رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل السادس والثلاثون
قالتها ببرءاة عمرها الصغير، فقسمت ظهره وهو ينظر إليها بأكثر من شعور القهر، صوته مُقيد داخل فمه كأنه بصحوة الموت يتأرجح، ولكن ما الفائدة الآن؟، هي لا تعي أنها تفارقه بالفعل، وهو لا يملك الوقت الكافي للأعتذار!، والنتيجة فراق لا راجعة فيه،!
صغرت الدنيا بعينيه حتى ثقب الأبرة بل أصغر، ما هذا الشيء الذي كان يركض خلفه طوال سنوات، وجعله يفعل هذه الجرائم دون تقلّب أدنى شعور للضمير؟
المال.؟
أين هو الآن؟
لو وضع أسفل قدمي عدوه ضعف أمواله ما رحمه رغم ذلك!
رأسه يحاوطه الاسلحة النارية أن تحرك سينتهي الأمر بلحظة!
وانتظار الموت لأمر مريع...
لمَ الحياة تظهر على حقيقتها بآخر اللحظات؟
ولمَ تسحرنا هكذا؟
قامت أمام عينيه الضائعة من البكاء إجابة كالشمس ظاهرة وغامضة ك قمر الليل...
الحياة اختبار، أن جاهد نفسه سيسهل الأمر على نفسه ويملأ صحفه بالصواب، ولكنه عاند الجهاد، وعاند أن يقترب، عاند أن يكن انسان صالح، وما اخد من اسمه إلا بعض من الحروف!
كل شيء كان بعينيه مبهر أصبح الآن لا يسوى حبة واحدة من الرمل أمام عينان أبنته الباكية وذعرها، وهو يعجز حتى أن يأخذ منها وداعاً آخير، لربما كان الشيء الوحيد الذي يأخذه معه عملًا صالحاً، ولكنه لا يتذكر حتى أنه فعل شيء جيد يستطع تذكره...
الحياة ساحرة، والعمر قصير، لم يكن عليه أن يتقن الفساد هكذا!، وكيف عليه أن يرحل ويترك هذا الكم من الكراهية بالقلوب له؟
وحتى أن الرحيل ليس بيديه!
ما أقساه شعور!..
أصبح الموت يلوح له عن قرب، يشعر به يجري بالأنفاس، رغم أنه لا زال على قيد الحياة!
رآه أسماعيل بهذا المظهر الذليل الخاضع، لم يكن على وجهه أي سيماء للجبروت الذي كان قائمًا مُقيم بعينيه!
مد صالح يده اليمنى الذي أصابتها الرجفة العنيفة، أشارة أنه يريد صغيرته التي حتى لا تراه!
دفع أسماعيل الصغيرة بعيدًا لأحدًا من الرجال وقال هاتفاً: دخلها وأرميها جنب أمها دلوقتي...
صرخ باكيًا، رافضاً أن تبتعد عن عينيه، ولكن أفعاله السيئة من حتفت به بهذه النهاية!
تطلع به اسماعيل بسخرية، وقال بغليل يتوهج بصوته: كفاية عليا شوفتك كده، مذلول!، هتبرد ناري العمر كله، لولا أن بنتك دي بنت مش ولد كنت موتها قدامك، بس لأ، مش هسيب حد يقول اسماعيل السوالمي موت حرمه وبنتها، اللي يرضيني موتك أنت، يبرد نار أخواتي وولادي اللي دمهم لسه ما نشفش...
رفع أسماعيل سلاحه واستعد لإطلاق النار، ثم أخفض يديه وأطلق عدة أعيرة نارية بجسد صالح المطأطأ رأسه ويبك بذعر، وأنتهى أمره بعد لحظات، إلى الأبد...
بعدما غرق جسده بالدماء وعينيه مفتوحتان على وسعهما إثر لحظات الذعر الأخيرة قبل أن يلتقط أنفاسه...
تنفس أسماعيل الصعداء كأنه القى جبلًا من الرمال من على كاهله للأبد، كان هذا الرجل للجميع مثل الطاعون الذي لم يرحم حتى عائلته!
ظل ناظرًا لجثة صالح لبعض الدقائق بشرود، حتى قال أحد الرجال له: هنعمل إيه في مراته وبنته يا باشا؟..
قال اسماعيل بنفس نظرته على صالح وقد استعاد بعض رشده: دي طليقته مش مراته، خدوها هي والبنت وارموهم في أي حته بعيدة عن هنا، لأبعد مكان، وهددها لو فتحت بوقها هتخلص عليها هي وبنتها، طاري وخدته خلاص...
نظر الرجل للجثة الملقاة بلا حياة على الأرض وقال: طب والجثة دي هنعمل فيها إيه؟
صمت أسماعيل للحظات، ثم قال: أرميه على أول البلد والناس هتتصرف، وخد المسدس ده أخفيه في أي مكان، مش عايز مخلوق يلاقيه...
القى المسدس للرجل وأخذه الآخر وتحرك لينفذ الأمر...
حمل الرجال جثة صالح إلى الصندوق الخلفي لأحدى السيارات المصطفة بالطريق، ثم قاد الرجل الموكل بالمهمة بقيادة السيارة، ثم دخل المخزن يأتي بشيء يخصه...
ودخل الرجل الثاني للداخل ثم خرج بعد قليل وهو يجر ليلى التي استعادت قليل من وعيها، ولكنها لا تتذكر ما حدث منذ أن استيقظت صباحا!
القاها الرجل بالسيارة ثم أبتعد وأتى من جديد ومعه الطفلة المذعورة ودفعها بجانب أمها، ثم صاح بهما وحذرهما من الصراخ، ضمت ليلى أبنتها في ذهول ورعب مما يحدث، وهي لا تعرف كيف أتت لهنا، لا تتذكر شيء!
قد عادت لتلك النوبات المرعبة مرة أخرى!، كانت قد اعتقدت أنها شفيت ولكن لا يبدو أنها عادت إليها من جديد.
تحركت العربة التي بها ليلى وصغيرتها للبعيد، وظل اسماعيل واقفا بإنتظار الرجل الآخر ليخرج من المخزن ويرحل...
انتظر وجيه بسيارته وصول صالح، وبينما ظهرت سيارة وحيدة بالطريق تأتي قبالته، وقفت السيارة بعد لحظات وخرج منها رجل غريب!..
كانت تأتي سيارة مروة على بُعد ليس كبير ولم تعرف خطوط الحقيقة، حتى تفاجئت بوجيه وهو يقترب منه أحد الرجال، وقفت بسيارتها التي احدثت صوتً مسموع بهذا السكون،!
نظر الرجل لما خلف وجيه وقال له بنظرة تحذير: هي البت دي معاك؟
تأكد وجيه مما كان يظنه، فقد أرسل صالح أحدًا آخر مكانه، وكره وصول تلك الطبيبة الآن ومجيئها بالأساس!، ما كان عليها أن تتهور وتتصرف هكذا!
رد بثبات دون أن يلتفت خلفه: معرفهاش، بس المفروض أنا اللي اسألك، هو مجاش ليه بنفسه؟
اختلس الرجل النظرات للفتاة التي تتطلع به باهتمام بالغ من نافذة سيارتها، ثم أجاب على وجيه قائلًا: ما أنا جاي اسلمهالك بداله، مش ده المهم؟، دقيقة واحدة، اجيبهالك، حبيت بس اتأكد أنه أنت.
نظر وجيه للرجل بنظرة متفحصة وادرك أنه يضمر الشر، عاد لسيارته على بُعد خطوات فاصلة للسيارتان، ثم وقف أمام باب سيارته للحظات، وأخرج فجأة سلاحه من جيب معطفه، وكاد أن يصوب اتجاه وجيه، حتى وجد سيارة الفتاة تندفع إليه بأعلى سرعة للسيارات...
كانت مروة بهذه الدقيقة استقرت أن تتحرك بسيارتها حتى لا تلفت الانتباه أكثر من ذلك، وبينما هي تتحرك وجدت الرجل يشهر سلاحه صوب وجيه، فأندفعت إليه بسرعة عالية حتى تشتت انتباهه، ولا يطلق الأعيرة النارية على وجيه ويحسم الأمر بنهاية مروعة لليلى...
اتسعت عين الرجل وركض للجهة الأخرى قبل أن تسحقه السيارة المجهولة أسفل إيطارها، حتى اندفع وجيه إليه من الخلف في لحظات تشتته بسرعة السيارة التي تلحقه بشكل غريب، وضرب رأسه بجسد السيارة الجانبية، حتى أختلّ توازنه بعض الشيء...
صرخ الرجل وسقط سلاحه من يده وهو يتأوه من رأسه بألم شديد، احكم وجيه يديه حول عنقه في غضب وتهديد بصوته الصارخ: ليلى والبنت فين؟ فين؟
أتت سيارة الشرطة بهذه اللحظة، واطمئنت مروة لوصول الشرطة فخرجت من سيارتها وتوجهت نحو الرجلان الذي يتشاجران...
حاول الرجل الفكاك من براثن وجيه، لينفد بنفسه من قبضة الشرطة، فأخبر وجيه مكان صالح سريعا ليترك عنقه ويفلت منه، وبالفعل تركه وجيه حتى ركض الرجل باتجاه مروة، فظنت إنه يهرب!
قبضت ملابسه وتشبثت وهي تصيح على رجال الشرطة بصوتٍ عالي واستغاثة وهو يدفعها ويضربها بعنف...
حتى دفعها بغضب فاصطدم رأسها بالسيارة بقوة عنيفة، سقطت في إثرها فاقدة الوعي...
بينما رجال الشرطة استطاعوا أن يقبضوا عليه دون مجهود، وأن يعرفوا أيضا منه مكان صالح وأسماعيل أيضا، فقد أعترف بمكانهما الأثنان، فكان خائنًا لمن يدفع له أكثر، وكلاهما كان يدفع، فكان جاسوس مزودج بينهما...
أتت سيارة الضابط أحمد وصدم عندما وجد مروة مُلقاه على الارضة فاقدة الوعي، لم ينظر لشيء سواها هي، أي جنون جعلها تفعل بنفسها هذا؟ كاد يتوقف قلبه عندما ظن أن أصابها طلقة نارية وسقط على إثرها!
ركض اليها وقد جف ريقه من الخوف، حتى انحني على جسدها ورفع رأسه بمحاولة أن تستفيق وتنهض، ولكنها لم تستجيب لمحاولته. وظلت جامدة!..
ردد اسمها بذعر: مروة، مروة، حصلك ايه!
اقترب منه وجيه سريعا وقال له: خدها للمستشفى بسرعة راسها بتنزف، لازم أسعاف قبل ما تخسر دم أكتر من كده...
شحب وجه أحمد برعب عليها، ثم حملها لسيارته ولأول مرة ينسى أنه بمهمة وواجب، ولكن يبدو أن قوة الشرطة بقيادة بعض زملائه الضباط قد اتموا الأمر بشكل كافي، ومهمته الآن ان ينقذها حياتها أو بالأصح، حياته!
تحرك الضابط أحمد بسيارته لأقرب مشفى بهذا الطريق بينما توجهت سيارة الشرطة في اتمام الخطوة الأهم، وهي القبض على صالح الخاطف والمجرم، وتسليم ليلى وابنتها سالمين...
خرج الرجل من المخزن بعد مدة ليست بقليلة وكأنه بحث بجهد عن شيء مهم لا يستطع تركه، ومعه حقيبة بالية!
ظن أن من استعجال اسماعيل بإختفاء الجثة، فأنه لن يسأل عن شيء ولكنه سأله!، فقال له أسماعيل بتعجب وأوقفه: كنت بتدور على إيه والشنطة دي فيها إيه؟
تعثر الرجل في الإجابة ثم قال بمراوغة: دي فيها هدومي يا باشا، عشان ما أسيبش أثر ليا هنا، أنت علمتنا كده...
شك أسماعيل بالرجل وخطف من يده الحقيبة، وفتحها وعينيه بتهديد على عين الرجل، ليجد فيها الأموال الذي أخذها من خزنته الخاصة ليعطيها لأحد رجال صالح الخائنين، والذي ينتظر مجيئه!..
زم أسماعيل شفتيه بغضب، وهتف به: بتسرقني يا أبن ال، ماشي، هحاسبك بس مش وقته، روح خلص اللي قولت عليه وكلامنا في البلد مش هنا...
نظر له الرجل بمكر وهز رأسه وكأنه خضع للأمر، حتى تحرك خطوة صغيرة وارجع قدميه بلحظة خاطفة، وأشهر سلاحه بوجه أسماعيل قائلًا بتهديد: أنت ما تختلفش عن صالح كتير، خاين ومالكش عزيز، هات الفلوس وهخلصك من الجثة ومش هتشوف وشي تاني...
نعت أسماعيل نفسه فقد ترك سلاحه الشخصي في مكانه بمكتبه واستخدم سلاح آخر، وقد اعطاه للواقف أمامه!..
قال وكأنه رضخ للتهديد، ودفع الأموال بوجه الرجال وقال بغضب: أخلص، ومش عايز أشوف وشك تاني...
أنحنى الرجل ليتلقط حقيبة النقود من على الأرض بعدما سقطت، بينما يديه وعينيه مصوبة على أسماعيل، أنحنى سريعا ليأخذ الحقيبة ولكن أسماعيل دفع يديه عاليًا فترنحت يديه وسقط المسدس عنوة من قوة الدفعة...
ركض أسماعيل للمسدس وأخذه بنظرة انتصار ثم قال: مش حتت عيل اللي ياخد مني حاجة غصب عني، ده أنا خلصت على اللي كل البلد كانت بتترعب منه، هيوقف قدامي عيل زيك ويهددني!
كان أسماعيل يدافع عن هيبته، وخصوصا بعدما أنتهى أمر صالح على يديه، وهذا ما كان سيجعله يرفع رأسه أمام أعدائه الآخرين...
أشار اسماعيل للرجل باتجاه السيارة وقال: نفذ اللي قولتلك عليه وإلا هخلص عليك، وبعديها تاخد حسابك وتغور من وشي...
حسب أسماعيل غدر هؤلاء الرجال، فآغراه بالمال ليعود وينفذ المهمة التي وكله بها، لكنه سينال منه بالآخير، هكذا وعود الفاسدين...
كبت الرجل غيظ شديد من اسماعيل وتوعد له، توجه للسيارة وما كاد أن يفتح بابها الأمامي حتى اندفعت الأعيرة النارية حوله ليسلم نفسه ولا يستطع يهرب...
أتت سيارة الشرطة كالبرق وأصبحت أمام المخزن القديم بلمح البصر، ركض أسماعيل ليختبأ بالمخزن، ولكنه تفاجأ بعيار ناري كاد أن يصيب قدمه. وقف ورفع يديه حتى يتم وقف إطلاق النيران، لم يهنأ بإنتصاره،!
قال الرجل بدفاع عن نفسه للضابط الذي يتوجه إليه: أنا معملتش حاجة يا باشا، اسماعيل بيه هو اللي قتل صالح والمسدس ببصماته معايا، والجثة في العربية...
نظر اسماعيل بأنتقام وغضب للرجل الذي يبدو أنه يشفي غليله منه بهذا الأعتراف الذي أتى على طبق من ذهب للقضية دون مجهود، قال الضابط له وهو يأمر رجال الشرطة أن يأخذهما: شاطر، ماتعبتش نفسك معايا، خدوهم على البوكس...
أشار الضابط للرجال حتى تم القبض على أسماعيل ورجله وجثة صالح!، ويبدو أن النهاية لم تكن لصالح فقط...
نفض بعض رجال الشرطة المخزن بحثا عن ليلى وأبنتها، حتى أن وجيه بحث معهم بجنون ولكن لا يوجد أثر لأي منهن!
خرج وجيه بوجه هربت منه الدماء ويخبر ضباط الشرطة أن ليلى والصغيرة ليس بالداخل، فأخذ أحد الضباط طريقه إلى اسماعيل حتى عنّفه ليعترف بمكان السيدة وابنتها...
لم يجد أسماعيل سبب لأن ينكر، فقد قبض عليه بمكان الجريمة وبحضور الجثة والسلاح، فما تبقى أن يخفيه، فقال: راجل من رجالتي خدهم وهيسيبهم في اي مكان بالطريق، محددتلوش مكان فمعرفش هيسبهم فين!
اسودت عين وجيه وهو ينظر له وكاد أن يصعد سيارة الشرطة وينشب أظافره بعنقه حتى يختنق، ولكن سرعة الإنقاذ واجبة الآن...
اعترض طريقه الضابط حتى لا يصل لأسماعيل وقال له: مش هو المهم دلوقتي، المهم نلاقيهم...
أمر الضابط أن يتصل اسماعيل بالرجل ويأمر بالعودة لهنا دون أن يخبره بشيء، أعطى أحد العساكر الهاتف الذي وجدوه بجيبه بعد التفتيش له لكي يجري الأتصال، ورفع أسماعيل الصوت ليصبح مسموع.
حتى أجاب الطرف الآخر، فقال اسماعيل ونظرته على ضباط الشرطة: أنت فين؟ ووديت اللي معاك فين؟
أجاب الطرف الآخر وقال: رميتها على الطريق هي وبنتها زي ما قولتلي وخلاص راجع لعندك، مالقتش لزوم ابعد أكتر من كده، هي في كل الأحوال شكلها هتموت!..
دق قلب وجيه بعنف عندما سمع كلام هذا المجرم، فقال اسماعيل له: رميتها فين بالضبط؟
رد الطرف الآخر: عند الكيلو...
سمع وجيه الاجابة وركض لسيارته، وذهبت سيارة من سيارات الشرطة معه بينما الأخرى حملت المجرمين وتوجهت لطريق قسم الشرطة...
كانت ليلى مُلقاه على جانب الطريق، وفي حالة إعياء لم تستطع معها فتح عينيها بسهولة، فقد كانت الصدمة منذ الصباح وهذا الرعب والنوبات التشنجية التي مرت بها، أكثر من أن تتحملها، وأكثر من قوة أعصابها وقدرتها على التحمل.
حركت رأسها وهي تكاد تتيه بفقدان وعي مرةً أخرى، وتضع الصغيرة رأسها على صدر أمها بعينان مفتوحتان وصوتها لا تستطع أخراجه، كانت بالكاد تمتم هي الأخرى...
ما، ما، ما، ما...
انتبه شعور الأم لصوت صغيرتها الضعيف، فابتلعت ريقها وهي تجاهد لتنهض ولكنها كالمقيدة تماماً...
صرخ قلب الأم بجسد عاجز عن الحركة، فأدمعت عينيها بألم شديد وخوف يصل لحد الرعب، لا تعرف بأي حالة تكون على صغيرتها الآن، ربما كانت بحاجة للأسعاف!
رجف قلبها صوت وقوف سيارة بشكل مفاجئ، حتى تنهدت بأمان عندما سمعت صوته يناشدها ويركض بإتجاهها...
با، با، وجي، ه
كانت الصغيرة تتحدث بصوت ضعيف جدًا وبالكاد مسموع، ففقدت ليلى وعيها تمامًا بعد ذلك...
هرع اليهما وجيه وخلفه الشرطة، انتفض قلبه وهو يراهما هكذا، وهتف برعب وهو يحمل الصغيرة من على جسد أمها: ليلى، ريميه.!
ضم الصغيرة لصدره بقوة، وباليد الأخرى رفع رأس ليلى وهو يناشدها برجاء لتفتح عينيها: افتحي عينيكي طمنيني عنك، أنا جانبك والبنت في حضني ما تقلقيش عليها...
أسرع الى سيارته ووضع الصغيرة أولا، ثم عاد ورفض أن أحد من رجال الشرطة يلمس جسد ليلى، فحملها لسيارته، ثم أمر الضابط احد العساكر وقال له: أنت عارف اقرب مستشفى لهنا، وصله وخليك معاهم، وأنا هحصلك...
استلم الرجل مهمة قيادة السيارة من وجيه واسرع بالسيارة...
كانت ليلى ترمي رأسها على كتفه، بينما الصغيرة بين يديه ويحاول أن يتحدث معها، عينيها مفتوحتان ولا تستطع التحدث...
ربت على وجهها برفق وقال بقلق شديد: حبيبتي ردي عليا، أنا بابا وجيه، أنا هنا محدش هيأذيكي متخافيش...
كانت الصغيرة تتنفس بالكاد ثم رمت رأسها على صدره وتشبثت به بكل قوتها وهي ترتجف بحالة فزع، ضمها وجيه بقوة وقبّل رأسها وهو يعتذر: أنا أسف، مش هسيبكم لحظة بعد كده...
تشبثت الصغيرة بملابسه أكثر برعب وعينيها مفتوحتان على وسعهما كأنها ترى شبح،!
ولا تتحدث!
تنهد بألم، وقال بنبرة ملؤها الحنان لتطمئن: مش هبعد متخافيش، أطمني أنا معاكِ...
بدأ يلاحظ ارتجاف الصغيرة بشدة، فخلع جاكته سريعا ولف جسدها الصغير به، ولكنها سريعا تشبثت بملابسها ورمت رأسها على صدره وهي على حالتها...
ربت عليها بحنان ثم اختلس نظرة لوجه ليلى، تنهد بعمق وادرك أن عليه تحمل بعض الوقت، ولكن هناك أشارة ضوء تأتي بكثير من الأمل، أن المجرم الذي أرعبها لسنوات، أنتهى أمره للأبد، لم يعد بينهما عائق ليتجمع حبهما تحت سقف واحد...
قال لهما بتأكيد وهنا بطريقهما للمشفى: مافيش حاجة هتبعدكم عني تاني أبدًا، كل حاجة كانت واقفة بينا خلاص، أنتهت...