قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والثلاثون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والثلاثون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والثلاثون

بمنزلِ آدم:
وصلَ إلى منزلهِ بعد الإدلاءِ بأقواله، دارَ زين كالجريح هادرًا بنبرة ممزوجة بالألم: -على آخرِ الزمنِ اتجرِّ في الأقسام بسبب حيوانة، وابني المتخلِّف، قاطعه آدم متألمًا: - بابا لو سمحت أنا مخنوق ومش متحمِّل كلمة.
-لا والله، احمد ربنا يادكتور، لولا وكيل النيابة المحترم، المتقِّي ربِّنا كان زمانه مشي ورا رجلِ الأعمال اللي بيشتري الناس بفلوسه.

وصلت إيلين على أصواتهم، رمقها بنظرةٍ تحملُ الكثيرَ من الآهاتِ ثمَّ تحرَّكَ إلى شقَّتهِ دون حديث، ربتت مريمُ على كتفها تهمسُ إليها: -اطلعي ورا جوزك حبيبتي. خطت إلى وقوفِ زين: -خالو ايه اللي حصل؟

مسحَ على وجههِ بعنف، كادَ أن يقتلعَ جلده، أشارَ أحمد إلى مريم: -مريم اعملي عصير ليمونادا لبابا، أومأت موافقةً وتحرَّكت للداخل، اقتربت إيلين إلى جلوسه: -خالو حضرتك مابتردش ليه؟ الستِّ دي بلَّغت على آدم ليه؟
حاوطَ رأسهِ عندما عجزَ عن الحديثِ
بينما أردفَ أحمد: -علشان رفض يرجَّعها، لفَّقتله تهمة أنُّه حاول يقتلها.

شهقةٌ أخرجتها من بين شفتيها متسائلةً بذعر: -وعملتوا إيه؟ جلسَ أحمد وقصَّ إليها ماصارَ قائلًا: -القضية كانت مع وكيل نيابة محترم، مصدقشِ كلامها، بعد ماعرف، ووقعها بالكلام، بس طبعًا أبوها مسكتشِ وحاول يردِّ كرامة بنته، وحاول الضغط بكلِّ طرقه، إدارة الجامعة طبعًا وقَّفت آدم عن العمل، لحدِّ ما التحقيقات تنتهي.
-إيه، قالتها بعيونٍ مصدومة، وقلبًا مفتَّتًا بالوجع.

قاطعهم دلوفُ سهام ومحمود، والد إيلين، بصوتٍ غاضبٍ يزلزلُ الأجواء:
إيه اللي بيحصل دا؟ إزاي ابنك يتجوِّز على بنتي يا زين؟ أنا أسافر كام شهر، أرجع ألاقي بنتي جوزها متجوِّز عليها؟! رمقَ إيلين بنظرةٍ يملؤها الغضب، وهدرَ بصوته:
لمِّي هدومك يا بتّ. أنا مستحيل أسيبك يوم واحد في البيت دا، ومتخافيش من حد أنا هقفلُهم كلُّهم، مش كنتِ عايزة تطلَّقي؟ هطلَّقك منُّه غصب عنه.

قاطعتهُ إيلين بصراخٍ مرتعش، اختلطت فيه القوَّةُ بالحزن:
ومين قال لحضرتك إنِّي عايزة أطلَّق؟! أنا بحبِّ جوزي ومش هطلَّق منه! وياريت تبعد عن حياتي يا بابا.

ثمَّ اقتربت بخطواتٍ ثابتةٍ تشيرُ إلى سهام، وهدرت بحدَّة:
إنتَ والستِّ دي مالكوش تدخَّلوا في حياتي.

ثمَّ التفتت بنظرةٍ قوَّيةٍ نحو زين، وكأنَّها تبحثُ عن ملاذٍ أخير:
خالو، البيت دا بيتي، وياريت تعرَّف أبويا كتَّر خيره إنُّه تعب وجه خايف عليَّ. قالتها بنبرةٍ حاولت أن تبدو قوية، ورغم ذلك لم تستطع إخفاءَ رعشةِ الحزنِ التي تسلَّلت إليها.

تحرَّكت نحو البابِ بخطوةٍ واثقة، ثمَّ استدارت ترمقَ سهام بنظرةٍ اخترقتها:
آسفة يا مدام سهام، جوزي تعبان ولازم أكون جنبه، البيت بيتك، وأكيد هتلاقي ضيافة محترمة، ما هو حضرتك في منزل زين الرفاعي.

قالتها بحسمٍ وارتقت السلَّمَ بخطواتٍ ثقيلةٍ كأنَّها تحملُ جبالاً فوق قلبها.

بشقَّتها، دلفت بخطواتٍ متردِّدة، تخشى أن توقظَ ألمًا جديدًا في قلبهِ المثقلِ بالهموم. وجدتهُ مستلقيًا على الفراش، يغلقُ عينيهِ وكأنَّهُ يهربُ، من صخبِ الحياةِ الذي أنهكه، تقدَّمت بهدوءٍ وجلست بجوارهِ على الفراش.

حدَّقت في ملامحهِ التي بدا عليها الإرهاق، وجبينهِ الذي ارتسمت عليهِ خطوطٌ من الوجع. شعرت بوخزةٍ في قلبها وهي ترى الرجلَ الذي أحبَّتهُ يتحمَّلُ كلَّ هذا العبءِ وحده. خلَّلت أناملها بين خصلاتِ شعرهِ برفق، محاولةً أن تمسحَ بأطرافِ أصابعها شيئًا من ألمه.

مالت نحوهِ، وقبَّلت جبينهِ قبلةً طويلة، وكأنَّها تقولُ له أنا هنا، ولن أترككَ وحدك رفرفَ أهدابهِ الثقيلة، وفتحَ عينيهِ قليلاً ليجدها تراقبهُ بنظرةٍ مشبعةٍ بالحبِّ والقلق، همسَ بصوتٍ خافت: إيلين محتاجة حاجة؟
اعتدلَ قليلًا، مستندًا على الوسائدِ خلفهِ لكنَّها اقتربت منه، تطالعهُ بعينينِ غمرها الحزن:
إيه اللي حصل؟ وليه كانوا بيحقَّقوا معاك من إمبارح؟

أغمض عينيه للحظات، ثم تمتم:
مفيش حاجة، عايز أرتاح، من إمبارح منمتش، عندي صُداع ومش حاسس بدماغي، لو مفيش حاجة مهمَّة، سبيني أنام.

شعرت بقلبها ينفطرُ وهي تراهُ بهذا الضعف، لم ترد عليه بل، ترددت للحظات ثم صعدت بجوارهِ على الفراش، وجلست تشيرُ إلى ساقيها بابتسامةٍ دافئة:
نام هنا، أعملَّك مساج، كلِّ الألم هيروح.

نظرَ إليها للحظاتٍ، ثمَّ تمدَّدَ برأسهِ فوق ساقيها، أغمضَ عينيهِ وارتسمت على وجههِ ابتسامةً باهتةً يشعر بلمسةُ أملٍ وسطَ ظلامه.

بدأت تحرِّكُ أناملها برفقٍ بين خصلاتِ شعره، وكأنَّها تعزفُ سيمفونيةٍ من الطمأنينة. كانت تنظرُ إليهِ بنظراتٍ تحملُ كلَّ ما لم تستطع الكلماتُ التعبيرَ عنه، قرَّبت وجهها من أذنه، وهمست بصوتٍ ناعم:
حاسس بإيه دلوقتي؟

فتحَ عينيهِ قليلاً، لتلتقي عيناهُ بعينيها القريبتينِ جدًا، تلاقت نظراتهما في صمتٍ ساحر، وكأنَّها تحملُ حديثًا طويلًا من الحبِّ الذي لا يحتاجُ إلى كلمات. رفعَ كفَّيها برفقٍ من على رأسه، وطبعَ قبلةً دافئةً على راحتيها.

شعرت برجفة تسري في جسدها، وارتفعت دقات قلبها، ليشعر بأنها تدق على باب قلبه ليجذبها أكثر إليه، . لم تستطع مقاومة تلك المشاعر الجياشة التي اجتاحتها، فمالت برأسها وطبعت قبلة رقيقة على جبينه.
رفع رأسه قليلاً، ليطبع قبلة طويلة على وجنتها، ثم سحبها نحوه لتجد نفسها في حضنه. احتضنها بقوة وكأنها الحصن الذي يحتمي به من كل شيء. همس في أذنها بصوتٍ مبحوح مليء بالحب:.

إيلين، عايزك كدا على طول تكوني الأمان اللي عايز أعيشه.

ابتسمت بخجلٍ ودفنت وجهها في صدره، تستمعُ إلى صوتِ دقَّاتِ قلبه، الذي بدا وكأنَّهُ يعزفُ لحناً خاصًّا بها. رفعَ وجهها برفقٍ بأنامله، ونظرَ في عينيها بعمقٍ، ثمَّ اقتربَ ليطبعَ قبلةً على شفتيها، قبلةً حملت كلَّ ما عجزَ عن قوله، قبلةً جعلتهما ينسجانِ معًا لحظةً من الحبِّ الخالص، بعيدةً عن كلِّ ما يشوبُ حياتهما.

لم يعد العالمُ موجودًا في تلك اللحظة. ليتحول العالم أجمع إلى عالمٌ لا يسكنهُ سوى قلبينِ ونبضًا بنبض عشقهما.

بالمشفى عند ميرال.

مساءَ اليوم، دخلَ إلياس غرفةَ المشفى بخطواتهِ الثقيلة، كالذي يحملُ على كتفيهِ جبالاً من الهموم، نظرَ إلى ميرال التي غفت بسلام، وورغم ملامحها الهادئةِ إلَّا أنَّ وجهها كان شاحبًا، وقفَ للحظة يتأمَّلها، وروحهِ تستنجدُ بها. التفتَ ببطءٍ إلى والدتهِ التي كانت تجلسُ بالقرب، وعيناها غارقتانِ في مصحفها، تطمئِنُ قلبها بكلماتِ الله، شعرت بوجودهِ فرفعت رأسها بابتسامةٍ مفعمةٍ بالحنان:.

حمدَ الله على السلامة يا حبيبي.
الله يسلِّمك.
اقتربَ بخطواتٍ هادئةٍ نحو ميرال وسبحَ بعينيهِ بتفاصيلها، ثمَّ سألَ والدتهِ بصوتٍ خافتٍ حملَ خوفًا خفيًّا:
هيَّ عاملة إيه دلوقتي؟ قالها ثمَّ
انحنى بحنانٍ وجمعَ خصلاتِ شعرها التي انسدلت على وجهها، نظرت والدتهِ إليهِ وربتت على كتفه، وخرجت كلماتها كبلسمٍ لقلقه: كويسة يا حبيبي، بس سألت عليك لمَّا اتأخَّرت.

أومأ متفهِّمًا، ثمَّ أجابها:
عدِّيت على القسمِ علشان أشوف عملوا إيه مع راجح.

صمتت للحظة، ثمَّ سحبت ذراعهِ بخفَّة، تقودهُ بعيدًا عن السريرِ وعيونها تحكي الكثيرَ من القلق، خفضت صوتها وسألت بلهجةٍ متوجِّسة:
إنتَ اللي جبته هنا، ياإلياس؟!
أخرجَ زفرةً حملت غليانَ صدره، ثمَّ هزَّ رأسهِ نافيًا بقوَّة:
لا، ياماما أنا عرفت بس إنُّه بيحاول يضغط عليَّا، ما توقعتش إنُّه هيجي لهنا. شكِّيت، وفعلاً كان ناوي يخطف يوسف، بجاحته دي؟ ما تخيلتهاش أبداً.

لمعت دموعها كاللآلئِ في ضوءِ الغرفةِ الخافت، وونطقت بنبرةٍ مرتجفةٍ ممزوجةٍ بالخوفٍ الذي ملأ قلبها:
إلياس، ابعد عن الراجل ده، أبوك بيقول إنُّه تبع منظمات إرهابية. إحنا مش قدُّه يا حبيبي، أنا السبب في كلِّ ده.

شعرَ بطعنةٍ حادة في قلبهِ من كلماتها، رفعَ رأسهِ بعنادٍ وتمتم:
ممكن ما نتكلمشِ في الموضوع ده؟ ملكيش دعوة.

انهمرت دموعها بغزارة، وطالعتهُ بنظراتٍ معاتبةٍ ثمَّ أردفت بنبرةٍ متألِّمةٍ وكأنَّها تصرخُ بكلِّ ما تحملهُ من مشاعرِ الأمومة:
يا بني، حرام عليك أنا قلبي مش هيستحمل، خلِّيني أفرح بوجودكم جنبي، أنا مش عايزة أخسرك إنتَ واخوك.

أغمضَ عينيهِ بقوَّة، يحاولُ إخمادَ الغليانِ الذي يحرقُ داخله، صوتها المتألِّمَ يُنهكُ روحه. فتح عينيهِ وهي تتمتمُ وصوتها يخرجُ متقطِّعًا بين شهقاتها:
اللي يخلِّيه يفتح بطنِ بنته وهيَّ حامل وكان عايز يقتلها، ممكن يعمل أيِّ حاجة فيكو، هوَّ قبلِ كدا هدِّدني بيكو.
تشبَّثت بذراعهِ وبيدينِ ترتجفانِ همهمت:
مش هحلف بحياتي عندك بس وحياة ابنك يا بني، فكَّر فيه متوجعشِ قلوبنا عليك وعلى ابنك.

لم يتحمَّل كلماتها التي كانت كالسياطِ على قلبه، رفعَ يديهِ وحاوطها بذراعيه، ليحتوي كلَّ ضعفها وخوفها. ضمَّها إليهِ بقوَّة ٍيحاولُ أن يطمئنها وهمسَ بحنانٍ مشوبٍ بالغضبِ المكبوت:
ماما، متقوليش كده، إيه مش أحلف بحياتي؟ مين قالِّك إنِّك مش غالية عندي؟ بلاش تضعفيني في الحتَّة دي، يامدام فريدة. إنتِ عارفة ومتأكدة ممكن أهدم الكون كلُّه علشانك، وعارفة إنِّي بخاف عليكي حتى من ِقبل ما أعرف إنِّك أمِّي.

رفعت رأسها تنظرُ إليهِ بعينينِ مليئتينِ بمزيجٍ من الحبِّ والرجاء، ثمَّ تمتمت بصوتٍ خافت:
عايزة أحضنك يا إلياس.

لم ينتظر حتى تُكملَ كلماتها، كانت مشاعرها كافيةً لتقتحمَ قلبهِ ليضمَّها إلى صدرهِ بحنانٍ يغلبهُ الألم، ارتفعَ بكاءها بين أحضانهِ وهي تهمسُ بصوتٍ مخنوق:
وحياة أغلى حاجة عندك، ما تحرم أمَّك من حضنك يا حبيبي.

ابتعدت قليلاً عنهُ تنظرُ إليه، عيناها غارقتانِ في دموعها تتوسلهُ: ابنك يا بني، فكَّر فيه هوَّ ومراتك. خلِّيك جنبهم.

ضمَّ وجهها بين يديه، وقبَّلَ جبينها بحنانٍ عميق:
علشان ابني ومراتي، الراجل ده لازم ينتهي يا ستِّ الكل، تمام كده؟

برضو يا إلياس،.

لم يمهلها لتكمل، استدارَ نحو ميرال وهو يقول:
صاحبيني بقى يا مدام فريدة ما صدَّقتي تاخدي عليَّا.

لكنَّهُ توقَّفَ عن الحديثِ فجأةً عندما لمحَ ميرال مستيقظة، ودموعها تسيلُ على وجنتيها بصمت، اندفعَ نحوها بخطواتٍ ملهوفة:
ميرال. بتعيطي ليه؟

ابتعدت بعينيها عنهُ كأنَّما تخفي مشاعرها المتضاربة.

انحنت فريدة بحنانِ أمٍّ تودُّ لو تقتلعَ الألمَ من قلبِ صغيرتها: حاسة بإيه يا حبيبة ماما؟
رفعت ميرال عينيها المبتلَّتينِ بالدموع، وردَّت بصوتٍ متحشرجٍ وأجابتها: مفيش يا ماما.
نظرَ إلياس إلى والدته، وقالَ بهدوءٍ يشوبهُ الأرق: روحي يا ماما، من إمبارح وإنتِ هنا، وأنا معاها، كلَّمت الدكتورة وقالت كام ساعة وهنرجع البيت.

ربتت والدتهِ على ذراعهِ بحنانِ الأمّ، تمتمت برفق: خلاص يا حبيبي، خلِّي بالك منها. أرسلان كلَّمني وقال هيعدِّي على البيت علشان غرام رجعت مع غادة.
أومأ دون كلام، بينما جمعت والدتهِ أشياءها بنظرةٍ أخيرةٍ لميرال، ثمَّ سألتها: محتاجة حاجة يا ميرو؟
هزَّت ميرال رأسها، بالكادِ خرجَ صوتها وهي تردُّ بخفوت: لا، سلِّمي على عمُّو.

طبعت قبلةً دافئةً على جبينها، وهمست لها بنبرةٍ حنونة: افرحي بابنك يا حبيبتي، وانسي أيِّ حاجة.
بعد فترةٍ من مغادرةِ فريدة، سادَ صمتٌ ثقيلٌ، قطعهُ إلياس بصوتٍ رخيم: إيه رأيك تتمشِّي شوية؟

رفعت ميرال رأسها ببطء، تطالعهُ بعينينٍ تائهتينِ وتمتمت بصوتٍ يحملُ بين طيَّاتهِ الرجاء: عايزة أشوف ابني. لو سمحت
اقتربَ منها إلياس، وتجوَّلت عيناهُ بالغرفة، ليلتقطَ وشاحًا ثقيلًا ووضعهُ على كتفيها بحذرٍ كما لو كانت قابلةً للكسر، همس: تعالي نطلع نشوفه، بس اتحرَّكي بحذر.

ابتسامةٌ ممزوجةٌ من التعبِ والامتنان، وأومأت برأسها، مدَّ يدهِ ليساعدها على الوقوف، وكأنَّما يحملُ معها ثقلَ خطواتها المتعثِّرة. لم تكد تخطو خطوتينِ حتى أطلقت تأوُّهةً خافتة، قبضت على كفِّهِ بألم، فانحنى إليها يهمسُ بصوتهِ المبحوح: أشيلك؟

رفعت عينيها إليه، لتلتقي نظراتهما، ورجفةٌ أصابت قلبها لتشعرَ برغبةٍ جياشةٍ أن تخترقَ أحضانه، حتى تُشبعَ روحها المهلكة، لكنَّها تراجعت بارتباكٍ وهي تتذكَّرُ الجراحَ التي تركها لها.

تحرَّكت بخطواتٍ بطيئة، يتخلَّلها ألمًا خافتًا، ثمَّ توقَّفت تلتقطُ أنفاسها المتقطِّعة. فجأةً، انحنى وحملها بين ذراعيه، كما لو كانت كنزًا يخشى عليه من الضياع.
إلياس. نزِّلني.
نظرت إليه بعينينِ متوسِّلتين، لكنَّهُ أجابها بصوتهِ الذي لايقبلُ الجدال:
عايزة تشوفي ابنك؟ يبقى لسانك جوا بوقِّك. بلاش أضطر أسكِّتك بطريقتي، وهموت وأعملها، على فكرة أنا مش قديس يا ميرا.
-إيه موضوع ميرا دا؟

-بعدين، أقولِّك عليه، بتسأليني وأنا شايلك ولسة والدة.
-أنا مطلبتش على فكرة. ابتسمَ ساخرًا وهو يدلفُ إلى المصعدِ قائلًا: -وأنا قولت مش عايز أسمع صوتك.

استسلمت بصمتٍ وهي تشعرُ بدفءِ صدرهِ فدفنت رأسها في صدره، وكأنَّها تريدُ أن تهرب َمنهُ داخلَ أحضانه. ابتسمت ساخرةً من نفسها على شعورها الذي وصفتهُ بالغباء.
وصلَ بها إلى الحضَّانة، وضعها برفقٍ على قدميها، لكنَّها شعرت وكأنَّها لا تزالُ تحملها ذراعاه لمحاوطتهِ لها بكلِّ ما يملك.
وزَّعت نظرها بين الأطفال، تشيرُ إلى زوجها: -أنهي فيهم ياإلياس؟ فين يوسف؟

رفعَ عينيهِ إلى ابنه، أشارَ إلى الزجاجِ حيث يرقدُ طفلهما. ارتجفَ قلبها وشهقت بقوَّة، كأنَّها لأوَّلِ مرَّةٍ ترى معنى الحياة.

اقتربت من الزجاج، وضعت كفَّها المرتجفَ عليه، تشعرُ أنَّها تلمسهُ رغم المسافة: ابني، يوسف، حبيبي، إمتى أضمَّك لحضني؟
اقتربَ إلياس منها، وحاصرَ جسدها بذراعهِ، وهمسَ بصوتٍ يحملُ وعدًا:
كلَّها أيام وهيكون في حضنك، شدِّي حيلك يا ميرا، وأقوي علشانه.
رفعت عينيها الممتلئتينِ بالدموعِ إليه، همست بشفتينِ مرتعشتين: أنتوا أغلى حاجة في حياتي يا إلياس، مستحيل أفرَّط فيكم، حتى لو فضلت أعاني العمر كلُّه.

شعرَ بكلماتها تتسلَّلُ إلى أعماقهِ كبلسم لجراحِ قلبه، ضمَّ وجهها بين كفَّيهِ وهمسَ بصوتٍ يحملُ العشقَ الدفين: وأنا مستعدّ أضحِّي بحياتي علشانكم يا ميرال...
ابتسامةٌ تحملُ الكثيرَ من الألم، ثمَّ وضعت رأسها على كتفه، ونطقت بصوتٍ ضعيف: أنا مش عايزة تضحِّي بحياتك، أنا عايزة أكون بعيدة شوية، ألملم جروحي اللي لسة بتنزف، خلِّي حبِّي ليك شفيع إنِّنا نبعد شوية.

قطبَ جبينهِ بشدَّة، ونظرَ إليها باستغراب:
ليه؟ ليه مصرَّة تعصَّبيني؟ دايماً تخلِّيني أخرج عن شعوري، وترجعي تقولي أنا مفتري!
احتضنت ذراعهِ بتوسُّل، وكأنَّها تخشى أن يبتعدَ عنها: إلياس علشان خاطري، متتعبش قلبي
خفضَ رأسهِ قريبًا منها، وتمتمَ بنبرةٍ جياشة: -بلاش نوجع بعض ياميرال، علشان كدا بنإذي بعض.

انسابت دموعها بغزارة، أزالها بأصابعهِ برفقٍ وقالَ بشيئ من حنان: بدل الدموع دي، فكَّري إزاي نرجع بإبننا، إزاي نكون سوا. مش نبعد.
هزَّت رأسها بضعف، وقالت بنبرةٍ محطَّمة: -أنا مجروحة وموجوعة وخايفة.
-تبقي غبية ومتخلِّفة، وأنا مش هفضل أدلَّع وأطبطب كتير.
-يبقى مبتحبنيش ياإلياس.
صمتَ للحظة، ثمَّ زفرَ بقوًَة، ونظرَ إلى طفلهما وقالَ بحدَّة خافتة:
شوفتي الولد؟ يلَّا ننزل. قلِّة الكلام معاكي أحسن.

عند يزن: تمَّ جحز معاذ بالمشفى، ظلَّ بجوارهِ لعدَّةِ ساعات، ثمَّ خرجَ من غرفةِ أخيهِ كمن يحملُ العالمَ فوق كتفيه، عيناهُ ممتلئتانِ بالقلق، وخطواتهِ متخبِّطةً يبحثُ عن أختهِ بتيه، وجدَ كريم يقفُ بالخارجِ فتوجَّهَ إليه بلهفةٍ تسبقُ كلماته:
إيه يا كريم، وصلت لحاجة؟

هزَّ كريم رأسهِ بحسرةٍ وأجابَ بنبرةٍ تشوبها الكسرة:
قدَّمت البلاغ، بس قالولي لازم يعدِّي أكتر من أربعة وعشرين ساعة عشان يتحرَّكوا.

انعقدَ حاجبا يزن بغضبٍ مكبوت، ثمَّ أدارَ وجههِ نحو غرفةِ أخيه بنظرةٍ مفعمةٍ بالأسى قبلَ أن يلتفتَ إلى كريم مجدَّدًا:
خلِّيك هنا وأنا هتصرَّف.
أمسكهُ كريم من ذراعهِ بقلقٍ وهو يسألهُ بجدِّية: هتروح فين؟
تردَّدَ يزن للحظةٍ قبل أن يتذكَّرَ راكان، فتوهَّجت عيناهُ ببصيصٍ من الأملِ وأجاب: فيه حدِّ كبير أعرفه، مش ممكن يسكت، هيعمل حاجة أكيد.

ربتَ كريم على كتفهِ مطمئنًّا رغم قلقهِ الواضح: طمِّني يا يزن، لولا معاذ مكنتش هستنَّى.
أومأ له يزن سريعًا وتحرَّكَ بخطواتٍ متسارعة، كأنَّ الأرضَ تشتعلُ تحت قدميه.

بعد وقتٍ قصير، وصلَ إلى مكتبِ راكان، عيناهُ تبحثانِ عنه كالغريقِ الذي يتشبَّثُ بقشة. سألَ عنه بتلهُّف، لكنَّهُ لم يكن موجودًا، أطلقَ زفرةً حارقةً وبدأ يتراجعُ بخطواتٍ ثقيلة، وكأنَّ الألمَ يمزِّقُ كلَّ خليةٍ في جسده.

وفي طريقهِ للخروج، لمحت عيناهُ وقوفَ جاسر مع أحدِ الأشخاص. خطا يزن نحوهِ كأنَّ القدرَ يهديهِ خيطًا أخيرًا للخلاص. حاولَ تجلية صوتهِ المبحوحِ من التوتر، ثمَّ قال: حضرتك، ممكن دقيقة؟

التفتَ إليه جاسر بعينينِ حادتين، متأمِّلًا وجههِ الذي يحكي مأساتهِ قبل أن ينطق.
فيه حاجة؟
قال يزن بصوتٍ متلعثمٍ لكنَّهُ مليئًا بالإصرار: أنا المهندس اللي حضرتك قابلتني من حوالي تلات شهور، الظابط إلياس السيوفي كان كلِّمك عنِّي.

حاولَ جاسر أن يسترجعَ ملامحهِ دون جدوى، لكنَّهُ أومأ له مشجعًا: طيب، محتاج إيه؟

قصَّ يزن عليه ماصار سريعًا، كأنَّ كلماتهِ تتسابقُ مع الوقت، وعيناهُ تبرقانِ بألمٍ لا يُخفى، دقائقَ فقط مرَّت، لكن وقعها على يزن كما لو كان يُعيد شريطَ عمرهِ كاملًا، وافقَ جاسر على مرافقتهِ للتحقِّقِ من الأمر. بعد قليلٍ وصلَ إلى منزله.

في الشارع، وقفَ جاسر يدقِّقُ في المكانِ بعينِ الخبير، ثمَّ سأل: فيه كاميرات هنا؟
هزَّ يزن رأسهِ بحسرةٍ وأجابَ بصوتٍ متقطِّع: حضرتك شايف المكان، ناس على قدِّ حالهم، الكاميرات رفاهية مش في حساباتهم.

أومأ جاسر بتفهُّم وهو يمسحُ المكانَ بنظراتٍ ثاقبة، فجأةً، وقعت عيناهُ على متجرٍ يبعدُ أمتارًا قليلة، فاندفعَ نحوهِ بخطواتٍ سريعة، وتبعهُ يزن بقلبٍ يكادُ ينفجر.
دخلَ جاسر إلى المتجر، وقال للشابِّ الواقفِ خلف الطاولةِ بابتسامةٍ مصطنعة: عندك سجاير يابني؟
أجابهُ الشابَّ الذي بدا في أوائلِ العشريناتِ من عمره، وهو ينظرُ إليه بريبة: أيوة، عايز نوع إيه؟

استندَ جاسر على طاولةِ المحلِّ وهو يتفحَّصُ المكانَ بعناية، لفتَ انتباههِ الكاميرا المعلَّقة، فأشارَ إليها قائلاً: الكاميرا دي شغالة؟
أومأ الشابُّ بالإيجاب، فقالَ جاسر بنبرةٍ جادَّةٍ ممزوجةٍ بابتسامةٍ واثقة: طيب، عايز أشوف تسجيلات كاميرا المحل من إمبارح، من الساعة خمسة المغرب لحدِّ الساعة تمانية.

ارتبكَ الشابُّ وأجابهُ بتوتر: ماينفعش. حضرتَك مين؟

اقتربَ جاسر منه بثقةٍ ممزوجةٍ بحدَّة، أمسكهُ من عنقهِ برفقٍ مُهدَّد، وقالَ بابتسامةٍ ماكرة: أنا اللي هيجاوبك عالسؤال ده بعد ما تفتحلي التسجيلات، يلَّا افتح الجهاز.
تردَّدَ الشابُ للحظة، لكنَّهُ في النهايةِ أُرغمَ على فتحِ الجهاز.

جلسَ يزن خارجَ المنزل، بكتفينِ مثقلينِ بالهمومِ ورأسهِ منكَّس من الألم. يشعرُ بتعبِ أنفاسه، وكأنَّ الهواءَ انسحبَ من حوله، كلَّ نفسٍ يختنقُ في صدره، شعرَ بيدِ مها تربتُ على كتفهِ بحنو، وتمتمت بصوتٍ هادئٍ تحاولُ تهدئته: هنلاقيها إن شاءالله، الظابط ده باين عليه شاطر. باين من طريقته، صدَّقني.

رفعَ يزن رأسهِ ببطء، عيناهُ مليئتانِ بحزنٍ غائرٍ وألمٍ لا يُخفى، وقالَ بصوتٍ مرتجف: ليه؟ ليه ما حدش منعهم؟ إزاي دخلوا الحيّ وخطفوها، إزاي أختي تتخطف من بيناتنا؟
عجزت مها عن الردِّ قبلَ أن تهمس: واللهِ ما فكَّرت في غير إنِّي ألحقها، ما لحقتش أستوعب اللي بيحصل، اتفاجأت زيك.

كلماتها كانت كسكينٍ حادٍّ يمزِّقُ صدره، اقتربت منه، وحاولت التخفيفَ عنهُ غير قادرةٍ على النظرِ في عينيه، أخرجَ زفرةً حارقةً يريدُ أن يحرقَ بها الكون، ورغم ذلك أومأ متفهِّمًا، قاطعهم اقترابَ راحيل بخطواتٍ متسارعة، وجهها يشعُّ قلقًا.
يزن! كريم قال لي حاجة غريبة؟ إيه اللي بيحصل؟

وقفت راحيل بجواره، ووزَّعت نظراتها بينهِ وبين مها التي تراجعت أكثر، وأردفت بصوتٍ خافت: أنا في بيتي، لو الظابط احتاجني قول لي.
هزَّ يزن رأسه، بالكادِ يستطيعُ الردَّ قبلَ أن يهمس: شكرًا يا مها.
غادرت مها بخطواتٍ بطيئة، رنَّ هاتفهِ فجأة، أمسكَ به بلهفةٍ ويداهُ ترتجفانِ وكأنَّهُ يتعلَّقُ بخيطِ نجاةٍ وسطَ بحرٍ هائج: أيوة. مين؟

جاءَ صوتُ الرجلِ من الجهةِ الأخرى، محمَّلاً بالتهديد: أختك عندنا بأمان دلوقتي، لكن الظابط اللي معاك مش هيوصل لحاجة. لو عايزها سليمة، ورقة طلاق مراتك تكون بالليل في إيديها. غير كده أختك هترجع، لكن مش زي ما هيَّ ولو البوليس عرف انساها، والصراحة هيَّ عجباني وعايزاك تنساها.

فُصلت المكالمة وهو يشعر وكأنَّ سكينًا اخترقَ صدره، ظلَّ يزن ممسكًا بالهاتفِ يحدِّقُ فيه بصمت، أنفاسهِ متقطِّعة، وكلماتهِ عالقةً في حنجرته.
اقتربَ جاسر منه، طالعهُ بحاجبينِ معقودينِ وهو يقولُ بحزم: العربية اللي شفناها في الكاميرات كانت من غير نمر، وكأنِّنا بندوَّر على إبرة في كوم قش. بس متخافش، إن شاء الله إدِّيني كام ساعة وهتصرَّف.

لكن يزن لم يردّ، وكأنَّهُ لم يستمع إليه. نظراتهِ فقط كانت على راحيل، وجودها أمامهِ يزيدُ من آلامه، وصوتُ الرجلِ ما زالَ يتردَّدُ في أذنه، يحرقُ كلَّ خليةٍ في جسده. ورقةِ الطلاق، أم أخته؟ صراعًا بين حياتهِ وحياةِ أخته، وبين قلبهِ وروحهِ التي تنهارُ مع كلِّ لحظةٍ تمر.

بمنزلِ اسحاق: جلسَ على جهازِ عملهِ الخاصِّ يواصلُ أعمالهِ باهتمام، قاطعهُ رنينَ هاتفه: -أيوة فيه إيه؟
-مفيش أثر ياباشا لمدام دينا للأسف، قلبنا عليها المكان مش موجودة.
-يعني إيه؟ مشغَّل شوية عيال، بكرة تكون قدَّامي، بدل ماأدفنكم كلُّكم.
بعد عدَّةِ ساعاتٍ جلسَ يلتقطُ سترتهِ وتحرَّكَ إلى منزلِ والدته، دقائقَ ودلفَ للداخلِ وجدها تجلسُ مع إحدى صديقاتها: -معقول إسحاق باشا عندي.

رمقَ صديقتها وأردفَ متهكِّمًا: -كفاية عليكي الجواري اللي عندك، نهضت صديقتها ترمقهُ بنظرةٍ حادَّة، ليهتف: -الباب على الشمال، أوعي توقعي بجزمتك اللي شبه صنارة السمك. في الآخر ممكن يكون ماضيكي زي مدام أحلام، أوعي تكونوا مدوبينهم خمسة وأربعين.
-إيه ياأحلام قلِّة ذوق ابنك دي.

-أووه امشي على بيتكو، بينادوا عليكي عندك غسيل وطبيخ، امسحي البوهية اللي بتدفعي عليهم فلوس العيل اللي إنتِ متجوِّزاه، وشوفي كرنبة وجهِّزي عشوة حلوة لجوزك يمكن عمره يطول ويفضل يحبِّك.
-إسحاق. صاحت بها أحلام.
التفتَ يرمقها ساخطًا: -إيه عايزة كرنبة؟ ولَّا شوية بط تربِّيه؟
-سوفاج. قالتها صديقتها وتحرَّكت مغادرةً المكان.

ارتفعت ضحكاتهِ وهو يجذبُ المقعدَ يجلسُ عليه، يقومُ بتقليدها: -سوفاااج. الله يرحم أبوكي، كان بيلبس البنطلون مقلوب.

-إنتَ ياحيوان إيه اللي بتعمله دا، هبَّ من مكانهِ واقتربَ منها بعيونٍ تطلقُ سهامًا حتى اختلَّ جسدها وهوت على المقعد تنظرُ إليه بخوف، وتمتمت بصوتٍ متقطِّع: -إسحاق أنا لسة بعاني من خنقك ليَّا، حاوطَ مقعدها وغرزَ عينيهِ بمقلتيها: -هموِّتك ياأحلام لو كنتي ورا موضوع دينا، هخدك كدا وأرميكي في البحر للسمك ياكلك، فاكرة أبويا ياأحلام، فاكرة عملتي فيه ايه؟

جحظت عيناها تهزُّ رأسها برعبٍ وتمتمت: -إنتَ فهمت غلط، إحنا كنا أطلَّقنا خلاص، رفعَ كفَّيهِ وحاوطَ عنقها يجذبُ ذلك العقدِ الذي يزيِّنُ عنقها، وأردفَ بهسيس.

-شايفة الرقبة الحلوة دي، هلفِّ عليها المشنقة، زمان سكت علشان وعدت أبويا، وعلشان فاروق وبس، دلوقتي مفيش حاجة هتمنعني، ولو فاروق وقف قدامي صدَّقيني هرميه معاكي في البحر، قطعتي الخيط الرفيع، ولولا مكانة الأم اللي ربِّنا حثِّنا عليها واللهِ كنت دفنتك من زمان، لأنِّك متستهليش تكوني أم. فلوسك كلَّها اتحوِّلت باسمِ أرسلان، كلِّ شهر تروحي تبوسي على إيده وتطلبي منُّه مصروفك.

قالها واعتدلَ مرتديا نظَّارتهِ وخطا بعض الخطوات، ثمَّ التفتَ يشيرُ إليها بالعقدِ الذي جذبهُ من عنقها قائلًا: -دا ههاديه لمرات أرسلان، هقولَّها هدية منِّك، ياله موتي بحسرتك، أنا مسافر يومين هتقرَّبي منهم اعرفي إنِّك بتكتبي شهادة وفاتك، وحياة رحمة أبويا لو جيتي جنب أرسلان لأموِّتك بإيدي، أكيد عارفة ابنك.

بفيلا السيوفي وخاصَّةً على طاولةِ الطعام. كان الجميعُ يتناولونَ طعامَ الغداء، في جوٍّ من المرحِ الذي أضافهُ أرسلان وهو يقصُّ لهم ماصار إلى راجح، نظرَ إلى فريدة قائلًا: -عارفة ياماما نسيت أسأله، بيقولوا إيه في الأدان. لكزتهُ غرام تشيرُ إلى طعامه، غمزَ بعينيهِ: -مالك ياروحي، بتعاكسيني قدَّامهم
عيب.

-لا بقولَّك كل، بقالك ساعة بتتكلِّم ومأكلتش والأكل برد.
ضيَّقَ عينيهِ متسائلًا: -يعني أنا رغاي. هزَّت رأسها قائلة: -لا ياحبيبي أنا اللي رغاية.

ضحكت غادة بخفَّة تبتعدُ بنظراتها عنهما، فوقعت عيناهُ عليها متذكِّرًا أوَّلَ مرَّةٍ يراها: -عارفة إنِّك شبه مراتي، بريئة جدًا.
قاطعتهُ فريدة: -الطيبونَ للطيباتِ حبيبي، مراتك بنت حلال ربِّنا يباركلك فيها...
ابتسمَ بحبٍّ ينظرُ إلى غرام يهزُّ رأسهِ متمتمًا: -ماما صفية كمان قالت كدا، تورَّدت وجنتيها خجلًا لتبتعدَ بنظراتها عنهما، فضحكَ بصوتٍ مرتفع: -شوفتي اتكسفت أهي.

-ربنا يخلِّيها لك حبيبي. حاوطَ جسدها قائلًا: -دي غرامي ياأمِّي، مش مراتي بس.
مطَّ إسلام شفتيه قائلًا: -مفيش غرام ليَّا أنا كمان، ألقاهُ بشريحةِ خيار: -لا ياحبيبي دوَّر بعيد عنِّي. ارتفعت الضحكاتُ بينهما، بينما فريدة التي وقعَ بصرها على مقعدِ زوجها وإلياس وميرال، لتهمسَ بخفوت، ورغم أنَّ الصوتَ خافتًا إلَّا أنَّ أرسلان استمعَ إليهِ وهي تمتم: -يارب يكمِّل فرحتنا بالغايبين.

ربتَ على كفَّيها وابتسمت عيناها: -هيرجعوا بالسلامة إن شاءالله. قاطعهُ رنينَ هاتفه: -أيوة ياملاكي، عند ملك، ابتعدت عن صفية تهمسُ له: -ارسلان مجتش ليه؟ ماما قاعدة في الحديقة منتظراكم.
حمحمَ معتذرًا وعيناهُ على فريدة، ثمَّ أجابها: -حبيبتي هعدِّي عليكم، إحنا كدا كدا هنبات عندكم النهاردة. استمعَ إلى صراخها المبهج: -احلف. ابتسمَ بحنانٍ أخوي قائلًا: -وحياة ملاكي عندي، خلِّيهم يجهزوا أوضتنا كدا حلو؟

-أحسن أخ دا ولَّا إيه. أنهى مكالمتهُ ينظرُ إلى فريدة بأسى: -عارف كنت واعدك هنبات النهاردة هنا، بس بابا مشفتوش من إمبارح، وعدِّيت على دكتوره، قالِّي علاجه إنِّي أحسِّسه باهتمامي، بابا تعبان خايف أبعد عنُّه.
ربتت على ظهرهِ بمحبةٍ قائلة: -لا ياحبيبي روح له، هوَّ مهما كان باباك، وله حق عليك، وفاروق بيحبَّك أوي يابني، وربِّنا بيحبِّني أكتر.

رفعَ كفَّيها وطبعَ قبلةً فوقهما: -ربِّنا يخلِّيكي ليَّا ياستِّ الكل، نظرَ إلى غادة: -قهوتي أستاذة غادة. نهضت مبتسمة: -عيوني، توقَّفت غرام متحرِّكةً خلفها: -هروح أعملها لك معاها، أوقفتهم فريدة: -الشغالة هتعملها حبيبتي. هزَّت غرام رأسها بالرفضِ قائلة: -لا ياماما. آسفة لحضرتك بس قهوة أرسلان أنا اللي بعملها.
غمزَ بطرفِ عينهِ وأردفَ مشاكسًا: -أصلها بتحطِّ لي جرعة مخدِّر ياماما.

طالعتهُ فريدة بشهقة: -إنتَ بتقول إيه؟! هزَّت رأسها تضحكُ عليهِ فسحبت نفسها وتحرَّكت خلفَ غادة. التفتَ ضاحكًا ثمَّ أردف: -مالك يامدام فريدة على رأي ابنك التقيل. مخدِّر حب وعشق يافريدة مش اللي في دماغك، طلعتي حما إنتي كمان.

بعد عدةِ أيامٍ والوضعُ كما هو، راجح الذي حُبسَ خمسةً عشرً يومًا احتياطيًا على ذمَّةِ القضية، خرجَ من السجنِ متَّجهًا إلى النيابةِ العامةِ لاستكمالِ التحقيقات، توقَّفت رانيا أمامهِ بعد تهديدهِ الواضحِ لها: -عملتي إيه؟

ارتجفَ جسدها وهي تطلَّعُ إليه: -مابلاش ياراجح، إنتَ كدا هتفتح نار جهنَّم علينا، نظرَ إلى الشرطي، ثمَّ قبضَ على ذراعيها: -هفضحك متنسيش إنتِ دلوقتي تحت ضرسي، هتروحي تنفِّذي كلِّ اللي قولته، أنا لازم أنهيهم قبلِ ماينهوني.

-تمام، هكلِّمه وهوَّ هيتصرَّف، رفعَ كفَّيهِ على وجهها وأردفَ شامتًا: -برافو عليكي يارانيا، ووعد أرَّجع لك بنتك، ومتخافيش البنتِ مش هتعمل حاجة، مهما كان إنتِ أمَّها، أه هتقرف منِّك شوية، بس هترجع وتعترف بينا، ووقتها نعرف نستغلَّها كويس.
جذبهُ الشرطي بعدما استمعَ إلى صوتِ الرجلِ بدخولهِ إلى وكيلِ النيابة.

دلفَ إلى الداخلِ وجدَ إلياس جالسًا بعجرفتهِ كعادته، توقَّفَ بعدما أشارَ راكان إلى الكاتبِ أن يفتتحَ القضية كعادته، ثمَّ رفعَِ وجهه إلى راجح متسائلًا عن التهم المنسوبة إليه.

لا ياباشا همَّا اللي خطفوا بنتي، وهدُّدوني، وقالوا لي لو حاولت تقرَّب منها هنسجنك، ماهم رتب، وأنا أكتر واحد عارف أصحاب الرتب بتعمل إيه.
وزَّعَ نظراتهِ بينهما ثم أشارَ للكاتب
-اكتب يابني:
بناءً على اختصاصِ النيابة العامة، نطلب من السيدة ميرال جمال الدين الحضور إلى مقرِّ النيابة العامة.

اكتب اليوم والتاريخ في تمامُ الساعة. اكتب الوقت، وذلك للإدلاءِ بشهادتها في القضية، اكتب رقمِ القضية، ويرجى الالتزام بالموعدِ المحدَّد، ونحيطكم علمًا بأنَّ عدم الحضور قد يعرِّضها للمساءلةِ القانونية.
قاطعهُ راجح قائلًا: -مروة راجح الشافعي ياراكان باشا، مش ميرال زي مابيدُّعوا.
قالها وهو يغرزُ عينيهِ بأعينِ إلياس الصامت.

-إنتَ مااخدتش وقتك، يبقى ماتتكلمشِ غير لمَّا أذن لك. قالها راكان بحدِّة. أومأً برأسهِ ورسمَ الطاعةِ قائلًا: -تحتِ أمرِ معاليك، بس قبل ماتحكم وأنا طمعان في عدلِ معاليك، تجيب البنت لوحدها من غير ما حضرةِ الظابط يقرَّب منها، أصله هيهدِّدها، وهي هتشهد، هتقولَّك قد إيه الراجل دا ظالم ومفتري وبيتبلَّى علينا.
-خلَّصت كلام. خده ياعسكري.

رمقَ راجح إلياس ساخرًا، وتحرَّكَ دون حديث، ممَّا جعلَ الشكَّ يتسلَّلُ إلى قلبهِ بأنَّهُ فعلَ شيئًا، عكسَ مخطَّطه.

قطعَ شرودهِ راكان: -الراجل دا بينك وبينه حاجة غير محاولته ابتزازك، وخطف ابنك؟
هزَّ رأسهِ بالنفي، ثمَّ نهضَ يغلقُ حلَّتهِ قائلًا: -لو مفيش حاجة تانية تسمح لي أمشي؟

تراجعَ راكان بجسدهِ وعيناهُ تخترقُ إلياس ثمَّ أردف: -بس هو بيتكلِّم بثقة، وأنا آسف، لازم مدام ميرال تشهد، إنتَ عارف طبعًا شهادتها هتفرق، ياأمَّا يثبت زي ماقال إنَّها بنته ودي طبعًا مش هيكون فيها قضية، أما لو شهدت. القضية هتتطوَّر وممكن كمان يكون حبس، دا خطف وتهديد بالقتل.

-أنا قولت الِّلي عندي ياراكان باشا، معنديش كلام تاني. قالها واستدارَ للمغادرة ليوقفهُ راكان: -لو كان فيه ضغط على المدام إنتَ هتتأثَّر ياإلياس، خلِّي بالك من النقطة دي. طالعهُ بنظرةٍ واثقة: -المدام في بيتها ياراكان باشا، وأكيد هتعرف لو حاولت. اتِّصل بيها، مش أنا اللي أستخدم مراتي في حسابات شخصية، وزي ما قولت لحضرتك الأمر كلُّه بسبب أسهم الشركة، قالها ثمَّ ارتدى نظارتهِ وتحرَّكَ مغادرًا المكان.

بعد يومين بمنزلِ ميرال. وضعت الخادمةُ أمام فريدة عصيرها، نظرت إليها فريدة: -وبعد هالك، أصرِّيتي ترجعي على بيتك، رغم محاولته ركبتي دماغك، يابنتي مينفعشِ اللي بتعمليه، ابنك بكرة يخرج من الحضَّانة، مش هينفع تربِّيه لوحدك.
ترقرقت عيناها بالدموعِ وأردفت: -ماما فريدة، سبيني براحتي لو سمحتي، لازم أبعد شوية، احترموا قراري لو سمحتي، مش هوَّ قال لو مرجعتش عنده حياتنا انتهت، اعتبريها انتهت.

-بتغلطي يابنتِ فريدة، وكدا هتزهَّقي جوزك منِّك، أوعي تفكَّري هيبكي عليكي.
لمعت عيناها بالمرارة، وأردفت بنبرةٍ مكسورة: -خلاص ياماما أنا رسمت حياتي، وهوَّ كمان لازم يبعد عنِّي ويرسم حياته، مش هياخد منِّي غير الألم والوجع، مركزه حسَّاس وأنا متأكدة إنِّ راجح مش هيرحمه، وشوفتي بعينك
استمعت فريدة إلى رنينِ هاتفها.
-أيوة حبيبي.

-ماما أنا هتأخَّر شوية، هعدِّي على يوسف كمان، قولي للمدام متخرجشِ برَّة النهاردة، معرفشِ راجح ناوي على إيه.
-هوَّ مش محبوس ياحبيبي؟
زفرَ بغضبٍ ثمَّ أردف: -شكله بيحضَّر لمصيبة، هيَّ مطلوبة تشهد بكرة في النيابة، المهمِّ ماتخرجشِ من البيت، جذبت الهاتفَ من فريدة وهدرت به: -أنا هنزل أشوف ابني ياإلياس، قولت لك الراجل دا خلِّيني منِّي له، أنا مش هفضل محبوسة، سمعتني؟

-طيب يبقى إعمليها وأنا أقسم بالله أحرمك من ابنك، واحدة متخلِّفة. قالها وأغلقَ الهاتف.
ثارت جيوشُ غضبها تنظرُ إلى فريدة بحزن: -شوفتي بيقول إيه. سحبت نفسًا ودفعتهُ متوقِّفة: -أنا هروح أطمِّن على يوسف، وبلاش إنتِ النهاردة بس، لمَّا نشوف راجح ناوي على إيه.

بعد فترةٍ من مغادرةِ فريدة، أمسكت هاتفها بعد تفكيرٍ دامَ لدقائق: إنتَ فين؟!
نهضَ معتذرًا: نعم ياآخرة صبري، أيكونشِ خلعتي جوزك وأعجبتي بيَّا، ماأنا حلو برضو.
-ظريف، تعالَ ليَّ فورًا، علشان أخوك مش ناوي يجبها البر.
-ما أنا قولت لك ياأمِّ يوسف، أنا أحسن منُّه، على العموم لو هتجهِّزي عشا رومانسي هجيلك، غير كدا ماأعرفكيش.
-أرسلان لازم تيجي لي فورًا، وبطَّل تريقة، في مصيبة.

ابتسمَ ساخرًا: -هوَّ أنا من يوم ماعرفتكوا شوفت حاجة غير المصايب، الحمدُ لله، ماغيرتش اسمي، أنا عند أهلي، انسوني ياعيلة هم.
سبَّتهُ تصرخ به: -عشر دقايق وتكون عندي، جاتك نيلة وإنتَ رغاي. قالتها وأغلقت الهاتف.
نظرَ إلى الهاتفِ المغلقِ بشهقة، يشيرُ إلى غرام: -شوفتي البتِّ قفلت في وشي.
ارتفعت ضحكاتها تهزُّ رأسها: -تستاهل، ماإنتَ استفزِّتها.

-لا ياحنينة، دي تربية ابنِ السيوفي، يارب أشوف فيه يوم، هوَّ والسحلية مراته.

بعد وقتٍ قصيرٍ من انتظارِ وصولِ أرسلان، دلفت الخادمةُ إلى غرفتها بصوتٍ متردِّد:
مدام، الظرف دا جالك.

تناولت الظرفَ بيدٍ مرتجفة، فتحتهُ ببطءٍ كأنَّها تخشى ما ستجدهُ داخله؛ ارتفع نبض قلبه بعنفٍ وهي تخرجُ منه أسطوانةً وبعضَ الأوراق. تراجعت بخطوةٍ للخلفِ وهمست لنفسها:
أسطوانة؟، بتاعة إيه دي؟!

بدأت تقرأُ الأوراق، وعيناها تتسعانِ برعبٍ مع كلِّ كلمة، فجأة، شهقت بقوَّةٍ وسقطت الأوراقَ من يدها، بينما ارتجفَ جسدها، هرعت إلى جهازِ الكمبيوتر بيدينِ ترتعشان، فتحتهُ بسرعةٍ وهي تشعرُ وكأنَّ الهواءَ أصبحَ ثقيلاً في صدرها، وعندما ظهر ما بداخلِ الأسطوانةِ على الشاشة، تجمَّدت في مكانها. انفلتت دمعةٌ من عينيها، ثم تبعتها دموعًا أخرى، تشعر قلبها ينفجرُ من الداخل.

في تلك اللحظة، قطعَ رنينُ الهاتفِ البكاء القاتل. مدَّت يدها بتردُّدٍ وهي بالكادِ تلتقطُ أنفاسها، وردَّت بصوتٍ مبحوح:
ألو؟

جاءها صوتًا عميقًا وهادئًا، لكنَّهُ يحملُ تهديدًا مبطَّنًا:
أكيد عارفة هتعملي إيه.

وقبل أن تنطقَ بكلمة، أغلقَ المتَّصلَ الخطّ، تاركًا صوتَ الصمتِ يلفُّ المكانَ من جديد. تجمَّدت لثوانٍ، ثمَّ سقطت على ركبتيها بعجز، تنظرُ حولها كمن يبحثُ عن مخرجٍ من كابوس.
فجأةً، جذبت هاتفها وأصابعها ترتجف:
أرسلان، إنتَ فين؟

أجابها متحدِّثًا بنبرةٍ مازحةٍ رغم قلقهِ الواضح:
إيه يا بنتي، أوعي يكون وحشتك كده.

لكنَّ صوتهِ المرح تبدَّدَ عندما استمع الى صوت بكاؤها توقَّفَ للحظة، ثمَّ وضعَ يدهِ في جيبهِ حينما رنَّ هاتفه. رفع إصبعه ِمعتذرًا وقال:
لحظة، هردّ على إلياس!

فتحَ الخطَّ بصوتٍ جاد:
-أيوة، يا بني، إنتَ فين؟

جاءهُ صوتُ إلياس متعبًا لكن حازمًا:
أنا في المستشفى، ماتخفش، بابا معايا، خلي بالك من ماما وميرال.

قطبَ أرسلان جبينهِ بقلق وقال:
- إيه؟ لأ، أنا جايلك حالًا.

ردَّ عليهِ إلياس بصرامة:
اسمعني، متتعبنيش. ماما رجعت مع غادة لبيت ميرال، خلِّي بالك منهم، وأنا الصبح هكون عندك، جرح بسيط مش مستاهل تقلق.

تردَّدَ أرسلان للحظة، وهو ينظر إلى غرام وشعرَ بالعجزِ يجتاحهُ وقال بصوتٍ مبحوح:
-إلياس، في إيه؟

لكن إلياس قاطعهُ بنبرةٍ حادَّة:
خلاص، هقفل دلوقتي.

أغلقَ إلياس الهاتف، وبدا أرسلان والقلق ينهش صدره، التفتَ إلى غرام التي كانت تقفُ بجانبهِ تراقبُ ملامحهِ القلقة، وسألتهُ بارتباك:
أرسلان، مالك؟ في إيه؟

تجاهلَ سؤالها، وتحرَّكَ بخطواتٍ متوترةٍ نحو منزلِ ميرال، لكنَّهُ توقَّفَ عندما وصلت سيارةُ فريدة. خرجت من السيارةِ بخطواتٍ مسرعةٍ واتَّجهت إليه، عيناها تمتلئانِ بالرعب:
-أرسلان، أخوك ماله؟ إيه اللي حصل؟

أمسكَّ بيدها وسحبها إلى الداخلِ وهو يقول:
معرفش! اتَّصل وقالِّي إنُّه في المستشفى، حتى مقاليش أنهي مستشفى.

شهقت ميرال التي كانت خلفه، تطالعه بعينين زائغتينِ تنطقان عن خوفٍ دفين:
-أنا كنت عارفة، كنت عارفة إنُّهم مش هيسكتوا!

اقتربت غرام منها، واحتضنتها بقوَّة، وصوتها يفيضُ بالمؤازة:
حبيبتي، اهدي ما ينفعشِ كده.

انهارت ميرال بين ذراعيها، وبدأت تبكي بشهقاتٍ متقطِّعة:
خلِّيه يبعد عنِّي يا ماما، واللهِ راجح مش هيسيبنا في حالنا. هوَّ عايز ورقة طلاقي علشان يرتاح، خلِّيه يطلَّقني، مش هوَّ اللي قال وقت ما أطلب الطلاق هيطلَّقني؟ ليه رجع في كلامه؟

ربتت غرام على ظهرها، ومسحت دموعها وهي تقولُ بحنان:
لأنُّه بيحبِّك يا بنتي، متمسِّك بيكي لأنُّه بيحبِّك.

رفعت ميرال رأسها، وعيناها غارقتانِ بالدموع، وقالت بصوتٍ مخنوق:
وأنا بعشقه، واللهِ بعشقه. بس مستقبله أهم، هو قالها لي بنفسه مش هريَّح ابنِ السيوفي طول ما أنا على ذمِّته.

ثمَّ أمسكت بكفَّي والدتها بقوَّة، وقبَّلتهما وهي تتوسَّل:
لو بتحبِّيني زي ما بتقولي، خلِّيه يطلَّقني، أنا كفاية عليَّا يوسف، واللهِ ما هتجوِّز تاني لو عايز تعهُّد بكده هعمله. دول ناس مجرمين، أنا عرفت حقيقتهم. وهو كمان عارفهم.

نظرت غرام إليها بصدمة، وهمست بصوتٍ يملؤهُ الخوف:
إنتِ قصدك إيه يا ميرال؟
هزت رأسها وارتفعت شهقاتها متحركة إلى الأعلى. شعر ارسلان أن هناك خطب ما مرعب، هناك ماتخفيه قد يؤدي إلى الهلاك. أشار إلى الأعلى
-اوضتها فين، ثم أشار إلى غرام
-اطلعي وأنا جاي وراكي لازم اتكلم معاها، اتجه بنظره الى فريدة
-ماما إلياس كويس، أكيد بيخطط لحاجة، بس ايه معرفش، هطلع لميرال ونازل على طول.

صعد بعض درجات السلم توقف على رنين هاتفه، ليتوقف مجيبًا: -أيوة ياعمو، على الجانب الآخر
-حبيبي أنا في المطار، هستناك بكرة متتأخرش، هقفل الفون خلي بالك
-عملت ايه في موضوع مكتب إلياس ياعمو، سحب نفسًا عميقًا ثم زفره قائلًا: -للأسف متقلب ياارسلان، أنا ادخلت شخصيًا، وفيه حد بيحاول يلم الموضوع. ضرب بقبضته على الدرج
-ياولاد الكلب. قاطعه إسحاق.

-متقلقش، أنا هلم الموضوع، نخلص بس العملية، متنساش دي مهمة جدًا جدًا.
-تمام ياعمو، ربنا يسهل.

في اليومِ التالي:
دلفت ميرال إلى غرفةِ وكيلِ النيابة. بخطوات متثاقلة، لكنَّها محمَّلةٌ بثقلِ القرارِ الذي اتّّخذته. في الداخلِ كان راكان يكتبُ ملاحظاتهِ بدقَّةٍ قبلَ أن يرفعَ عينيهِ نحوها ويسألها بنبرةٍ جادَّة:
إيه رأيك في اللي قاله المتَّهم راجح الشافعي؟

قبلَ أن تجيب، فُتحَ الباب فجأة، ودخلَ أحدُ المسؤولينَ قائلاً بصوتِ متردِّد:
إلياس باشا برَّة، وعايز يدخل لحضرتك.

رفع راكان حاجبه بدهشةٍ كمن لا يصدق ما يسمعه، ثم أشار بيده قائلاً بصوتٍ يحمل غضباً مكبوتاً:
ازاي يعني يدخل؟ عايز يحضر التحقيقات!

توقف راجح مبتسمًا وكأن يملك العالم بأسره، لم يُظهر أي توتر، بل نظر ميرال نظرة مشبعة بالسخرية، وأردف بنبرة مليئة بالاستخفاف:
أو يمكن يهددها، مش كده يا مروة؟

اخترقت كلماته صدرها كالنصل الذي استقر في صدرها، لكن قاطعه راكان بعاصفة من الصرامة وهو يهتف بصوتٍ هادرًا:
هو أنا سمحت لك بالكلام؟ مسمعش صوتك!

ثم أشار بيده إلى الحارس بجانب الباب وأمره دون تردد:
دخله!

انفتح الباب ببطء ودخل إلياس بخطوات واثقة، ألقى التحية ثم تحدث بصوتٍ مبحوح يحمل آثار الأيام الماضية: آسف يا باشا قطعت كلام معاليك، بس مراتي لسه والدة من أسبوعين وخفت عليها.

تراجع راكان بجسده في كرسيه قليلًا كأنه يزن الكلمات، ثم رفع حاجبه بحدة وقال بثقة لم تهتز:
وأنا هتعبها يعني يا حضرة الظابط؟

ثم أدار رأسه نحو ميرال، التي كانت جالسة وكأنها تحارب عاصفة بداخلها، وهمس وكأنه يطمئنها:
سؤالين وبس، مراتك مش متهمة علشان تخاف عليها.

أومأ له إلياس بامتنان، وقال بخفوتٍ يحمل داخله شعوراً بالاستسلام:
شكرًا لمعاليك. أنا هفضل بعيد، واعذرني على تدخلي.

ضحك راكان بسخرية قائلاً بتهكمٍ واضح:
طيب لو رفضت يا إلياس يا سيوفي؟ هتفضل برضو؟

رفع إلياس رأسه بثبات وابتسم ابتسامة هادئة أخفت خلفها غضبه، ثم قال بصوت ثابتٍ لكنه مثقل:
لا طبعًا. إحنا رجال قانون ومش هنكون فوق سلطته يا راكان باشا. ولا يهمك، أنا بره، ومراتي هنا في أمانتك.

استدار بخطوات بطيئة نحو الباب، لكنه توقف فجأة حينما استمع الى صوت راكان:
اقعد واستنى مراتك، وده مش بعمله مع حد، بس علشان ظروف مراتك.

استدار إلياس ببطء، وجهه يعكس تناقضات كثيرة بين الامتنان والقلق و رسم ابتسامة واهنة وقال بهدوء لا يخلو من الاحترام:
-شكرًا لمعاليك. أنا كنت داخل بإرادتي، وحضرتك خرجتني بإرادتك. بالتالي، مينفعش أكسر إرادة حضرتك أو قوانين معاليك، أنا بره.

وجه نظره إلى ميرال، التي كانت تجلس بلا حراك، كأنما تحاول السيطرة على أنفاسها المتلاحقة، وتمتم بصوتٍ بالكاد يُسمع:
انا بره مستنيكي.

تجمّدت ميرال في مكانها للحظة، كلمات إلياس التي ألقتها وسط محيط متلاطم، لكنها لم تستطع أن تتمسك بها، جاءها صوت راكان كالصاعقة يقطع شرودها:
-راجح الشافعي بيقول إنك بنته، وإنهم خاطفينك. ومش بس كده، جوزك بيهددك علشان تعيشي معاه.

صمت قاتل للحظات، نظرت ميرال إلى راجح، الذي بدا وكأنه يستمتع بكل لحظة برعبها، ثم تذكرت إلياس وطفلها، مزيج من الصور والأصوات تضرب عقلها وقلبها، إلى أن شعرت كأن أنفاسها تُنتزع من رئتيها، حاولت التحدث، لكن الكلمات عاندتها. فجأة، قاطع الصمت صوت راكان بالسؤال مرة أخرى.

رفعت ميرال رأسها ببطء، عيناها تحتجزان بالدموع التي أبت أن تسقط، وقالت بصوتٍ متحشرج يحمل كل الألم الذي كانت تخفيه:
- من يوم ما فتحت عيني وأنا معرفش غير إني ميرال جمال الدين.

أومأ راكان برأسه مشجعًا لها أن تكمل. لكن ميرال التفتت فجأة نحو راجح، الذي بدا وكأنه يفترس ضعفها بعينيه. عادت بنظرها إلى راكان، وصوتها يرتجف بشدة وهي تحاول السيطرة على انهيار وشيك:
أنا فعلًا مش ميرال جمال الدين،.

ضحكة راجح العالية قطعت الجو كصفعة على وجه ميرال، ارتفعت ضحكاته كالذي فاز بانتصار ساحق، ثم قال بنبرة مشبعة بالازدراء:
وظهر الحق! مش قولتلك يا باشا؟ خطفوها وهددوها.

نظرت إليه وهي تشعر بنفسها كالجمرة المشتعلة، صرخت بصوتٍ عالٍ ملأ الغرفة:
آه، مش ميرال جمال الدين، بس أنا كمان مش مروة اللي المجنون ده بيقول عليها!

تقدمت بخطواتٍ متسارعة نحو راجح، كأنها تستمد قوتها من كل الألم الذي شعرت به، صرخت مجددًا بصوتٍ مختنق بالألم والغضب:
أنا ميرال وبس!

وفجأة انقضت عليه كمن فقد عقله، أظافرها تغرز في وجهه بلا رحمة. صرخت بصوتٍ يكاد يشق الغرفة نصفين:
أنا مستحيل أكون بنتك! مستحيل! أموت ولا أكون بنت واحد مجرم زيك!

حاول راكان التدخل سريعًا، لكنه وجد نفسه أمام عاصفة لا تهدأ. صرخ بها بقوة وهو يمسك بيدها بعنف ليبعدها عنه:
مدام ميرال!

لكنها لم تتوقف، كأنها تطلق كل ما كان يحرق روحها لسنوات. بكاؤها بدأ يعلو، وأخيرًا انهارت بين يدي راكان، جسدها يتهاوى كأنه لم يعد يحتمل، ليشير إلى رجله
-نادي على جوزها.

دلف إلياس إلى المكتب في لحظة واحدة، كطفل مذعور يبحث عن أمانه. وقف للحظة يشاهد زوجته، قلبه يتمزق وهو يرى شبحها المنهك بين ذراعي راكان. خطى نحوها بسرعة، ضمها بحذر بين ذراعيه، وهمس لها بصوتٍ عاجز: ميرال أهدي.

لكنها لم تستجب. لتدفعه بقوة تصرخ كالمجنونة
- ابعدو عني، انا مش عايزة حد فيكم، انا ميرال وبس، ارحموني. قالتها لتسقط بين يديه كورقة خريف سحبتها الرياح إلى المستنقعات لتذهب بسحابتها السوداء فاقدةً للوعي، لحظات وقد خيم السكون على المكان بعد عاصفةٍ لن تُنسى أبدًا بقلبه مما ألقته عليه.

الفصل التالي
بعد 20 ساعة و 38 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة