قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والستون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والستون

رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والستون

قالت وداد للصبي ذلك وبعدها تابعت أخبارها بأمر رضوى، فصمت الصبي للحظة ثم قال بقلق: لتكون ناوية توافق غيظ فيه ياعمتي!، مش هتكسب غير الوجع!

قالت وداد ببعض الطمأنينة: مش هكدب عليك وأقولك أني مش خايفة، بس اللي مخليني مطمنة شوية أن عمهم وجيه فاهم كل حاجة، ولمحلي كده من بعيد أنه مش هيخلي حد يغلط تاني، سواء في حق نفسه او في حق غيره، ومبسوطة أنك انت كمان جيت، أنت أخوهم وهتخلي بالك منهم اكتر مني، أنت شايفني لا بقدر أقوم ولا اتحرك كتير.

فقال الصبي بوعد بعدما أوضحت له عمته لوحة مفاتيح لب المشكلة: ما تقلقيش بالك، خليها تقابل العريس الأول ونشوف هيحصل ايه، وعيني هتفضل عليهم طول الوقت. اوعدك.

مر منتصف الليل بساعاتٍ ثقيلة على البعض. والبعض الآخر مرت عليه تلك الساعات أسرع من وقت ارتشاف فنجان صغير من القهوة!
وتملمت ليلى بفراشها ليلًا، وقد مضت غفوتها بتلك الساعات الفائته في أرق وانزعاج صامت وزفرات ضائقة لا تنقطع. كأنها ستخرج من حلما جميل اوشكت نهايته على البدء!
يومان من عمرها، بالعمر الفائت كله!

بالعمر التي لا زالت لا تتذكر فيه بعض الأشياء، وربما لا تريد تذكرها!، وحمدت رب العالمين أنها بتلك اليومين لم تزعجها ذاكرتها وتختفي مثل الزئبق!، مثلما حدث قريبًا!

إلى متى ستظل مرعوبة من هذا الاحتمال؟
هل من الممكن أن تنسى أنها تزوجت من الرجل الوحيد الذي أحبته؟
والأكثر رعب لو نسيته هو ذاته!
يا الله، كم يبدو أن الانسان أضعف من كونه يستطع التذكر شيء عن نفسه حتى لو أراد ورغب!
هناك أشياء بنا لا نستطيع التحكم فيها، كأننا نسير بجسد لا نملكه سوى مؤقتً!، ولا نملك السيطرة عليه ولو بطرفة عين!

جف ريقها من الخوف واعتدلت وهي تستغفر ربها وتتوسل إليه بصوتٍ خافت ألا يحدث هذا وتنسى من خفق قلبها له، التقطت أنفاسها المشتته بعض الشيء، ثم نظرت جانبًا تروي عينيها بالنظر له...
تطلعت به بنظرة لم تطرف حتى!، ودققت في أدق تفاصيل ملامحه المنحوته بإبداع الخالق وهو نائم بهدوء تام ومضطجع على جانبه الأيسر، صدقا لم تقابل رجل مثله!

أو ربما لأنها تحبه تشعر بذلك، ولكنه بالفعل مميز هذا الرجل بشيء غامض هي نفسها لم تستطع كشفه حتى الآن.

خلافا عن وسامته الخاطفة لنظر أي امرأة، فهو يملك شخصية ساحرة للنساء، يستطع لفت الانتباه دون مجهود حتى لو هناك الأجمل منه بالقرب!
لاحظت ابتعاد الغطاء سنتيمترات قليلة عن كتفيه، فاقتربت وسحبت الغطاء بهدوء حتى أخفى جسده دون وجهه، فابتسمت ليلى بحنان وهو يتنفس بإرياحية مغمض العينان وكأنه كان يشعر بالبرد ورحب بالدفء أخيرًا.

وبعدها مررت يدها برقة على شعره الناعم الذي ورغم دخوله الأربعين منذ عامين، لم ينتشر فيه الشيب سوى قليلًا ولمن يدقق النظر فقط سيرى.
تنهدت بضيق من شيء تذكرته، شيء مر بعقلها ورسم ذلك الحق بالقرب لزوجته الأخرى!، اعترفت ليلى لنفسها أنها لن تتقبل زوجة أخرى له مهما حدث، ولولا حبها له ما كانت وافقت أبدًا بهذا الوضع، ومع ذلك من الأنانية والجحود أن تفكر حتى في تفريقهما!، لن تفعل ذلك مهما تعذبت مشاعرها!

والغد. وما الغد!
غدًا أول يوم عمل، وأول يوم من بياته خارج غرفتهما بقرب امرأة أخرى!، هذا العذاب بعينه،!
هكذا صرخ قلبها وهي تنهض من الفراش ببعض العصبية، ومن سريان تلك الموجات الغاضبة بداخلها لم تدري بردائها الخفيف وهي تنهض وتقف أمام النافذة الزجاجية المغلقة بعدما أزاحت عنها الستار الثقيل المتعدد الطبقات.

عقدت ذراعيها حولها ونظرت للفراغ المُظلم الذي ينتظر بلهفة أمل الضحى المشرق، ثم ابتلعت ريقها بتنهيدة متثاقلة وخصلات شعرها القريب اللون من لون عينيها البندقية يحيط وجهها بحراسة.

وتاهت بالفكر لدقائق حتى شعرت بأنامل قوية ولكنها رقيقة اللمسة تمر على أعلى كتفيها وتديرها إليه، فنظرت لعينيه المشاكسة وكأنها تسبح في موجاتها المرتفعة، وكم كان يروقه نظرتها له، كم يحب تلك اللمعة المميزة عندما تتلاقى أعينهما في صمت!، ورعشة شفتيها كأنها تريد أن تقول شيء وتتراجع أو تخجل فتصمت، فابتسم وقال لينهي حيرتها: كنت عارف أنك مش هتعرفي تنامي النهاردة!

انتزعت نظرتها من على عينيه كأنها تبترها وقالت بنظرة مشتتة حائرة وبها من القلق ما جعلها على وشك البكاء: في حاجات كتير مخوفاني ومطيرة النوم من عيني، مش اللي جه في دماغك بس،!

وكانت تقصد بمعني خفي عودته لحياته الروتينيه مع زوجته الأولى جيهان، فخمن عدة أسباب ولكنه تساءل: طب قوليلي إيه اللي مخوفك للدرجة دي؟
كادت أن تتحدث بعد لحظة من الصمت الثقيل، حتى وقعت عينيها على ساعة الحائط التي تشير للثالثة فجرا، فتراجعت وقالت وهي تتجه للفراش: المفروض تنام عشان تصحى فايق للشغل بدري.

ولكنها لم تتابع طريقها، بل امسكت يده معصمها فأوقفها، اخفضت ليلى رأسها بمحاولة أن تتحكم في تلك الرغبة الحمقاء في البكاء ولكنها لم تستطع...
فأخذها سريعا بضمة رقيقة، ثم ابعدها قليلا ونظر لعينيها الحمراء الباكية وقال بمحبة حقيقية لا شك فيها: يا ليلى أنا بحبك، مع مين اكون بحبك أنتي، ومحدش هيقدر ياخد مكانك عندي أبدًا، اعملك إيه عشان تصدقي وتطمني وتبطلي القلق ده!

نظرتها له كان بها خوف أقلقه عليها بحق!، كأن هناك شبح يبحث عنها وترتعب منه!، فقالت وعينيها مليئة بالارتياع: أنا مصدقة كل كلمة بتقولها، مش هنكر أن قلبي بيوجعني كل ما بتخيل بكرة والأيام الجاية، واتخيل أن بعد كام ساعة هترجع من شغلك وتروح لجيهان، بس خوفي الأكبر مش بسبب كده!

وكان يزيل دموع عينيها بأطراف أصابعه حتى تابعت وجسدها بدأ يرتجف بقوة: خايفة أنساك، خايفة في يوم الاقي نفسي معرفكش!، أنا مرضي النفسي خطير وصعب علاجه، والكارثة أن النسيان في المرحلة دي مش مرتبط بصدمة أو زعل!، ده ممكن يجيلي في أي لحظة،!

اجهشت بالبكاء وهي ترمي رأسها على صدره وتضمها بكل قوتها وتقول: أنا مش عايزة انساك يا وجيه، مش عايزة انساك.

وكررتها وهي تحاوط خصره بذراعيها بأشد قوتها وتبكي، فضمها بقوةً مرة أخرى وهمس لها بتأكيد: أطمني، مش عايزك تحطي الاحتمال ده في دماغك وأن شاء الله مش هيحصل كده.

وظلت بين ذراعيه متمسكة به كالهرة المرتعبة حتى نظر لعينيها بعد قليل وقال بابتسامة حنونة: وحتى لو نسيتيني، أنا فاكرك وعمري ما نسيتك، حتى لو نسيتي يا ليلى، هبدأ معاكي حكاية جديدة، هتحبيني فيها من أول وجديد، ولو نسيتي كل يوم، هفضل افتح معاكي صفحة جديدة لحد ما نوصل لبر الأمان، وساعتها هنقف وهفكرك بكل الموج العالي اللي قابلنا، لحد ما وصلنا أخيرًا، مافيش داء من غير دوا، وأنا معاكي مش للنهاية، أنا معاكي لنهايتي وآخر عمري.

رغم دموعها المنفرطة على بشرة وجهها كانت تبتسم!
وعند الصادقين فقط، تصبح الكلمات أدلة واضحة وبرهانً اكيد.

فاتسعت ابتسامة وشاكسها قائلا: بعرف ابدل مزاجك في لحظة، من العياط للأبتسامة في لمحة!، أنا مُقنع جدًا.

وكان محقا، فقد استطاع رغم كل ما تشعر به أن تطمئن وتبتسم بكل ثقة وأمان، أن يرحل عنها كثير من خوفها من الآت.

وعند بزوغ الشمس، اجتمعت العائلة حول مائدة الأفطار جميعهم، وكان الصمت يخيم على الجميع بغير عادة!

نظر الجد حوله وقال بتعجب: هو نعناعة فين؟

أجابت حميدة وهي تتحاشى النظر ليوسف الذي كان يبتسم لها واثارت ابتسامته هذه جميع الانظار عليها: أنا خبطت عليه من شوية عشان يجي يفطر ورد قالي ماشي نازل، بس تلاقيه مكسوف ينزل!

قالت جيهان بتلقائية: طب ما تروحيله تاني وتدخلي تصحيه يا حميدة؟..

نظر الفتيات الأربعة لبعضهن ثم أجابت جميلة عوضا عن حميدة: لا ما اتعودناش على كده، هو أخونا آه بس مش لدرجة ندخل عليه أوضته يعني وهو نايم!، مايصحش يا مرات عمي هو مهما كان راجل برضو!

قالت حميدة بقصد وهي تنظر ليوسف نظرات خلفها أشياء كثيرة: رغم أنه اصغر مننا لكن برضو الأصول أصول...

قال يوسف بعتاب وقد فهم قصدها: ما خلاص بقا فهمنا والموضوع عدى هنفتحه تاني!

ابتسم وجيه بمرح وهو ينظر لحميدة، بينما أرادت ليلى أن تتدخل لتعجبها من كلمات جيهان ولكنها تراجعت، فأن وافقت الفتيات ستضع جيهان في موضع احراج كبير، فصمتت.

ارتشفت حميدة من كوب ماء أمامها وتجاهلت يوسف وهي تكتم ضحكتها، فقال جاسر بابتسامة ماكرة لجميلة: جبتي العقل ده كله منين يا جميلة؟..

أجابت وهي مبتسمة لتستفزه: مش هقولك المكان عشان ماتروحش تجيب!..

كتمت ليلى ضحكتها وهي تنظر لوجيه الذي نظر لفنجان قهوته وبالكاد تحكم بضحكته هو الآخر، بينما انتشرت الضحكات بين الجميع سوى جاسر، نظرت له جميلة بانتصار حتى قال بنظرة متوعدة: لولا أنك بنت عمي كان زمانك لابسة الفنجان اللي قدامك ده في عقلك الجميل ده...

تحدث وجيه بنبرة تحذيرية ونظرة حادة لجاسر: جاسر؟، وبعدين!

كاد جاسر أن يرد بغيظ حتى أوقفه الجد وقال: كفاية بقا تصرفات القط والفار دي!، خلينا في المهم.

نظر الجد لأبنه وجيه وقال بهدوء: حاول توصل قبل الساعة 5 يا وجيه، ماينفعش أقابلهم لوحدي!

وأشار الجد بحديثه على زيارة عاصم وأبنائه الشباب الثلاثة، فدفع رعد ملعقة شاي صغيرة قد احدثت صوتٍ مزعج ونهض قائلا بعصبية: مش عايز أفطر، ومش رايح الشغل النهاردة.

ضيق وجيه عينيه عليه للحظة ثم قال: هو كل يوم غياب!..

رد رعد بسخرية وهو ينظر لرضوى التي تجاهلته تماما وتتابع طعامها في صمت: ما طول الوقت كنت بشتغل!، ما أفتكرش أننا كنا بناخد أجازات خالص!، أظن من حقي أخد كام يوم كده على ما أروق.

ومن نظرات رعد الحادة لرضوى فهم أن الجدال معه سيزيد الأنر سوءً، فوافق مرغمًا ولكنه قال بتحذير صريح: مافيش مشكلة في الغياب يا رعد، بس مش عايز أي مشاكل النهاردة، ولا حد يجيلنا ويمشي مضايق مننا، الضيف ليه احترامه وواجبه بغض النظر هو جاي ليه.

نظر رعد لعمه وجيه نظرة طالت لدقيقتان، ثم انتقلت نظرته على رضوى بتهديد واضح لم يمنعه حتى تحذير عمه وقال: في حاجات يا عمي ماينفعش نسكت عليها، وماينفعش حد ياخدها مننا، واللي هيقربلها مش هرحمه.

وبعدها غادر المائدة وصعد لغرفته، اصطبغ وجه رضوى وخاصةً بعدما أصبحت العيون مسلطة عليها، فقال جاسر بنفس ابتسامته الماكرة: أيوة زي ما رعد قال كده بالضبط، وهضيف أنا بقا، واللي هيقربلها مش هرحمه وهضربه، أنا رايح أوضتي.

وغادر جاسر المائدة أيضا، فقال آسر وقد نطق أخيرا: أنا بقا اللي هيقربلها مش هرحمه وهضربه وهطرده...
بعد أذنكم، رايح أوضتي طبعا.

وبعدها غادر أيضا.

رفعت سما حاجبيها بتعجب، فقال وجيه ليوسف: طب وانت؟

كتم يوسف ضحكته وقال لعمه وجيه: مقدرش أسيبهم يا عمي، بعد أذنك.

وغادر يوسف أيضا، وضع وجيه فنجان القهوة من يده ثم ضحك رغما عنه وقال: ربنا يستر على عاصم وولاده من الحيتان دول!

رغم ابتسامة الجد السريعة وارتباك وقلق الفتيات مما يحدث، قال الجد بتوتر: لازم تيجي بدري، ماينفعش نبان قلالاة الذوق مع الناس حتى لو هنرفضهم!

وعندما سمعت رضوى تلك الكلمات نهض متجهمة الوجه وكأنها تعترض، واستأذنت عائدة لغرفتها وتبعها الفتيات واحدة تلو الأخرى، فأجاب وجيه بموافقة: هاجي بدري، بس محدش يتكلم مع رضوى خالص دلوقتي، دي زيارة تعارف لسه، بعد الزيارة لينا كلام تاني، يمكن هو مايعجبهاش وترفضه من نفسها.

وكم تمنى الجد ذلك أن يحدث بالفعل، ولكن مع عناد رضوى فأنه يشك بالأمر.

وبعد أن انتهت وجبة الأفطار وقفت جيهان بردائها المحتشم مثلما نبهها وجيه لتودعه قبل أن يغادر للعمل، وقد سبقت ليلى لشعورها بأنها ستفعل ذلك، ووقفت بجانبها ليلى وهي تحمل صغيرتها ريميه...

قصدت جيهان أن تقترب منه وترتب دون حاجة ربطة العنق، وقالت بصوتٍ ناعم متغنج: توصل بالسلامة...

ابعدت ليلى نظراتها عن جيهان وتظاهرت بالحديث مع صغيرتها، فقال وجيه مبتسما بعفوية: الله يسلمك يا جي جي...

اتسعت ابتسامة جيهان بنظرة ماكرة سريعة لليلى، والتفتت ليلى له بنظرة غيظ سريعة، فلما لا يدللها؟
هكذا صدح هذا السؤال بعقلها، بينما ادرك وجيه ما شعرت به ليلى، فربت على ذراع جيهان بابتسامة سريعة، ثم توجه لليلى مشاكسا الصغيرة بابتسامة لعينين ليلى ذات معنى وقال: ريمو هتوحشني أوي...

مدت الصغيرة ذراعيها ليأخذها وجيه، ثم أخذها بالفعل وضمها بحنان قائلا بابتسامة واسعة: النهاردة هجيبلك لعب كتير أوي وأنا جاي، بس مش هقولك عليها...

امتلأت تعابير الصغيرة بالحماس وابتسامة فرحة، ورقت ليلى لسعادة صغيرتها وقالت بمحبة: توصل بالسلامة يارب.

نظر وجيه لجيهان التي ابتعدت لتصعد غرفتها، والتفت لليلى وهمس بأذنها بخفوت: هتوحشيني جدًا.

ابتسمت ليلى ابتسامة واسعة وهي تنظر له وقد استطاع كالعادة أن ينسيها أي ضيق بأقل كلمات...

وغادر وجيه لعمله مبتسما ومتعجبا مما انعطفت حياته فجأة!، لم يظن للحظة مضت من عمره أنه سوف يكون زوج لأمرأتين!
ويبدو لو دلل واحدة لابد أن يدلل الأخرى بنفس اللحظة وإلا سيكون ظالمًا لا يعرف معنى العدل بنظرهن...
ضحك وهو يجلس داخل سيارته لتلك الخاطرة...

وعند ساعات النهار ظهر الصبي نعناعة وهو يتجول بالمنزل الكبير، فأوقفته حميدة بالممر المؤدي للمطبخ وقالت: أنت فطرت ولا لسه يا ولا؟

عبس وجه الصبي وقال بتمرد: اسمي نعناعة مش ولا!، وبعدين آه فطرت من بدري، بس كنت بتفرج على البيت، ده قصر مش بيت!

نظرت حميدة له بضحكة وقالت: لما جينا هنا قولنا نفس الكلام، وعلى فكرة في جيم هنا، مش كان نفسك تروح جيم من زمان؟

فغر الصبي فاه من الصدمة، ثم قفز بسعادة وقال: بالحق يابت!، هو فين؟

أشارت حميدة لباب كبير عن جميع أبواب غرف المنزل جميعها وقالت: هناك أهو، روح اتبسط شوية...

ركض الصبي للجهة المشار إليها بسعادة، فقد كان يرى تلك الآلات الرياضية التي يستخدمها الرجال ذو العضلات الضخمة ويتمنى أن يصبح مثلهم، ولم يطرق الباب حتى بل فتح الباب دون استأذان...

نظر له جاسر بعدما وضع حمل ثقيل من الحديد وصدره العاري يقطر حبيبات العرق، فنظر له الصبي بأنبهار وقال: أنت زي اللي بيطلعوا في التلفزيون!، هي العضلات دي بتتعمل أزاي؟

وفجأة توقف بضيق من نفسه، فقد كان يتذكر كلمات عمته وتحذيرها ولكنه لن يستطع نسيان ما سمعه بتلك البساطة!، فقال مقتطب الوجه: بالأذن، أنا خارج.

كان رعد منشغل بضربات الملاكمة ولم يلتف للصبي بأدنى التفاته، وآسر يستخدم آلة يجلس عليها لتقوية عضلات القدم والظهر فلم ينتبه للصبي من الأساس، أشار جاسر للصبي وقال: لأ تعالى...

وقف الصبي بتردد حتى اقترب منه جاسر وهو ممسك بكوب عصير طازج ويرتشف منه القليل، ثم قال: لو عايز تتمرن هعلمك، هو مش أحنا كنا صحاب ولا نسيتنا؟

نظر الصبي له بعتاب على ما فعلوا بالريف، ففهم جاسر ما يجول بداخل الصبي فقال بتفهم: أنا عارف أنك زعلان مننا، بس هفهمك اللي حصل، لكن اوعدني هتكون معانا!

نظر الصبي له بتردد وقال: لو طلعتوا معاكوا حق هكون معاكم اكيد، بس يعني حق إيه بعد اللي سمعته بوداني؟

توقف رعد عن رد الضربات للحامل الرملي وخلع قفاز يديه الثقيلان، ثم استدار للصبي وهو يجفف جسده بالمنشفة: ما هو اللي سمعته ده جزء بسيط من الحقيقة مش كلها...

واجلس جاسر الصبي على مقعد خشبي مريح ثم جلس قربه وبدأ يتحدث، حتى روى له كل شيء تقريبًا، وكان لابد أن يجعل الصبي بصفهم، فهو يستطع التأثير بشكل ايجابي على الفتيات، وبعد دقائق طويلة نظر الصبي نعناعة لجاسر بحيرة، فقال آسر الذي ترك التمارين وانضم للشباب حول الصبي: اعتراض رعد مكنش على رضوى رغم انه ظهر كده بالفعل، أنما أنت حتى لو أصغر منا بس شاب وهتحس بينا برضو، رد الفعل ده بسبب ضغط جدي كل السنين اللي فاتت...

واستغل رعد أن الصبي بدا عليه الميل لتصدقيهم وأضاف: أنا عايز اتجوزها والقرار ده من قبل ما أعرف أنها بنت عمي، فأزاي هغير قراري بعد ما عرفت، أنا بس ماحبتش أنها تتفرض عليا هي كمان.

نظر الصبي له بتعجب ولم يفهم تلك المسألة المعقدة وقال: تتفرض عليك أزاي وأنت عايز تتجوزها من الأول؟

ابتلع رعد ريقه وقد تأكد من ظنه بأن الصبي لن يفهمه، فقال آسر موضحا: هفهمهالك، أنت مش عايز تتعلم وتنجح وتتفوق كمان؟

رد الصبي بجدية: ايوة طبعا.

فأضاف آسر مضيفا: أنا فاكر أنك قولتلي في البلد أن الاساتذة بيعاملوك وحش وبيضربوك عشان تتعلم، ورغم أنك عايز تتعلم لكن ما كملتش بسبب الضغط والاجبار!، صح؟

بدأ الصبي يفهم المغزى وأجاب بصدق: صح والله، كل شوية ذاكر واحفظ ذاكر واحفظ، لحد ما بقيت لا عايز أذاكر ولا بحب احفظ!

قال آسر وقد وصل للهدف الأساسي: أهو رعد حصله اللي حصلك بس بشكل مختلف، هو كان عارف أن جدي كالعادة هيجبرنا على الجواز من بنات عمنا زي ما عمل في كل حاجة في حياتنا، لما ده حصل رعد رفض أنها تتفرض عليه ويحس الاحساس ده تاني...

وقال رعد بصدق معترفا: كنت غبي واتكلمت بشكل ماينفعش بس كان غصب عني ومستعد للأعتذار لحد ما ترضى، أنما هي زي ما أنت شايف كده!

فهم الصبي الآن كل شيء وقال لرعد بضيق: أنت جيت على اغلب واحدة في البنات وجرحتها! والطيب زعله وحش أوي، ويمكن أنا فهمت اللي حصل، بس هي مش هتفهم ده بسهولة، ما هو محدش بيسيب جرحه بينزف ويروح يطيب جرح غيره يا دكتور ولا إيه؟

هز رعد رأسه متفهما الخطأ الغبي الذي ارتكبه وقال معترفا: عندك حق، بس أنت مصدقني؟

تطلع به الصبي لدقائق ثم قال: مش مهم أنا أصدقك، المهم هي.

عند دخول المساء، وتحديدًا وقت وصول وائل ووالديه وأشقائه الشباب الأثنان...
استقبلهم الجد رشدي ووجيه استقبال مرحب، بينما أخذت جيهان وليلى والدة وائل لصالون قريب من الرجال ليتحدثن بحرية أكثر، حتى أتى جاسر مبتسما وقال لوائل بعد ترحيب مزيف بهم ونظرة وكأنها تضمر شيء: ما تيجي يا شباب نقعد شوية في الجنينة؟

ضيق وجيه نظرته على جاسر ووجه اليه نظرة تحذيرية بألا يفعل شيء يسبب لهم ولو شيء بسيط من الاحراج!، ولكن يبدو أن جاسر في خططه شيء وينوي تنفيذه بكل الطرق!
ونجح في أخذ الشباب الثلاث للحديقة.

واستقبلهم رعد ويوسف وآسر في الحديقة بنظرات متحدية، همس رعد قائلًا: مش هتقابله...

رد يوسف بتحذير: وائل مش سهل زي ما أنت فاكر، لو داخل على طمع يبقى أنسى أنه يبعد.

ابتسم رعد بسخرية وعينيه تلاحق المقتربين عليهم: اومال داخل على إيه؟، هما دول بيهم شيء غير الفلوس ولا ناسي سلمى أخته وموضوعها معايا؟

قال آسر بنفي: سلمى كانت بتحبك يا رعد ما تنكرش!

رد رعد بعصبية: بتحبني، بس اللي شجعوها أهلها، اللي باصين لكل حاجة نملكها، ودلوقتي التلات فيران دول جايين من ناحية تانية، بس والله ما هما طايلين حاجة...

واجتمع الشباب جميعهم بعد مصافحة جافة حول طاولة كبيرة بالحديقة وحولها مقاعد خشبية، نظر رعد لوائل قائلا ببعض السخرية: منور يا وائل.

شعر وائل وكأنه وقع بفخ من وجوده هنا مع هؤلاء الخبثاء الأربعة، فقال بثبات وأخفى قلقه: بنورك يا رعد، مالحقتش اتكلم معاك يوم فرح عمي وجيه!

ضحك رعد باستهزاء وقال: هو أنت كنت بتتكلم غير مع البنات يابني!، شكلك مالكش في قاعدة الرجالة!

وضحك الشباب سوى وائل ورعد المتشابكة أنظارهما في عدائية ظاهرة، فزفر وائل بملل وقال: احنا قاعدين هنا ليه؟، تعالوا ندخل نقعد معاهم جوا!، وبعدين ماينفعش نتكلم انا والآنسة رضوى هنا كده!

التهبت عين رعد بالغضب ونظر له الشباب الثلاث بترقب، بينما أشقاء وائل التزموا الصمت تمامًا، فقال رعد بفضب لم يردع ظهوره: أنت مش قاعد مع حد!، لما احنا نوافق عليك نبقى نخليك تقعد معاها!

ابتسم وائل بسخرية وادرك مدى غضب رعد من طلبه للزواج من رضوى تحديدا، فأثاره هذا الغضب ليصمم أكثر على الزواج منها، فأجاب بهدوء مستفز: زي ما تحب يا رعد، أحنا أهل وعيلة واحدة ومش هنختلف، تحب تتكلم في ايه دلوقتي؟

يبدو أن وائل يلعب لعبة خطرة، ومثلما قال يوسف عنه بأنه خبيث ليس بالسهل، فادرك جاسر من نظرات وائل مدى تلاعبه بالكلمات، فنظر لكوب عصير على المائدة وابتسم بمكر، ثم مسك جاسر الكوب ووضعه أمام وائل قائلا: طب أشرب وروق كده يا وائل، على ما اروح اخلي الخدم يحضروا العشا، أشرب الليمون وأهدا، اهدأ ها...

واتسعت ابتسامة جاسر اتجاه رعد، وتعجب يوسف من غمزة جاسر لرعد، ونظر لكوب العصير الذي بدأ يرتشف منه وائل بالفعل، والعجيب أن رعد كان ينظر له بابتسامة ونظرة ضيقة خبيثة كأنه ينتظر شيء!

الفصل التالي
بعد 16 ساعة و 11 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة