قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الرابع والعشرون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الرابع والعشرون

رواية شظايا قلوب محترقة ج1 للكاتبة سيلا وليد الفصل الرابع والعشرون

مرَّت ليلةٌ ثقيلةٌ على الجميع، لم يغمض لهم جفنًا، فريدة التي احتُجزت بجوارِ ابنها يجاورها مصطفى الذي لم يبتعد عنها إنشًا واحدًا، بينما إلياس جالسًا بالخارج جسدًا مهشَّمًا يشعرُ وكأنَّ الحياةَ أطبقت على روحهِ لتأنَّ بأنينٍ مرير. اقتربَ منه إسلام: -إلياس لازم تروح تغيَّر هدومك، هتفضل كدا. تراجعَ بجسدهِ للخلف وأغمضَ عينيه، لا يريدُ أن يتحدَّث، وكأنَّ الصمتَ ملجأهِ بتلك اللحظات، وماأصعبَ القلوبُ حينما تشعرُ بالانفجارِ ورغمًا عنها تصمت، ومخالبُ الألمِ تنهشُ بداخلها.

-إلياس! فتحَ عينيهِ وحاورهُ بصمت؛
-قوم روح ارتاح شوية وغيَّر هدومك، هدومك كلَّها دم.

-بعدين أطَّمن على ماما وأرسلان الأوَّل. استمعَ إلى حركةٍ بالردهة، وخروجِ صفية من غرفةِ أرسلان يحاوطها إسحاق، وهرولةِ الأطباءِ إلى الغرفة.

نهضَ من مكانهِ وتحرَّكَ إلى وقوفهم أمامَ النافذة، من يرى تحرُّكهِ يظنُّ هدوءَ لجسده، ولكن تحرُّكهِ لم يكن سوى ضعفه، ملامحٌ صلبةٌ جامدةٌ وقلبٌ استوطنَ به الألم، استندَ على الجدارِ حينما جاءهُ دوارًا من قساوةِ الحديثِ الذي اخترقَ أذنه: زوِّدي الأدرينالين، المريض هيروح منِّنا.

استندَ على زجاجِ النافذةِ ينظرُ إلى محاولةِ الأطباءِ لإنعاشِ جسده، و إلى سكونِ جسدِ أخيهِ بفزعٍ وشبحُ رائحةِ الموتِ تطبقُ فوق صدره.

مرَّة واثنتان والطبيبُ يحاول إنعاشَ القلب، وهو ينظرُ إلى جسدهِ الذي يفارقُ الحياة، وصلَ إليه مصطفى وإسلام يحاوطونه، مع كلماتِ المواساةِ والدعاء.
مسَّدَ اسلام على ظهره: -إلياس. ولكن كيف له القدرة بالتفوُّهٍ او النظرِ إلى أحدٍ سوى أخيهِ الذي يلفظُ أنفاسهِ الأخيرة، بداخلهِ آلامًا عجزت الأبجديةُ عن وصفها، ألمُ ينزفُ من روحهِ ويستوطنُ خلاياه.

همسَ بنبرةٍ خافتةٍ كالطفلِ الخائفِ الذي يدعو ربه: - اللهمَّ إنَّك رزقتني أخي من غير حولٍ لي ولا قوَّة فاللهمَّ احفظهُ لي وبارك لي في عمره. اللهمَّ إنِّي أسألكَ بأنَّكَ لا إلهَ إلَّا أنتَ اللهمَّ احفظهُ بعينكَ التي لا تنام إنَّكَ الحيُّ الذي لا يموت.

قالها بعيونٍ قلقةٍ والخوفُ الذي يتسلَّلُ بداخله، كشيطانٍ يتربصُ لمؤمنٍ ليزهقَ صبره. عيناهُ غُلِّفت بالظلام، وارتعاشةٍ أصابت وقوفه، وهو مازال يحتضن بنظراته جسد أخيهِ يدعو ربَّهِ أن يستجيبَ ويعودَ قلبهِ للنبضِ مرَّةً أخرى.

يااارب. قالها بخفوت، مع اختلالِ توازنه، وتكوُّرِ الدموعِ تحت أهدابه، لحظات بآلافِ السنينِ إلى أن هزَّ الطبيبُ رأسهِ بآسف، هنا توقَّفَ النبضُ ودارت به الأرض، وعيناهُ تنطقُ بكمِّ الألمِ الذي يشعر به، لحظاتٍ جحيمية، وصمتٍ مميتٍ مع أنفاسٍ مرتفعة، وضعَ الطبيبُ جهازه، مع اقتحامِ إسحاق الغرفةَ كالأسدِ المفترس، يحطِّمُ كلَّ ما يقابلهُ.

إلى أن وصلَ للطبيب: -أنا قولت لك إيه. بترَ حديثهِ صراخُ الممرضة، التي تحاول انعاش القلب بالضغط على صدره، النبض عاد يادكتور.

هنا شعرَ إسحاق بالخدرِ يسري بجسدهِ بالكامل، وهو يستمعُ إلى نبضهِ يعلو بالغرفةِ مرَّةً أخرى. تراجعَ يشيرُ للطبيب: -تمام. تمام، شوف شغلك، قالها وتحرَّكَ بظهرهِ للخلفِ وعيناهُ تحتضنُ جسدَ أرسلان، خرجَ من الغرفةِ واتَّجهَ إلى مكان وقوفهِ مرَّةً أخرى، مع ترطيبِ لسانهِ بالحمدِ والثناء، حتى انتهى الطبيبُ وتحرَّكَ للخارج: -ربنا يقوِّمه بالسلامة. قالها وتحرَّكَ سريعًا من أمامه. أومأ برأسهِ دون حديثٍ وعينيهِ على إلياس الحاضرِ الغائب، اقتربَ منه وحمحمَ مردفًا: -أرسلان قوي وإن شاء الله هيقوم عندي أمل في ربنا كبير.

-البركة في حضرتك، بس عايز أقولَّك إنتَ السبب في اللي هوَّ فيه، قالها ومازالت نظراتهِ على أخيه.

اقتربَ منه إسحاق وتوقَّفَ بجوارهِ ونظرَ إلى أرسلان قائلًا: -ومتفكرش هتوصلُّه ياحضرةِ الظابط، هوَّ عرف أه، بس برضو هيفضل أرسلان الجارحي.

التفتَ إليهِ إلياس، ثمَّ رفعَ عينيهِ إلى مصطفى الذي أشارَ إليه بالهدوء، ولكن كيف يصمت وداخلهِ فوهةٌ بركانية، ليستديرَ بكاملِ جسدهِ لإسحاق: -لولا تعب أخويا كنت ردِّيت على حضرتك، دنا برأسهِ وأردفَ بنبرةٍ خافتةٍ ممزوجةٍ بالألم: -جمال جمال الشافعي، ياسيادةِ العقيد، أنا مش هحرمك منُّه، ودا مش جدعنة منِّي، لا علشان أنا حقَّاني ومبحبش الظلم، فبلاش تقول هيفضل ويفضل، دا أنا اللي أقرَّره مش حضرتك، حتى هوَّ لمَّا يفوق مالوش غير القرار اللي أخوه الكبير هياخده.

-إنتَ اتجنِّنت، قالها إسحاق. تراجعَ إلياس إلى المقعد، فاقتربَ إسحاق منهُ ووجههِ عبارةٌ عن لوحةٍ من الألمِ والحزن: -اسمعني علشان تبقى عارف، وأنا قولتها لحضرةِ اللوا، أرسلان هيفضل ابنِ الجارحي ولو فيها عمري.
-حقَّك ياباشا، مش هنكر حقَّك، بس اسمعني إنتَ كمان، الستِّ اللي جوا دي هيَّ أكتر واحدة ليها الحق، مع احترامي لتعب حضرتك ولفاروق باشا، بس أمِّي أكتر واحدة ليها الحق.

-وأمُّه اللي ربِّيته. استدارَ إليهِ إلياس: -وأمُّه اللي اتقهرت بخطفه، أمُّه اللي اتحمِّلت وجع ابنها المخطوف تلاتين سنة، يظهر قدَّامها وتعامله على أنُّه واحد غريب، ويوم ماتتمسِّك بالأمل حضرتك تهدِّدها.
-حضرةِ الظابط شوف بتقول إيه.

-بقول إيه، مش دا اللي حصل، ولَّا أنا بتبلَّى على حضرتك، مش لو حضرتك وزنت الأمور وعرَّفته مكنشِ دا كلُّه حصل، ذنبه إيه يكون في لعبة بينكم، وصدَّقني الستِّ والدتك مش فارقة معايا عمايلها، بس وحياة رقدته دي لو حصلُّه حاجة ماهسكتلها.

-إنتَ أكيد مجنون، والدتي مالها؟! توقَّفَ إلياس وفقدَ سيطرتهِ وتحكُّمهِ بنفسه: -يعني إيه، يعني حضرتك متعرفشِ بلعبتها القذرة علشان تكشف لأخويا حقيقة نسبه، ذنبه إيه يتصدم كدا، حضرتك هتعرف إزاي وإنتَ معشتش صدمةِ القهر وإنتَ شايف نفسك شخص سراب ومالوش وجود.

حدقهُ مذهولًا، وتوقَّفَ بجسدٍ متيَّبسٍ من الصدمة، لا يريدُ أن يستوعبَ ما يوضِّحهُ عقله، هل وصلت والدتهِ لذلك الوضعِ المنحطّ. هزَّ رأسهِ بالنفي وبعيونٍ متَّسعةٍ نطق: -إنتَ بتقول إيه!؟ توقَّفَ مصطفى بينهما: -لو سمحتم كفاية، راعوا حالة الكلّ.
دارَ حول نفسهِ كالأسدِ الجريح، يريدُ أن يهدمَ المكانَ وما فيه.
-روح اسأل الستِّ الوالدة، إيه قصدها من لعبةِ التحاليل دي.

هنا فاقَ إسحاق على كابوسٍ مريرٍ ممزوجٍ بقسوةِ ما فعلته والدته، كوَّرَ قبضتهِ وشياطينُ الجنِّ تتراقصُ بعينيه، يريدُ أن يصلَ إليها ويلقيها صريعة، تراجعَ على المقعدِ وهو يشعرُ أنَّهُ بركانٌ أوشكَ على الانفجار.

جذبَ مصطفى إلياس واتَّجهَ به إلى أحدِ المقاعد: -حبيبي اهدى، وبلاش تضغط على إسحاق، هوَّ كمان مالوش ذنب، شايف حالته، كفاية أخوه اللي بين الحياة والموت
أغمضَ عينيهِ يحاولُ إسكاتَ ضرباتِ قلبهِ العنيفةِ التي تحوَّلت لجنونِ الألم.
جلسَ على المقعدِ ومازال يحاولُ ثبات صلابةِ قوَّتهِ الواهيةِ التي أوشكت على الانهيار.

عندَ ميرال قبل قليل: استيقظت من نومها، ونهضت متَّجهةً إلى حمَّامها، أدَّت فرضها وجلست لبعضِ الوقت، ثمَّ تحرَّكت بهدوءٍ للأسفلِ ظنًّا أنَّهُ رجعَ مرَّةً أخرى، جالت عيناها بالمنزل، وسألت الخادمة: -هوَّ الباشا مرجعشِ من إمبارح؟
هزَّت رأسها بالنفي وأجابتها: -لا يامدام، بس الستِّ الصغيرة في أوضتها فوق.

ضيَّقت مابين حاجبيها متسائلة: -مين غادة؟! إزاي هيَّ مش عاملة حادثة، هوَّ فيه إيه؟ قالتها وصعدت إلى غرفةِ غادة، دلفت للداخلِ وجدتها تغفو بهدوء، جلست جوارها تستكشفُ حالةَ جسدها، ثمَّ هزَّتها بهدوء: -غادة. فتحت عيناها.
-حبيبتي إنتِ صحيتي، قالتها واعتدلت جالسةً على الفراش.

نظرةٌ متفحِّصةٌ تطالعها بتساؤلٍ من عينيها. فركت يديها مبتعدةً بنظراتها، تمتمت بتقطُّع: -أصل إلياس في المستشفى وقالِّي آجي أقعد معاكي، ماهو.
هبَّت من مكانها: -هتنقَّطيني إلياس بيعمل إيه في المستشفى، أوعي يكون تعبان. لا أوعي يكون هوَّ اللي عمل حادثة.

-ميرال اهدي إلياس كويس، بس الحقيقة فيه موضوع ملخبط الدنيا، أرسلان الجارحي.
-أرسلان الجارحي، ماله؟!
-طلع أخو إلياس اللي بيدوَّر عليه.
-إيه. أرسلان، إزاي معقول! لا أكيد مش صح.

فركت غادة جبينها مرَّة، ثمَّ مسحت على وجهها بالكامل، ورفعت عينيها التي سكنَ بها الحزنُ إلى ميرال وأردفت قائلة: -الموضوع صعب أوي ياميرال، وإلياس منهار علشانه، أصله عمل حادثة صعبة أوي. اتَّسعت حدقتاها، وتذكرت حديثه مع فريدة واتهاماته، هنا علمت معنى حديثه، شعرت بألمٍ يفتكُ بها وهي تتخيَّلُ حالته الآن، لتستديرَ بقلبها المتلهِّفِ عليهِ قائلة: -اجهزي لمَّا ألبس، لازم أروح له. ركضت إليها تتشبَّثُ بذراعها: -ميرال استني، مينفعشِ إلياس هيزعل، هوَّ قالِّي متتحركيش من مكانك. احتجزت الدموعُ بعينيها مستطردة؛.

-غادة لازم أكون جنبِ جوزي، وماما دلوقتي حالتها إيه، وفي الأوَّل والآخر دا ابنِ عمِّي، والراجل اللي عمل فيهم كدا بيكون أبويا للأسف. قالتها وغادرت الغرفة.

بعد فترةٍ وصلت إلى المشفى دلفت للداخلِ تبحثُ عنه بعيونِ الألمِ والندم، إلى أن توصَّلت لمكانِ جلوسه، ثمَّ ردَّدت اسمه: - إلياس. قالتها بألمٍ ارتسمَ بعينيها المحتجزةِ دموعَ الألمِ والقهرِ بآنٍ واحد.

رفعَ رأسهِ ينظرُ إليها بعيونٍ تتلألأُ بالدموع، انسابت دموعها تخطُّ وجنتيها ليهبَّ من مكانه، ودون حرفٍ تنطقُ به شفتيهِ جذبها لأحضانهِ وانهارَ باكيًا، بكى بكاءً كالطفلِ الذي فقدَ والديهِ مما جعلَ الجميعَ يتعجَّبُ من حالتهِ التي لأوَّلِ مرَّةٍ يرونهُ بها.

ضمَّتهُ بقوَّةٍ وبكت على بكائه، مما جعلَ الكلُّ يبكي عليه، نطقت بشهقاتٍ متقطِّعة: -راجح اللي عمل فيه كدا ياإلياس صح؟ هوَّ أكيد السبب ورا حادثته، عرف أنُّه أخوك. هوَّ قالها طول ماأنا معاكم هيموُّتكم كلُّكم، أنا مش هقدر أشوفك بتتوجع كدا، الراجل دا مهما كان اسمه أبويا، خلِّيني أروح له ياإلياس.

سحبَ كفَّها ودلفَ لداخلِ الغرفةِ، حاوطَ وجهها يزيلُ عبراتها بأطرافِ أنامله: -ميرال مش عايزك تنطقي اسمِ الراجل دا، إنتِ مالكيش دعوة بحاجة، سمعتيني الراجل دا مفيش حاجة تربطه بيكي. وعداوته معانا مش بسببك أبدًا، وبحلف لك ياميرال حتى لو إنتِ مش مراتي كنت مستحيل أخلِّيكي تروحي له، عايزك تشيلي من دماغك اسمِ الراجل دا ماشي.

صمتت وحاولت أن تقنعَ نفسها بحديثه، رغم انعكاسِ نيرانِ قلبها التي توحَّشت داخلها.

رفعَ ذقنها: -أوعديني إنِّك مش هتروحي للراجل دا. هزَّت رأسها وجذبت يدهِ متحرِّكةً بخطاً بطيئةً بسببِ شعورها بالدوران. جلست تنتظرُ جلوسهِ بجوارها، ولكنَّهُ ظلَّ متوقِّفًا يدقِّقُ النظر بها: -ميرال مش هتعملي حاجة بدون علمي صح. رفعت رأسها وهزَّت رأسها بالموافقة. جلسَ بجوارها وجذبها لأحضانهِ يحاوطها بذراعه: -عاملة إيه دلوقتي؟ رفعت كفَّيها على وجههِ تتفحَّصهُ بعينها: -إنتَ اللي عامل إيه، وماما فريدة عاملة إيه؟

تمدَّدَ على الفراشِ يضعُ رأسهِ فوق ساقيها متنهِّدًا بألمٍ يخرجُ من أعماقِ قلبهِ قائلًا: -ماما محجوزة في الأوضة اللي جنب أرسلان، بابا طلب من الدكاترة تفضل على المهدِّئات، بس هيَّ كويسة.
ملَّست على رأسهِ بحبٍّ تستمعُ إلى حديثه، وكأنَّهُ لا يوجد بينهما أيِّ صراع: -طيب ممكن تنام شوية، شكلك مرهق أوي.

-أنام إزاي ياميرال وأنا حاسس لو قفلت عيوني هفوق على كابوس فقدان أرسلان. انحنت تضعُ رأسها على جبينهِ وهمست بخفوت: -حبيبي كلِّ حاجة مقدَّرة في الدنيا، هوَّ أنا اللي هقولَّك على القضاء والقدر، لو له قدر يعيش هيعيش، ارمي حمولك على ربنا.

ابتسامةٌ من وسطِ أحزانهِ على كلماتها التي تحاولُ أن تهوِّنَ عليه، نظرَ لداخلِ مقلتيها: -ربنا يكمِّلك بعقلك وتفضلي عاقلة على طول. داعبت أنفهِ بأنفها ومازالت تهمسُ بخفوت: -مراتك عاقلة واللهِ بس إنتَ اللي مجنِّنها معاك. أغمضَ عينيهِ يستمتعُ بكلماتها الحانية، فلقد نزلت على قلبهِ كقطرةِ ندا ترطِّبُ جفافَ القلبِ من الألمِ والحزن، تراجعَ بجسده، يفردُ ذراعهِ لتتوسَّده. لم تفكِّر كثيرًا، لتتمدَّدَ تدفنُ نفسها بأحضانهِ وآااه عميقة أخرجتها على كمِّ المشاعرِ التي شعرت بها...

بإحدى المستشفيات بألمانيا، تقفُ أمام أحد النوافذِ تنظرُ إلى والدها الممدَّدِ بالفراش، توقَّفَ بعدما تحرَّكَ زين إلى الغرفة، اقتربَ منها: -بقالك أكتر من نصِّ ساعة واقفة، أقعدي علشان ماتتعبيش.
زفرةٌ قويةٌ تدلُّ على مدى آلامها، لتردفَ بتهدُّج: - ارتاح ازاي وبابا حالته صعبة.

دمعةٌ انبثقت من جفنيها وذكرياتها مع والدها أمامَ عينيها، وتابعت حديثها: -أنا مش هقدر أعيش من غير بابا يايزن. التفتت إليهِ واستطردت بنبرةٍ ممزوجةٍ بالحزن: -تعرف لمَّا قولت له اتجوِّزت يزن، فرح أوي وقالِّي دا راجل ومش هخاف عليكي. عادت بنظراتها لوالدها تنظرُ إليه بعينيها التي بها الكثيرُ من الأمنيات: -بنتك مستنياك يابابا، أوعى تخلف وعدك معايا.

كان يستمعُ إليها وشعورٌ بالألمِ يحرقُ روحه. لعنَ نفسهِ التي استخدمتها كوسيلةٍ انتقامية.

رفعَ ذراعهِ وحاوطَ أكتافها يقرِّبها إلى أحضانه، لتنهارَ باكيةً بشهقاتٍ مرتفعة: -أنا خايفة يايزن، الدكتور بيقول نسبة نجاح العملية ضئيل، وانا عاجزة ومش عارفة آخد قرار.

ضمَّها بقوةٍ لأحضانه، بعدما فقدَ اتزانهِ من بكائها، حاولَ السيطرةَ على رجفةِ قلبهِ التي اعترتهُ من رائحتها. ابتلعَ لعابهِ بصعوبة، حينما لفَّت ذراعيها حول خصرهِ وكأنَّها تثبتُ له أنَّهُ قلعتها الحصينة. سحبها إلى المقعدِ وجلسَ وأجلسها بجواره، رفعَ ذقنها يزيلُ عبراتها: -ممكن تبَّطلي عياط، أنا متأكِّد أنُّه هيفوق ويقوم بالسلامة، قطعَ حديثهم وصولِ راجح ورانيا: -راحيل حبيبتي. قالتها رانيا وهي تجذبها لأحضانها، بينما رمقَ راجح يزن يشيرُ إليهِ بغضبٍ تجلَّى بعينيهِ وهدرَ بعنفٍ بخروجِ زين من الغرفة: -الواد دا بيعمل إيه، حدجهٍ بنظرة مشمئزة: -إنتَ مفكَّر نفسك مين ياله، علشان تتجرَّأ وتيجي هنا.

نصبَ عودهِ وتوقَّفَ مقتربًا من وقوفِ راجح: -اسمعني إنتَ علشان مبحبش كلام أشباهِ الرجال، أنا لو مش راجل كنت طردتك من هنا، بعد اللي عملته في مراتي، أنا وبس اللي ليَّا الحق أكون هنا، أمَّا إنتَ متطفِّل لا غير.

ثارت شياطينُ غضبِ راجح التي لاحت بعينيه، واقتربَ يجذبهُ من تلابيبه: -هوَّ مين ياحشرة اللي أشباه الرجال، دا أنا مش هرحمك. دفعهُ بغضب، ولكمهُ بصدره. فتدخَّلَ زين صائحًا بهما: -إيه اللي بتعملوه دا، إحنا في مستشفى ومش في مصر كمان، اهدوا، لحدِّ مانشوف الدكتور هيقولِّنا إيه. استدارَ إلى راجح وأشارَ إليه: -راجح دا جوز رحيل، خلاص بقى سواء رضيت ولَّا لأ، دنا منه خطوةً واخترقهُ بنظراته: -إحنا لسة ماتكلمناش في اللي حصل في الشركة، وإزاي طارق يهجم على بنتِ خالته ويطردها، لا وكمان عايز تغصبها على الجواز، لسة متحسبناش ياراجح، فياريت تسكت مش عايز كلمة واحدة، إحنا هنا علشان مالك وبس.

تحرَّكَ مغادرًا المكانَ بخطواتهِ التي تأكلُ الأرض، يشيرُ بيدهِ معترضًا على الكلام. راقبت رانيا تحرُّكهِ إلى أن اختفى، ثمَّ توجَّهت إلى زين: -ينفع كدا يازين، ليه تعمل فيه كدا، يعني تفضَّل عليه عيِّل، وجزاته أنُّه خايف على راحيل وورثها.
-رانيا مش عايز أسمع كلام، جوزك وعارفه مش منتظر إنِّك تعرَّفيني عليه، وبدل ماإنتِ واقفة تدافعي عنُّه، ادخلي شوفي أختك التعبانة دي.

رمقت يزن بنظرةٍ سريعةٍ ثمَّ تحرَّكت متَّجهةً إلى الغرفةِ دون حديثٍ آخر، التفتَ زين إلى يزن واقتربَ منه قائلًا: -متفكرشِ إنِّي قبلت هجومك وكلامك عليه، دا قدِّ والدك، عيب أوي إنَّك تكلِّم اللي أكبر منَّك بالطريقةِ دي، غير هجومك الغير مبرَّر عليه.
-حضرتك ياعمُّو أنا معملتش حاجة، شايف عمل إيه.

رفعَ كفَّيهِ إليهِ بالصمت، ثمَّ أردف: -أيِّ حدِّ مكانه كان هيعمل كدا، متزعلشِ يابني، راحيل ينطِمع بيها، وهوَّ حسب نظرته شايف إنَّك طمعان في ورثها، غير إنِّ طارق ورحيل كانوا مخطوبين فهوَّ كأب صعبان عليه ابنه.
-خالو ممكن مانتكلمش في الموضوع دا، أنا تعبانة وماليش نفس للمناهدة.

بالقاهرة وخاصَّةً بشقةِ آدم: وصلَ بها إلى الداخل، وأغلقَ البابَ يسحبُ المفتاحَ منه، ثمَّ وضعها بهدوءٍ مع محاولتها التملُّصَ من بينِ قبضته.

تراجعَ يسحبُ نفسًا ثمَّ اتَّجهَ إلى الأريكةِ وجلسَ عليها مع محاولاتها بالخروج، ركلت البابَ تصرخُ به ثمَّ اقتربت تلكمهُ بصدرهِ وهو جالسًا دون أيِّ ردِّ فعل، هاجت بنَّيتها بالعواصفِ الغاضبة تسبُّه، وبدأت تحطِّمُ كلَّ ما يقابلها حتى هوت على الأرضيَّةِ بأنفاسٍ مرتفعة. نهضَ من مكانهِ وجلسَ بجوارها على الأرض: -من تلات سنين بعد حصولي على الدكتوراه بدرجةِ امتياز، كان معايا تلاتة من جنسيات مختلفة، واحد بريطاني، وواحد نمساوي، وواحد روسي وأنا، بيختارو اتنين بس للتعيين، كان طبعًا لازم يعيِّنوا مننا، وإنتِ عارفة التعيين في الجامعة دي بداية أوَّل خطوة في النجاح، حلمي هيتحقَّق، للأسف الوقت دا عمِّتو ماتت، حاولت اتَّصل بيكي بس طبعًا مرات أبوكي قالتلي إنِّك مش عايزة تكلِّميني، قولت من الصدمة، مرَّة واتنين ومعرفتش أوصلِّك، لحدِّ مافي يوم قالتلي الصراحة يادكتور إنتَ صعبان عليَّا بس إيلين مش هتكلِّمك تاني خلاص، أصلها بتحبِّ واحد منعها من الكلام معاك، فضلت دقايق أستوعب الكلام اللي قالته لحدِّ ما قفلت الخط بعد ماقدرتش أردِّ عليها، وأنا بفتكر كلامك وهستناك ومتتأخرش، آدم أنا بحبَّك. رفعَ رأسهِ وتعمَّقَ ببنيَّتها: -الكلمة دي كانت زي المرض الخبيث في الودان، ضحكتك وإنتِ بتقوليها مع كسوفك، ريحتك في قميصي وأنا مسافر اللي رفضت أغسله علشان كلِّ ماأشتقالك أشمُّه، خجلك لمَّا بوستك على خدِّك، دا كلُّه كان كذب، إزاي قدرتي تعملي كدا فيَّا، قعدت مع نفسي، إيه دا إزاي ماأخدتش بالي إنِّي حبِّيت عيِّلة كلمة بتودِّيها وكلمة بتجبها، كلِّمت أبوكي علشان أقطع الشكِّ باليقين، قالِّي البنتِ اتخطبت ياآدم وربنا يوفَّقك. اتخطبت، للدرجة دي قدرت تنسى حبِّي بسرعة كدا، طيِّب فين حبَّها في الطبِّ اللي كانت بتقول هذاكر علشان نبقى دكاترة زي بعض، لا مستحيل فيه حاجة غلط كلِّمت كرم وحاولت أفهم إيه اللي حصل، وقتها إنتِ كنتي معاه. طلبت منُّه أكلِّمك إنتِ رفضتي، قولتي مش فاضية، وسمعتك وقتها بتنادي على حدِّ اسمه سمير وقولتي له هروح أشوف سمير لمَّا تخلَّص مكالمتك، اضَّيقت والدنيا اسودِّت في وشِّي، يعني أنا بفكَّر أتنازل عن الحلمِ علشان أرجع لك وإنتِ رافضة حتى تكلِّميني.

رجعَ بجسدهِ للخلفِ واستندَ على الجدارِ وتابعَ ذكرياتهِ المؤلمة، نهيت المكالمة مع كرم حتى لمَّا سألته ليه إيلين مش عايزة تكلِّمني، توَّهني عن الحديث، شكِّيت في الكلام اللي مرات أبوكي قالته، وقتها قرَّرت أكمِّل حلمي لنفسي، ودخلت المسابقة الأخيرة على أمل أتعيَّن في الجامعة، وكنت ضمنِ اتنين بس طبعًا عربي صعب ضدِّ بريطاني، في الوقتِ دا كنت متعرَّف على حنين، هيَّ أكبر منِّي بخمس سنين وكان ليها معارف كتير في الجامعة دي، وطبعًا باباها راجل له مكانة علميَّة هناك، غير أنُّه من أشهر كام عالم في مجاله، كانت بتتقرَّب منِّي بس أنا كنت رافض القرب دا، دخلت عليَّا بالحبِّ والحنان، منكرشِ انجذبت لها في وقتِ كانت جوايا حاجات كتيرة ماتت، قرَّبنا من بعض، حاولت أتقبَّلها في حياتي، لقيتها مرَّة جاية بترمي قدامي ظرف تعييني في الجامعة، وبتقولِّي مبروك.

أنا مكنتش مصدَّق، يعني اختاروني عن الشخصِ التاني إزاي، كنت فقدت الأمل، لقيتها بتقولِّي، بابا تدخَّل، وكمان أنا عندي معارف، رغم مكنشِ عاجبني الطريقة بس خلاص حصل.

زفرةٌ حارقةٌ أخرجها حينما شعرَ بأنَّها تحرقُ جوفهِ وأكمل: -لقيت نفسي بطلبها للجواز، ووافقت على طول، ووثَّقنا عقدِ جوازنا في السفارة، بس بعد ما كتبت عليها حسِّيت إحساس غريب مش قادر أتقبَّلها في حياتي، أسلوب حياتها غير أسلوب حياتي، شرطت عليها مش هنتمِّم جوازنا غير لمَّا أنزل مصر وأعرَّف بابا، وهيَّ كانت متقبِّلة الموضوع جدًا، وفضلت حياتنا سنتين عادية، اعتدلَ ينظرُ إليها: -عمرها ماحرَّكت مشاعري، رغم إنَّها حلوة، ولا عمري شوفت نفسي معاها، فضلت حياتنا زي ماهيّ، لحدِّ ما رجعت مصر وبابا قالِّي لازم تتجوِّز بنتِ عمِّتك علشان الوضعِ كذا وكذا، صراخك وقتها ورفضك ليَّا أكدلي إنِّك بتحبِّي حدِّ تاني، حتى لمَّا قعدت معاكي قبلِ جوازنا، حاولت أشوف في عيونك حبِّ آدم القديم مشفتش غير عيون باردة، عيون معرفهاش، فكان لازم أدوس على نفسي وقلبي وأحاول أحافظ عليكي علشان مظلمشِ قلبك معايا، لحدِّ مامريم حكت لي كلِّ حاجة قبلِ سفرها بيوم، إحنا الاتنين ظلمنا بعض، حاولت كتير أحكي لك بس إنتِ مدتنيش فرصة، كلِّ كلامك كان هجوم وبس، إنتِ ظلمتيني ياإيلين وأنا ظلمتك، بس وحياة أوَّل دقّّة حب نبضت بقلبي عمري مانسيتك، ولا عمري فكَّرت أخون حبِّك، كلِّ اللي حصل قدر، دي الحقيقة عايزة تصدَّقي براحتك مش عايزة براحتك، ودلوقتي مستقبل حبِّنا بين إيديكي، وأنا هعمل اللي إنتِ عايزاه، وفي نفسِ الوقت هكون سندك وعمري ماهتخلَّى عنِّك.

رفعَ ذقنها ومسحَ دموعها التي أغرقت وجنتيها: -دموعك غالية وبتدبحني، إيلين من وقت ماهربتي من حضني وأنا ضايع، محستشِ باآدم ولا قلبي دق إلَّا وإنتِ في حضني، لو فعلًا عايزة تموِّتي آدم ابعدي، لو موتي هيريِّحك أنا موافق.
قالها ونهضَ من مكانهِ واتَّجهَ إلى الباب، وقامَ بفتحه، ثمَّ ألقى المفتاحَ إليها وتحرَّكَ للخارج.

بعد أسبوعٍ بالمشفى عند أرسلان، دلفَ إليهِ إسحاق، جذبَ المقعدَ وجلسَ بمقابلته، نهضت غرام من جواره: -هروح أشوف ماما صفية. أومأ لها دون حديث: -عامل إيه دلوقتي؟
-كويس. أخذَ نفسًا عميقًا وطردهُ بهدوءٍ ثمَّ انحنى يمسِّدُ على رأسه: -إنتَ عارف إنَّك قطعة من روحي.
-لا مش عارف ومش عايز أعرف، أنا دلوقتي مبقتشِ عارف أيِّ حاجة.
-أرسلان.
ظلَّت ملامحهِ متجمِّدةً إلى أن نطق: -عايز أنام، تعبان ومش قادر أتكلِّم.

أومأ له ثمَّ نهضَ مستديرًا ليستمعَ إلى طرقاتٍ على بابِ الغرفة، يتبعهُ دخولُ فريدة وإلياس.

تقابلت نظراتُ إلياس مع إسحاق بصمت، إلى أن خرجَ من الغرفة، بينما اقتربَ إلياس يطلقُ صفيرًا: -النهاردة الله أكبر حالتك كويسة، رسمَ ابتسامةً دون حديث، دنت فريدة منهُ ثمَّ انحنت تطبعُ قبلةً فوق جبينهِ تملِّسُ على وجهه: -عامل إيه ياحبيبي؟

ابتسمَ وأجابها: -الحمدُ لله. حمحمَ إلياس وأشارَ إليها على المقعد: -اقعدي علشان مادخويش، ثمَّ اتَّجهَ إلى أرسلان: -مدام فريدة كانت تعبانة ورغم كدا جتلك إمبارح، أصرِّت إنَّها تشوفك بس كنت نايم، -متشكِّر ياستِّ الكل. لمعت عينيها ترفعها إلى إلياس الذي أشارَ إليها بالسيطرةِ على دموعها، فاقتربَ منحنيًا يستندُ على فراشه: -الحادثة دي حصلت إزاي؟

سحبَ بصرهِ بعيدًا عنهُ قائلًا: -مش فاكر، محستشِ بنفسي غير والعربية بتتقلب.
-أمم. هعمل عبيط وأصدَّقك، المهمِّ لازم تفوق بسرعة علشان عندي مفاجأة هتعجبك أوي.
-مفاجاة منَّك، وتعجبني. قهقهَ إلياس يشيرُ إلى والدته: -كدا أنا اطَّمنت عليه، لا وبيقولوا مضروب في راسه.

أفلتَ ضحكةً مما شعرَ بتألُّمهِ ليضعَ يدهِ على رأسه، هبَّت فريدة بتلهُّف: -حبيبي راسك لسة بتوجعك؟ رفعت عينيها إلى إلياس ونطقت بنبرةٍ منزعجة: -شوف الدكتور يجي يشوف أخوك، هوَّ سايبه كدا ليه؟
قالتها مع أنفاسها الهادرة، ليقتربَ منها ويساعدها بالجلوس: -حبيبتي ممكن تهدي، إحنا ماصدَّقنا الضغط اتظبط، قالها بمغذى، لتجلسَ مضطرَّةً تفركُ جبينها ومازالت أنفاسها سريعة.

جلسَ إلياس بجواره: -الدكتور قالَّك إيه على وجع راسك، طبيعي من الحادثة، ولَّا فيه حاجة تانية، يعني عملت إشاعات وكلِّ حاجة تمام؟ قاطعهم دخولُ ملك وصفية.
توقَّفت فريدة، اقتربت منها صفية: -إزيك يامدام فريدة.
الحمدُلله. حمدالله على سلامته وعلى سلامة فاروق بيه.
-شكرًا. قالتها واستدارت بنظرها إلى أرسلان: -عامل إيه ياحبيبي؟

-الحمدُلله، با. بترَ الكلمةَ وابتعدَ بنظرهِ عنها، اغروقت عيناها بالدموع، فمنذ أن أفاقَ وهو لم يتحدَّث مع أحد، انتهزت فرصةَ وجودِ فريدة وإلياس لتحدُّثِ معهُ قليلًا.

بعد فترةٍ خرجَ بجوارِ والدته، صعدَ إلى سيارته: -هوصَّلك على بيتي، تشوفي ميرال، بقالها فترة لوحدها، مش عايز أقرَّب منها علشان متفكرشِ حاجة تانية.
زمَّت شفتيها تهزُّ رأسها باعتراضٍ تجلَّى بعينيها، وأردفت موبِّخةً إياه: -وبعدين هتفضلوا كدا، مراتك حامل، ومحتجاك أكتر من أيِّ وقت.

-ممكن ماتدخَّليش في الموضوع دا لو سمحتي، أنا مطلبتش منها تمشي، هيَّ اللي قالت ننفصل، مش عايز أيِّ تدخُّل من حد، وياريت ماتضغطيش عليها.

أطرقت برأسها ونطقت بنبرةٍ منزعجة: -بضيَّعوا أجمل أيام عمركم، هيَّ بتهوُّرها وإنتَ ببرودك.
أظلمت عيناهُ بأسى وأجابها بصوتٍ عميقٍ رغم مايشعرُ به: -أنا مقصَّرتش معاها، مش عايز مراتي يكون فيها أيِّ حاجة من أهلها، لازم تكون عارفة هيَّ مين ومتجوزة مين.
-يابني البنت بتمر بظروف صعبة غير حملها، بلاش إنتَ كمان تضغط عليها.
لم تهتز عضلةٌ من ملامحه، وتحرَّكَ بالسيارةِ دون حديث، وصلَ بعد فترة.

كانت بالأعلى تعملُ على جهازها على أحدِ اللقاءاتِ التي أرسلتها صديقتها، استمعت إلى صوتِ سيارته، نهضت من مكانها تنظرُ من الشرفة، شاهدت نزولُ فريدة من السيارةِ بينما هو تحرَّكَ مغادرًا. اهتزَّ داخلها حتى شعرت برعشةٍ يتخلَّلها الحزن، لتجلسَ على مقعدها مرَّةً أخرى تحتضنُ جنينها: -وآدي أسبوع كامل وباباك مقاطعنا، زي مايكون ماصدَّق يرمينا، تفتكر هوَّ مابقاش عايزنا، أنا تعبانة أوي ومحتاجة حضنه، استمعت إلى طرقاتِ الباب، أزالت دموعها ونهضت تقابلُ فريدة.

بمنزل راجح وخاصة بغرفة مكتبه
-شوف ياراجح، احنا صبرنا عليك، انت بقيت كارت محروق وجدًا، والشرطة عيناها عليك، لازم تنفذ اخر مهمة، دا لو عايز تعيش
توقف واتجه إلى جلوسه
-ازاي بس دلوقتي، اصبروا شوية لما الدنيا تهدى
-ولا يوم ياراجح، شوف هتعمل ايه
قالها ونهض من مكانه، ثم ألقى الصورة أمامه
-البنت دي مبقاش ينفع السكوت عليها، دي وصلت لحد مهم وانت عارف النهاية ايه، موتك قصاد موتها.

كانت تتنصت عليهم بالخارج، ابتعدت عن الباب سريعًا، قبل أن يراها احدًا، ثم صعدت إلى غرفتها، تدور حول نفسها
-أكيد مش هيقتل بنته، لا لا، راجح ميعملهاش. دلف إليها ورسم ابتسامة
-حابسة نفسك هنا ليه، اجهزي ورانا مشوار.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة