قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لمن يهوى القلب الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثاني

رواية لمن يهوى القلب الجزء الأول بقلم فاطمة حمدي

رواية لمن يهوى القلب الجزء الأول للكاتبة فاطمة حمدي الفصل الثاني

( رواية بونسوار سابقا )


-ساندرا..
هكذا هتفت صديقتها المُقربة وهي تهرول إليها واحتضنتها برفقٍ.. فبادلتها الأخيرة بودٍ وهي تقول ببسمة هادئة:
-رغدة.. وحشتيني أوي..
-وأنتِ كمان.. ليه مكنتيش بتيجي؟
-يعني كنت مريحة شوية.. وكمان أنتِ عارفة إن كان فيه خطوبة أدهم إبن عمي..
ابتسمت (رغدة) وقالت بمشاكسة:
-عقبالك يا قلبي..

بادلتها ساندرا الابتسامة بخجل وأطرقت برأسها قبيل أن تسألها بتوتر:
-مامتك أخبارها إيه؟
فضحكت رغـدة وأخبرتها غامزة:
-كويسة وبتسلم عليكِ.. وبتقولك وحشتيني وأوي..
تخضبت وجنتاها بحُمرة خجلة.. ثم قالت رغدة مُكملة:
-تعالي معايا يا ساندرا عشان خاطري.. نقعد شوية مع بعض وبالمرة تدوقي المحشي بتاع ماما!
ردت ساندرا بفرحة:
-الله.. محشي!

أنا بحبه أوي.. أنا كدا لازم أجي معاكِ لأن تقريباً المحشي دا مُحرم على بيتنا.. ماما وتمارا بيخافوا ياكلوه عشان يفضلوا عود فرنساوي..
أطلقت رغدة ضحكة هادئة واستكملت:
-طب يلا بينا إحنا وهأكلك أحلى محشي...

خرجت إلى الحديقة بخطواتٍ متمهلة وهي تَحمل قطتها البيضاء الناعمة..
ثم راحت تجلس على الأورجوحة بهدوءٍ وأخذت تمسد ظهر القطة بشرودٍ..
ولم تبحث عيناها عنه في أنحاء الحديقة كما تفعل..
بل كان قلبها من يبحث عنه ويتلهف لوِصاله..
كيف السبيل إلى وصال علي '؟!
متى سيرحم قلبها '؟!..

رائحته انتشرت فجأة في المكان.. فعلمت أنه قريب.. قريب للغاية..
حولها هنا..
لهذا التفتت للخلف فاصطدمت عيناها برؤيته الحبيبة..
لكنها عادت كما كانت بعبوسٍ راق له!
حتى عبوسها يروق له.. لأنها استثناء!
-صباح الخير..

همس بها علي وهو يواجهها حيث وقف قبالتها بقامتهِ الفارهة وابتسم برسمية كعادته..
فلم ترد عليه واصطنعت الانشغال بالقطة خاصتها..
فعاد علي يتحدث بتصميم:
-أنسة ميرال؟
زفرت أنفاسها بطريقة طفولية ولم ترد عليه أيضاً...
-أنتِ زعلانة مني أوي كدا؟
هكذا سألها برفق.. واستكمل:
-طب أنا عملت إيه؟!
ويسأل؟!

يسألها بكل هدوء يستفزها لماذا هي غاضبة؟!
ما فائدة الكلام وهو يحاول الابتعاد؟!
-أنت عاوز مني إيه دلوقتي؟
سؤالها أحرجه.. كيف يجيب..؟
ماذا يقول..؟
لكنه وببراعته المعهودة أجاب:
-عاوز أطمن على صحتك.. لعلك بخير؟
-الحمدلله بخير.. ارتحت يا علي!؟
ابتسم لأنها ختمت جملتها بإسمه الذي يحب سماعه دائماً منها..

ليقول بتلقائيةٍ:
-مرتاح طول ما أنتِ كويسة يا أنسة ميرال.. ممكن تفكي التكشيرة دي؟..
أنا والله مكانش قصدي أخد منك الشوكليت!
نظرت له بغيظٍ وأردفت؛
-شوكليت!
شوكليت إيه اللي بتكلمني عنها؟
تنهد بصمت وخلع نظارته الشمسية السمراء ثم رمقها بنظرة مطولة.. نظرة كان كفيلة بدغدغة مشاعرها..
نظرة أودعها فيها كل ما يشعر به نحوها..

نظرة تخصها وحدها دونا عن نساء العالم..
وهي.. كان تناظره بتحيّر.. عيناه تتحدثان فلمَ يصمت هو؟!
وكأنه قرأ أفكارها..
فأخبرها مبتسما ولكن ليس برسمية.. بل بم يكنه لها:
-أنا نفسي أعيش حياتي كلها معاكِ يا ميرال..
يحدث ما يحدث بعد هذه الجملة.. هو لن يتحمل أكثر!...

-اللي عايز يجرب.. يقرب!
صوت جهوري يصيح في حارة شعبية مُتهالكة جار عليها الزمن..
وشاب ما يخلع عن جزءه العلوي الثياب بهجمية..
ثم يخبط بكفيه على صدره وكأنه أسدًا..
جسده صلب ولونه أسمر..
قامته طويلة وعيناه واسعتان جريئتان بلون الليل الكاحل..
كل هذا جعل ((ساندرا)) في حالة انبهار تام..

هذا الشاب غريب تماما ومختلف عن عالمها..
شهم يُدافع عن الأضعف وهو في الحارة الأقوى..
شاهدت الجميع وهو يفر هاربًا وخائفاً منه.. فازدادت عيناها بريقا متوهجا باعجابٍ..
أما هو ما إن لمحها ارتدى ثيابه ومضى نحوها وهو يمسح على جبينه المُتعرق..
ثم قال متغزلا بها بصوته الأجش:
-الله!.. هو القمر بيطلع بالنهار ولا إيه!؟..

نظرت سانــدرا إلى الأرض بخجل شديد وأرجعت خُصلات شعرها خلف أذنيها..
فقال (حــازم) مبتسما باعجابٍ سافر:
-نورتي الحارة كُلها يا برنسيسة..
همست له برقة وهي ترفع وجهها إليه:
-شكراً يا حازم..
-يلا بقى ندخل ولا هنفضل هنا يا أخ حازم؟!

كانت جملة رغـدة التي جذبتها من يدها وسارت بها إلى بنايتهم واتبعهم حــازم وهو يتمعن النظر بها..
وليس هو فقط..
بل الحارة بأكملها تتمعن النظر بها.. وكأنها نجمة من نجوم السينما..
الجميع يتفحصها ولكن خلسة.. فهي الآن في عرين وَحش الحارة... (حــازم)!

مساءً..
عاد أدهم إلى القصر فتفاجئ بخطيبتهِ ((لينـا ))، فزفر بحنق وهو يود قتلها، الساعة الآن الثانية عشر.. منتصف الليل.. '!
ما الذي أتى بها هذه اللعنة التي أصابته مؤخراً؟!
ابتسمت له ونهضت مقتربة منه قائلة بدلالٍ:
-مساء الخير.. يا دومي.. وحشتني يا بيبي..
-دومك!

قالها بغضب ورمقها بنظرة نارية وهو يسألها بحدة عارمة:
-أنا عاوز أعرف أنتِ جاية الساعة 12 دلوقتي ولوحدك إزاي؟!
فضحكت كالبلهاء... وقالت بخجل:
-يا قلبي بتخاف عليا!، أنا معايا الحرس بتوع بابي..
تمتم أدهم بخفوت:
-يا شيخة وجع في قلبك...
-بتقول حاجة يا بيبي؟

-بقول إني مش خايف عليكِ، أنا بتكلم عن حاجة تانية!
كشرت عن جبينها وسألته ببرود:
-حاجة إيه؟!
-مافيش بنت محترمة بتروح بيت خطيبها في وقت زي دا!، أنا مابحبش الأسلوب دا تمام؟!
-أدهم! مايصحش كدا يا حبيبي!
كانت هذه العبارة لوالدته التي اقتربت منهما، ليقول أدهم بجدية:
-أنا مابعرفش أجامل حد ولو عاوزة تكمل معايا يبقى تتعود على طبعي وتنفذ اللي بقوله!

لينا وقد احتل الغضب ملامحها:
-نعم؟!، حضرتك أوفر جدًا وواضح إنك عاوز تتقمص شخصية سي السيد!
ضحك متهكمًا وقال متعمدًا اخافتها:
-مين قالك إني عاوز أتقمص شخصيته؟، دا أنا نسخة تانية منه.. ودا طبعي مش عاجبك نفك الخطوبة عادي جدًا يعني!..
-حقيقي أنت مريض..
قالتها لينا بغيظ، فاقترب منها بنظرة مخيفة وقال جازا على أسنانه:
-حقيقي أنا ماسك نفسي بالعافية..

ثم استكمل ببرود:
فهطلع أنام عشان وشك الحلو دا مبوظهوش!
أنهى جملته القاتلة وصعد الدرج وهو يخلع عنه سترته، فتنحنحت والدته باحراج وهي لا تدري ماذا تقول للمسكينة...
-أنا أسفة يا لينا أدهم ما...
قاطعتها لينـا وهي تتجه صوب الباب بلا حديث، فتنهدت جيهان بضيقٍ وهي تقول:
-ماشي يا أدهم!

ذهبت إلى الملهى الليلي كعادتها في الليل..
وهناك رقصت حتى خارت قواها.. وشربت الخمر!
لكنها لم تشربَ حد الثمالة!
هي في كامل قواها العقلية..
نعم عادت تتحدث مع ((شادي))، ذاك الذي تركته من اسبوع فقط كالجثة الهامدة..

وها قد عادت له من جديد..
وهو استقبلها على الرحب والسعة.. مثلها تماما..
وفي نظراتهما سَكن الخُبث..
كلاهما ينوي فعلٍ ما في نفسهِ..
-أنتِ متأكدة من اللي بتقوليه دا يا تمارا؟!
هزت رأسها بضيقٍ وقالت:
-ماعنديش حل تاني، أنا كبرت وخلاص نفسي أستقر وأتجوز يا شادي!

شادي بذهولٍ:
-يعني عاوزاني أتقدم وأطلبك من فاخر بيه؟!
أومأت برأسها إيجابا وقالت بتأكيد:
-ايوة..
ثم تابعت بلا وعيٍ:
-عشان اللي بحبه مابيحبنيش.. فلازم أندمه لما يشوفني مع راجل غيره...
شادي بغضب:
-نعم؟ أنت هتتجوزيني عشان تغيظي واحد تاني؟، أنتِ مجنونة يا تمارا؟

ضحكت بتهكم صارخ ودفعته بكتفه مع قولها:
-أنت هتعمل فيها بني آدم؟!، أنت من الأول عرفتني عشان الفلوس.. أنا بقى يا روحي هنغنغك فلوس!
ثم نهضت مبتعدة عنه وقالت:
-بونسِوار يا بيبي...

دخل "شوقـي" إلى غُرفة أدهم كالعاصفة بعد أن فتح بابها بعنفٍ شرس وراح يزأر بحدةٍ عارمة:
-أنت يا بيييه.. قووم!
كان أدهم نائمًا على ظهره شارد بسقف الغرفة ويديه خلف رأسه.. فراح ينظر إلى والده بنظرة ثلجية وهو يردد:
-في حد يدخل على حد كدا؟، أومال الباب دا اخترعوه ليه؟!
-يا برودك يا أخي!
قوم اتعدل وكلمني !

نهض أدهم جالسا على الفراش متأففًا، ثم قال بهدوءٍ حازم:
-أفندم..
جاوره شوقي وهو يقول بغضب:
-إزاي تكلم لينا بالأسلوب دا؟! أنت عاوز توصلنا لإيه؟
ابتسم أدهم متهكما ولاذ به الصمت.. ليصيح به شوقي:
-ما ترد! أنا مش بكلمك؟
-أنا هرد..

هكذا تحدث بهدوء شديد.. ليُكمل:
-بس لما تقول كلام يعجبني ولو لمرة واحدة!
-أنت قليل الأدب!
-معلش..
وببرود مرة أخرى رد عليه.. ليحتقن وجه والده بالدماء وتندلع نيران الغضب داخله.. فيما يردد:
-إن كنت فاكر إنك بتستفزني بالطريقة دي تبقى غلطان!، أنا ولا يفرق معايا..
-ولا أنا..
كاد يُصيب والده بجلطة من حديثه الثلجي ...

حيث نهض شوقي وصرخ به منفعلًا:
-أنت ليه مش حاسس بكل حاجة بعملها عشانك؟!، هي الخطوبة دي كانت ليه؟، مش عشان نعمل أحلى شغل! والشغل دا مين هيتولاه من بعدي مش أنت؟
أدهم وقد نظر له بجديةٍ:
-لا مش أنا!.. أنا كفيل أأسس نفسي بعيد عن مصالحك اللي مش بتنتهي دي!، وحياتي الخاصة مش هتدخل في الشغل، ومش عشان أنت أبويا هقولك على كل حاجة سمعا وطاعة! أنا بشر، انسان، عارف يعني إيه؟.. يعني عندي مشاعر.. وبحس مش آلة بتشتغل ليل نهار عشان تكنز في فلوس وتعمل قصور..

أنا ليا جانب محدش من حقه يتخطاه حتى لو كان أبويا! وخطوبتي من لينا دي بمزاجي عشان بس أريحك واشوف أخرك.. إنما دي لا يمكن أكمل معاها وأنت عارف كدا كويس..
نظر له حينذاك باستهجان وأخبره ساخرًا:
-اطمن.. هي اللي سابتك مش أنت..
وبنفس النبرة الساخرة أردف أدهم:
-ألف مبروك.. دا أحلى خبر ممكن أسمعه!
سئم والده هذا الحوار العقيم الذي لا جدوى منه.. فرمقه بنظرة ثاقبة قبيل أن يبرح الغرفة... ثم يعود أدهم نائمًا كما كان وقد زفر بارتياح مع قوله:
-في ستين داهية...

في اليوم الموالي..
حيث تنفست "ميـرال" الهواء بعمقٍ شديد وأغمضت عينيها باستمتاعٍ..
وكأن الهواء مُعبق برائحته.. حاملا كل معاني الحُب إليها..
يهديها حياة جديدة..
حياة تتنفسها معه وحده.. تخصه وحده..
وتبقى له وحده دونا عن رجال العالم بأكمله..
وماذا بعد؟
بعد أن أخبرها أنه يُريد حياة هي ملاذها..!

التقطت هاتفها بين راحة يدها وهي تقف في شرفتُها، ثم أجرت اتصالا عليه فأخيرًا حصُلت على رقمه..
وكأنها حصلت على جائزة!
فرحتها الآن تسع الكون.. (علي) ليس بالنسبة لها حبيب فحسب!
(علي) لها حيـاة!
-وحشتني..
كانت أول جملة قالتها حين أجاب عليها.. فاصطدمت الكلمة بقلبه صداماً عنيفا.. فارتفعت نبضاته..

لكنه تحكم بمشاعره كعادته وقال بحزمٍ محبب إليها:
-ميرال؟ اتفقنا على إيه؟ ماتخلنيش أندم إني اتكلمت معاكِ!
ضحكت ضحكة أهلكته، ثم قالت بنعومة:
-أول مرة تقولي ميـرال من غير أنسة.. ياااه أخيراً يا علي!، أنا مبسوووطة أوي.
ضغط -علي- على شفتيه.. ثم تابع بنفس النبرة الحازمة:
-اتفقنا إننا مش هنقول الكلام دا، لحد ما نفكر مع بعض إزاي نفاتح باباكِ في الموضوع ونمهدله الوضع..

-طب هو أنا عملت إيه دلوقتي؟، أنا متصلة بيك عشان نفكر مع بعض يا علي..
قالت جملتها بدلالها الفطري.. فتنهد بصوت مسموع وهو يمسح جبينه الغارق في عرقه...
هذه حتما ستصيبه بسكتةٍ قلبية.. كل همسة منها ونظرةً لها مذاق خاص.. خاص جداً..
هي أنثى ذات مذاق خاص.. وحبهُ لها حب خاص ليس كمثله حب !
-ساكت ليه يا علي؟

سألته بخفوت، فأجابها برفق:
-معاكِ ..
-طب هنعمل إيه؟
-في إيه؟
-علي!
ضحك رغما عنه مردفًا:
-نعم..
فشاركته ضحكته وقالت:
-فكر معايا إزاي تفاتح بابا...
علي بجدية:
-هو أنا هفاتحه على طول بدون مقدمات.. أنا مش بسرق! صح؟

-بس يا علي أنا عارفة بابا.. مش هيوافق.. أنت عارف دماغه..
أغمض عينيه للحظة وهو يقول هامسًا:
-طب أعمل إيه؟، أخطفك؟
ضحكت بدلالٍ وقالت مُرحبة:
-يا ريت!
-عادي كدا، كل حاجة مسلمة فيها يا ميرال؟

قال جملته بنبرة مرحة، فقالت بثقة عارمة:
_أه.. أنا معاك موافقة على أي حاجة عشان أنا بحس بأمان أوووي لما بكون قريبة منك وبكون مبسوطة ومرتاحة..
ماذا تعرف هي عن الانبساط؟
فلتأتي لترى قلبه المتراقص فرحا اثر كلماتها الرقيقة..
-ما تيجي نتقابل في أي مكان يا علي؟
-ميرال!.. بقول نقفل بقى عشان عندي شغل..
هكذا أنهى الاتصال وأغلق معها.. فتنهدت بغيظٍ وكشرت عن جبينها بغضبٍ طفولي.. ثم عادت تبتسم من جديد وهي تهمس لنفسها:
-ماشي يا علي!

طرقت "سُهيــر" باب غُرفة إبنتها ساندرا وولجت..
وما إن ولجت حتى توسعت عيناها من هول ما رأته!
ساندرا!
ساندرا؟
ساندرا تأكُل (محشي) وتجلس فوق فراشها مربعة رجليها بمنظر مقزز للغاية!
-ساندرا!
هكذا هتفت متعجبة وهي تضع يدها على خدها مذهولة.. لتتابع باندهاش؛
-بتاكلي إيه؟

-محشي يا مامي..
قالتها ساندرا وهي تملأ فمها بتلذذٍ، فتصرخ سهير:
نووو... لا لا مش معقول.. جبتيه منين يا بنت، هتبوظي جسمك!
ضحكت ساندرا قائلة بلا اكتراث:
-من عند رغدة صاحبتي، أصل أنا زرتها النهاردة واتغديت معاهم، وبعدين طنط فوزية أصرت أخد معايا كان واحدة عشان عارفة إني بحب المحشي بتاعها..
-طنط فوزية؟

-اه طنط فوزية مامت رغدة صاحبتي،...
سهير بحسرة:
-أنا مش عاوزاكِ تعرفي البنت دي تاني فاهمة!، دي مش من مستواكي أبدًا..
لعقت ساندرا أصابعها وهي تبتسم قائلة:
-أكيد لا يا مامي، رغدة دي صديقتي اللي بحبها..
كادت سهير أن تبكي وهي تراها تلعق أصابعها بهذه الطريقة.. فتقول بصدمة:
-أنتِ بتعملي إيه؟!

تنحنحت ساندرا بحرجٍ.. ثم قالت وهي تنظف يدها بمنديلٍ ثم فمها:
-سوري يا مامي، اندمجت شوية مع الأكل..
-لا يا هانم.. أنتِ بتقلدي الناس البيئة اللي كنتِ عندهم النهاردة!، اللي حصل دا ميتكررش تاني مفهوم!
ولم تستطع الحديث حيث خرجت سهير من الغرفة والغضب يعصف بها عصفًا..
تنهدت ساندرا بضيق.. ثم التقطت من صحن (المحشي) مرة أخرى وهي تقول بهدوءٍ:
-هو أنا عملت حاجة تزعلها!

جلست تمارا قبالة والدها الذي أتى الآن من عمله وجلس يستريح من مشقة العمل..
بينما نظر إليها وقد قال بجدية:
-خير؟
-عاوزة أتكلم معاك يا بابي بليز..
قال وقد فك رابطة عنقه:
-قولي يا تمارا.. خير..
تمارا وقد بدأت حديثها برفق:
-في عريس جالي يا بابي...
اعتدل حينذاك ناظرا لها منتبها.. ثم قال باهتمام:
-عريس مين؟، أنا أعرفه؟
هزت رأسها وأجابته:
-تقريباً...
فسألها:
-مين؟..

ابتلعت ريقها بتوتر.. واستأنفت:
-شادي..
تمالك نفسه وهو يسألها مجددًا:
-شادي مين؟!
زفرت بضجرٍ:
-شادي يا بابي!
-الواد اللي كسحتيه في الديسكو؟
أومأت برأسها إيجابا.. فهب واقفاً قائلًا بصرامة قاتلة:
-أنا مش فايق لسخافتك دي دلوقتي أنا جاي تعبان!

-بابي أنا مش بهزر.. لو سمحت اسمعني..
-اسمع إيه! أسمع إييييه!
أنت تطلعي تنامي حالا وإلا هقتلك وأتعدم بعدها عشان نرتاح.. دا أنتِ عملي الأسود في الدنيا!
وقفت قبالته وقد قالت بتصميم:
-بابي شادي هيتقدم وهتجوزه.. أوك؟
وانصرفت في سرعة... فهتف بغضب:
-ماشي يا بنت يا سهير... إصبري عليا!

جلست السيدة (فوزية) ذات الجسد البدين جوار إبنها (حازم) الذي كان يجلس أمام التلفاز ويتناول وجبة من (الفشار) أعدتها له شقيقته..
لتقول والدته باستغراب:
-حازم بياكل فشار؟! .. دا من امتى؟
نظر لها بنصف عين.. قبيل أن يتكلم بجمود:
-إيه يعني لما حازم ياكل فشار ياما مش فاهم؟
-مافيش يا حبيبي.. كُل بالهنا والشفا..
قالت جملتها ثم ربتت على كتفه.. واستكملت:
-قولي بقى.. إيه حكايتك مع البنت صاحبة رغدة؟

-حكايتي!.. حكاية إيه؟
تصنع عدم الفهم وهو يسألها.. لكنها أجابت بهدوءٍ:
-أنا لاحظت إنك معجب بيها والغريبة إن هي كمان وطول ما كانت موجودة منزلتش عينك من عليها.. قولي في إيه؟
اعتدل في جلسته وقال:
-نفترض إني معجب.. في مانع؟

تحدثت بجدية تامة:
-أيوة يا بني في مانع.. دي لا من توبنا ولا مننا، ولا أنت من توبها.. اللي زي دول ليهم عيشة تانية خالص وعمرها ما تقدر تستحمل وضعنا.. نظرات الاعجاب دي بتاعة وقتها كدا وهتروح لحالها.. بص على قدك يا حازم!
حازم بضيقٍ شديد:
-أنا باصص على قدي ياما.. هي عجباني وأوي كمان.. ومافيش حاجة غلط في كدا.. وأنا كفيل أحول بصة الاعجاب لبصة حب وعشق كمان!
-أنت بتحلم! حتى لو قدرت تعمل كدا، ليها أهل عمرهم ما هيوافقوا!
مط شفتيه بعدم اقتناع.. ليقول متنهدًا:
-بلاش نسبق الأحداث.. بس أنا من حقي أختار اللي تعجبني ودي عجبتني...

طرقت ميرال باب حجرة شقيقها وانتظرت قليلًا إلى أن سمعت صوته من الداخل يقول هادئا:
-ادخلي يا ميرال..
فتحت الباب واقتربت منه حيث كان يقف عند النافذة يستنشق الهواء بحرية..
قسمات وجهه تبدو هادئة.. لكن عينيه تحملان حزن دفين.. هكذا استشفت هي منهما..
لتقول برفقٍ مربتة عليه:
-أدهوم؟ مالك؟
نظر لها وابتسم.. ثم تحدث:
-مافيش حاجة يا حبيبتي، خير كنتِ عاوزة حاجة؟

هزت رأسها نفية.. ثم قالت بمرح:
-لا جيت أطمن عليك بس.. وبعدين عرفت منين إن أنا اللي بخبط على الباب مش جايز يكون بابي أو مامي!
ضحك بخفوت وقرص وجنتها بخفة مع قوله:
-عارف خبطتك يا لمضة..
-حبيبي يا أدهومي..
قالتها وهي تعانقه بمحبةٍ صادقة، فرفع حاجبيه وضاقت عيناه بغموض وهو يسألها:
-طب قوليلي إيه سر السعادة اللي أنتِ فيها دي النهاردة؟

ابتعدت عنه سريعا وتوترت بشدة.. ثم توردت وجنتاها مع قولها المرتبك:
-م.. مافيش حاجة عادي!
رفع حاجب وقال بتصميم:
-لأ فيه.. بس مش هتدخل هسيبك تجي تحكيلي لوحدك، أوك؟
هزت رأسها بدون مجادلة وغيرت مجرى الحديث قائلة:
-إيه اللي حصل بينك وبين لينا؟
فزمجر مختنقا:
-ماتجبيش سيرتها قدامي عشان بتعصب.. أهي غارت في داهية..

ميرال مبتسمة:
-طب إهدى وهاتلي شوكليت..!
نظر لها مطولا ورفع ابهامه ليمسح أثر الشوكولاتة عن فمها وهو يقول:
-كفاية اللي أكلتيه في أوضتك ولمي نفسك شوية هتتعبي كدا..
تنحنحت ميرال بحرجٍ فضحك أدهم متابعا:
-مابتشبعيش شوكليت ارحمي نفسك! مافيش شوكليت أمشي على أوضتك..

-ماشي يا أدهومي وبرضوه هتجبلي شوكليت من اللي بحبها تصبح على خير يا حياتي..
هكذا قالت وبرحت الغرفة.. فضحك أدهم وعاد يتطلع إلى النافذة مجددًا وقد قال هامسًا:
-والله ما حد مصبرني على البيت دا غيرك..

ركضت ساندرا حيث يجلسان والديها وراحت تصرخ بهلع:
-بابي بابي..
فنهض في لهفة متسائلا:
-في إيه؟
فقالت من بين أنفاسها اللاهثة:
-إلحق تمــــارا...

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة