رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثالث والعشرون
بمنزل إلياس بعد حديث فريدة.
حاولَ أن يستوعبَ حديثها الذي اخترقَ أذنه، ورغم ذلك أنكرهُ قائلًا: -أنا مسمعتش حضرتك بتقولي إيه، ممكن تعلِّي صوتك.
أطبقت على جفنيها ونيرانُ قلبها تشتعلُ بداخلها، لتردِّدَ كلماتها مرَّةً أخرى وهي تعلمُ بكمِّ قسوةِ كلماتها عليه.
لحظة اثنتان إلى أن مرَّت دقيقتان وهو ينظرُ إليها بصمت؛ علهُ يستوعبَ ما نزلَ على سمعهِ كصاعقةٍ اهتزَّت لها الأرض.
نهضَ من مكانهِ يدورُ حول نفسهِ ينظرُ للأسفلِ بصمت، ثمَّ اتجهَ بنظرهِ إليها: -هوَّ أنا سمعت صح، ولَّا أنا بيتهيألي؟ حضرتك قولتي أرسلان الجارحي أخويا. أخويا، ولَّا قصدك علاقته بيا علاقة أخوية؟!
توقَّفت فريدة عندما تسرَّبَ الألمُ لقلبها حينما رأتهُ بتلك الحالة: -أرسلان بيكون جمال أخوك، ومن أوَّل مرَّة جه عندنا وأنا عرفته وشكِّيت فيه، وبعد كدا عملت تحليل DNA وفعلًا أثبتت أنُّه أخوك.
صمتٌ مميتٌ وكأنَّ أحدهم ضربهُ بعصا غليظة، ليفقدهُ توازنه، ليهوى على المقعدِ يردِّدُ كلماتها كالذي فقدَ عقله.
إلياس لازم تساعد أخوك، هوَّ النهاردة هيعرف أنُّه مش ابنِ فاروق. رفع عينيهِ الشاردةِ يطالعها بضياع، يستمعُ لحديثها كصدى صوتٍ بعيد أرسلان بيكون جمال ظلَّ يردِّدُها بينهِ وبين نفسهِ، حتى شعرَ بقبضةٍ قويةٍ اعتصرت فؤادهِ للحظاتٍ وهو عاجزٌ عن التنفس، ثمَّ أطلقَ ضحكةً صاخبةً يضربُ كفَّيهِ ببعضهما: -أنا وأرسلان. ههه ظلَّ يضحكُ بطريقةٍ هستيرية، توقَّفَ يدورُ حول نفسهِ يهزُّ رأسهِ ومازالت ضحكاتهِ ترنو بالمكان.
-إلياس إنتَ بتعمل كدا ليه يابني؟
رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها بجنون، ثمَّ اقتربَ منها وكأنَّهُ فقد عقله: -إنتِ لو عايزة تجنِّنيني مش هتعملي كدا، حضرتك عايزة منِّي إيه، أه قولي عايزة منِّي إيه؟
حدقتهُ بعينينِ مليئتينِ بالألمِ وارتجفت شفتيها تهزُّ رأسها رافضةً حديثه: -عملت فيك إيه يابنِ جمال، قولِّي عملت إيه؟ علشان عايزة منَّك توصل لأخوك، مش آن الأوان أنُّكم تتجمَّعوا.
-آااااااه، صاحَ بها وهو يركلُ المقعد، ورفعَ كفَّيهِ يرجعُ خصلاتهِ للخلف: -جنِّنتيني. إنتِ فاهمة معنى كلامك دا إيه؟ أرسلان ظابط مخابرات عارفة يعني إيه، دا مستحيل اللي بتقوليه دا يامدام فريدة، إنتِ شكلك اتجنِّنتي. قالها بهستريا.
هبَّت من مكانها واقتربت منه، ولم تكترث لجنونهِ. تمسكهُ من ملابسهِ بقوَّة: -وإنتَ كنت إيه بلطجي، مايمكن اللي عمل معاك كدا عمل معاه زيك، ربِّنا ياأخي حماكم من أذى الناس، ربِّنا ربط على قلبي علشان أستاهل ووقَّعكم في أولاد حلال. قالتها بدموعٍ حارقةٍ وحروفها تخرجُ من بين شفتيها بكمِّ الألمِ الذي تشعرُ به، حروف امتزجت بالانهيارِ وألمِ الأمومة.
بدأت تضربُ على صدرها وصرخاتها تزدادُ تتمتمُ بخفوتٍ حارق: - ربِّنا حفظكم ياأخي، بحقِّ طيبة أبوك ودعاء أمَّك، بحقِّ رضا وحنان أبوك على أهله، بحقِّ دعواتي ودموعي طول الليل، بحقِّ الظلم اللي عيشته تلاتين سنة، بحقِّ قهرتي وإنتَ قدَّام عيوني ومش قادرة أخدك في حضني، بحقِّ ظلم راجح وخوضه في شرفي وعرضي، بحقِّ ابني اللي نسخة تانية من أبوه وهوَّ قدَّامي وبيقولِّي ياستِّ الكل وأنا مش قادرة ألمسه، بحقِّ كلِّ دموعي اللي نشفت عليكم وقهرتي في عزِّ شبابي على أحنِّ راجل في الدنيا، بحقِّ تربيتي لميرال وحفظي لرؤى وحفاظي عليهم، بحقِّ مساعدتي لسمية وعزة، إيه أكمِّل كمان ياحضرةِ الظابط شايف إنِّ والدتك متستهلشِ أولادها يكون كويسين.
تجهَّمت ملامحه، من شدَّةِ الصدمة التي أشعرتهُ وكأنَّ أحدهم سكبَ عليهِ دلوًا من المياهِ المثلجة، وصور أرسلان تضربُ عقله. أفاق من قسوةِ ماشعرَ به على صوتِ ميرال: -ماما فريدة، مالك بتعيطي ليه؟!
ثم التفتت تحدقُ إلياس بتساؤل: -إلياس ماما فريدة مالها؟!
انتصبَ بقامتهِ مبتعدًا عنهما ومازال تحت تأثيرِ الصدمة، مما جعلهُ يردِّدُ مرَّةً أخرى: -أرسلان، طيب إزاي، مش قادر أستوعب، التفتَ إليها مرَّةً أخرى: -إزاي أنا هتجنِّن وإزاي عرفتي تعملي التحليل؟ اكتسى الألمُ على ملامحِ وجهها لتنظر بعينيها للأسفل: -يوم ماكنتوا بتلعبوا باسكت، دي كانت فكرة إسلام علشان يعرف ياخد منه أيِّ حاجة، الأول فكَّرنا بتحليل دم، بس خوفت إنك تعرف، وبعدين أرسلان ذكي وكان هيكشف الموضوع، أخدت مرَّة فنجان قهوته، بس خوفت النتيجة ماتكونشِ واضحة، حبِّيت أستعين بحاجة أقوى، ابتلعت ريقها ورفعت عينيها تطالعهُ مستأنفةً حديثها: -إسلام هوَّ اللي فكَّر إزاي نوصل لشعره، علشان كدا اقترح عليك تلعبوا ماتش وبعدها هوَّ كمِّل.
تذكَّرَ ذاك اليوم عندما تسطَّحوا على العشب، ومشاغبةِ إسلام لأرسلان وهو يداعبُ خصلاته: -إنما مقولتش ياسيد أرسلان، إيه نوع الكريم اللي بتحطُّه على تلك الخصلات الفحمية ياعم؟
قهقهَ أرسلان يدفعهُ بعيدًا عنهُ وردَّ بمزاح: -طين من البحر الأحمر
توسَّعت عيناهُ بتصنُّع وأجابهُ مشاكسًا: - البحر الأحمر فيه طين، طيب ماتجيب عنوان الطين دا.
دفعهُ أرسلان بقوَّةٍ على الأرض يشيرُ إلى إلياس: -أخوك دا عبيط ولَّا أهبل.
-أنا عبيط ولَّا أهبل، طيب واللهِ لازم أعرف نوع الفنكوش اللي على شعرك دا، قالها وهو يجذبُ خصلاتهِ بقوة، ممَّا جعلَ أرسلان يصرخُ به: -بس ياغبي، يخربيتك قلعت لي شعري.
نظرَ إسلام بيدهِ وغمزَ بعينه: -إيخييه دا شعرك وحش وبيوقع. هبَّ من مكانه: -تعالَ هنا يالا، يعني تشدُّه بالطريقة الغبية دي وعايزه إيه، مفكَّره شجرة؟
قهقهَ متَّجهًا إلى الداخل:.
خرجَ إلياس من شرودهِ وهزَّ رأسه اعتراضًا على ما فعلته: -يعني الراجل يأمن لنا وأنتو بتستغلِّوه، ولَّا إسلام الحيوان إزاي يعمل حاجة زي كدا من غير مايرجعلي.
لم تستطع استثناءَ نفسها من اللومِ لتردَّ قائلة: -إسلام مالوش علاقة، أنا اللي طلبت منُّه، إنتَ مكنتش لسة تعرف حاجة.
افترت شفتيهِ صدمةً ليطالعها بذهول، ثمَّ تراجعَ بجسده متذكِّرًا حالةَ غادة وكلماتِ إسلام. هزَّ رأسهِ وابتسامةٌ ساخرةٌ حتى قست عيناهُ وهو ينظرُ إليها: -غادة وإسلام عرفوا قبلي، واستخدمتي إسلام يساعدك وإنتِ عارفة إنِّي ابنك، يعني لغيتيني، للمرَّة الكام وإنتِ بتلغيني من حياتك، إيه. قالها بصراخٍ لتقتربَ منهُ ميرال: -إلياس ممكن تهدى، أنا مش فاهمة بتتكلِّموا عن إيه!
امتلأت عيناهُ بنيرانِ الغضب، ليرمقها بحدة؛
-وإنتِ مالك، تدخلي في الكلام ليه، دقَّقَ النظرَ بها ثمَّ أطبقَ على ذراعيها: -وياترى المدام كانت عارفة وبتمثِّل، زي مامثِّلت قبلِ كدا، وعملت لي صغيرة على الحب، ولَّا إيه حكايتك إنتِ كمان.
جحظت عيناها تدفعهُ بقوَّةٍ وتهدرُ به معنِّفةً إياه: -أنا معرفشِ بتتكلِّم عن إيه، بس كل اللي أعرفه إنَّك مابقتشِ تتطاق وبس.
-هنااااء. صرخَ يشيرُ إلى ميرال: -طلَّعي المدام فوق، علشان ترتاح، اطلعي ولمَّا أتكلِّم مع أمي ماتتدَّخليش بينا، . رمقتهُ بقهرٍ وصعدت تستند على الخادمة وفريدة تتابعها بعينيها، ثمَّ اتَّجهت إليه: -خليك دوس عليها لحدِّ مافي يوم تموت منَّك بجد، اعمل قاسي ودوس كمان، دنت حتى أصبحت أمامه: -أنا جت لك علشان تكون جنب أخوك لمَّا يعرف أنُّه كان عايش في كذبة.
-واللهِ أكون جنبه وياترى يامدام فريدة هروح له بصفتي إيه، أقولُّه تعالَ أقولَّك سر، اسكت مش إنتَ طلعت أخويا وأمي اتأكِّدت بعد مااستغفلتنا واستعانت بعيِّل علشان يلعب معاك.
-إلياس احترم نفسك.
-أحترم نفسي، بصفتك إيه، دار حولها وتابعَ بقسوة: -حضرتك بتقولي إلياس، عارفة دا معناه إيه؟
التفتت تطبقُ على ذراعيه: -حبيبي اسمعني، أنا روحت لإسحاق وهوَّ رفض، وكمان مصطفى راح له ورفض وأصرّ أنُّه مستحيل يقولُّه الحقيقة، مكنشِ قدَّامنا غير إنِّنا نعرَّفه بطريقةِ التحليل دي، بس واللهِ مصطفى مالحق يتِّفق مع الدكتور، لقينا جدِّته رتَّبت لكلِّ حاجة.
دقيقة اثنتان محاولًا إدراك ماتلفَّظت به: -يعني إيه مش فاهم إنتِ بتقولي إيه؟!
أنا اتجنِّنت مبقتشِ قادر أفهم حاجة إسحاق رفض إيه، وبابا ماله، ومستشفى إيه وجدِّة إيه، إنتِ بتقولي إيه؟
احتوت وجههِ تنظرُ لعينيه: -حبيبي اسمعني عارفة إنَّك بتتحمِّل فوق طاقتك، بس إنتَ أخوه الكبير، إنتَ اللي المفروض تكون جنبه دلوقتي.
تراجعَ للخلفِ مبتعدًا عن مرمى يديها: -أروح أقولُّه إيه؟!
لمَّا عملت التحليل واجهت إسحاق وهوَّ رفض وقالِّي مصر كلَّها قدَّامك واثبتي، وباباك لمَّا راح له عمل نفس الشيئ.
لدرجة هدَّد باباك إنِّنا ننسى الموضوع ولمَّح بتهديد شغله، علشان كدا باباك استقال وقالُّه هعرف أخده ومن غير سلطة، بس جه تعب فاروق لخبط الدنيا، وكمان خطف ميرال، ولمَّا فاروق عمل حادثة باباك اتفق مع الدكتور أنُّه يعمل أيِّ حاجة علشان تحليل الدم، ونعرَّف أرسلان أنُّه مش أبوه، بس للأسف لقينا جدِّته متفقة مع الدكتور على أنُّه مريض لوكيميا علشان أخوك يعرف، ليه مانعرفش.
-لوكيميا! ردَّدها بذهول، متراجعًا يستندُ على المقعد، واستطرد: -يعني لعبتوا بمرض الراجل علشان تعرفي ابنك! طيب ماكنتي تقوليلي بدل اللعب والحوارات دي كلَّها، وأنا كنت هتصرَّف، إنتِ عارفة لو خد خبر بالطريقة دي هتكون حالته إيه.
بمنزل زين الرفاعي: خرجَ من غرفتهِ بمنزلِ والده، اقتربت منه: -صباح الخير يادكتور.
أومأ دون حديثٍ ثمَّ اتَّجهَ إلى طاولةِ الطعامِ ينادي على الخادمة: -قهوتي ياهدى، وجهِّزي للآنسة حنين فطارها، خطت إلى جلوسهِ وجلست بجواره، تستندُ على راحةِ يديها تنظرُ إليه بشغف وهو يتصفَّحُ هاتفه: -هتفضل مقاطعني كدا؟
رفعَ رأسهِ وأردفَ بهدوء: -هوَّ إحنا كنَّا متواصلين علشان أقاطعك، أنا اتفقت معاكي ماتجيش وبرضو جيتي مع إنِّي حذَّرتك.
مش المفروض أكون في المكان اللي فيه جوزي؟
-مش لمَّا نكون متجوِّزين.
-يعني إيه؟ ألقى الهاتف واستندَ بذراعهِ على الطاولة: -اسمعيني كويس ياحنين علشان مبحبش اللف و الدوران، وأنا قولتهالك قبلِ ما أنزل مصر، إحنا مكنشِ بينا غير ورقة وبس والجواز مصلحة، إنتِ عايزة تثبتي لوالدك مالكيش علاقة بعدوِّه اللي عملتي معاه علاقة بالحرام فكان لازم تثبتي إنِّك بتحبيني ونتجوِّز، وأنا علشان آخد الجنسية ووالدك يساعدني في تعييني هناك، أما الحب والغرام دا اكتشفت أنُّه سراب.
-يعني كلامك ليا كان كذب ياآدم؟!
تنهيدةٌ عميقةٌ أخرجها من ثنايا روحهِ ثمَّ حدجها بنظرةٍ ثابتةٍ لعدةِ دقائقَ واستطرد: -حنين أنا حاولت وأقنعت نفسي بحبُّك بس مقدرتش، وإنتِ كمان حاولتي تقرَّبيني منك، تنكري إغرائك؟
-بس أنا حبِّيتك ياآدم والدليل على كدا سبت كلِّ حاجة وجيت لك.
توقَّفَ يحملُ هاتفهِ وتمتم: -بس أنا بحبِّها هي، ومش ناوي أعمل علاقة مع حدِّ تاني، حتى لو هفضل من غير جواز العمر كلُّه.
-ياااه. حتة العيِّلة دي لحست دماغك!
لمعت عيناهُ بابتسامةٍ قائلًا: -حتة العيِّلة دي روحي فيها، مش قادر أشوف نفسي مع ستِّ غيرها، بدليل جوازنا، عمري ما حاولت أقرَّب منك، رغم اللي عملتيه.
-أنا مفهمشِ في الكلام دا ياآدم، أنا اللي أقدر أفهمه إنِّك جوزي ومش هتنازل عنك، تحبَّها تكرهها إنتَ براحتك.
دنت ورفعت نفسها تحاوطُ عنقهِ مقتربةً من شفتيهِ تطبعُ قبلةً عليهما ليبتعدَ عنها كالملدوغ. ابتسمت بخفَّةٍ عليه ثمَّ غمزت بعينيها: -متتخضِّش كدا، لأنَّك جوزي ومن حقِّي، وأنا دلوقتي عايزة حقِّي فيك، ومش هتنازل عنُّه مهما كان.
أطبقَ على ذراعها بقوة: -اتجنِّنتي. نزعت ذراعها: -تؤتؤ يادكتور، متنساش حنين اللي عملتك. فون بس لبابا وأخسف بمستقبلك الأرض، أنا هدخل آخد شاور، التفتت برأسها إليهِ مسترسلة: -عايزة نكمِّل حياتنا، عايزة منَّك ولد ياآدم، ومش هتنازل وكفاية راضية بمراتك التانية. قالتها وهي تحاوط عنقه بدخول ايلين تهتف.
-خالو عرفت مكان خالتو فر. بترت حديثها حينما وجدت تقاربهما؛ لتبتعد من الغرفة محاولة السيطرة على دموعها، قابلتها الخادمة تحمل قهوة ادم فسألتها
-فين خالو ياهدى
-البيه سافر امبارح مع مالك بيه علشان عمليته. ضربت على رأسها متذكرة حديثه عن سفره. وصل آدم إليها
-إيلين. سحبت نفسًا وطردته بهدوء، مستديرة إليه ورسمت ابتسامة
-نعم! اقترب من وقوفها وعيناها تحاصر وقوفها.
-خالتو مين اللي تقصديها، اتجهت إلى حقيبتها ونطقت بعض الكلمات
-لما خالو يرجع من السفر، بعد اذنك
جذبها من ذراعها، يهز رأسه وعيونًا متسائلة: -على فين؟!
نزعت ذراعها من بين يديه وتمتمت: -راجعة بيت صاحبتي.
عركل حركتها وتوقف أمامها: -مفيش رجوع هناك تاني
زوت مابين حاجبيه متسائلة: -ليه؟! تسائلت بها بوصول حنين ترمقها بنظرات ساخرة، اقتربت من آدم
-ايه يادومي هفضل منتظراك كتير.
حدجها بنظرة مميتة، ثم أشار إليها: -جوا، ماتدخليش بينا. افلتت ايلين ضحكة ساخرة من بين شفتيها ثم اقتربت منه، وابعدت حنين عنه
-لا راجل يابن خالي، طيب ماكنت تقولي انك حمش اوي وبتخاف عليا
-أنا مش راجل ياايلين
غرزت عيناها بمقلتيه وهتفت دون أن يرف لها جفن
-بالنسبالي ياادم، مفيش راجل يستغل بنت، قالتها واستدارت للمغادرة، إلا أنه رفعها بين ذراعيها وصعد بها إلى شقتهما.
-أنا هعرفك دلوقتي انا راجل ولا لأ يابنت عمتي.
بفيلا راجح: بدأ يثورُ وهو يدورُ حول نفسه: -يعني إيه، نفسي أفهم إيه اللي حصل، سكوت الواد هيجنِّني، وبنتك الغبية دي، توقَّفت مقتربةً منه: -ممكن تهدى علشان نعرف نفكَّر، أنا من رأيي جوازهم أحسن، ليه عايز تبعدها.
أمسكَ ذراعها بقوَّةٍ يهدرُ بها: -اتجنِّنتي، دا ظابط عارفة أخرتها إيه، رقبتي هتكون تحتِ رجله. لو مكنش ظابط كنت تقبلته، ويمكن شغلته معايا، معرفش فريدة دي عملت ايه علشان ولادها يطلعوا كدا، لا والواد التاني من أكبر العائلات، ازاي وصول له هتجنن، والله لو مش خايف من قلبتهم لكنت فضحتهم، دا شغال في مركز حساس.
نزعت ذراعها تتلمسَّهُ بتألُّم: -إنتَ اتهبلت، ماهو كدا كدا مش هيسكت بعد اللي عرفه وعملناه. ابعد عن الجارحي احنا مش قده، كفاية الحيوان مصطفى واللي عمله فينا.
-اخرسي يارانيا مش عايز أسمع نفسك، جذبَ كأسَ مشروبهِ المحرَّم وأردف: -إنتِ عارفة أنُّهم أمروا بقتلي، وكانوا عايزين حدِّ يمشِّي شغلهم في مصر، بحجة طارق المتخلِّف، لولا تدخُّل الباشا كنت زمانك دفنتيني، استدارَ يرمقها وتابعَ مستطردًا: -لو شمُّوا بس إنِّ العيال دول ولاد أخويا هيموِّتوني في وقتها، المهم العيال دي لازم تموت بأيِّ طريقة، استمعَ إلى رنينِ هاتفه: -الواد اللي بنراقبه ياباشا خرج من المستشفى وحالته مش تمام.
-خلِّيكم وراه، لحدِّ ماأقولُّكم تعملوا إيه.
خرجَ أرسلان من المشفى بدخولِ غرام، توقَّفت أمامه: -أرسلان عمُّو فاروق عامل إيه؟
طالعها بقلبٍ مفطور، وكأنَّهُ انشقَّ لنصفين، دنت بعدما وجدت نظراتهِ التائهة، ووجههِ الشاحب، أمسكتهُ من ذراعه: -أرسلان عمُّو كويس؟ رفعَ عينيهِ إليها وكأنَّهُ لم يستمع إلى حديثها، لتكرِّرَ سؤالها الذي آلمهُ قائلة: -أرسلان باباك عامل إيه، ليه مش بتردِّ عليَّا؟ هنا أحسَّ بضلوعهِ تتحطَّمُ بقوةٍ ليتألم صدره، ويخونهُ جسدهِ وهو يترنَّحُ بوقوفه، مما جعلهُ يستندُ على سيارتهِ مردِّدًا بتقطُّع: -كذب، كلُّه كذب. فتحَ بابَ السيارةِ مع نظراتها المذهولة، وخروجِ إسحاق خلفهِ يصيحُ باسمه، ولكنَّهُ غادرَ المكانَ بسرعةٍ جنونية، يطرقُ على المقودِ بصراخ، ودموعٌ كزخاتِ المطرِ مع ارتجافةِ جسده. ليتوقَّفَ بالسيارةِ فجأةً حتى دارت حول نفسها وكادت أن تنقلبَ به، انحنى برأسهِ وارتفعت شهقاتهِ وشريطُ حياتهِ يمرُّ أمامهِ كشريطٍ سينمائي، رفعَ عينيهِ التي انفجرت مياهها كمجرى نهري لاينقطع، نظر لنفسهِ بالمرآة: -أنا ابنِ حرام، أنا مش ابنُ فاروق، طيب إزاي، العمر دا كلُّه كذب، حياتي كلَّها أكذوبة، أرسلان فاروق الجارحي أكذوبة، طيب أنا مين، وليه أهلي عملوا فيا كدا، ياترى باعوني، ولَّا أمي غلطت مع حد، ياترى أنا مين، أنا مين.
قالها بصراخٍ يضربُ بقوَّةٍ على المقودِ مرةً ويضربُِ رأسهِ مرةً أخرى، حتى شعرَ بفقدانِ كلِّ شيئٍ حوله، شعرَ بانسحابِ أنفاسه، وتجمَّدَ الدماءِ بعروقه، تمنَّى من ربهِ أن يلفظَ أنفاسهِ الأخيرةِ حتى يرتاحَ من ذاك الألمِ الذي يشعرُ بهِ حارقًا لجسدهِ بالكامل.
استمعَ إلى رنينِ هاتفه، التفتَ إليه ليجدَ اسمَ إسحاق. دموعٍ فقط مما جعلهُ يفقدُ الرؤية، ليتمتمَ بألمٍ يفتِّتُ العظام.
-يعني إنتَ مش عمِّي، طيب إنتَ مين، ليه تعمل كدا. دقائق مرَّت عليه وهو كالطائرِ الذي قُصَّ جناحيه، وهو داخلَ قفصهِ عاجزًا عن الخروج، رغم تحرُّرهِ من قفصه، كلَّ مايشعرُ به أنَّ داخلهِ يهتزُّ فقط، شعرَ بالدوار يجتاحُ جسدهِ ليقوم بتشغيلِ محرِّكَ السيارةِ وينطلقَ بها دون هدى.
-مالكشِ وجود ياأرسلان، إسحاق وفاروق ضحكوا عليك، دلوقتي فهمت كلِّ حاجة، ليه دايمًا تبعدوني عن اجتماعاتِ العيلة الكريمة
آااااه ياااااارب انتزع روحي يارب، سرعةٌ جنونيةٌ كالذي لا تهمُّهُ حياته، مع ارتفاعِ رنينِ هاتفهِ ليرفعهُ ويلقيهِ بالطريقِ دون النظرَ اليه، من يرى السيارة وهي تتحرك بتلك الطريقة يقسمُ أنَّها طائرة وليست سيارة تتحرَّكُ على الأرض، نظرَ الرجلُ الذي يراقبه: -ودا نلحقه إزاي، دا بينتحر.
أشارَ الآخر إليه: -كلِّم الباشا وقولُّه الوضع.
-راجح باشا الولد من وقتُ ماخرج من المستشفى وهو بينتحر ياباشا، دا واحد بايع الدنيا.
-يعني إيه. قصَّ له الرجلَ ماحدثَ
ليقهقهَ راجح قائلًا: -كويس خلَّصوا عليه وأهو جت من عنده. قالها وأغلقَ الهاتفَ يجذبَ مفاتيحه: -اجهزي ياروحي علشان تروحي تعزِّي فريدة. ركضت خلفهِ وأمسكته: -مابلاش ياراجح، حرام الولد تقتله، وبعدين دا شبه أخوك.
-اخرسي ياحيوانة، مش عايز أسمع صوتك، أنا مش هضيع بسبب واحدة زيك، بتبكي على حبيبها الغايب، مش هستنَّى من العيال دي تموِّتني، كفاية بنتك الحقيرة، وأهو أخوه يلتهي فيه لحدِّ مانخلَّص شغلنا، لازم العيال تخرج من السجن بهدوء بدل مايدخَّلونا إحنا المشرحة. قالها وتحرَّك.
عند إلياس: -يعني هوَّ دلوقتي أكيد عرف، ليه بتعملوا كدا، إنتِ عارفة دلوقتي ممكن تكون حالته إيه.
اقتربت منهُ واحتوت ذراعه: -وحياة أغلى حاجة عندك يابني، أوصلَّه، مصطفى مش عايز يدخَّل وخصوصًا بعد تهديد إسحاق، مفيش صلة قرابة، إنما انت اخوه، حاول تكلِّمه قبل مايعرف، أنا معرفشِ هوَّ عرف ولَّا لأ، بس أكيد هيعرف، جدِّته مش هترحمه، رفعت كفَّ إلياس: -أبوس على إيدك ياحبيبي إلحق أخوك، خلِّيه يعرف منَّك قبلِ مايعرف من الغريب.
ضمَّها لأحضانه: -خلاص اهدي، أنا هتصرَّف، اهدي ومتعيطيش، هروح المستشفى وأحاول أوصلُّه قبل مايعرف، وإنتِ خلِّيكي هنا مع ميرال، لأنَّها كانت هتموت النهاردة.
قالها وغادرَ المكانَ سريعًا وهو يحاولُ أن يصلَ إليه، ولكن دون جدوى، وصلَ إلى المشفى، دلفَ للداخلِ يسألُ عنه، أجابتهُ ملك: -كان هنا من ساعتين تقريبًا.
-طيب إسحاق باشا فين. هزَّت كتفها بعدمِ معرفة. تسرَّبَ القلقُ لداخلهِ وهو يحاولُ أن يصلَ لأحدٍ فيهما، رفعَ الهاتفَ وقامَ بالاتصالِ على شريف: -شريف شوف أرسلان الجارحي فين من تليفونه أو عربيته.
-تمام خلِّيك معايا دقايق هشوف الشباب.
معاك بس بسرعة. عند إسحاق خرجَ خلفهِ ولكن توقَّفَ على رنينِ هاتفه: -المدام هتدخل عمليات ياباشا، والدكتور طالب حضرتك.
-تمام. قالها وأغلقَ الهاتفَ متِّجهًا اليها، دلفَ للمشفى يشيرُ لأحدِ رجاله: -تقلب الأرض وتعمل تليفوناتك وتجبلي أرسلان من تحتِ الأرض حتى لو هتجيبه متكلبش، لو رجعت من غيره هموِّتك.
-عُلم ياباشا. قالها وتحرَّكَ سريعًا لينفِّذَ أوامره، دلفَ للطبيب: -خير، مش قولت هتستنَّى يومين لحدِّ ما تدخل في التامن؟
-الحالة صعبة، وماخبيش عليك المدام حالتها صعبة وممكن نفقدها في أيِّ وقت، قولت نحاول ننقذ حدِّ فيهم ياهيَّ ياالجنين.
-طيب ولو قولت عايز الاتنين.
-صعب والله ياباشا. اقتربَ منهُ ليتسرَّبَ الخوفُ إليه: -عايز مراتي أولًا وبعدين ابني، إزاي إنتَ هتعملها، تمام يادكتور. صمتَ الطبيبُ يهزُّ رأسهِ فأشارَ بيده:
-لا. قول تمام وبس.
أومأ له قائلاً: -تمام، تمام.
عند إلياس، هاتفه شريف: -أيوة ياإلياس فيه حاجة غريبة، الموبايل في مكان، والعربية على الطريق الصحراوي.
توقَّفَ يستمعُ إليهِ باهتمام: -ابعت لي لوكيشن العربية، وأيِّ جديد عرَّفني ضروري. قالها وتحرَّكَ سريعًا بسيارته، فتحَ الخطَّ بعدما استمعَ إلى رنينِ هاتفه: -أيوة يابابا.
-حبيبي إنتَ فين؟ نظرَ للطريقِ وأجابه: -رايح لأرسلان يامصطفى باشا، ماهو لو أنا ابنك زي ماكنت دايمًا تعتبرني ابنك كنت عرَّفتني وعرفت أفكَّر في حل.
-أرسلان عرف أنُّه مش ابنِ فاروق ياإلياس، وبعت حدِّ وراه، أخوك فيه عربية مرقباه، وكمان حالته مش كويسة.
هلعَ من حديثه، يضغطُ على مقودِ السيارةِ لينطلقَ بسرعةٍ مهولة، ورائحةُ الموتِ تفوحُ حوله، لا يعلم ماسببَ تلك الدموع التي انسابت بقوةٍ على وجنتيه، ماذا يحدث، هل بالفعلِ سيخسرُ أخاه، ضغطَ بأسنانهِ على كفِّه ندمًا. وآااه حارقة بدموعِ الألمِ تحرقُ جسدهِ بالكامل، تمنَّى لو يمتلكُ أجنحة ليصلَ إليهِ ويضمُّه لأحضانهِ ليواسيهِ عما يشعر به، هو يعلمُ بكمِّ الآلامِ الذي سيواجهها بتلك اللحظاتِ المميتة، دعا ربه ربِّ إنِّي مغلوبٌ فانتصر.
-شريف فين المكان دلوقتي. اتَّجهَ شريف ليتأكَّدَ من مكانه: -العربية واقفة في الطريق.
-تمام.
سرعات ماهي سوى سرعات، ورغم ذلك يشعر كأنها ثقيلة، ضغط على سرعته والسيارة كالطائرِ الذي لا يلمسُ الأرض، يتحرَّكُ بها كوحشٍ جائع، بوجهٍ كالوحة مرسومة بالألم، ولسانٍ ثقيلٍ يردِّدُ ذكرَ الله، بعد شعورهِ بثقلِ تنفُّسه، وكأنَّهُ شعرَ بأنَّ أخاهُ أصابهُ مكروه، دقائقَ ربما تخطَّت الساعة ولكنَّها ساعاتٌ بأعوامٍ كالسيفِ على العنق، وهو يصلُ إلى الجمعِ الملفوفِ حول السيارة. انتفضَ ذعرًا، وهبَّ من سيارتهِ يركضُ ولايرى سوى سيارةِ أخيه المنقلبةِ على الطريق، ليطالعها بأعينٍ منتفضةٍ ذعرًا والرؤية تتلاشى من هولِ الصدمة، اقتربَ مع جذبِ البعض إليهِ من حتميةِ انفجارِ السيارة، دفعَ الرجلَ كالذي تملَّكهُ شيطان، حتى لا يرتكبَ أبشعَ الجرائم.
دفعَ زجاجَ النافذةِ مع ركلاتٍ عديدةٍ كالمجنونِ وهو يصرخ: -مستحيل أسيبك تموت، صرخاتٍ مع ركلاتٍ لبابِ السيارة، وانفجارِ السماءِ بالأمطارِ، رغم أنَّنا بشهرِ مارس وقلَّةِ الأمطارِ بذلك التوقيت، انقلبَ حالهِ وهو يصرخُ كالمجنونِ ويصدحُ صوتهِ باسمِ أخيهِ كصوتِ عويل، تجمَّعَ بعض الشبابِ بعد اقترابِ السيارةِ على الانفجارِ وجذبهِ بعيدًا عنها، ولكن هنا كيف التحكَّمَ بالمشاعر، وهو يرى أخيهِ فلذتهِ الغائبة، ينساقُ إلى الموتِ أمامَ عينيه، زحفَ على الأرضِ بعدما فقدَ القدرةَ على الوقوفِ لارتجافِ جسدهِ بالكامل، كمن تلقَّى ضربةً موجعةً قسمت جسدهِ وهشَّمت داخله.
تحدَّثَ أحدُ الموجودين: -يابني ابعد الله يخلِّيك، هوَّ شكله مات، ابعد يابني ربنا يبارك لك في شبابك، قالها مع وصولِ سيارةِ الشرطةِ والإسعافِ بذلك الوقت، أشارَ بسلاحه: -اللي يقرَّب مني هموِّته، قالها وهو يدعو ربهِ أن ينقذهُ حتى لو دفعَ عمرهِ ليفديه. كسر الزجاجَ بظهرِ سلاحه، ينظرُ إلى أرسلان الذي اختفت ملامحهِ ولا يوجد بها سوى الدماء، تراجعَ رغمًا عنه مفزوعًا، وارتعشت ساقيه لتصبحَ هلامتين وبركُ عينيهِ تنزفُ بدل الدموعِ دماء، ورغم مايشعرُ به، دلفَ من النافذةِ بهدوءٍ مع ابتعادِ الجمعِ عن المكان، ليدلف لداخلها بضعفٍ يرفعُ جسدَ أخيه ويملِّسَ على وجههِ بكفِّه المرتعش، مرَّرَ كفِّه فوق رأسهِ وروحهِ تأنُّ بأنينٍ تنفطرُ له القلوب، ليضمَّهُ بقوةٍ كالأبِ الذي يضمُّ طفله.
-أرسلان أنا جيت حبيبي، افتح عيونك، قالها وهو يفتحُ بابَ السيارةِ بهدوء، ليهرولَ المسعفينَ إليه، ُليجذبونهُ بهدوءٍ منه، ولكنَّهُ رفضَ يشيرُ إلى أحدهم وأردفَ بلسانٍ ثقيل: -أنا هشيله، حدِّ يسنده معايا بس.
وصلَ به إلى سيارةِ الإسعاف، لعملِ الاسعافاتِ اللازمة له، انحنى يقبِّلُ جبينهِ ويزيلُ دمائهِ من فوقِ وجهه: -أرسلان. قالها ينحني على جبينهِ يضمُّ رأسهِ بيديهِ الغارقةِ بدمائه: -أرسلان افتح عيونك علشان أعرَّفك المفاجأة، شوفت القدر، ياله حبيبي. ولكن كيف له أن يستمعَ إليه بعد تلك الإصاباتِ التي تعرَّضَ لها.
رفع نظرهِ للمسعفِ الذي يحاولُ إنقاذهِ وانتظرَ حديثه: -مش بإيدي حاجة غير أوصَّله المستشفى وهوَّ لسة عايش، الصراحة الحالة خطيرة، ربنا معاه.
صرخةٌ بآاااهٍ عاليةٍ خرجت من بُطينِ قلبهِ ليهتزَّ لها الجسد وهو يضمُّهُ إلى صدره: -أرسلان متعملشِ فيا كدا، قوم علشان أعرَّفك الستِّ اللي كنت بتقول عليها ستِّ الكل، طلعت ستِّ الكل، أرسلاااان.
جذبهُ مصطفى الذي وصلَ بعد معرفتهِ بما صار. إلياس اجمد ماينفعشِ كدا.
أشارَ إلى جسدهِ الشاحبِ وهتفَ بتقطُّع: -أخويا يابابا، شوفت القدر، يوم ماأعرف أنُّه أخويا يضيع مني.
احتضنَ رأسهِ وأزالَ دموعه: -حبيبي فوق والدتك محتاجاك جنبها، لما إنتَ تعمل كدا هيَّ تعمل إيه، طيب إنتَ كنت قدَّامها السنين دي كلها، هو بقى ياحبيبي، لازم تجمد، مش عايز ضعفك دا.
انطلقت سيارةُ الإسعاف، ليهرولَ خلفها بسيارته. وصل بعد فترةٍ إلى المشفى.
مع وصولِ إسحاق الذي وصلَ إليه الخبرَ كالصاعقةِ التي هزَّت قوَّته، ليدلفَ للمشفى بدموعٍ توخزُ جفنه، وجسدهِ كتلةً من الشظايا المبعثرة، هرولَ خلفهِ قبل دخولهِ العمليات، ليجذبَ الطبيبَ من تلابيه: -تموت جوَّا الأوضة دي وتطلع تقولِّي ابنك كويس، أقسم بالله لو سمعت حاجة غير كدا لافضِّي سلاحي في دماغك.
عند فريدة: جلست بجوارِ ميرال تطعمها، أحسَّت بالاختناقِ واعترى جسدها رعشةً جعلت قلبها ينتفضُ من الألم الذي يغزوه، نهضت بعدما وضعت الطبقَ الذي يحتوي على الطعام: -ماما مالك؟! تساءلت بها ميرال.
-مفيش حبيبتي قلبي وجعني شوية، يمكن علشان شدِّيت مع إلياس شوية.
سحبت كفَّيها وجذبتها لتجلسَ بجوارها: -وتشدِّي على جوزي ليه ياستِّ ماما.
ابتسمت فريدة رغمًا عنها تجذبها لأحضانها: -هوّ إنتِ مش عايزة تكبري خالص ياميرو، منين عايزة تنفصلي ومنين خايفة عليه؟
أحسَّت بوجعٍ يغزو نبضها لترفرفَ بأهدابها ثمَّ قالت: -مش عايزة في يوم نكره بعض ياماما، خايفة في يوم يذلِّني بأمي وأبويا، صعب ياماما اللي بمرّ بيه. قالتها بنبرة منكسرة.
ملَّست على شعرها ثمَّ رفعت ذقنها: -حبيبتي أنا ماما وأنا بابا، مش عايزة أسمع كلمة واحدة تدينك، راجح مستحيل يكون أبوكي سامعة، ورانيا الشيطان دي مستحيل تكون أم أصلًا، طيب أقولِّك خبر حلو هيخليكي تفتخري، ابتسمت ميرال تنظرُ إليها وتمتمت بحب: -أنا مفتخرة بجوزي وبيكي ياماما، بس حقيقي كنت خايفة علشان كدا محبتش أكون عبء وضغط عليكم، بس النهاردة أوَّل مرَّة أحسِّ إنِّي أهمِّ شخص عند اليأس ابنك.
ضحكت فريدة تقرصُ وجنتيها: -يأس وابني، مفيش حبيبي يعني؟
هزَّت رأسها قائلة: -تؤ، لأنُّه روحي وحياتي كلَّها، بس ربنا يهديه ويفضل على طول الراجل الحنيِّن، مش يقلب لدراكولا، واللهِ دراكولا جنبه مظلوم.
ارتفعت ضحكاتُ فريدة تضمُّها لأحضانها: -ربنا مايحرمني من ضحكتك ياحبيبة ماما، واللهِ الولد غلبان بس إنتِ اللي مجنونة، وجنِّنتيه معاكي.
أشارت على نفسها ببراءة: -أنا مجنونة، أيوة فعلًا وهوَّ مستشفى المجانين، أقولِّك على حاجة ابنك دا المفروض يعيِّنوه على منصِّة الإعدام، عارفة وقتها مش هيحتاجوا يغطُّوا المجرم، كفاية نظرة إلياس بس تخلِّي السليم يموت رعب.
ارتفعت ضحكاتُ فريدة تهزُّ رأسها بحب: -يخرب عقلك لو سمعك هيموِّتك، وترجعي تقولي كان وكان.
-تؤ ياستِّ ماما، ابنك واقع في غرامي، زي ماأنا ميتة فيه، ودي تكفِّيني أحاربك شخصيًا علشانه.
احتضنت وجهها ثمَّ نظرت إلى بطنها: -فعلا حبيبتي هوَّ واقع في غرامك وإنتِ ميتة فيه، وحاربي علشانه وبس ياميرو، عايزة ميرال اللي ربتها، ميرال مرات إلياس السيوفي اللي يقدر يتسند عليها، أوعي في وقت تشكِّي فيه، لأنُّه مستعد يضحِّي علشانك، ومتصدقيش كلامه اللي قاله، واللهِ يابنتي دا من كترِ خوفه عليكي.
دفنت نفسها بأحضانِ فريدة: -أنا بحبُّه أوي، وخايفة من بكرة أوي، خايفة حياتنا تتهدّ ياماما، أنا مش قوية أبدًا أنا ضعيفة ومن غيره ميِّتة.
أخرجتها من أحضانها ترفعُ وجهها: -لا إنتِ قوية، واللي يقرَّب من حياتك وجوزك دوسي عليه، حتى لو أنا، أهمِّ حاجة في حياتك ابنك وجوزك، بعد كدا هتلاقي نفسك أسعد إنسانة في الدنيا.
قطعَ حديثهما وصول إسلام حاولَ أن يبتسم: -ماما. نهضت تطالعهُ باستفهام: -فيه إيه ياحبيبي مال وشَّك كدا؟
-غادة فيه عربية ضربتها قدَّام الجامعة وبابا بعتني لحضرتك.
لا إله إلا الله. اللهمَّ أجرنا في مصيبتنا، ردَّدتها وجذبت وشاحها تنظرُ إلى ميرال: -حبيبتي ارتاحي، إياكي تتحرَّكي، وحطِّي الجهاز تاني على وشِّك، لحدِّ ماجوزك يرجع.
نزلت من فوقِ السرير: -لا أنا هاجي عايزة أطَّمن على غادة، اقتربَ إسلام يساعدها: -ميرال اهدي، غادة كويسة بس هيَّ عايزة ماما، الإصابة مش خطيرة.
التفتت فريدة تنظرُ إليها بلوم: -أنا لسة بقول إيه، ابنك وجوزك أوَّل حاجة، وأوَّل ماأوصل هطمِّنك.
بعد فترةٍ دلفت للمشفى بجوارِ إسلام، نظرت حولها متسائلة: -غادة في مستشفى عسكري ليه يابني، لم يجبها وتحرَّكَ بصمتٍ دون أن ينطقَ بحرفٍ لتذهبَ ببصرها على وقوفِ إسحاق أمام نافذة، وجلوسِ إلياس يحتضنُ رأسه، نهضَ مصطفى يقابلها. وزَّعت نظراتها على الجميع، صفية التي تجلسُ على الأرضية، تضمُّ ابنتها، إلياس الجالس بملابس ملطخة بالدماء.
أُصيب جسدها بشللٍ وتوقُّفِت أعضائها، وعيناها فقط تتجوَّلُ بينهم تبحثُ عن فلذةِ كبدها.
حاوطَ مصطفى جسدها، رفعت عينيها تنظرُ لذراعهِ ثمَّ وصلت بعينيها لإلياس الحاضر الغائب، حرَّكت شفتيها لتتحدَّث، ولكن هربت مخارج الحروف وثقل لسانها لبعضِ اللحظات، وشقَّت الدموعُ جفنيها لتتساءلَ بتقطُّع: -اب. ني ف. ين يامص. طفى. رفعَ إلياس رأسهِ بعدما استمعَ إلى صوتها، لتقابلَ عينيهِ الجامدةِ التي أُصيبت بالبرود، دنت منه بخطواتٍ ثقيلةٍ كالطفلِ الذي يستندُ ليتعلَّم السير.
-أخو. ك في. ن أغمضَ عينيهِ وابتعدَ بنظراتهِ عنها، لتلتفتَ مع خروجِ الطبيب من غرفةِ العمليات: -عملت اللي عليَّا والله، والباقي عند ربنا، حاولت بكلِّ جهدي، الضربات للرأس قوية، دعواتكم وسلامته إن شاءالله. قالها وركضَ من نظراتِ إسحاق المميتة، أشارت على الطبيبِ تنظرُ إلى مصطفى: -هو قصده مين؟ أوعى يكون اللي في بالي. استمعت إلى صوتِ ملك: -ماما أنا عايزة أخويا، عايزة أرسلان ياماما، محدش يقولِّي أنُّه هيموت.
هنا دارت الأرض تحت أقدامها ليختلَّ توازنها تنظرُ إلى إلياس تودُّ لو تصرخَ وتملأ الدنيا بصرخاتها ليعلمَ الجميع كم عانت من قسوةِ تلك الحياة...
هب إلياس من مكانه مع سقوط جسدها، لتهوى جاثية بركبتيها، وصرخة شقت الصدور باسم ابنها لتغيب عن وعيها تتمنى من الله أن لا تفيق أبدًا فيكفي ماصار لها.