قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والعشرون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والعشرون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الرابع والعشرون

يكون الأمر شديد الصعوبة إذا اقتصرت رؤيتنا على اتجاه واحد نرى فيه السعادة والامل، ويكون الأمر أكثر صعوبة إذا كان هذا الاتجاه مضاد لما نحلم به ونتمناه!
وقعت جيهان مغشيًا عليها بعد صدمةً گ مطرقة صلبة هوت بحدة على رأسها، جعلتها هشة تقذفها الرياح...

بعد لحظات كانت على الفراش الأبيض الطبي بمكتب وجيه بالمشفى، فتحت عينيها فوجدته يقف بجانب الفراش ويتأملها بدقة...
ولكن الغريب أن عينيه كانت بعيدة عن رؤيتها رغم ذلك!، كأنه ينظر لشيء آخر بنفس الإتجاه!
ارتفع صدرها وهي تتنفس بقوة وقد عادت لوعيها بلحظاتٍ وأرادت النهوض، وضع وجيه يده على كتفها لتبقى وأخيرًا نظرته كانت تقصدها، وقال بلطف: لو لسه تعبانة خليكي مرتاحة هنا، ولا تحبي ارجعك البيت؟

أطرفت جيهان عينيها عليه للحظات وشعورها يمتزج بين الغضب والحزن، تريد أن تصرخ، وتريد أن تركض باحثة عن أبعد مكان عن الجميع وتختفي عين الأعين،!
قالت بنبرة وافقت نظرتها العاتبة: غريبة أنك ما سبتنيش وروحت وراها!، مجهود كبير أنك تمنع نفسك للدرجة دي!

رغم صيغة السخرية بجملتها ولكنها قالتها بمرارة، ودموع مختبأة، فقال وجيه برد العتاب لها: جيهان، أنا مش بكرهك، يمكن لو ليلى مدخلتش حياتي كنتِ أنتِ هتبقي مكانها، لأنك تستاهلي تتحبي ودي مجاملة لمجرد أني أرضيكي. بس ليلى حبي ليها كأن أغرب شيء شوفته في حياتي، رغم إنه بدأ من أول نظرة، بس استمر عمر ولسه باقي!..

ابتلع ريقه بنظرة بها هموم ثقيلة وتابع: أنا بعترف أني غلطت لما وافقت أننا نكمل، بس حقيقي كنت بحاول بكل جهدي أنساها، مقدرتش...
أنا مش حابب ابدًا أشوفك بتتعذبي قدامي وبسببي، ارجوك لو حاسة أني ظلمتك سامحيني، وأنا موافق على أي قرار تاخديه...

طفرت عينيها دموع وهي تنظر له في رجفة جسدها وكأنها محمومة، هي تعرف أنه لم يقصد ظلمها، وهي لم تحسب أن الأيام أحيانا تدور ضد توقعاتنا وجميع الظنون، كانت تظن بسذاجة أنها ستستطع هذه المرة أن تكسب جولتها مع قلبه، وخسرت اللعبة!

اطلقت تنهيدة طويلة مرتجفة من رئتيها وقالت بعدها وهي تنهض من الفراش: أنا محتاجة أبقى لوحدي شوية يا وجيه، كمل شغلك وأنا هرجع البيت، ارجوك سيبني براحتي الفترة دي، محتاجة أفكر وأخد قرار، هرجع بعربيتي
نظر لها لبرهة ثم هز رأسه موافقا وقال: خدي القرار اللي يريحك، هوصلك.

رفضت بشدة واعترضت حتى سلّم للأمر تحت رفضها...
ثم تحركت ببطء من أمامه حتى وقفت فجأة واستدارت له، حركت عينيها بنظرة غامضة وقالت: هي ليلى هتوافق على الجواز لو أنا وافقت أنك تتجوز وأفضل على ذمتك؟
شعر بكيد الأنثى بسؤالها، ورغم ذلك يقدر مدى شعورها، ولكنه لا يعرف إجابة الشؤال حقا وهذا ما يقلقه، قال بصدق: مش عارف، بس اللي أعرفه أني مش هرتاح غير لما توافق، ومش هقبل رفضها تحت أي سبب...

تكورت غصة شديدة المرارة بحلقها، أي شعور قاتل هذا الذي يهجم على قلب امرأة ترى رجل تحبه يحب أخرى؟
شيء كأنها تجري استئصال قطع حية من جسدها بعملية جراحية دون مخدر أو شيء يذهب الألم عنها!
لم تجيبه بأي كلمة ولا حتى أشارة، خرجت من المكتب مباشرةً وهي تحبس الدموع عن تلصص النظرات حولها...

بغرفة العناية...
وقفت ليلى تنظر لأبيها وهي تبكِ، صامته كالتمثال، نظرتها وكأنها تصرخ وتتوسل لكي ينهض ويخبرها ماذا تفعل!
ربت الجد صادق على كتفها وقال: وافقي يا بنتي وريحي ابوكي في رقدته دي، أنا متأكد أنه سامع وعارف اللي بيحصل، طمني قلبه عليكِ...

أغمضت ليلى عينيها بدموع وقالت بألم: أنا وعدت مراته أبعد، لو وافقت هبقى أنانية وغدرت بيها، أنا مكسورة أوي، من اليوم اللي صحيت فيه ولقيت نفسي تقريبا عريانة وبين ايدين مجرم وأنا قلبي اتكسر، حتى لما اكتشفت أني لسه سليمة مقدرتش أفوق من الكسرة دي، يمكن لو كنت أنت خدت حقي وقتها مكنتش وصلت للحالة دي!

هزت رأسها برفض فكرة أن يعرف وجيه ما حدث وقالت: هقول لوجيه أزاي الموضوع ده!، مش هقدر ابص في عنيه بعدها حتى لو كنت مظلومة، أنا بتمنى أني ارجعله، بس لو معرفش هحس أني مخبية عليه حاجة وهفضل متعذبة، وتقيل عليا احكيله طب اعمل إيه؟

كانت الصغيرة بهذا الوقت تجلس خارج العناية مع الممرضة منى التي تفاجئت برؤيتها وصممت ان تأخذها بعض الوقت وظلت تشاكسها وتضحك معها...
أجاب الجد صادق على ليلى بندم: أنا السبب وأنا اللي لازم أصلح الغلط ده، وعشان اطمنه هقوله أنك محتاجة وقت عشان نفسيتك تعبانة...

ازدردت ليلى ريقها بقوة ولم تستطع أن ترفض الاقتراح، لا ترفض مطلقا، بل أن مجرد عرضه لطلب يدها جعلها تعود سنوات ماضية، جعلها نبته بقلبها وكادت أن تموت تحيا من جديد...
هناك أشياء نريدها بقوة، ولا نستطع البوح بأننا نريدها، تصعب الظروف الأعتراف وتثقل نطق الموافقة!

قبّلت ليلى رأس أبيها وهمست له قائلة بدموع عينيها: قوم يا بابا وقولي اعمل إيه، خد بإيدي أنا تايهة، أنت اكتر انسان بتملا قلبي أمان، محتاجة أطمن، قوم وقويني بيك...
قبّلت رأسه مرةً أخرى ثم استقامت وقالت لجدها وهي تمسح عينيها من الدموع: أنا قاعدة في فندق (، ) تبع الشغل اللي بدأته جديد، لو حبيت تشوفني يا جدي، بس من فضلك ما تقولش لوجيه العنوان...

رد جدها بتأكيد: اكيد مش هقوله عنوانك هو ده يصح برضو!، بس هو لو عايز يعرف عنوانك مش هيصعب عليه يعرفه!

قالت ليلى وهي على يقين بذلك: عارفة، بس برضو ما تقولش، أما صالح فلازم ما نثق أوي أنه انتهى، لازم نستنى ونشوف، صالح مش سهل ده مجرم!، وليه رجالته واكيد بيدورو عليه، واكيد برضو أول حد هيشكوا فيه هما السوالم وهيراقبوهم!

أخذت ليلى أبنتها من الممرضة منى بعدما خرجت من غرفة العناية، فقالت منى بابتسامة لطيفة: مطولتيش معانا يا ليلى، بس وحشتيني والله، سيبتي الشغل ليه فجأة والدنيا كانت مقلوبة عليكِ؟

احتارت ليلى كيف تجيبها حتى أتى وجيه من الممر، لاحظت منى قربه فقالت سريعا بتوتر: د. وجيه جه!، طب همشي أنا بقى قبل ما يجي ويشوفني واقفة كده!..

اسرعت منى مبتعدة وحمدت ليلى مجيئه لينقذها من إجابة لم تستطع قولها، اقترب وجيه منها حتى وقف أمامها في ثبات قائلًا ونظرته تتنقل بينها وبين الصغيرة التي تنظر اتجاه خطواته بابتسامة: عنيدة، بس عارف أن عندك بسبب خوفك، أطمني، هتكوني ليا في جميع الاحتمالات...

تمنت ليلى بداخلها أن يحدث هذا الأمر، ابتسم بنظرة ماكرة وقال: طالما ريميه بتدعي نبقى مع بعض، يبقى بأذن الله هنبقى مع بعض، أنا عارف أنك بتطمني بدعوتها...

اتسعت عين ليلى بدهشة، من أين عرف هذا الأمر؟، راقه دهشتها فاتسعت ابتسامته بتسلية، نظرت ليلى لأبنتها التي تضمها بين يديها وسألتها بهمس: أنتِ قولتي إيه؟

ابتسمت الصغيرة وأشارت بأحدى يديها واليد الأخرى ممسكة بالهرة الصغيرة وقالت: كل حاجة، قولت لبابا وجيه كل حاجة...

شحب وجه ليلى بارتباك شديد يغمر عينيها، توجهت متهربة من عينيه المتسليتان بإرتباكها فقال بجدية: أنا مش هقولك فكري، هقولك أطمني، لأني مش هتنازل عنك، مقابلة بعد عشر سنين كانت أول خطوة في فتح ورقة جديدة لصفحة جديدة في حكايتنا من تاني يا ليلى، أنتِ خايفة وأنا هعرف أحميكي حتى من نفسك...

استدارت ليلى له وقالت بألم يشتد بنظراتها: مش عايزة أكسر قلب جيهان، هي مأذتنيش في شيء، وجيه أنت متعرفش حاجة عن اللي حصلي في السنين اللي فاتت، بس كل اللي اقدر أقوله أن لو لينا نصيب نرجع، هنرجع، بس من غير ما يكون في طرف تالت مظلوم...

فهم ما تقصده، رغم أنه احتار بعض الشيء في بعض حديثها وغموض السنوات الماضية معها، أجاب وكأنه يحال أرضاء هذا الألم القابع بعينيها: جوازي منك مش ظلم ليها، لأني مكدبتش عليها من البداية وهي قبلت موقفي وشعوري ناحيتك، بُعدي عنك مش هيخليني أحبها ومش هينصفها بالعكس هيأزم الموقف أكتر، بس رفضك هيظلمنا احنا الاتنين يا ليلى، أنا سيبت الأختيار لجيهان في وجودها على ذمتي أو الطلاق لأني هتجوزك يعني هتجوزك...

رغم أنها تعترف سرًا أن هذا لأمر شاق على جيهان ولكنها كرهت هذه الفكرة أيضا، أن يكن لأنثى غيرها، ولا يعقل أن تطلب منه أن يطلق زوجته الأولى!
سيكون ظلم بيّن لجيهان أن قالت ذلك!
قالت ببعض التيهة: يبقى كلامنا بعد ما جيهان تقرر، وعلى ما اتأكد أن صالح مابقاش موجود...

ودت لو تقوله أنه توفى أو لقى مصرعه، فهي حقا لا ترى راحتها الا بسجنه أو وفاته، ولم تجد شعور ولو ضعيف بتأنيب الضمير لرغبتها هذه، ولكن لا تحب أن تقول ذلك أمام أبنتها...

تحركت مبتعدة عنه، فقال كأنه لا يريدها أن تذهب من أمام عينيه: عارف أنك مش عايزة تعرفيني عنوانك، أمشي يا ليلى، بس ده بُعد مؤقت، أنتِ رجعتيلي ولا يمكن أسيبك تبعدي تاني...

لم تقف هذه المرة بل تابعت طريقها في الأبتعاد، رفعت الصغيرة يدها الرقيقة ولوحت له بالسلام، ابتسم وجيه وقال بمحبة لهذه الملاك: هتوحشيني يا ريمو على ما أشوفك تاني...

ابتسم الصغيرة باتجاه صوته ثم وضعت رأسها على كتف أمها برقة...

عادت جيهان للبيت الكبير ملك عائلة الزيان...

صادف دخولها المنزل وجود الجد رشدي وهو ينزل الدرج بتثاقل قدميه، وعصاه يتوكأ عليها وهو يتحرك ببطء، توجهت صاعدة هي أيضا والقت عليه السلام عندما صعدت الدرجة الذي يقفه عليها ناظرًا لعينيها المنتفختين من البكاء، فقال بقلق: مالك يابنتي شكلك معيطة ليه؟

وقفت جيهان وعينيها تعصف حمم من نيران الحزن، فقالت: تعبانة شوية يا بابا، أنا بستأذنك هغيب عن البيت كام يوم اريح أعصابي...

تعجب الجد من طرحها لهذا الأمر وكأنها لم تخبر زوجها!، فقال بتعجب: طب ووجيه عارف؟ اكيد ماينفعش تمشي من غير أذنه!

قالت جيهان بعد صمت دام لدقيقة: هو تقريبًا عارف، لما أوصل هتصل بيه وأقوله عنواني...

نظر اليها الرجل في حيرة، أي شيءجعلها بهذه الحالة؟، لابد أن الأمر خطير ليجعلها هكذا، فقال: طب احكيلي حصل إيه، هو أنا مش زي بابا برضو؟

ابتلعت جيهان ريقها المرير وقالت وهي تأخذ أنفاسها بضيق شديد، ثم اجابت عليه بألم: هو هيقولك اكيد، لأني ما اعتقدتش أنه هيتجوز من وراك!

صدم الجد واتسعت عينيه على آخرهما من الصدمة، يتزوج مرة أخرى؟، أي شيء يجعله يصدق أن أكثر أبنائه عقل وحكمة يفعل هكذا؟، بالتأكيد أن جيهان مخطئة فقال بتأكيد: مستحيل أصدق، اكيد أنتِ فاهمة غلط!

امتزج السخرية مع مرارة صوتها وأجابت: هسيبه يأكدلك بنفسه، أنا هاخد جزء من هدومي، لحد ما أخد قراري، ياريت تبلغه كلامي...

اسرعت جيهان لغرفتها بالطابق الأعلى وهي تبكي، وقد تسمر الجد ؤشدي بمكانه لبعض اللحظات حتى أخرج هاتفه الخاص من جيب روبه الثقيل وأجرى اتصال على رقم وجيه...

غرفة يسود الظلام بها، يرافق البرد القارس قسوة المشهد، وعيون الأمل في النجاة آبية أن تستيقظ، هناك فقط من بعيد ضوء ضعيف لقنديل ضوئه ضعيف، ولكنه يعكر قتامة الظلام الحالك...
ها هو هنا، بين عواقب جرائمه، وبين انتقام وبراثن الأعداء...

دفع بوجه صالح المقيدة يديه بالأصفاد الحديدية دفعة كبيرة من الماء البارد، حتى استفاق قليلًا من وعيه المفقود بسبب العنف والضرب الذي تلقاه بالأيام الماضية، أخذ أنفاسه بصعوبة من رذاذ الماء وجسده العاري ينتفض بشدة وكأنه محموم...

نظر اسماعيل سالم وهو من أحد رجال العائلة المعادية لعائلة الجد صادق للمقيد بكراهية وسخط وقال بنظرة عنيفة: ورحمة أبوك اللي موته كان على ايدي ما هتطلع من هنا غير جثة، لا ومش أي جثة، هوريك غضب السوالم الأول، هتتمنى الموت في كل نفس تتنفسه، وبعديها هولع فيك حي، بحق أخواتي اللي موتهم يا...

نظر صالح بإعياء والدماء تنزف من كل مكان بجسده وقال بابتسامة ساخرة شريرة: أنت مش هتلحق يا أسماعيل، واللي أنت بتعمله ده هتدفع تمنه دم...

نظر اسماعيل لسوط ملقى بالقرب، كان يتم تعذيب صالح به منذ قليل، انحنى وأخذه قائلًا بغضب: أنا هوريك التمن...

وهوى على جسد صالح بالسوط في غضب مميت، صرخ صالح بألم شديد من لسع الضربات التي تهوى غاضبة على جسده، وكأن السوط ذاته ينتقم لثأر!

الفصل التالي
بعد 05 ساعات و 51 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة