس البنت. قاطعهم صوت حركاتها متجهة إلى المقعد، جلست تنتظر حديث الطبيب. مع نظرات بلال إلى الصور التي بين يدي أستاذه، ثم اتَّجه بنظره إليها مرة اخرى: هوَّ الوجع فين بالظبط؟
أجابته بنبرةٍ متألِّمة وهي تشير إلى رقبتها: في الرقبة يا دكتور، بس مش بيخفّ، خصوصًا لمَّا أرفع راسي فجأة.
نظر بلال الى أستاذه:
الوجع ده ممكن يكون من العضلات.
صمت وانتظر، يستعلم من المريضة، استدار إليها:
بتحسِّي بيه مع الحركة أو بعد مجهود ذهني؟
أومأت وأجابته: شغلي على الكمبيوتر، وطبعًا ممكن أقعد ساعات طويلة.
مازالت نظرات بلال في الصورة التي بين يديه فقال:
كدا احتمالية يكون في شدِّ عصبي أو ضغط على أحد الأعصاب العنقية.
قطَّبت جبينها: يعني حضرتك شايف المشكلة عصبية مش عضلية؟
أجابها بثقة: ممكن يكون الاتنين مرتبطين، بس خلِّيني أسألك، بتحسِّي بتنميل أو وخز في الكتف أو الذراع؟
أجابته: أيوه ساعات، خصوصًا في الإيد اليمين، كأنّ في كهربا خفيفة ماشية فيها.
نظر إلى أستاذه وقال: ده مؤشر إنِّ في ضغط بسيط على جذر عصبي في الفقرات العنقية، غالبًا من وضعية جلوسها.
تسألت بقلق: يعني دا حاجة خطيرة؟
ردَّ بهدوء: هنعمل فحص بسيط للأعصاب والحركة، ولو لقيت إنِّ الألم ممتد أو التنميل بيزيد، ساعتها نطلب رنين مغناطيسي على الفقرات العنقية.
-طيب هوَّ ممكن أتعالج من غير عمليات وكده؟
أجابها بابتسامة: أكيد، تسعين في المية من الحالات دي بتتحسِّن بالعلاج التحفُّظي زي جلسات علاج طبيعي، تعديل وضع الجلوس، وتمارين للرقبة، وأحيانًا مسكِّن بسيط أو باسط عضلات. الأهم إنِّك تريَّحي أعصابك، لأن التوتر بيزوِّد الألم العصبي أكتر من أي حاجة.
ابتسمت بخجل: واضح إنِّ أعصابي فعلًا محتاجة دكتور قبل رقبتي.
ردَّ ضاحكًا: يبقى ابدئي، خفِّفي الضغط النفسي، وخدي بالك من وضعيِّتك، الأعصاب بتتعب من اللي بنفكَّر فيه قبل اللي بنحسِّ بيه.
أومأت بحزن: شكرًا، ثم رفعت عيناها الى الطبيب: تلميذك شكله شاطر أوي يا عمُّو.
ابتسم إليها يومئ برأسه: مش قولت لك متقلقيش.
قطَّب بلال حاجبيه: عمُّو! هيَّ المريضة تقرب لك؟
أيوة بنت صديق.
تمام. طيب اللي قولته صح ولَّا فيه تعقيب لحضرتك.
لا يادكتور، برافو عليك. قالها واتَّجه بنظراته إلى تلك التي تجلس وقال: وإنتي يا كارما، اعملي زي ماالدكتور قالِّك. حرق الأعصاب بيوجع جسمنا كلُّه يا بنتي.
توقَّفت تسحب حقيبتها وقالت: شكرًا لحضرتك يا دكتور، ممكن تكتب لي على المسكن اللي قال عليه، أوقات الألم بيكون شديد.
أشار إلى بلال الذي دوَّن اسم دواءٍ إليها، مع ذكر كيفيِّة استخدامه.
بعد دقائق خرج من المشفى متَّجهًا إلى سيارته، ولكنَّه توقَّف على صوتٍ مرتفعٍ جانب سيارته، التفت إلى الجانب الآخر، وجد تلك المريضة التي كانت قبل قليل يسحبها شخصٌ ما بعنف. في محاولةٍ الفكاك منه، اقترب دون تفكير: فيه حاجة أستاذة كارما؟
التفت ذاك الرجل ينظر إلى بلال، وأجابه ساخرًا: ودا عشقيك وجاية تقابليه هنا علشان فضايحك.
اقترب بلال كالمجنون: إنتَ مجنون يابني ولَّا إيه؟!
توقَّفت كارما بينهما: خلاص ياأسامة بطَّل فضايح، ثم استدارت إلى بلال: شكرًا لحضرتك يادكتور.
سحبها ذاك الذي يُدعى أسامة بعيدًا عنه: إنتي بتعتذري لمين، وتعرفيه منين؟
أثار غضب بلال فاقترب يلكمه بعنف: إنتَ شكلك مش محترم.
دارت معركة عنيفة بينهما مع اقتراب أمن المشفى، حتى سيطر عليهما. أشار أسامة إلى بلال: أنا هعرَّفك يا حيوان إزاي تتكلِّم مع أسيادك.
سحبه أستاذه الذي كان مغادرًا هو الآخر: بلال ابعد عنُّه، دا إنسان مش طبيعي، وإنتَ مش قدُّه.
أعاد خصلاته للخلف وهدر بغضب: الحيوان بيقولَّها جاية تقابلي عشيقك، مين المتخلِّف دا؟
جوزها.
تجمَّد بمكانه وفشل بالنطق يستدير إلى تحرُّكها وهو يسحبها بعنفٍ تجاه سيارته: دي متجوزة الحلوف دا؟!
تنهَّد الطبيب وتحرَّك إلى سيارته يشير إليه: روح يابني، وبطَّل تندفع على أي حاجة تشوفها.
بمنزل طارق.
أنهت زينتها وتحرَّكت إلى مكتبه: ياله ياطارق هنتأخَّر على حفلة الحنَّة، عايزة أشوفها من الأوَّل.
توقَّف يجمع أشيائه وقال: هوصَّلك حبيبتي. وأرجع لحدِّ ماتخلَّصوا.
أوكيه. المهمِّ نروح الأوَّل.
فتح الباب متَّجهًا للخروج ولكنَّه توقَّف فجأة بعدما وجد تلك التي تقف أمامهما: إزيك يا طارق؟
إنتي! بتعملي إيه هنا، وجاية ليه؟
ابتعدت إلى سيارتها تفتح الباب لينزل طفلًا يبلغ من العمر سبع سنوات: ليك أمانة عندي.
بغرفة غادة بمنزل والدها.
انتهت من زينتها، سحبت عقدها لترتديه، ولكن فُتح الباب ودلف للداخل، التفتت تنظر للذي دلف، ولكنَّها توقَّفت ليسقط العقد من بين أناملها، ودمعةٌ شريدة عبرت وجنتيها، أزالتها سريعًا، ثم استدارت تنظر إلى المرآة تسحب حجابها بأنامل مرتعشة، اقترب وانخفض يسحب عقدها، ثم توقَّف خلفها يرفعه حول عنقها، كلِّ هذا وهي تنظر الى انعكاس صورتهما بالمرآة.
انحنى يطبع قبلةً على عنقها. لتنساب دموعها تغمض عيناها، سحبها إلى صدره: آسف. عارف إنِّك زعلانة وغضبانة منِّي، بس إنتي متعرفيش حاجة، وعد بعد فرح يوسف هقولِّك كلِّ حاجة، أدارها إليه واحتضن وجهها يزيل دموعها: وحشتيني أوي.
قالها وانحنى يحتضن ثغرها باشتياقِ عاشقٍ يصفعه القدر بكلِّ قوَّته.
في غرفة ضي.
انتهت من ارتداء فستان حنَّتها.
كان فستانًا أحمر قانيًا، بلونٍ يشبه الغروب. ضيِّقًا من الخصر، ينسدل بعده بانسيابيةٍ تُغري النظر. نسيجه من حريرٍ ثقيلٍ يلتصق بالجسد برهافةٍ تثير الحياء.
بلا أكمامٍ، مكشوف الظهر تمامًا حتى أسفل الكتفين، تُعانق حوافِّه بشرتها كقبلةٍ حذرة. أمَّا الصدر فقَصَّته مربَّعة تُبرز عظام الترقوة كأنَّها تحفةٌ نُحتت بعناية.
تتدلَّى من خصرها شرائط خفيفة من الشيفون الشفَّاف، تتحرَّك مع كلِّ نفسٍ تأخذه، كأنَّ الفستان نفسه يتنفَّس معها. وطبقة شيفون من فوق الخصر والبطن، ليظهر خصرها النحيف برشاقة الانثى
التفتت أمام المرآة، بدا وكأنَّ اللون الأحمر استعان بأنوثتها ليصير أكثر جرأة، وأكثر حياة.
وقفت أمام المرآة تتأمَّل انعكاسها، تبتسم بخفَّةٍ لا تدري أهي رضا أم خوف إذا رآها، وقعت عيناها على الفستان الذي أحضره لها، ثم حاولت تهدئة أنفاسها: الحفلة كلَّها ستَّات، اهدي مش هيقول حاجة. دلفت شمس إليها. أطلقت صفيرًا: أوووه. تحفة يا ضي، الفستان روعة حبيبتي.
أومأت تنظر لنفسها بدقَّاتٍ عنيفة: خايفة من يوسف، يقلبها غم.
اقتربت تناولها عقدها: لا حبيبتي. كلِّنا بنات عادي يعني، ياله علشان صحباتك جم تحت، ويوسف أصلًا هيروح على البيت، بابا أمره بكدا، قالُّه مايرجعش غير ليلة الفرح.
زمَّت شفتيها وقالت: يوسف. يبقى قابليني، دا عايز أي حاجة علشان يفرسني وخلاص، فستان الفرح رجَّعه أربع مَّرات.
ضحكت شمس عليهما، رفعت خصلاتها تنظر إلى جمالها: معذور برضو يا دودو، الصراحة أنا بنت وغيرانة عليكي.
أبعدتها بخفَّة: هتقولي إيه مش أخته.
وضعت مجوهراتها، ثم رفعت احمر الشفاة القاني بلون فستانها، لتزين شفتيها. طالعتها شمس بانبهار، ثم سحبت كفَّيها وتحرَّكت للخارج.
عايزين سيشن كثير اه، وعايزة حاجة محتشمة انزلها على الاستوري.
نزلت بعض درجات السلَّم بصعوده وهو يتحدَّث بهاتفه: مين دا، وإزاي يمدِّ إيده عليك، إنتَ مجنون، إزاي تسمح له، إنتَ فين أصلًا؟
أجابه بلال على الجانب الآخر: وصلت الكمبوند خلاص، المهمّ إنتَ هتيجي إمتى؟
عشر دقايق، هجيب حاجة من أوضتي وأجي لك، البيت هنا قلب سوق البط والفراخ، والوان الهند الحمراء، عايز اصولك تيتا قلبت الفيلا، حديقة دماء
ضحك بلال متأوِّهًا: يخربيتك بقولَّك مضروب.
رفع عيناه على الدرج بعدما استنشق رائحتها، فتوقَّف قائلًا: ماشي يا ببلاوي، اتِّصل بآسر لحدِّ ماأرجع.
قالها ووصل إليهما بعدما توقَّفت تنتظر صعوده، لحظاتٌ فقط ينظر إليها، حتى شعر بتوقُّف أنفاسه من هيأتها التي خطفت قلبه. نزلت عيناه على فستانها، وكلُّ نظرةٍ كأنَّها طعنةٌ تفتِّت ضلوعه من أنوثتها التي أبرزها الفستان بشكلٍ ملفت، رغم أنَّه متَّسع وطويل، إلَّا أنَّها أنثى طاغية أظهرت مفاتنها بقوَّة لتغري أعتى الرجال. هدرت أنفاسه مقتربًا منها، مع ارتجافٍ بجسدها من نظراته الصامتة.
حمحمت شمس قائلة: أهلًا جو. ممكن تعدِّينا، الناس تحت وهنتأخر.
انحنى يسحب كفَّ ضي وأردف وهو ينظر لعينيها: ماشي حبيبتي. بس عايز ضي خمس دقايق. قالها وتحرَّك بها، توقَّفت قائلة: يوسف بتعمل إيه، هتأخَّر على الناس تحت.
حبيبتي كمِّ الفستان مش مظبوط، واحد مرفوع وواحد نازل، قالها وعيناه تخترق فتحة صدرها.
تحرَّكت معه بعدما نظرت إلى شمس: روحي وأنا جاية وراكي.
أومأت شمس بينما تحرَّكت ضي خلفه.
دلف للغرفة ودفع الباب بقدمه بقوَّة بعد دخولها تقف أمام المرآة تتساءل: الفستان مظبوط، وبعدين مالوش أكمام.
دقيقة يفتح النافذة وقام بإلقاء المفتاح.
واتَّجه ينزع جاكيته ينظر إليها بصمتٍ مرعب، وكلُّ نبضةٍ من قلبه تثور بمشاعر، أقسم لو خرجت ليجعلها لقمةً سائغة، استدارت إليه بعد صمته: جبتني ليه؟
دار بعينيه على الغرفة إلى أن وقعت عيناه على الفستان الذي أرسله إليها، اقتربت بعد صمته: يوسف مابتردش عليَّا ليه؟
تأفَّفت متراجعة متَّجهةً إلى الباب وهي تقول: كنت عارفة، بس أنا اللي غبية وصدَّقتك، قالتها تفتح باب الغرفة، ولكنَّها وقفت تنظر إلى غلق الباب بذهول، اتَّجهت إليه: إنتَ قفلت الباب! يوسف مابتردش ليه؟
ألقى حذائه بعيدًا ونصب عوده متوقِّفًا، واقترب منها، تراجعت للخلف بذعرٍ من نظراته: أكيد بتهزَّر، يوسف افتح الباب، الليلة حنِّتي، يرضيك تزعَّلني في أحسن ليلة.
سحبها بقوَّة من خصرها، وعيناه تخترق جسدها بوقاحة: هوَّ أنا مش بعت لك فستان، إيه لازمة العند، نازلة بتعرضي جسمك تحت ليه؟
يوسف حبيبي. علشان خاطري سيبني براحتي، دا فرحي، مش هتجوز كلِّ يوم.
-أنا لسة بكلِّمك بعقل الراجل المحترم ياضي. جبت لك فستان ليه غيَّرتيه؟
مش عجبني.
تراجع يهزُّ رأسه: يبقى مفيش نزول، ومتخلنيش أحلف مفيش فرح، والله أعملها.
ثارت بغضبٍ وصاحت: طيب اعملها، أنا مش هحضر غير بالفستان دا، وهنزل يا يوسف وشوف هتعمل إيه.
استدار إليها سريعًا، وتحولَّت ملامحه لغضبٍ جحيمي، وكأنَّها أخرجت شياطينه، طرقٌ على الباب وصوت ميرال بالخارج: يوسف افتح الباب عيب كدا. ولكنَّه لم يستمع سوى لنبرة تحدِّيها وطعنه، تراجعت مع تقدُّمه، حتى هوت على الفراش: يوسف، طنط ميرال برَّة، افتح لها عيب كدا.
حاوط جسدها وعيناه تتنقل عليه بالكامل الى ان نزل لشفتيها التي شعر بأنها قطعة من الجنة، اغمض عيناه محاولًا السيطرة على ألا يصفعها
يوسف افتح الباب، انا مش هغير الفستان، عايزة البس اللي يعجبني، وبعدين لسة بكرة يبقى ألبس فستانك
كان يتابع حديثها وارتجاف شفتيها، ورغم ذلك كانت تنظر اليه بتحدي، كأنه لا يعنيها، صمت وعيناه تخترقها.
رميت المفتاح تحت يا ضي، ورِّيني هتنزلي إزاي. ومفيش لا حنة ولا فرح، ومش هتخرجي من الباب دا غير وانتي مراتي فعلًا، ويبقى اتحديني
صرخت تدفعه بغضب: إنتَ أكيد مجنون. صرخت باسم ميرال. فكانت آخر كلماتٍ نطقتها شفتيها.