قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والثلاثون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والثلاثون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والثلاثون

تُرى من يكون بطلنا المتألم
دلفَ راجح إلى الغرفةِ بخطواتٍ واثقةٍ تحملُ في طيَّاتها التحدي، ناظرًا إلى ميرال بعينينٍ تضجَّانِ بالحدة.

ألف مبروك يا بنتِ راجح! ، ردَّدها بصوتٍ غليظ، بينما خطت رانيا نحوها بتوتر، متحاشيةً النظرَ إلى إلياس، الذي توقَّفَ في صمتٍ مميت، وجههِ بلا تعابير. خطت مردفة: ميرو حبيبتي، حمدَالله على السلامة إحنا تحت من إمبارح، منتظرينك تفوقي يا قلبِ ماما، بابا مرديش يمشي، كان عايز يشوف ابنك.

اقتربَ راجح بخطواتٍ بطيئة، وعيناهُ تتحدَّى كلَّ من في الغرفة، بانتصارٍ هيَّئهُ لنفسهِ الخبيثة، ثمَّ اتَّجهَ نحو فريدة بنبرةِ استعلاء.
لم تتحرَّك فريدة، وكأنَّ الزمن توقَّفَ عند دخولهما، وشعرت بأنَّ حضورهم سيكون عاصفةً ستحرقُ الأخضرَ واليابس، رفعَ حاجبهِ بنظرةٍ ساخرةٍ وهتف: مش تعلِّمي ابنك الأصول يافريدة.

قاطعَ صوتهِ دلوفُ أرسلان إلى الغرفةِ بمزاحهِ الذي اعتادوا عليه منذ تقرُّبهِ إليهم، وهو يصدحُ بنبرةٍ سعيدة: عمُّو جه يا، ، توقَّفَ فجأة، بعدما وقعت عيناهُ على راجح الذي تابعهُ بنظراتٍ مشحونةٍ بالازدراء، انحنى أرسلان قليلًا نحو غرام، مشيرًا بيدهِ باتِّجاهِ ميرال:
سلِّمي على ميرال يا غرام.
قالها وعيناهُ على إلياس الذي توقَّفَ ووجههِ كالصخرةِ الباردة، فاقتربَ من فريدة وهو يميلُ برأسهِ باستفهام:.

عندنا ضيوف ولَّا إيه؟
تجاهلهُ راجح بابتسامةٍ تحملُ سخريةً خبيثة، واتَّجهَ نحو ميرال التي كانت تتنقَّلُ بنظراتها المتوترة بينهِ وبين إلياس، وقفَ أمامها وابتسمَ ساخراً:
إحنا مش ضيوف يا، اسمك إيه؟ أنا جدِّ الطفل، اللي أخوك طلَّق مراته بعد ما عاش معاها يومين حلوين؛ مش دا اللي قولته لي في المستشفى؟ قالها متهكِّمًا، ثمَّ التفتَ إلى فريدة: -عاذره، ماهي البنتِ حلوة، طالعة لمرات عمَّها مش كده يا فريدة؟

خطا أرسلان بهدوءٍ مميت، ووقفَ أمام فريدة وكأنَّهُ درعٌ يحميها، ثمَّ رفعَ رأسهِ بابتسامةٍ ساخرةٍ وتحدَّثَ بنبرةٍ لاتخلو من الاستهزاء:
جدُّو جاي بنفسه؟ وياترى جاي ينقَّط البيبي، ولَّا جاي يورِّينا إنِّ له جد؟
مطَّ راجح شفتيهِ بازدراءٍ وردَّ ببرود:
رغم ما اتعرَّفناش، بس هقولَّك علشان فضولك ما يموِّتكش، أنا جاي أسمِّي الطفل، وأنا اللي هأذِّن في ودنه، مش دي الأصول يا فريدة؟

سادَ الصمتُ وكأنَّ الزمنَ توقَّفَ للحظة، إلى أن قطعهُ أرسلان بقهقهةٍ مرتفعةٍ جعلت الجميعَ يظنُّونَ أنَّهُ أُصيبَ بالجنون. حاوطَ بطنهِ وهو يضحك ثمَّ توقَّفَ فجأة، وطالعهُ بعينينِ باردتينِ وابتسامةٍ مريرةٍ ممزوجةٍ بالغضبِ الجحيمي:
أحلى جدُّو والله! تصدَّق؟ كنت جاي مخصوص علشان آخد البيبي لجدُّو، أيوة، حتى ماما قالتلي كده.
أشارَ بيدهِ نحو ميرال وهو يتحدَّثُ بسخريةٍ لاذعة:.

آه كويس إنتَ جدُّو، وأنا عمُّو، والبارد اللي هناك أبوه، والبنتِ اللي لسانها أطول منها دي تبقى أمه. مش كده يا بهية؟
اقتربَ خطوةً نحوهِ وهو يمدُّ كفَّيهِ بتحدٍّ:
مش هتسلِّم يا جدُّو على عمُّو؟
اقتربَ راجح ومدَّ يديهِ وعينيهِ تنطقُ بالتحدي، لكن أرسلان أمسكَ بكفَّيهِ وضغطَ عليهما بقوة، وجذبهُ نحوهِ بعنفٍ هامسًا بنبرةٍ منخفضةٍ تحملُ وعيدًا:.

أكيد متعرفنيش، أنا مابتقابلشِ مع الأشكال الواطية إلَّا في ساعاتِ الضرورة، تقول إيه بقى؟ مش أيِّ حد يتمنَّى الوقوف قدَّامي، وبدل جيت لحدِّ رجلي، يبقى لمَّا تشوفني تبصّ في الأرض، مش تتبجَّح.
ارتفعت أنفاسُ راجح، وتوسَّعت عيناهُ بغضبٍ مكتومٍ قبل أن يهدرَ بعنف:
إنتَ بتقول إيه يا له؟
اقتربَ من أرسلان أكثر وهمسَ بنبرةٍ تحملُ التوعُّدَ والتحدي:
شوف البنتِ دي، ، وأشارَ نحو ميرال.

تابعَ بصوتٍ منخفض، لكن كلماتهِ كانت كالصفعات: دي بنتي، بنتي أنا، دي مروة راجح الشافعي، اللي زوَّرتوها ونسبتوها لغيري، وفي الآخر أخوك يرميها وجاي يقولِّي كان بيستمتع بيها، بس هاخد حقَّها منكم.

ثارت جيوشُ غضبِ أرسلان، حتى تحوَّلت هيئتهِ كهيئةِ شيطان؛ جذبهُ بقوَّةٍ من عنقهِ من الخلفِ وضغطَ عليهِ حتى أصدرَ صوتًا متألِّمًا، ثمَّ دفعهُ بقوَّةٍ ليسقطَ أمام فريدة. أشارَ إليه وقال بنبرةٍ آمرة: اتأسف لها، قولَّها أنا آسف، مش على اللي عملته زمان، لا. علشان وقفت وبجَّحتِ فيها دلوقتي.

رفعَ راجح عينيهِ نحو فريدة بتحدٍّ، وقال بصوتٍ حاد:
بتحلم يابنِ جمال.

انحنى أرسلان حتى أصبحَ بمستواه، وعيناهُ تتوقدانِ غضبًا:
ما أنتَ شاطر أهو، وأومال ليه عامل عبده العبيط ومش عارفني؟

ثمَّ ابتسمَ بسخريةٍ قاتلةٍ وهو يضيف:
أنا حلو صح؟ علشان كده بتحبِّني، آه صح. بتحبني ليه؟ علشان شبه أخوك اللي مات غرقان، بس، يا ترى مين اللي موِّته؟

شهقت فريدة بحرقة، واهتزَّ جسدها، وانهمرت دموعها كالسيلِ وهي تهزُّ رأسها رافضةً ما تسمعه:
لا! مستحيل! أبوك مات غرقان، مفيش حدِّ قتله.

رفعَ أرسلان رأسهِ وصاح:
غرام، خدي ماما واطلعي شوفي البيبي.
عايز أتكلِّم مع راجح وميرال على انفراد.

أومأت غرام بعينيها وسحبت فريدة، التي تسمَّرت بمكانها، بينما إلياس جلسَ بهدوءٍ غيرَ معتاد على المقعد، يراقبُ بصمت، منتظرًا اللحظةَ المناسبة.

توقَّفت فريدة بأنفاسٍ لاهثةٍ من فرطِ الغضبِ والخوفِ على أولادها، وصاحت بصوتٍ مرتجفٍ متألِّمٍ مختلطاً بالإنزعاج:
كفاية بقى. أنتوا عايزين إيه؟ وإنتِ يا رانيا جاية ليه؟ دي بنتي أنا، مش بنت حد، خدي الراجل دا وامشي من هنا، برَّة.

لكن صدى كلماتها لم يكن سوى شرارةٍ أشعلت نيرانَ راجح، الذي استدارَ ببطءٍ كمن يستعدُّ لهجومٍ وتحوَّلت عينيهِ إلى جمرةٍ متَّقدةٍ وصوتهٍ خرجَ كالسيف: بنتِ مين؟ مش كفاية تزوير يا فريدة!

شوفي أنا جيت بالنهار وفي مستشفى، وولادك اللي مفتخرة بيهم الظباط، هاخد بنتي وأنا بطلَّع لساني.

اقتربَ من ميرال بخطواتٍ جريئة، لكنَّهُ توقَّفَ فجأةً عندما وقفَ أرسلان في طريقه، نظراتهِ تحملُ تهديدًا لا لبسَ فيه.
ضحكَ راجح بسخريةٍ مريرة، وقال مستهزئاً:
-امشي من قدَّامي بدل ماأودِّي أمَّك في داهية.

لم يُكمل كلماتهِ حتى انقضَّ أرسلان عليه بلكمةٍ صاعقة، صرخت بها عضلاتهِ بغضب:
هيَّ مين دي اللي تودِّيها في داهية؟!

ترنَّحَ راجح للحظةٍ قبل أن يدفعهُ بغضبٍ وحشي، واشتعلت بينهما مشادَّةً عنيفةً كعاصفةٍ لا تهدأ. وسطَ كلِّ هذا، كان إلياس جالسًا في طرفِ الغرفة، ظهرهِ مستقيمًا كأنَّهُ ملكٌ على عرشه، وعيناهُ لا تفارقانِ راجح، تنتظرُ لحظةَ الحسم.

وفجأةً، اخترقَ الغرفةً رجلٌ ضخمَ البنية، ألقى نظرةً جامدةً على المشهدِ قبل أن يقتربَ من راجح قائلاً:
إحنا جاهزين يا راجح باشا.

حينها رفعَ إلياس رأسهِ وابتسمَ ابتسامةً باردةً كأنَّها موجَّهةً لعاصفة، ثمَّ أشارَ بيدهِ نحو الباب:
خلَّصت مسرحيتك؟ شايف الباب اللي هناك؟ لو لمحتك قدَّامي. وحياة رحمة أبويا اللي لسة ما أخدتش عزاه، لأجرَّك زي الكلب، وأخلِّيك ما تساويش جزمتي.

سادَ صمتٌ ثقيلٌ كأنَّهُ جنازةُ مشاعر، لم يكسرهُ سوى صوتِ خطواتِ رجالِ راجح وهم يقتحمونَ الغرفة؛ ارتجفت ميرال على سريرها كطفلةٍ صغيرةٍ تخشى صفعاتَ القدرِ التي لا ترحم، ثمَّ انفجرت بالبكاء، شهقاتها كانت كطعنةٍ في قلبِ إلياس، ولكن عليه تنفيذَ مخطَّطهِ.
تقدَّمت رانيا خطوةً نحو ميرال، عيناها تتوسلانِ إلياس لكنَّها توقَّفت فجأةً عندما زمجرَ إلياس، غضبهِ الذي صار حممًا بركانية:
قولت إيه؟

هزَّت رانيا رأسها بارتباك، وأشارت بيدٍ مرتعشةٍ نحو ميرال:
خلِّيني أشوفها بس يا إلياس...

أجابها بصوتٍ كالرعد، حطَّمَ كلَّ الأملِ الذي تحاولُ التشبَّثَ به:
برَّة.

لم تجد رانيا سوى أن تتشبَّثَ بذراعِ راجح، تسحبهُ وهي تتجنَّبُ نظراتِ إلياس الثاقبة:
تعالَ. نبقى نطِّمن عليها بعدين.

لكن أوقفهما صوتُ إلياس المخيف:
استنى يا راجح.

أخرجَ ورقةً من جيبه، ورفعها أمامَ وجهه:
امضي هنا.

حدَّقَ راجح في الورقة بذهول، قبلَ أن يرفعَ نظرهِ إلى إلياس كأنَّهُ يحاولُ فهمَ ما يحدث:
-إيه دا إن شاء الله؟!
-مجنون، علشان أعمل كدا! لا بعينك يابنِ جمال.
ابتسمَ إلياس ابتسامةً مميتة، وقالَ بصوتٍ كالجليد:
لا بإيدك. مين قال بعينك.

استدارَ إلى ميرال، التي كانت ترتجفُ كالورقةِ تحت عاصفةِ الشتاء، وسألها بنبرةٍ هادئة:
الراجل دا فيه حاجة تربطك بيه؟

أجابت بصوتٍ متهدِّج، بالكادِ يُسمع:
لا.

أشارَ إلياس إلى الورقةِ مرَّةً أخرى، صوتهِ باتَ أكثرُ حدَّة:
امضي.

ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى أرسلان. الذي استدارَ إلى الرجالِ الذين اقتحموا الغرفة: -أنتوا جايين تهدِّدوا ظابط مخابرات، وواقفين مع الخاين، الراجل بيخون البلد، شركة الأمن اللي شغَّالين فيها لازم تاخد موقف ضدُّكم، غير طبعًا الخيانة. نظرَ الرجالُ لبعضهم بخوف، وارتباك، ولكن صوتَ راجح سيطرَ على توترهم: -كذاب متسمعوش كلامه، لحظةً وأخرجَ أرسلان الكارت الخاص به: -أنا ممكن أقبض عليكو دلوقتي، معايا كلِّ الصلاحيات. تراجعَ الرجالُ باعتذار: -إحنا آسفين ياباشا.

خطا أرسلان خلفهم ليغلقَ باب الغرفة، وجذبَ المقعدَ وجلسَ بجوارِ البابِ وعلى وجههِ ابتسامة انتصار: -عايز أتفرَّج بمزاج.
التفتَ راجح إلى إلياس: -مش همشي غير ببنتي، إنتَ اللي تاخد أمَّك والواد اللي هناك دا وتمشوا.

لكن إلياس لم يحتمل أكثر، انقضَّ على راجح بقبضةٍ صلبةٍ كالصخر، سدَّدَ له لكمةً جعلتهُ يترنَّح.

ارتفعَ بكاءُ ميرال ليملأ المكان، وكأنَّ قلبها الصغير يصرخُ طلباً للرحمة، حتى اقتحمَ جاسر الغرفة بصوتٍ كالمطرقة:
إيه اللي بيحصل هنا؟

تراجعَ راجح بخطواتٍ متعثِّرة، يحاولُ أن يستعيدَ رباطةَ جأشه، لكنَّهُ فشل.
جلسَ إلياس بهدوءٍ على مقعدٍ قريب، وجههِ صارَ قناعًا من البرود، قالَ وهو يرفعَ الحجابَ على خصلاتِ ميرال المتناثرة:
زي ما شوفت، جايب بلطجية وعايز يهجم علينا.

التفتَ إلى جاسر، وأكملَ ببرودٍ مليءٍ بالسخرية:
اتجنِّن لمَّا عرف إنِّنا اشترينا أسهم الشركة، وجاي بيقول: هاخد البنت اللي بقالكم سنين بتربُّوها، مش انتوا عاملين ظباط، هاخدها وأنا بطلَّع لكم لساني. عايز أشوف القانون هيعمل إيه.

ضحكَ أرسلان بصوتٍ مرتفع، وغمزَ لإلياس قائلاً:
الله يخرب بيتك، هوَّ إنتَ اللي جرجرته لهنا؟

ردَّ إلياس بثقةٍ دون أن يلتفت:
أومال.

ثمَّ أشارَ إلى جاسر قائلاً بحزم:
البلاغ يا حضرةِ الظابط؛ الراجل دا جاي يخطف مراتي وبيستهزئ بمهنتي.

حاولَ راجح أن يدافعَ عن نفسه:
دي بنتي.

قاطعهُ أرسلان بابتسامةٍ مستفزة:
أثبت.
تقدَّمَ جاسر خطوةً بينهما، وقالَ بصرامة: إحنا هنلعب؟ دلوقتي فيه شهود وتسجيلات إنَّك جاي تخطف مرات حضرةِ الظابط؛ والراجل اللي مسكناه فوق كان عايز يخطف الطفل اللي في الحضانة. والرجالة اللي سلمت نفسها لأمن المستشفى، دول ايه، اكمل جاسر وهو يشير إليه
-إنتَ مختَّل عقلي.

توقَّفَ جاسر، وسحبَ أنفاسهِ بهدوء، ثمَّ نظرَ نحو راجح بعينينِ تعكسانِ صراعًا عنيفًا، حاولَ التمسُّكَ بهدوئه، وبين امتعاضهِ من ذاك عديمِ الأخلاق الذي يريدُ أن يختطفَ الطفل، رفعَ عينيهِ و قال بصوتٍ خفيضٍ لكنَّهُ مشحونًا بالحدِّة: لو سمحت، تمشي من غير شوشرة، إحنا في مستشفى، الناس هنا مش ناقصة دراما.

رفعَ عينيهِ بتأنٍّ نحو إلياس، محاولًا الحفاظَ على رباطةِ جأشه:
ياريت يا إلياس باشا تيجي علشان التحقيقات، الوضع محتاج توضيح.

أومأ إلياس بصمتٍ ثقيل، لكن قبلَ أن يتحرَّك، اقتربَ أرسلان بخطواتٍ واثقةٍ، بدا وكأنَّهُ يحاولُ السيطرةَ على كلِّ ذرَّةٍ من غضبه، لكنَّهُ أشارَ نحو إلياس وهو يقول:
خليك مع مراتك، أنا هتصرَّف هنا.

لكن عيني إلياس لم تفارق راجح، فكانت نظراتهِ كالسيف، ثمَّ اقتربَ منهُ أكثر، وهمسَ بصوتٍ خفيض، يقطرُ سمًّا:
بعد إذنك يا جاسر باشا، هقول للمتَّهم حاجة.

تراجعَ جاسر قليلاً، مشدوهًا بما يحدثُ أمامه، بينما اقتربَ إلياس من راجح وتمتمَ بنبرةٍ تنزفُ مرارةً وكبرياءً مجروحًا:
كنت عرضت عليك عرض، وإنتَ رفضته، دلوقتي بقى اللعب على المكشوف.

لم يتراجع راجح، بل رسمَ ابتسامةً ساخرةً على وجهه، وأردفَ بنبرةٍ مستفزة:
هنشوف ياابنِ، السيوفي.

قالها و أدارَ وجههِ ببطءٍ نحو رانيا، وأشارَ إليها متمتمًا بثقة:
ارجعي على البيت، وأنا شوية وهحصلِّك.

تحرَّكَ الشرطي نحوهِ ليقيِّدهُ بالأصفادِ الحديدية، لكنَّ إلياس صاحَ فجأةً بصوتٍ يكسرُ صلابةَ المكان:
ابعد يا بني، راجح باشا هيروح معاك من غير كلبشات.
ثمَّ نظرَ إلى جاسر بعينينٍ امتلأتا بالتناقض، وقال بصوتٍ خافتٍ لكنَّهُ مشحونٌ بالعاطفة:
آسف يا جاسر باشا، الباشا دا بيكون عمِّي، فرجاءً منِّي احترامًا لوالدي، مش أكتر.

عقدَ جاسر حاجبيه، وبينما كان يحاولُ فهمَ كلماتِ إلياس، قطعَ أرسلان هذا التوتُّرَ بصوتٍ جافٍّ كالصخر:
هنتحرَّك ولَّا نقعد نحكي على أطلال كوارث راجح الشافعي؟
ثمَّ رمقَ إلياس بنظرةٍ باردةٍ كأنَّها تحذيرًا أخيرًا وقال بنبرةٍ مشبعةٍ بالقسوة:
دا مش عم، تمام؟ مش عايز أسمع الكلمة دي تاني.

ارتدى نظَّارتهِ بخفَّة، وتحرَّكَ للخارجِ بخطواتٍ تخفي تحتها عاصفةً من الغضبِ والخيبة. توقفت أمامه رانيا
-عملت اللي قولت عليه، وجبته، ممكن بقى تجيب الفيديو لو سمحت.

أشار إليها بتكبر: -لحظة ومش عايز اشوف وشك الزبالة دا قدامي. قالها ثم دلفَ إلى الغرفة، يشعرُ أنَّ هناكَ مايخنقه، كان يريدُ أن ينهي حوارَ زوجته، دفعَ البابَ ودلفَ للداخلِ وجدها تبكي كأنَّ دموعها محاولةً يائسةً لإطفاءِ حريقِ ألمها، صوتُ نحيبها كان كالسكاكين، يقطعُ كلَّ ذرَّةٍ من قلبه، طالعها بأسى وهي بين أحضانِ فريدة، التي لم تجد سوى الصمتِ لمحاولةِ تهدئتها...

توقَّفَ إلياس عند البابِ للحظة، أغمضَ عينيهِ محاولاً كبحَ غضبٍ يشعلُ صدرهِ كبركانٍ على وشكِ الانفجار، ثمَّ تقدَّمَ نحوها بخطواتٍ ثقيلة، وكلَّ خطوةٍ تحملُ وزناً لا يُحتمل.

جلسَ بجانبها، يعدل وضعية نومها، مدَّ يدهِ ببطءٍ نحو يدها المرتجفة، ثمَّ همسَ بصوتٍ بالكادِ خرج من بين شفتيه، حائرًا بين الرجاءِ والألم:
اطمِّني، أنا هنا، مش هسيبك أبدًا.
لكنَّها لم ترفع عينيها نحوه، كانت غارقةً في حزنها، وكأنَّ الكلماتَ لم تعد تعني شيئًا، أغلقَ عينيهِ مرَّةً أخرى، محاولًا أن يجدَ القوةَ في ضعفها وحزنها.

توقَّفت فريدة تراقبُ غرام بعينينِ تحملانِ القلقَ والحنان، وهمست بصوتٍ يشوبهُ الارتباك:
حبيبتي، تعالي انت وغادة ننزل نشرب قهوة تحت، لحدِّ ما أرسلان يرجع.
أومأت غرام بخفوت، تبحثُ عن مهربٍ من هذهِ الأجواءِ الثقيلة، ثمَّ تحرَّكت بخطواتها البطيئة نحو الخارج. أمَّا هو فقد استدارَ نحو ميرال، التي مازالت تبكي في صمتٍ أشبهَ بصراخٍ مكتوم.

اقتربَ منها ونظراتهِ تحملُ مزيجًا من الحزنِ والغضبِ المكبوت، ثمَّ قالَ بنبرةٍ حاولَ أن تبدو هادئة لكنَّهُ فشل:
ممكن أعرف بتعيَّطي ليه دلوقتي؟ الراجل دا يلزمك،
انفجرت حروفُ صوتها وكأنَّها شظايا من قلبٍ محطَّم:
ليه؟!

-كانت الكلمةُ أشبه بعاصفة، نطقتها بحزنٍ قاتل، وأغمضت عينيها بقوَّةٍ تحاولُ حبس َالألمِ في داخلها، لكن صوتَ راجح لم يرحمها، يتردَّدُ في أذنيها كجرسِ موت: رايح تقولُّه اتجوِّزتني متعة؟ هتفضل لحدِّ إمتى كده؟ لحدِّ إمتى هدوس عليَّا علشان غرورك وكبرياءك؟

رفعت رأسها إليه، ونظرتها تحملُ خليطًا بين الوجع والحزن، تستجديهِ أن ينفي ما قالهُ راجح. همست بصوتٍ مثقلٍ بالبكاء:
قولتها ولَّا لأ يا إلياس؟ قولت لراجح؟ دبحتني، دبحتني للمرَّة اللي مبقتشِ عارفة عددها!

تراجعَ إلياس خطوتينِ للخلف، وكلماتها التي أصابته في مقتل، أدارَ وجههِ بعيدًا عنها، لكنَّهُ لم يستطع الهروبَ من نظراتها التي اخترقتهُ كالسيف، بكت بحرقةٍ وهي تمرِّرُ أصابعها المرتجفةِ على وجهها، محاولةً كبحَ دموعها بلا جدوى.
-ميرال أنا قولتها علشان أحرقه زي ماحرقنا.

هزَّت رأسها تتمنَّى أن يسحبَ اللهَ روحها حتى تنتهى من هذا العذاب، ردَّدَ اسمها مقتربًا منها، رفعت عينيها التي تتلألأُ جواهرها ثمَّ نطقت بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحسرة:
قولتها، علشان تحرقه، صح؟ بس الحقيقة، إنتَ حرقتني أنا. أنا الوحيدة اللي بتحرق ياإلياس، أنا وبس.
صوتهِ خرجَ متحشرجًا وهو يحاولُ التبريرَ لكنَّهُ لا يملكُ شيئًا يقوله:
ميرال، إنتِ مش فاهمة،.

لكنَّها لا تريدُ أن تسمع، أغلقت أبوابَ قلبها أمام كلماته، فيكفي ماتشعرُ به.

-ميرو حبيبتي، إنتِ واثقة فيا. قالها وهو يجلسُ بجوارها يحتضنُ كفَّيها بين راحتيه، رفرفت أهدابها بثقلِ عبراتها وتمتمت بلسانٍ ثقيل: -مكنتش بثق في حدِّ غيرك، ولا عايزة حدِّ غيرك. دنا برأسهِ لمستوى جسدها: - ولا مسموح لك تثقي في غيري. لمعت عيناها بدموعها: -أثق، بعد إيه ياإلياس، بعد مابعتلي واحدة بتساومني على ابني، بتقولِّي سوري أنا أولى من الغريب.

صمتٌ مميتٌ بالغرفة، ونظراتُ الذهولِ تجلَّت بملامحه، متسائلًا عمَّا نطقته: -أنا مش فاهم حاجة، قاطعَ حديثهِ دخولُ الطبيبة، كأنَّها نسمةٌ باردةٌ تخترقُ نيرانَ كلماتها التي ألقتها، اقتربت الطبيبةُ و ابتسمت قائلةً بنبرةٍ مفعمةٍ بالطمأنينة:
حمدَ الله على السلامة.
ردَّت ميرال بصوتٍ مكتومْ يكادُ يختفي بين بكائها:
الله يسلِّمك.

دقَّقت الطبيبةُ النظرَ نحوها بتساؤل:
إنتِ بتعيَّطي علشان تعبانة؟ ما تعيَّطيش، علشان كدة مش كويس. إنتِ لسه والدة، جسمك محتاج الراحة.
نقلت بصرها نحو إلياس الذي تحرَّكَ في زاويةِ الغرفة، صامتًا كتمثال، ثمَّ أردفت بابتسامةٍ مرحة:
وبعدين، فيه حدِّ يبقى متجوِّز راجل بيخاف عليه كده ويعيَّط؟ دا كان هيتجنِّن عليكي.

أغمضت عينيها، في محاولةٍ للهروبِ من كلماتِ الطبيبةِ التي أشعلت نيرانَ صدرها، تفحَّصت جرحها بحرص، ثمَّ تابعت بجدية:
لازم تتحرَّكي شوية. لو مشيتي كام خطوة هنطَّمن إنِّ كلِّ حاجة تمام.
أومأت ميرال بصمت، ثمَّ استدارت الطبيبةُ نحو إلياس:
هبعت الممرضة تساعدها، الحركة أهمِّ علاج.
-دكتورة ابني كويس، تساءلت بها بقلبٍ ينتفض.
التفتت إليها بابتسامةٍ مطمئنِّة:.

ابنك زي الفل، محتاج بس شوية وقت في الحضَّانة. حمدَ الله على سلامتك.
غادرت الطبيبة، تاركةً خلفها قلوبًا تئنُّ من الحزن.

كسرَ إلياس الصمت، محاولًا السيطرةَ على زمامِ الأمور:
هترجعي الفيلا. مينفعشِ تقعدي لوحدك.
رفعت ميرال رأسها ببطء، ونظراتها التي امتزجت بالحزنِ و التعب، وردَّت بصوتٍ منكسرٍ لكنَّهُ حاسم: مش هسيب بيتي يا إلياس. ولَّا إنتَ رجعت في كلامك؟

ميرال، مينفعشِ تقعدي لوحدك، ابنك في مكان وأنا في مكان، وإنتِ محتاجة حدّ جنبك.
هزَّت رأسها بالنفي، والدموعُ تتدفُّقُ بلا توقُّف: الفيلا؟ الفيلا اللي طردتني منها مفيش حاجة بتربطني بيها، ولا حتى إنتَ.

سقطت كلماتها كصفعةٍ مدوية، تركتهُ في صمتٍ مهيب، بينما هي أمالت رأسها، تحاولُ إخفاءَ انكسارها، لأنَّها تعلمُ أنَّها بدونهِ لا تعرفُ للحياةِ معنى.

دلفت الممرضةُ بابتسامةٍ هادئة:
حمدَ الله على السلامة، الدكتور قالت أساعدك تتحرَّكي شوية، جاهزة؟

أومأت برأسها بصمت، تُخفي عينيها بعيدًا عن إلياس، وكأنَّها تخشى أن تلتقي بنظراته، اقتربت الممرضة بحذر، محاولةً مساعدتها للنهوض، لكن بمجرَّد أن حاولت الحركة، خرجت منها صرخةُ ألمٍ مكتومة. توقَّفَ الزمنُ للحظة، حتى انتفضَ واقفًا كمن لسعتهُ النار، يهدرُ بصوتٍ عالٍ مشحونٍ بالخوف:
بتعملي إيه؟ مش شايفاها تعبانة؟ اطلعي برَّة فورًا.

تراجعت الممرضةُ بتوتر، تحاولُ الدفاعَ عن نفسها:
بس يا فندم،.

قلت برَّة.

قالها بصوتٍ حادٍّ، ثمَّ اقتربَ إليها، وكلَّ شيءٍ فيه اختلف، انحنى أمامها، جاثيًا على ركبتيهِ كمن يحاولُ الوصولَ إلى أعماقِ ألمها، وأردفَ بنبرةٍ هادئة، وبنظراتٍ مليئةٍ برعبٍ لم يعرفهُ من قبل:
حاسة بإيه؟ تعبانة؟ أجيب الدكتورة؟

عجزت عن الإجابةِ وهي ترى في نظراتهِ اللهفة والخوف، ولكن ألمها كان أكبرُ من الكلمات، استندت برأسها على كتفه، وكأنَّها تبحثُ عن ملاذٍ، عن مهربٍ من العاصفةِ التي اجتاحت جسدها وروحها، عاصفةُ ارتباطِ روحها بروحه، فهمست بصوتٍ بالكادِ يُسمع:
تعبانة، مش قادرة أتحرَّك...
انحنى ليحاوطها بين ذراعيهِ بحذر، وكأنَّها زجاجٌ قابلًا للكسر، احتواها بقوَّة وبحنانٍ وخوفٍ لا يمكن وصفهما، لما لا وهي أثمنُ ما يملكُ.

حاولت تحريكُ قدميها، لكنَّ الألم أوقفها، بكت تهزُّ رأسها بعجزٍ ورفض:
لا، مش قادرة، عايزة أنام، لو سمحت يا إلياس، سبني أنام.

توقَّفت خطواته، لكنَّ قلبهِ لم يتوقَّف عن النبضِ بعنف، نظرَ إليها وكلماتها التي أحرقت كلَّ ما بداخله. اقتربَ أكثر، يضمُّها إلى صدره، وكأنّّهُ يحاولُ أن يُغرقَ ألمها في أعماقِ روحه:
- متخافيش أنا معاكي مش هسيبك.

حاوطت خصرهِ كالطفلةِ التائهةِ التي وجدت أخيرًا أمانها، أغمضَ عينيهِ متلذِّذًا بتلك اللحظة، فلقد حُرمَ من جنةِ أحضانها منذ أكثرَ من شهرينِ حتى أصبحت حياتهِ باردةً ومظلمة، ولكنَّهُ تحمَّلَ تلك الحياة ليشعرها بالراحة، ولا يعلمَ أن بعدهِ ماهو سوى ألمٍ يمزُّقها، تراجع يجذبها ويخطو بجوارها بهدوء شهقت بصوتٍ متعب، تحاولُ أن تتحدَّث:
هقع،.

ابتسمَ ابتسامةً باهتة، ومسحَ دموعها المتساقطةَ دون وعي، وهمسَ بصوتٍ دافئٍ يغلِّفهُ الحنان:
إنتِ في حضني، تفتكري ممكن أسيبك توقعي؟ دفنت رأسها بصدره تضغط على آلامها.

أبعدَ رأسها برفق، ليتعمَّقَ في ملامحها التي رسمَ الألمُ، نظرَ إليها نظرةً أخبرتها بكلِّ شيءٍ كان عاجزًا عن قولهِ منذ البداية، ثمَّ همسَ بصوتٍ مليءٍ بالحب:
عايزك تقعي، بس في حضني، لأنِّك مهما تعملي مفيش غيره.

شعرت بقلبها يترنَّحُ بين كلماتهِ ونظراته، لم تستطع أن ترفضَ دفءَ كلماته، ولا حنانَ احضانه، تمنت أن يتوقف الزمن هنا فاستسلمت لوجودهِ الذي كان يطغى على كلِّ شيء، وكأنَّها وجدت في قلبهِ الأمان الذي افتقدتهُ منذ ابتعاده.

ثقُلَ جسدها وأوشكت قدماها على الاستسلام، فارتجفَ جسدها وهي تهمسُ بخفوتٍ يكادُ يُسمع:
رجَّعني على السرير لو سمحت.

لمعت عيناهُ بقلقٍ ينهشُ داخله، فحاصرَ جسدها بذراعيه، ونطقَ بصوتٍ محمَّلًا بخليطٍ من القلقِ والغضب:
ميرال، لازم تتحرَّكي، سمعتي كلام الدكتورة.

شهقت وهي تحاولُ التقاطَ أنفاسها:
رجَّعني على السرير، بقولَّك.

قالتها بنبرةٍ حادَّةٍ كادت تُفقدها ما تبقَّى من اتزانها، أمسكها بإحكامٍ بيديهِ التي كانت كالحصنِ المنيع ليردف:
امشي خطوة كمان، وبطَّلي دلع، لو ما تحرَّكتيش هسيبك توقعي، متفكريش هتصعبي عليّ.

أطبقت عينيها بقوَّة، هي تعلمُ أنَّهُ يفعلها. جرَّت قدميها بصعوبة، وشهقةُ ألمٍ اخترقت شفتيها أشعرتها بالعجز، ولكن ذراعيهِ كانت تدعمها رغم جمودِ وجهه، الذي باتَ أشبهُ بجدارٍ صلدٍ لا يكشفُ شيئًا.

خطت بثقلِ جسدها بين ذراعيه، وهي تحاولُ سحبَ قدميها خطوةً بخطوة، لكنَّها كانت تشعرُ وكأنَّ جبلًا ينهارُ عليها، بسببِ قوَّةِ الألم، خطت مرَّةً أخرى، رغم أنفاسها المتقطِّعة، والألمُ الذي يشتعلُ في أطرافها، لم يكن أمامها خيارًا سوى الانصياعِ له، بينما عينيهِ تراقبها بإهتمام ليحزن على.

وجهها الشاحبَ الذي كان أشبهُ بلوحةٍ مكسورة، وعيناها الجريحتانِ تغرقانِ في بحرٍ من الألم، وشفتيها ترتجفانِ بلا صوت. شعرت بجسدهِ يحاصرها، كدرعٍ يخفي خوفهِ عليها تحت ملامحَ صارمة. رفعت عينيها لتقابلَ عينيهِ القلقةِ رغم برودها، تحرَّكت خطوةً بعد خطوة، إلى أن وصلت أخيرًا. لتتنفَّس بعمق، تستجدي هدوءًا مؤقتًا. ساعدها بالجلوسِ على السرير، ثمَّ قال بحزم:
اقعدي، وبلاش تنامي دلوقتي.

طالعتهُ بنظراتها المتألِّمة، وتمتمت برجاءٍ يذيبُ الحجر:
عايزة أشوف الولد، خليهم يجيبوه، لو سمحت.

نطقت بها من بين شفتيها كرجاءٍ مستميت، وعيناها تتفحَّصه، جلسَ بجانبها وضمَّها إلى صدره، لكنَّها شعرت حضنهِ كصخرةٍ باردة، بدا غريبًا على ملامحه الذي يحاول أن يرسمها: حاضر، هتشوفيه، بس لازم تتحرَّكي شوية كمان، علشان نقدر نروح له مع بعض.

رفعت رأسها، والدموعُ تتساقطُ بغزارة:
يعني إيه؟! مش عارف تجيبه؟ لازم أنا اللي أروح له؟

رفعَ ذقنها برفق، وعيناهُ تبحرُ في وجهها الشاحب، ونبرتهِ التي جاءت هادئة، عكسَ ملامحهِ الباردة:
ميرال، الولد مش ممكن يخرج من الحضَّانة. محطوط على جهاز تنفُّس، وأنا لسه ما شفتوش، فوقي ونطلع نشوفه مع بعض.

شهقت بألم، وأردفت بنبرةٍ مكسورة:
من إمبارح، لحدِّ دلوقتي؟ للدرجة دي مش فارق معاك إنَّك ما شفتهوش؟!

لمعت عيناهُ بشيءٍ من السخرية، كأنَّ كلماتها أصابتهُ في مقتل. صرفَ بصرهِ عنها ليهربَ من اتِّهامها.

لا، كنت عايز أطَّمن عليكِ الأول، تفتكري هيفرق معايا قدِّك يا مدام ميرال؟

نزلت دموعها، وراحت تلكمهُ بضعفٍ على صدره: إنتَ بتعمل معايا كده ليه؟! عايز تجنِّني؟ لمَّا إنتَ كده، بتموِّتني ليه؟! حرام عليك، والله حرام.

جذبها بقوَّةٍ يضمُّها كمن يخشى أن تنهارَ بين يديه:
اهدى طيب، بلاش نعاتب بعض دلوقتي. قالها محاولًا السيطرةَ على أعصابه، لكنَّهُا جرت نفسها بعيدًا متألمة فلقدَ نفذ صبرهِا واحترقَت من الداخل، اقتربَ منها كأنَّما يحاولُ أن يمحو المسافةَ التي خلقتها كلماتها لإحراقه، مرر أنامله على وجنتيها، إلى أن توقف على شفتيها هامسًا بنبرةٍ متعبة:.

مبقتشِ عارف أتعامل معاكي إزاي، أنا تعبت منِّك ومن اتهاماتك، بتتعاملي كأنِّي مش موجود في حياتك.

رفرفت أهدابها مبتعدةً عنه ببطء، تحاولُ رسمَ مسافةٍ بينهما، وأردفت بتقطُّعٍ ونبرةٍ متعبة:
دايمًا أنا الغلط، دايمًا أنا الغبية، أنا اللي بجي عليك وبجرحك، أنا، يا إلياس باشا ستِّ مفترية، وإنتَ الراجل الحنيِّن، صح؟

هزَّ رأسهِ بيأس، وزفرَ بتنهيدةٍ أحرقت جوفه، نهضَ من مكانهِ بعد أن عجزَ عن الردّ، ومالَ برأسهِ نحوها قائلًا:
هبعت لك ماما، خلِّيها تساعدك تتحرَّكي شوية، أنا عندي شغل.

صاحت بصوتٍ مختنقٍ وهي تراقبهُ يهمُّ بالخروج:
- مش هتطلع للولد؟

توقَّفَ واستدارَ نحوها بعينينِ مثقلتينِ بالألم، وتمتمَ بنبرةٍ تشبهُ التهديد:
قلت لك هنطلع مع بعض، لمَّا نطَّمن عليه هنيجي ناخده ونخرج إحنا التلاتة مع بعض على الفيلا، غير كده، ما تتكلميش.

تحدَّت نظرته، وتمتمت بسخريةٍ مشوبةٍ بالمرارة:
أنا مش هرجع الفيلا. إنتَ طردتني منها، نسيت ولَّا إيه؟
ومش بس كدا تسكت. لا تروح قدام راجل أهمِّ حاجة عنده يذلِّني وتقولُّه بتمتع، هستغرب ليه ماإنتَ قولتها قبل كدا. على العموم ياإلياس باشا، أنا مش هرجع معاك تاني، والحمدُ لله ظهر بسرعة اللي عايز يمتَّعك أكتر.

تراجعَ خطوةً إلى الوراء، زافرَ بحدَّة، ثمَّ أشارَ بيدهِ نحوها وهو يقولُ بصوتٍ جليدي:
- مش هردّ عليكي لأنِّك مالكيش رأي بعد رأيي، حضَّري نفسك، هخلَّص شغل وأرجع آخدك.
استدارَ إليها بنظراتٍ حملت وعيدًا وتهديدًا في آن:.

هتعقلي ونرجع بيتنا، نربِّي ابننا، هحطِّك في قلبي، لكن لو تعبتيني. الولد مش هيعيش برَّة بيت أبوه، ولا إنتِ هتعيشي لوحدك وإنتِ مراتي، قالها وخرجَ يغلقُ البابَ خلفهِ بقوَّة، شعرت وكأنَّ صوتهِ أشبهَ بصفعةٍ لقلبها الذي يتصارعُ بين الحبِّ، والخوفِ، والغضب.

بمنزلِ يزن:
كانت تجلسُ على الأريكة، شاردةَ البال بحديثِ كريم وحبِّهِ لها؛ ولكن انتفضت من مكانها عندما استمعت إلى طرقٍ عنيفِ على الباب، ضغطت على صدرها محاولةً تهدئةَ خفقانِ قلبها، و شعرت بالاستغرابِ من ذلك الطرقِ العنيف، فخطت مذعورةً بأنفاسٍ متوترة، ظنًّا أنَّ معاذ أصابهُ مكروه.

توجَّهت إلى البابِ بتردُّد، خطواتها بطيئةً ودقَّاتُ قلبها تضجُّ في أذنيها؛ وقفت أمام البابِ وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تزفرهُ بهدوء، توقَّفت تنظرُ إلى امرأتانِ بملامح غريبة، باردةً ومريبة. نطقت إحداهما بنبرةٍ حادَّةٍ متسائلة:
إنتِ إيمان؟

تراجعت قليلاً لكنَّها أومأت ببطء، وابتسمت بعفويةٍ محاولةً إخفاءَ ارتباكها، فتسألت ببراءة:
أيوة، مين حضرتكم؟

التفتت المرأة إلى رفيقتها، وقالت بنبرةٍ حادَّة: تعالي يا فوقية.

ثمَّ دفعتها بعنفٍ إلى الداخل، ليترنَّحَ جسدُ إيمان وتسقطَ على ركبتيها، ارتفعَ أنينًا خافتًا من حلقها وهي تلتفتُ حولها بذهول:
إنتو مين؟ عايزين إيه؟!

لم تُجبها أيٍّ منهما، فرفعت صوتها تصرخُ باسمِ اخيها، إلَّا أنَّ إحداهنَّ وضعت محرمةً على فمها لتستنشقَ رائحةً حادَّةً اخترقت أنفها وأثقلت رأسها، حاولت المقاومة، لكن أطرافها خانتها. عينيها ثقُلت بأهدابها لتغمضها، رغم محاولاتها التي بائت بالفشل، لتجذبَ الأخرى وشاحًا ووضعتهُ فوقها وحملتها لتهتفَ ساخرة:.

البنتِ دي مبتاكلشِ خالص، دي خفِّ الريشة. اتِّصلي بالواد يجي بالعربية قدام البيت، رفعت هاتفها قائلة:
الأمانة خلصت، جهِّز العربية.

ثم وضعت الهاتفَ في جيبها، وأشارت إلى رفيقتها:
غطِّيها بالحجاب دا كويس عشان محدش يلاحظ.
تحرَّكتا للخارجِ بوصولِ معاذ الذي ترجَّلَ من دراجتهِ. ينظرُ إلى السيداتِ بذعرٍ وهما يحملانِ إيمان التي ظهرت خصلاتها من تحتِ الوشاح، هرولَ يصرخُ بعدما تأكَّدَ أنَّها أخته:
إنتو مين؟ وأخدين أختي فين؟!

لكن استدارت إحداهنَّ إليهِ بوجهٍ خالٍ من الرحمةِ ودفعته بقوَّة. ارتطمَ رأسهِ بحافَّةِ الجدارِ الصلبِ لينهارَ جسدهِ الصغير على الأرض، لتسيلَ دمائهِ البريئةِ على جبينه، ممتزجًا بصمتٍ مخيفٍ كالذي فارقَ الحياة.

علي الجانبِ الآخرِ من الشارع، كانت مها تترجَّلُ من سيارةِ أجرة. توقَّفت فجأةً عندما رأت المشهدَ أمامها، توسَّعت عيناها بعدما وقعت على وجهِ ايمان الذي ظهرَ بعد سقوطِ الوشاحِ من فوقه، فخرجَ صوتها مخنوقًا بشهقة:
إيمان!

ركضت نحو السيارة، لكنَّها اختفت سريعًا، لتلفتَ نحو معاذ الذي سقطَ ملقىً على الأرضِ بلا حراكٍ كالذي فارقَ الحياة، انحنت إليهِ تتمتمُ بذعر:
معاذ! فوق، أرجوك!

هزَّتهُ بعنف، لكنَّها توقَّفت عندما شعرت بالدماءِ الساخنةُ تغمرُ يديها، اتَّسعت عيناها برعب، ودموعها انهمرت بغزارة. أمسكت هاتفها بيدٍ مرتعشةٍ وحاولت مهاتفةَ يزن، ورغم محاولاتِ الرنينِ المتواصلة، لكنَّهُ لم يُجب.

حاولت مرَّةً أخرى، وضغطت على زرِّ الاتصالِ بكريم، وهي بالكادِ تستطيعُ التحدُّث: كريم، ردّ أرجوك!

عند يزن في المعرض:
كان كريم يجلسُ بمقابلتهِ يتناولُ قهوته، استمعَ إلى رنينِ هاتفه، أخرجهُ ثمَّ نظرَ إلى يزن: -دي مها؟!
ابتسمَ ساخرًا ثمَّ أشارَ بيده: -فكَّك منها، أنا حظرتها من عندي أصلًا. رفعَ حاجبهِ وتحدَّثَ غامزًا: -إيه الغزالة غيرانة ولَّا إيه؟
رفعَ فنجانهِ وارتشفَ بعضهِ ينظرُ بشرود: -تفتكر اللي زي رحيل دي تنفعني ياكريم؟

-مش اسمها كدا يايزن، اسمها إنتَ عايزها، حاسس إنَّك هتقدر تكمِّل معاها، قاطعهم رنينُ هاتفهِ مرَّةً أخرى، فأشارَ إليه: -دي مصمِّمة، احتضنَ كوبهِ قائلًا: -ردِّ عليها، بص، أنا فكّّك منِّي، ولا كأنَّك شوفتني.
غمزَ بطرفِ عينهِ وانحنى له: -يا وحش ياخاطف قلوب البنات، أقطع دراعي من هنا لو مكنتشِ رحيل بتحبَّك.
ابتعدَ بنظرهِ عنهُ ورجفةٌ أصابت قلبهِ متمنيًّا حديثه.
-أيوة يامها، آسف بس مشغول.

علي الجانبِ الآخر: -يزن معاك ياكريم. غمزَ ليزن وأجابها: -ولا شوفته من كام يوم، بقولِّك يامها، نصيحة فكِّك منُّه، هوَّ. قاطعتهُ تصرخ: -اسمعني ياكريم فيه ناس هجموا على بيته وخطفوا إيمان وضربوا معاذ حاول توصلُّه.
هبَّ من مكانهِ منتفضًا: -إيمان مالها، إنتِ بتقولي إيه؟! جذبَ يزن الهاتف: -إيه اللي بيحصل يامها في إيه؟
-يزن بتِّصل بيك من زمان، فيه ستَّات خطفوا إيمان وضاربين معاذ، وراسه بتنزف.

ركضَ إلى درَّاجتهِ البخاريةِ وقادها بسرعةٍ جنونيةٍ ولم يستمع إلى حديثِ كريم الذي هرولَ خلفهِ بسيارته.
دقائقَ معدودةً ليصلَ إلى منزله، قفزَ من فوق درَّاجتهِ على الزحامِ بعد صراخِ مها والتفافِ الجمعِ حولها.

اقتربَ يزن، وعيناهُ تدورانِ بجنونٍ بحثًا عن أخته. عندما وقعت عيناهُ على معاذ الملقى على الأرض، كادَ قلبهِ يتوقف.

معاذ! معاذ!

ركعَ بجواره، يمسكُ بوجههِ الذي أخفتهُ الدماء، يهزُّهُ بعنفٍ محاولًا إيقاظه، نظرَ إلى مها التي كانت تبكي بلا توقُّف، وصرخَ فيها بنبرةٍ هزَّتها من الداخل:
فين إيمان؟! مين عمل كده؟!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة