قصص و روايات - نوفيلا :

نوفيلا جلمود صخر للكاتبة شاهندة الفصل السابع

نوفيلا جلمود صخر للكاتبة شاهندة الفصل السابع

نوفيلا جلمود صخر للكاتبة شاهندة الفصل السابع

كانت قمر تتمشى مع صخر في حديقة القصر كما إعتادا كل مساء، يتناقشان في أمور المملكة وأحوالها، حين تعالى صوتها الذي زلزل أركان المكان من حولهما وهي تقول في حقد تمتلئ به نبراتها:
وأخيرا ياصخر، لقد حان وقت الإنتقام...

إلتفتا إليها سويا، لينظر صخر إلى قسماتها الجميلة والتي حولها الغل إلى قسمات شيطانية بشعة، لتظهر الصدمة على ملامحه، ينظر إليها بذهول وإلى صولجانها التي إستعادته وتلوح به في وجهه بإنتصار لتتحول قسماته الجزعة لقسمات قوية جامدة وهو يبعد قمر إلى ماوراء ظهره، ثم يخرج سيفه من غمده يشهره في وجه تلك الشيطانة جولنار وهو ينظر إليها قائلا بثبات:
لقد حان بالفعل، وحانت معه نهايتك أيتها المشعوذة المأفونة.

تسارعت دقات خافق قمر خوفا على صخر، وهي ترى تلك الساحرة التي ظهر الغضب على ملامحها، تقول بحنق:
مازلت مغرورا يافتى، تظن أنك تستطيع التغلب علي، كم كنت أتمنى لو سحرتك كما سحرت أبيك من قبلك، فموتك خسارة حقا، ولكن لا وقت لدي ولا حاجة لى بك،.

لترفع صولجانها بإتجاهه وهي تتمتم بكلمات تشبه التعاويذ، لتشتعل جوهرته الحمراء، بينما دفع صخر قمر بعيدا رغما عنها وهو يتجه إلى تلك الساحرة بأقصى سرعة ولكنها مع الأسف كانت الأسرع بإطلاق صولجانها بإتجاهه، لينطلق منه شعاع أصاب قلب صخر وحوله إلى تمثال صخري على الفور، لتصرخ قمر بإسمه في لوعة...

إستيقظت قمر من نومها فزعة تصرخ بإسم صخر بقلب وجل، نظرت حولها فرأت أنها في مخدعها، أدركت أن ما رأته ما هو إلا كابوس بشع، نهضت من سريرها بسرعة تجول في حجرتها جيئة وذهابا بخوف ينتشر في كيانها، توقفت بتردد تجول عيناها المضطربتان في الحجرة، لتقع عيناها على عبائتها فإتجهت إليها تسحبها من مكانها وتضعها عليها بإهمال وهي تخرج من جناحها بإتجاه مكان واحد، تدرك أنها لن تهنأ ولن ترتاح حتى تصل إليه وتراه رابضا فيه بخير أمامها، فقط ستراه وتعود، ستطمئن عليه حتى تهدأ دقات قلبها التي أدركت من خلالها الآن بكل قوة أنه لا حياة لها دونه، هو، حبيبها ومليكها، وزوجها، صخر.

كان يقف أمام شرفته يتكئ على بابها ينظر إلى السماء، إلى هذا الذي يذكره بها، بحبيبته التي أنارت عتمة قلبه كما ينير هذا القمر عتمة الليل تماما، لم يستطع النوم بعد هذا الكابوس المزعج، ليرى راحته الآن في تخيلها هي، يرغب بكل ذرة في كيانه لو ذهب إلى مخدعها الآن ورآها أو تحدث معها، ولكن لابد وأنها تغط في نوم عميق لا يريد أن يقلقها منه، فتح الباب فجأة فإلتفت تجاهه ليراها واقفة هناك تنظر إليه بخوف، عيناها تجريان عليه وكأنهما تتأكدان من وجوده وأنه بخير، عقد حاجبيه قائلا في حيرة:.

قمر، ما بك؟
وقعت العباءة من يدها ووجدت نفسها تجرى بإتجاهه ليفتح لها ذراعيه على الفور يضمها بينهما وهو يغمض عينيه، يستمع إلى همسها الدافئ بإسمه قائلة:
صخر.
فتح عيونه يقول بهمس مماثل:
قلب صخر، ومليكته.

فتحت عيونها بدورها تدرك أنه نطق بحروف العشق في كلماته، لتخرج من حضنه، تنظر إلى ملامحه في لهفة، تود أن تتأكد من أن مشاعره التي أدركتها حقيقية وليست من نسج خيالها، ليتأمل ملامحها بشغف يرفع يده ليرجع خصلتها الشاردة دائما إلى ما خلف أذنها قائلا بوله:.

أحببتك ياقمرى، منذ أن عرفت الهوى، ليحطم عشقك جلمود أحطته بقلبى خشية عليه من الأذى، فأعدتيه حيا كما كان، ثم تربعتى على عرشه وأصبحتى ياحبيبتى ملكته طوال الزمان،
ليمرر يده على طول وجنتها برقة مستطردا بنبرات عاشقة إمتزجت بالقلق:.

فقط أخشى أن يكون كل ما يجمعك بى هو عشق مملكة الفيروز، فتزوى نبضات قلبى كمدا وأعيش وحيدا دون عشق أيقظ مشاعرى وحطم الأسوار والقيود، فأصير مجنون قمر أو أفنى وأصبح في الحياة غير موجود.
أغمضت قمر عينيها ثم فتحتهما قائلة بعشق نبض في النظرات و الحروف:.

آه من كلماتك يامولاي، تذيب القلب عشقا، وتوقظه من سبات طويل، لم أعرف الحب يوما حتى علمتنى الحب على يديك فحولت كابوسى إلى حلم جميل، قد أنكر كل شئ، إلا عشقك فنكرانه مستحيل.
ضمها صخر إليه مجددا يغمض عيناه قائلا:
فلتمنحينى سكنا بين ذراعيك حبيبتى ولنتحد في العشق لأشبع ظمأ روحى المشتاقة إليك مليكتى، فدونك لم أكن أبدا مكتملا، ينقصنى دوما شيئا، حتى رأيتك، فشعرت بروحى تستكين.
لتهمس قمر قائلة:.

أنا لك سيدى سكنا كما أنت لى وطنا، ومعك وحدك وجدت ضالتى فإمتزجت الحقيقة بالخيال، وأدركت أنك توأم الروح وحبيب القلب وغاية الآمال.
ليمرغ صخر وجهه في خصلاتها كما تمنى كثيرا يردد كلمات العشق بهمس أنسى قمر كابوسها المريع، لتعيش مع ملكها حلمها البديع، تغرق رويدا رويدا في دوامة مشاعره التي أغدقها عليها، يثبت لها بكل همساته ولمساته، أنها أصبحت مليكة قلبه الذي ما خفق إلا، لها.

تأمل صخر ملامحها الجميلة الفاتنة وهي تنام بجواره كالملاك، ينتابه شعورا لم يكن ليحلم بأن يناله يوما، العشق الذي يجعل القلب كاملا، نابض بالحياة، مال يقبلها على جبينها برقة، قبل أن ينهض من سريره، يتجه إلى شرفته، يقف على بابها مجددا، يتطلع إلى الخارج بصمت، ويفكر بعمق، لقد منحه عشق قمر قوة لينهض بمملكته ويجعلها أجمل ممالك الدنيا، ولكن هناك هاجس بداخله يخبره بوجود خطأ ما أو ربما خطر ما يحيط بعرشه، ليذهب بأفكاره إلى تلك الساحرة الشريرة على الفور، ينوى بالغد أن يذهب إلى هذا البرج العالى ويتأكد تماما من أنه يحتوى كتلة الشر تلك، ثم يقضى عليها، إلى الأبد، فقد نسيها في غمار إنتقامه من بنى جنسها ونسي أنها السبب الرئيسى لهذا الإنتقام...

إستمع إلى همهماتها الضعيفة المتألمة فإلتفت ينظر إليها بسرعة ليجدها عاقدة حاجبيها بقوة، كاد أن يذهب إليها يوقظها وهو يدرك أنها تعانى كابوسا، وبالفعل تحرك خطوة واحدة ليتوقف حين صرخت بإسمه تفتح عيناها بقوة، ثم تنظر إليه، لتنهض بسرعة تجرى بإتجاهه، في نفس الوقت الذي أسرع فيه إليها ليلتقيا بنصف الطريق يضمها بقوة وتضمه بدورها، تقول في جزع:.

كفى، لا أستطيع إحتمالا، أرجوك دع ذلك الكابوس البغيض يتوقف، أرجوك ياصخر.
ربت على ظهرها، يقول بصوت مفعم بالحنان:
إهدئى حبيبتى، إنه كما قلتى كابوس وذهب إلى حال سبيله، أنا بجوارك مليكتى فإطمئنى.
خرجت من حضنه تمسك وجهه بين يديها قائلة بألم:
في كابوسى تتحول لصخر حقا، في كابوسى تضيع منى للأبد، يتكرر هذا الكابوس الليلة للمرة الثانية، للمرة الثانية أعيش مرارة الفقدان، لا لن أنام مجددا، فأنا أخشى، اخشى...

صمتت لا تقوى على قول كلماتها، ليميل صخر مقبلا يدها الرابضة على وجنته، ثم ناظرا إلى عينيها قائلا بحنان:
لا تخشى شيئا ياقمر، فما وجدتك لأفقدك بتلك السرعة وما إلتقينا لنبتعد، فقرى عينا وإهدئى، فأنا إلى جوارك الليلة وكل ليلة، أخبرك بكل مالدي، أننا معا للأبد ياحبيبتى.
ثم مال مقبلا ثغرها المرتعش خوفا بعشق، أنساها ذلك الخوف، مؤقتا.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة