قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الحادي عشر

رواية لعبة عاشق الجزء الثاني يسرا مسعد

رواية لعبة عاشق بقلم يسرا مسعد الفصل الحادي عشر

خسارة تلو الأخرى، وماذا بعد ؟
ماذا تبقي له ؟
لاشيء كان يحملق بالفراغ أمامه ودقات قلبه تتسارع كاد يهشم الكأس الذي يحمله من بين أصابعه وبالفعل ألقاه بعيدا فأصاب جذع الشجرة إلي جواره فتهشم في الحال مما جذب أنظار المدعويين له فنظر لهم بحقد شدید و مضی منصرفا مصطدما بأحدهم وبضعة طاولات وتسارعت خطوات أخيه نحوه ليهدىء من روعه قائلا:

- زياد أهدى مالك في إيه ؟
دفعه بعيدا:
- سيبني يا أسامة أنا خلاص مش طايق وجبت أخري قبض على ذراعه بقوة وقال بصوت حاول أن يجعله منخفضا:
- ممكن تفهمنی بس إيه اللي حصل ؟
تهدجت أنفاسه وهو يجيبه: | - اللي حصل . . عاوز تعرف . أخوك كسب كل حاجه وأنا . . أنا
خلاص . . صفر . . مافيش . . انتهيت وأخوك السبب دار أسامه بعيناه وهو يستمع لهذر أخيه الأصغر ثم قال:
- هوا برضه السبب ؟
فاندفع زیاد صارخا: - أنت لسه هتدافع عنه . . آشري عرفت منين . . فهمني ؟ اتسعت عينا أسامة غير مصدقا أن يكون جاسر من أخبرها سر أخيه ومضی زیاد بخطواته المسرعة نحو سيارته الرياضية الفارهة وأدارها وانصرف محدثا صريرا قويا.

بقي سؤاله معلقا في الهواء دون رد واضح فقط نظرات ابنه الغاضبة التي تشبه نظراته لحد بعيد
إن أراد إحتسابها إجابة فالتفت لصغيرته الرقيقة التي ورثت طباعها من أمها وقال مکررا
سؤاله: - ماما اتفقت معاكي على إيه يا سلمى ؟ نظرت سلمي لأخيها الأكبر وكأنما تود الحصول منه على إذن فأمسك بها جاسر برفق وقال:
- إيه يا لومي مش هتقولي لبابا حبيبك ؟ فرد سلیم حانقا بنبرة لوم وإتهام واضحة على صوته الطفولي
بالنيابة عن أخته الصغري: - أنت مشيت ماما وجيبتلنا واحدة تانيه إحنا مش بنحبها أغمض جاسر عيناه وأخذ نفسا عميقا وحاول أن يتحلى بالصبر
ورد بهدوء كي لا يخسر المزيد من حب أطفاله - أنا ماقولتش لماما تمشي، ماما هيا اللي طلبت أنها تمشي
فرد سليم بعند أكبر ن هدوء أبيه:

- بس كنت ممكن تخليها ماتمشيش . . . هيا مش بتخرج إلا بإذنك
أقر جاسر داخله بتلك الحقيقة البسيطة التي سردها ابنه ببراءة، نعم هي لم تكن تتحرك قيد أنمله دون إذن مسبق منه حتى
تمردت على كل قيوده وغادرته دون رجعة نظر لأطفاله والتمعت عيناه وذكر نفسه،
حتى الآن وإن كان أخيه قام برهان أخرق فهو داخله يخوض رهان لا خسارة فيه
ستعود وعلى أعظم تقدير خلال إسبوعين أو سبعة أيام لا أكثر
لن تستطيع فراق أطفالها ولن تستطيع التخلي عنه يومان اثنان ويبدأ بكاء أطفالها وعندها لن تستطيع الصبر أو التحمل وستعود له طائعة وإما يقبل أو يرفض
ربت على كتفي صغاره برفق وقال: - ماما هترجع يا ولاد، ماتقلقوش، لازم هترجع، يالا تصبحوا
على خير قبل صغاره وأرسلهم لأسرتهم ودثرهم جيدا وانصرف تاركا ضوءا
خافتا يظل الغرفة حتى يستطيعوا النوم دون مخاوف وترجل الدرجات باحثا عن عروسه التي كلفته الكثير حتى الآن
وعليها أن تدفع جزءا من دیونها.

ودعت ضيوفها بإبتسامة مشرقة وتقبلت أمانيهم المزيفة بحياة سعيدة إلى جوار عريسها الغائب بكلمات رقيقة وكأنما تخبرهم
أن ماحدث منذ ساعة أو أكثر قليلا
بل هو ما أرادته وسعت له منذ البداية واختلت بنفسها في صالون القصر الواسع ومضت تسترجع
اللحظات العصيبة التي عاشتها
السنة الجميع ستنطلق على أكثر تقدير صباح الغد متهمة إياها بخراب البيوت أو كما قالت حماتها المصون " قدمها قدم سعد " داخلها يقر أنها كانت ستسعي لتلك النهاية بكل ما أوتيت من قوة

فقط ليس الآن لم يكن هذا ما خططت له، لم تكن تلك خطتها التي كانت
ترسمها منذ شهور حرفيا كانت تخطط لاستبقاء زوجته حتى تعتني بالأطفال ريثما
تشق هي طريقا ممهدا نحو قلبه تظلل بأفعالها سماءه، ترسم تباین لا يخطىء بينها وبين البدينة
الأخرى لتجعله هو صاحب القرار والرغبة، ليكون حكما أصدره هو
بالانفصال وليس طلبا إنصاع له خلال دقائق لا أكثر
ومرة أخرى تشعر داخلها بالخوف وعدم الأمان منه
نعم هي تخشاه همست داخلها ولكن شفتاها نطقتها بوضوح:

- مالوش عزیز وأيقظتها كلماتها من أحلامها ودوامة أفكارها وحدقت في
إنعكاس صورتها في المرآة بهلع ترى أيكون هذا مصيرها بعد مرور السنون عليهما، أيتخلى عنها
مرة أخرى ويمضي في طريقه دون النظر وراءه ؟ ! وكأنما سمع ذكره يجوب في خيالها فظهر أمامها بطول الفارع
يتقدم منها وعيناه أضحت قاتمة كسواد أفكاره فرفعت أنظارها له بخوف ثم قالت بصوت جاهدت أن تجعله
هادئا:

- الولاد ناموا ؟ هز رأسه صامتا ومضى بصب لنفسه شرابا منعشا من مزيج الليمون
والنعاع الطازج أشار لها بالكأس فرفضته هامسة:
- ميرسي
فترجعه دفعة واحدة فاندفعت بسؤالها الذي كان يؤرقها دون أن
تشعر: - جاسر أنت ليه طلقتها ؟ أنا ماطلبتش منك تطلقها ؟ التفت لها وحدق فيها مندهشا وسعل ضاحكا وانتظر حتى هدأت
أنفاسه ثم قال: - وأنت فاكرة نفسك كنت تطلبي أطلق مراتي وأنا أسمع كلامك
على طول وأردف بقسوة:

- ليه فكراني إيه ؟ هزت رأسها بعصبية واقتربت منه وقالت بدلال مصطنع: - لاء أنا ما أقصدش، أنا بس مش فاهمة أنت ليه عملت كده، ماکنش فيه داعي
قبض على ذراعها بقسوة وقال: - لاء فيه، هيا طلبت وأنا الست اللي مترضاش تعيش معايا
وتطلب الطلاق مالهاش عندي رجعه
مش هجبر واحده تعيش معايا غصب عنها واهو عشان ماترجعيش تندمي زي ماهيا هتندم یا داليا يوم ماهتطلبيها مني
في نفس اللحظة هتتحقق ورددتها مرة أخرى ولكن تلك المرة بوضوح جم وأمامه:
- مالكش عزیز

فرد بقوة محدقا بقسماتها الناعمة: - أنا اللي يعزني مايسبنيش، مایلویش دراعي غير كده ماليش
نکست رأسها وهي تستمع لوعيده المبطن فأردف ساخرا: - أنا أول مرة أشوف واحدة زعلانه على ضرتها مش فرحانه أن
جوزها بقي ليها لوحدها رفعت أنظارها له وتذكرت خطتها السابقة فعزمت على اللحاق ببقاياها فاقتربت منه بحنان وتغلغللت بأناملها بين خصلات
شعره الكثيفة وقالت بصوت خافت: | - أكيد فرحانة أنك بقيت ليا لوحدي وبوعدك أنك عمرك
ماهتقدر تستغني عني
رقص غروره طربا داخله وقال بنظرة ذات إيحاء: - إحنا هنقضي ليلة العمر في الكلام وبس ولا إيه ؟
فأخفضت عيناها خجلا وقالت: - طب يالا شوف السواق عشان نروح الفندق سوا ضاقت عيناه ومضي يبسط أولي قواعده التحكم المطلق
فقال بهدوء مسيطر: - أنا مشيت السواق، أصلي تعبان شويه وبعدين مش معقول
عشان ليلة يعني وأهو بقينا لوحدنا فقالت بغضب وهي تحاول إستيعاب كلماته: - یعنی إیه یا جاسر، أنت عاوزاني أنام على سرير غيري ؟
ضاقت عيناه وهو يرد بإستخاف: - ماتبقیش درامية أوي كده القصر فيه أكتر من عشرين أوضة
، معقول يعني هنيمك في نفس الأوضة ؟ !

قالت وهي تحاول التملص من رغبته فهي لم تستسيغ فكرة أن
تكون ليلة عمرها بين جنبات قصر آل سليم: - بليز يا بيبي خلينا نروح الفندق هنكون على راحتنا أكتر
رد بهدوءرافضا توسلها:
- أنا راحتي وسط أهلي یا داليا ومضى بخطواته منفضا عنها فلحقته مذعنة حتى أوقفته على مشارف الدرج الرخامی قائلة بدلال لتبسط سيطرتها الأنثوية عليه بالمقابل
- لحد هنا بقى ولازم تشيلني التفت لها غير مصدقا طلبها والذي تبين له مدى إصرارها عليه
من نظراتها الراجية وذراعيها الممدودان له فرفعها بيسر تام بين ذراعيه ومضي في طريقه نحو الأعلى متجاهلا نظراتها المحمومة نحوه وعبث أناملها بالنبض الذي يطرق عروق رقبته وأنفاسها الساخنة التي تقتحم فتحة صدره
وجل تفكيره دعاءا خالصا من قلبه أن لا يراهما أحدا
وتوقف أمام الغرفة الجديدة والتي أمر نعمات منذ قليل بتجهيزها
وقبل أن يخطو داخلها رأي إنعکاس ظل أمه في المرآة المعلقة آخر الردهة ينظر لهما بتقزز بالغ فالتفت لها متحديا وركل الباب
بقدمه واختفي داخل الغرفه وأغلقه بقوة حتى انزعجت عروسه وشعرت
بالخوف يقبض على أوتار قلبها وهو يدفع بها إلى الفراش وأنظاره تجول على جسدها الملفوف بفستانها الضيق بوقاحة
عهدتها بسنوات ماضية فتوترت واحمرت وجنتاها وأشاحت بأنظارها بعيدا فقال ساخرا
وهو يغادرها:

- شوية وراجعلك
حدقت بأثره الغائب بدهشة، لقد ظنت أنه سيفترسها بنظراته ولكن ما لبث أن انفض عنها ببرود بالغ ولكنها حدثت نفسها
لعلها تقتنع أنه تركها لتغير ملابسها دون حرج لوجوده
قامت بخطوات سريعة وبدلت ملابسها بأخري ساخنة في حمام الغرفة الملحق بها وعادت مرة أخرى للغرفة بعدما أصلحت زينتها وأرسلت خصلاتها الفحمية مسترسلة بنعومة على ظهرها العاري ومضت تتأمل قدها الفتان في المرآة أمامها غلالة رقيقة بلون
جلدها تلتف بنعومة حتى آخر کاحلها تستر القليل من مفاتنها وتبرز معالم أنوثتها ثم رشت المزيد من عطرها المغري وأخفضت أنوار الغرفة وجلست تنتظر مجيئه وهي تشعر بحرارة مشاعرها وبرودة شهر نوفمبر يتناوبان عليها فتصيبها بمزيدا من القلق
والتوتر وعاد بعد مضي نصف ساعة على انصرافه واقتحم الغرفة فجأة ملاحظا أضوائها الخافتة فحطم رومانسية الغرفة بإضاءة المزيد
من الأنوار حتى أضحت كبقعة تحت شمس النهار ولمحت بيده عدة أوراق وقلما فعبست غاضبة وقامت واتجهت
نحوه قائلة بحنق بالغ: - یعنی کنت ممكن تنستنی لبكرة على الأقل مش في ليلة دخلتنا
یاجاسر، ده ماكنش بيع وشرا
فرد ببرود لامباليا:

- ده كان اتفاقنا حملقت به صامته ثم جذبت الأوراق منه بعنف ووقعتها ودفعتها
بها له من جديد قائلة:
- اتفضل
مضى يراجع الأوراق حتى اطمأن لسلامة توقيعها على عقود بيع شركة أخيه له ثم اتجه نحو الخزانة المعدنية داخل دولاب الملابس وفتحها ووضع عقد البيع بدخلها وأوصدها جيدا بأرقام سرية معقدة والتفت لها وهي تحدق به غير مصدقة أنه حتى لا يستأمنها على تلك الأوراق التافهة بالنسبة لها فترقرت الدموع من بين جفونها ولفت جسدها بالروب الحريري والذي ألقته في لحظة جرأة تراها الآن بالغة الرعونة والحماقة إذ أنها أهدرت الكثير من كرامتها أمامه وصممت أن ينال عقابه فتوجهت نحو باب الغرفة وفتحته على مصراعيه وقالت بصوت جاف ونظراتها تكاد تحرقه حيا:

- ودلوقت تقدر تتفضل عشان عاوزة أنام
في ليلة واحدة ترفضه إمرأتان هذا يعد له أكثر من الكثير بكثير لاسيما أنه لم يخطىء
لقد كان هذا إتفاقهما المبرم ومرة أخرى تنكث إحداهما بعهدها معه
أتراه يكون مصيره ؟ ! ! | أم تتابعا إفتراضيا لتصرف تراه هي متاحا طالما أجبرته الأخرى على الخضوع له.

لا، ببساطة لن يكون . مضي نحو الباب وأغلقه بقوة والتفت لها منذرا لها بعقاب أسوء وخلع عنها ماتشبثت به بغرض حماية، بل وخلع المزيد ولم تملك ردا أو دفعا أو مقاومة فقد اجتاحها كإعصار مدمر عادت متأخرة تلك الليلة وهي تشعر بالأرهاق يقتات من مفاصل ركبتيها اللتان شاختا
دلفت لداخل الشقة الساكنة واتجهت إلى غرفتها وهي تدعو بصلاح حال ابنتيها وخصوصا الكبرى التي اتصلت بها باكية ظهيرة اليوم حيث شب بينها وبين زوجها شجارا محتدما فهرعت في الحال إليها وتذكرت مقولة زوجها الشعبية " يا أبو البنات يا عتبة للأندال "

فترقرق الدمع بعيناها وهي تردد: | - الله يرحمك يا محسن سيبتني لوحدي للأندال وداخلها يقر أن حال الصغرى لم يكن بأحسن من أختها فزوجها مسيطر ومتحكم ولكنها لا تملك سوى الدعاء لابنتها الصغيرة
| بالصبر وتوقفت خطواتها فجأة وشعرت بالخوف الشديد إذ إنها رأت الأضواء الخافتة تنساب من السقيفة الخشبية التي أعدها زوجها
الراحل بالأعلى فوضعت يدها على قلبها وحملت عصاها التي تستخدمها أثناء الحركة وصعدت الدرجات الخشبية نحو الأعلى
وهي تصرخ:
- مین هنا ؟
- مين هنا ؟ وأخيرا إطمأن قلبها وهدأت دقاته وهي تقول بصوت مستبشر:
- سالي، خضيتني إنت هنا من أمتي ؟ ! التفتت لها سالي وهي تحبس الدموع داخلها وقالت بصوت
مرتجف:

- من ساعة كده دعتها أمها للإقتراب منها وهي تقول:
- تعالي طيب قاعدة عندك ليه ؟ ده الجو طل قامت سالي وأذعنت لرغبة والدتها التي مالبثت ولحظت ردائها
فقالت مندهشة: - الله أنت كنت في فرح ولا إيه، وفين الولاد ؟ ! ! وعند ذكر أمها لكلمة " الفرح " انهارت دموعها وتملصت من
حصون جفونها واندفعت لأحضان أمها وهي تقول:

- ماما أنا محتجاكي أوي، محتاجة لحضنك، محتاجة تقوليلي
أنت صح ماغلطتيش انزعجت مجيدة للغاية وهي تستوعب إنهيار ابنتها بالبكاء بين
أحضانها فبادلتها الأحضان بقوة تمدها بالدعم وهي تردد بعنفوان أمومتها التي ظنت أنه لا حاجة له بعد كبر البنات
وزواجهم وإستقلال كل واحدة بحياتها بعيدا عنها: - أنت صح يا سالي أنت ماغلطتيش يابنتي . . بس یاحبیبیتی بس
اهدي كل حاجة هتبقا كويسة وحاولت أن تضيف نكهة الفكاهة لحديثها ربما تخفف عن
ابنتها الصغيرة: - بقا تكوني حلوة كده وزي القمر وتعيطي، مش ده فستان
خطوبتك صحيح ؟ ! مسحت سالي دموعها وهزت رأسها قائلة:

- ايوا هوا فریتت أمها على ذراعها:
- طب مالك حصل إيه ؟ عادت مرة أخرى للبكاء الذي كاد يشطر نیاط قلب أمها وهي
تقول بصوت متقطع متهدج من الألم: - فرح . . جاسر . . كان الليلة . . في القصر . . . قدامي . . ما استحملتش . . صدقيني يا أمي ما استحملتش . . ماقدرتش وضعت مجيدة يدها على فمها وهي تشهق غير مصدقة وتابعت
سالي حديثها لكأنما تتخلص من حمل أرهق كتفيها: - طلبت الطلاق . . وطلقني قدامهم . . . في ساعتها . . . ولا كأني
أسوی هزت أمها رأسها نافية وهي تحتضن ابنتها بقوة قائلة: - لاء تسوي، أنت تسوي ونص . . إخص عليه ابن الأصول . . . دي
أخرتها واستكانت في أحضان أمها لبرهة التي ما لبثت واستدركت قائلة بحزن:
- والولاد یا سالي ؟ !

فشهقت مرة أخرى بنهر متدفق من الدموع وكان ذلك ما يكاد يطير بعقلها ويغلف وجدانها بألم عظيم:
- سيبتهومله فربتت أمها على كتفها لتزيدها صلابة وقوة وهي تمسح دموع
ابنتها بأصابعها وقالت وكأنما تقر واقعا لتطمئنها: - بكرة هيرجعوا لحضنك . . بكرة يرجع يبوس رجلك واقعدي هنا
في بيت أبوكي معززة مكرمة ولا ندل يدوس على طرفك منذ نصف ساعة وهو يصرخ متألما وهؤلاء الأغبياء مصممون على المضي قدما بالأشعة المغناطيسية ليطمأنوا على مخه مخافة أن يكون قد أصيب بإرتجاج فيه ولكن كل ما كان يشغل باله هذا الجرح الذي لا يتوقف عن النزيف تماما أعلى منتصف جبهته فيما كان أسامة يذرع الطابق قلقا فمنذ ساعة آتاه ذاك الخبر المشؤوم إصابة أخيه الأصغر في حادث سيارة والذي أعاد له كل ذكرياته السوداء وأخيرا خرج أخاه علی کرسی مدولب مرتديا لباس المشفى المكون من قطعة واحدة وهو يصيح بالممرضة: - ممکن بقا توديني لدكتور تجميل يشوف الجرح ده فاستقبله بوجهه متهلل قائلا:

- الحمد لله يا أخي وقعت قلبي
هتف به زیاد بحرقة على حاله: - أسامة ألحقني شوف كل الدم ده نازل من نافوخي
طالعه بنظرة متفحصة وهو يجيبه مطمئنا:
- ماتقلقش ده جرح بسيط جدا نظرت له الممرضة طالبة العون والنجدة قائلة بتزق: - والله يافندم الدكتور عاد الأشعة مرتين عشان بيصرخ من
الجرح ده
ضحك أسامة متفکها فالصغير يظل صغيرا حتى لو تجاوز عمره السابعة والثلاثون لطالما كان أخيه لا يتحمل الألم ولا الشعور به
وكان يهاب الأطباء دوما
فزجره زیاد قائلا: - أنت واقف عندك تضحك شوفلي دکتور خبير تجميل يشوف
الجرح ده هز أسامة رأسه مطمئنا إياه وقال: - ماتقلقش هروح أسأل في الإستقبال
اعترضت الممرضة قائلة: - يافندم إحنا راجعين قسم الطواريء تاني للدكتورة ريم
اعترض زیاد والممرضة تدفعه نحو القسم:

- لاء الدكتورة دي تاني لاء، استحاله دفعت به الممرضة نحو الفراش المجهز وساعدته للصعود فوقه
وقالت:
- حضرتك طلبت الخبير الأجنبي أول مادخلت المستشفى
ودكتورة ريم هيا الخبير الأجنبي وقف أسامة وهو يحاول تهدئة روع أخيه: - ماتقلقش یازیاد هتبقى كويس بلاش التوتر ده وسمع صوت حلقات الستائر المعدنية وهي تنزلق بقوة فالتفت ليطالع إمرأة في أواخر الثلاثينيات وأول ما جذب أنظاره عيناها اللتان كانتا تلمعان لكأنما فهد بري يندفع ليطارد غزالة ضعيفة غير أن نظرة الفهد خاصتها كانت تتمع ببريق مختلف فالعين اليمني براقة بلون أسود وحشي أما اليسرى فبلون السماء
المكفهرة وتقدمت وهي تلوك جزرة تقضمها محدثة غوغاء غير عابئة بأي مظهر إجتماعي مرتدية ملابس الجراحة الكحلية اللون
وهي تقول: | - هاه أيه الأخبار ؟

اندفع ورائها طبيب حديث التخرج يعرض عليها نتيجة الأشعة التي قام بها زياد منذ قليل فمررت بصرها عليها متبرمة الشفاة
وقالت:
- طب تمام ثم وجهت حديثها للممرضه خلفها قائلة بحرفية تامة:
- ستشز بالا نجهز حضرت لها الممرضة الخيط والمعدات الجراحية لتقوم بتقطيب الجرح
فاعترض زیاد صارخا بها بذعر تام: | - إيه إيه إيه . . . استني استني مش الأول تعقمي إيديكي وتحطي
حاجه على وشك ابتسمت له ساخرة وقالت:
- ليه هتنقب ؟ ! ! ثم زجرته بصرامة:

- بص قدامك ارتدت القفاز المطاطي ووضعت كمامة طبية على فمها بعدما انتهت من تناول الجزرة التي كانت تحملها وأمسكت برأس زیاد
بقوة وهي تقول بتهدید: - لو حرکت راسك أنا مش مسئولة كاد يبكي وهو يرجوها:
- طب مش حتحطيلي مخدر الأول نظرت له وهو يكاد يبكي كالأطفال فنظرت للأعلى مستنجده ثم
قالت ببرود: - بص . . قدامك فقال زیاد ببؤس تام:
- طب ممكن اغمض عيني وضعت يدها على عيناه ودفعت بجفونه ليغلقهم وشرعت بأداء عملها في تقطيب الجرح بمهارة بالغة تحت أنظار أسامة الذي
كان مفتونا بها تماما حتى انتهت
وظل زياد مغلقا عيناه وهو يتمتم بكل آيات القرآن التي يحفظها
حتى صفعته على وجنته بخفه وأمرته ساخرة:

- فتح، خلصت المصحف ولا لسه ؟ وعندها انفجر أسامة بالضحك بل وتمالكت الممرضة ضحكاتها بمشقة بالغة وقد احمرت أذنا زیاد فجلس أسامة إلى جواره وهو يراقب انصراف الطبيبة المثيرة جدا للجدل وللإهتمام
لاحظ زیاد نظرات أخيه وقال حانقا: - حضرتك سايبها تعمل فيا كده وعجباك أوي
رد أسامة بهدوء: - الصراحة أنا شايف أنها دكتورة شاطرة أنت اللي خواف بزيادة دفع زیاد بیده داخل جيب سترة أخيه وتناول هاتفه الخاص ومضى يرسل رسالة نصية فقال أسامة معترضا:
- أنت بتعمل إيه ؟ ! أعاد له أسامة الهاتف وعاد للخلف ليريح رأسه فطالع أسامة
هاتفه غاضبا وقال:

- أنا مش مشترك في التمثيلية دي ولو سألتني هقولها على كل
حاجة . وماهي إلا ساعة زمنية أو أقل حتى كانت آشري تندفع بخطواتها داخل قسم الطوارىء وعندما رأت أسامة هتفت به:
- خير يا أسامة زياد ماله ؟ | تقدمت نحوه بسرعه حتى توقفت أمام الفراش وطالعته بأسف بالغ وقد تظاهر بالنوم ففتح عيناه وقال متصنعا الدهشة:
- آشرى، أنت جيت، شوفت اللي حصلي یا آشري رفع أسامة عيناه للسماء من أداء أخاه المصطنع والذي يرغب به ادرار شفقة وعطف آشري التي قالت بأسف تام: - ألف سلامة عليك بازياد، إزاي ده حصل ؟

أمسك زیاد بكفها وقال مؤنبا إياها: - بعد ماسيبتيني ومشيتي منغير حتى ماتديني فرصة أشرحلك سوقت العربية وأنا مش مركز في حاجه غيرك كنت هموت نفسي عشانك
رفعت آشرى أنظارها مستنجدة بأسامة قائلة: - زياد ماله بجد يا أسامة ؟
- زى القرد ولم تكن تلك كلماته ولا هذا كان صوته الذي اخترق الصمت
المتوتر بينهم بل كان صوت الطبيبة ريم التي تابعت حديثها بجدية تامة: - هيفضل تحت عنينا بس للملاحظة شوية وهنيجي ممرضة تنقله
أوضة للصبح والساعة و هيخرج ارتاحت ملامح آشري بينما ارتسم الغيظ على ملامح زیاد الذي کاد حرفيا الفتك بتلك المرأة وقامت آشري واتجهت نحوها
تستوقفها قبل أن تنصرف قائلة:

- بجد يا دكتور ؟ ! !
نظرت له ريم ساخرة وقالت بضيق: - بجد جدا ولو عليا استحاله ابيته على السرير ده، فيه عشرات
غيره أولى بيه منه، لكنه للأسف بروتوكول المستشفى
واتسعت عينا زیاد غیر مصدقا لوقاحة تلك الطبيبة والتي تتعامل معه بإستهزاء تام بينما وضع أسامة يده على عيناه وهو لايستطيع
كبح جماح ضحكته
عادت آشري مرة أخرى وقالت بجدية: - طب اتطمنت عليك واديك سمعت الدكتورة قالت هتخرج بكرة
، مع السلامة وخد بالك من نفسك
هم باعتراض قائلا: - آشري، هتمشي برضه وتسيبيني
حملت حقيبتها وقالت بتصميم: - أنا عشان بنت أصول جيت لكن أنت كويس ومعاك أخوك
، ألف سلامة عليك يا زياد . وأرجوك تنفذ اللي طلبته منك مش عاوزه بابي يحس بحاجة وانصرفت بعد أن القت تحية هادئة على أسامة الذي كان يراقبهم
صامتا

بعدما صرخ في الممرضات طالبا لجرعة مكثفة من المسكنات وتناول طعام عشائة متبرما غرق في سبات فقام أسامة وعزم على الإنصراف بعدما اطمأن على حرارته حمل مفاتيحه ومضى يبحث عن هاتفهه ولكنه لم يجده فتحرك للخارج وهو يفكر لابد أنه سقط منه في قسم الطواريء وصل للقسم الذي كان في حالة من الحركة الغير طبيعية وسمع صوتها يصرخ بالأطباء حولها الإنجليزية وهي تدفعهم للتحرك وتصدر لهم أوامر بنبرة عنيفة مابین کلمات بالعربية والإنجليزية وقف يتأملها، جسد فارع ممشوق أنثوي بحت ملابسها ملطخة بكم هائل من الدماء، يبدو أنها لا تعبأ لها ولا لتلك المتدفقة بوجهها وهي تحاول إنقاذ صاحبها بكل ما أوتيت من قوة وسرعة التفتت جانبا ليجد امرأة ترقب الرجل الغارق بدماءه بوجل وهي تبكي بهيسترية فاقترب منها مهدئا إياها عندها رفعت إليه أبصارها فزجرت الممرضة لتواجدهم أثناء عملها فاندفعت الممرضة لترجوهم بالبقاء في الخارج وسارت المرأة برفقة رجل يكبرها عمرا يبدو أنه والدها للشبه المتقارب بينهما و بقي هو مصمما على الدخول قائلا للممرضة:

- أنا تليفوني وقع جوه لما كنت مع أخويا هنا فقالت الممرضة وهي تلتفت للطبيبة التي كانت تصرخ بالجميع
حتى يسرعوا بإنقاذ الرجل قائلة بتوتر: - طب معلش تستنى شوية لأن زي ما أنت شايف هز رأسه وخرج وهو يراقبها بإعجاب بالغ وداخله يحدثة لو كانت موجودة يوم الحادثة التي أودت بأسرته الصغيرة ربما كتبت لهم
النجاة جلس وشعور مرير ينخر عظامه يتذكر اللحظات الأخيرة في حياة زوجته أما طفلته فكانت كما لو كانت نائمة وحتى اليوم هو يقنع
نفسه بأنها لا تزال نائمة أما زوجته فهي قد ارتاحت من الآمها ومضت الساعات وبقي هو على حاله جالسا في رواق المشفى شاردا حتى لاحظ اندفاع المرأة التي كانت تبكي زوجها فالتفت ليجد الطبيبة تبتسم لها بدفء فانهمرت دموع المرأة وفجأة دفعت الطبيبة الفارعة لأحضانها فارتسم تعبير ممتعض على وجهها أثار روح الفكاهة داخله رغما عنه قام عندما لاحظ أن خطواتها تنحرف لتصل إليه وعندما اقتربت منه أخرجت من جيب ملابسها الملطخة بالدماء هاتفه الجوال الثمين قائلة له:
- اتفضل أخذه منها وهو يشكرها قائلا:

- كان جوزها ؟
ردت بجفاف:
- أظن أخوها
فقال مقرا: - حضنتك عشان تشکرك أصدرت صوتا عجيبا معبرا عن التقزز:
- تصدق
فقال لها لائما:
- على الأقل ما اهتمتش بالدم اللي على هدومك
حدقت فيه وقالت بغيظ: - أنا كل يوم بيحضني مالايقل عن عشرین بنی آدم، صدقني
كلمة شكرا لوحدها كفاية
فقال بمكر: - أنا ازاي ما شکرتکیش على اللي عملتيه لأخويا
نظرت له بطرف عيناها وهي تهز رأسها: - أنت وقح، وحظك أني تعبانة ومحتاجه أغير هدومي
حاول کتم بسمته وهو يرفع يده للأعلى مستسلما: - وعلى أيه الطيب أحسن، بس أنت مش تخصص جراحة
تجميل، مش كده ؟ نظرت له وهی متقززة من الفكرة تماما:

- لاء طبعا أنا تخصص جراحة كارديو . . قلب أوعية دموية ضحك وهو يتوقع ردة فعل زياد عندما يعلم فقال:
- لو عرف زیاد
نظرت له وقالت ساخرة: - هوا اللي طلب خبير أجنبي عشان بعد كده يتعلم يحدد
التخصص الأول استوقفها قبل أن تستقل المصعد قائلا وهو يدفع بهاتفه لها: - لكن أنا ممكن احتاجك في استشارة مهمة، ممكن تكتبيلي
رقم تليفونك نظرت له وهي تلاحظ نظراته المركزة عليها والتي لم تكن بغريبة
عليها فطلية الساعات الماضية لم يخفضها عنها كلما رآها ولم تكن نظراته بالأمر العجيب عنها إذ أنها كانت مألوفة جدا لديها من قبل جميع الرجال ولكن شيئا ما حثها على قبول طلبه المراوغ فأخذت هاتفهه وسجلت رقم هاتفها واستقلت المصعد.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة