رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثالث والأربعون
ضحك الجد من مزاح حفيده يوسف الذي يبدو عليه سعادة حقيقية خالصة، فقال الجد بمكر: للدرجة دي مبسوط؟
هز يوسف رأسه بتأكيد وقال بغمزة خبيثة: ده بالنسبالي حلم واتحقق، كده هصالح حميدة وهراضيها، لو مكنش النهاردة يبقى بكرة، ولو مش بكرة هيكون في أقرب وقت، أنا كنت محتار مش عارف أعمل إيه.
تساءل الجد بحيرة: طب ليه رجعت معاهم وسمعت كلامهم؟، أنا عارف أنك مش بتفكر زيهم واتصدمت فيك!
أطبق يوسف شفتيه بضيق للحظة ثم قال: رعد كان هيمشي من هنا لو مكناش رجعنا معاه كلنا، رعد كان فاضله خطوة ويخطب رضوى...
تفاجأ الجد بالأمر فتابع يوسف موضحا: دي الحقيقة، بس أنت عارف رعد يا جدي، لما بيتجبر على شيء بيكرهه، وده اللي حصل، لما اكتشف أنك كنت ورا سفرنا مع القافلة عشان نشوف البنات اتجنن واتمرد...
فكر الجد لبعض الوقت، هل كان مخطئ أو على صواب فيما فعله ولم يضع في احتماله تفكيرهم ومشاعرهم!، فقال متساءلًا: طب وجاسر وآسر، موقفهم إيه؟
رد عليه يوسف وهو ينهض ويضع يديه بجيوب بنطاله الجينز: جاسر مش فاهم موقفه، هو معجب بجميلة ولافته نظره جامد، بس في نفس الوقت مش في باله الارتباط والخطوبة وسيرة الجواز بتعصبه، آسر بقى عنيد وغشيم احياناً، يعني باله مشغول ومعجب بسما وكل حاجة، أنما عند موضوع الخطوبة وبلاقيه بيتراجع وبيرفض!
بس هو مش زي جاسر، هو عنده عقدة الرفض، خايف يتقدم ترفضه، خصوصا أن سما بنت عمي جد زيادة أوي، ومش بسهولة يبان عليها أي حاجة حتى لو معجبة بيه، وهو مستني منها إشارة، وندور في نفس الدايرة!..
توقف يوسف عن التوضيح وسأل جده: أنت جبتهم هنا عشان تتمم موضوع الجواز صح؟، ولا صرفت نظر؟
ابتسم الجد بمكر وعاد يرتشف من كوب مشروبه الدافئ، ثم قال: بنات أبني وجبتهم يعيشوا معايا، إيه غريبة للدرجادي؟
قطب يوسف حاجبيه وأجاب: لأ مش غريبة، بس احساسي بيقولي أن مش دي كل الحكاية!..
نظر الجد ليوسف وقال بصدق: جبتهم هنا لأن ده حقهم والمفروض كان يحصل ده من زمان، أنما بالنسبة لموضوع الجواز فهسيبه، أعتبرني صرفت نظر، اللي يهمني أنهم يكونوا مبسوطين، سواء معاكم أو مع غيركم.
قال يوسف بعصبية وقد شعر بالخذلان: أنا اعترفتلك باللي حصل يا جدي وكنت مجبور واتظلمت، افتكرت إنك هتوقف جانبي وهتكلمها عشان تصدقني!
تنهد الجد بقوة ثم قال ليوسف بحكمة: في أوقات لو استسلمت فيها قصاد الظروف هتخسر حاجات كتير، أنا ممكن اكلمها عادي جدًا وأحاول اقنعها، في احسن الأحوال هتوافق، بس وهي مش واثقة فيك برضو، ما تخليش أي حد يتدخل واثبتلها بنفسك ولوحدك أنك شاريها، عشان تبدأ معاها صح...
وتابع ببعض الندم: تعرف، لأول مرة أعترف أني ندمان على إجباركم في حاجات كتير، كنت خايف عليكم من الفشل اللي واجهته، كنت عايزكم تتعلموا وتأخدوا أعلى الشهادات عشان محدش فيكم يتوه زي ما تهت أنا بعد موت أبويا، وعشان أسوأ لحظة ممكن انسان يعيشها وهي أنه بعد طريق طويل وسنين كتير من عمره، يندم أنه ما تعبش ولا اجتهد ولا اتعلم كفاية عشان يبقى زي اللي حواليه مش أقل منهم، الاحساس ده هيخليك تحس بالنقص طول ما أنت عايش.
هز يوسف رأسه بيأس فقد اعتقد أن الامور ستسير ايسر من ذلك وقال: عندك حق، أنا اتظلمت في اللي حصل، بس هحاول اقنعها بكل الطرق.
بعدما أخذت حميدة صينية الحلوى التي لم تنفرط على الأرض وكانت متماسكة، بدأت تزينها بمعجون الشيكولاته وشرائح الفاكهة الطازجة، وجاهدت لكي تبعده عن فكرها وخواطرها وتقوى أكثر من ذلك...
حتى انتبهت لخطوات من خلفها تقترب، تركت ما بيدها واستدارت، حتى وجدت يوسف مبتسما ابتسامة رقيقة ويبدو كأنه طفل سيربح أكبر قطعة من الحلوى، وقال بمشاكسة: الكيكة دي شكلها لذيذ جدًا...
واقترب حتى أخذه قطعة ووضعها بفمه متذوقا ونظراته متسللة إليها بابتسامة، ثبتت حميدة عينيها جامدة ناظرة بعيدًا عنه، لو نظرت له ستبتسم رغمًا عنها من تصرفاته الطفولية، هكذا اعتادت منه. فمدح مذاق الحلوى بشدة: الذ كيكة كلتها في حياتي، زي ما تكوني عملهالي مخصوص!
اختبر بمكر ردة فعلها، فنظرت له حميدة بعصبية وقالت: مكنتش عملهالك!، دي لجدي، ومتكلمنيش بالطريقة دي تاني!
تركته وتقدمت لتخرج من المطبخ، فأوقفها بصوتٍ متلهف وقال: حميدة، قبل ما أدافع عن نفسي وأقول أي حاجة، عايز أقولك أنك لو ما جتيش أنتِ هنا، كنت هسافرلك البلد النهاردة، عشان اتقدملك.
برقت حميدة عينيها بصدمة، فبعد ما حدث كان هذا آخر شيء ممكن أن تتوقعه منه، فمضى يوسف إليها ووقف أمامها مبتسما بسعادة حقيقية لوجودها هنا: والله العظيم دي الحقيقة، رعد كان غضبان من قرار جدي وصمم كلنا نرجع معاه وإلا هيسيب البيت ويبعد عننا كلنا، كنت مضطر ومكنش في وقت أفهمك حاجة...
نظرت له بدموع وقالت: وإيه اللي اتغير دلوقتي؟، ولا أنت بتضحك عليا؟
هز رأسه بنفي وتأكيد: اسألي جدي مين اللي قاله أن رعد قرر يسافر ولازم يجي البلد بأسرع وقت، أنا اتحطيت في موقف مكنش ينفع اعترض فيه، سافرت غصب عني عشان رعد ما يسبش البيت هنا ويمشي، أنما كنت راجعلك وده مكنش فيه أي شك، أنتِ ما تعرفيش غلاوتك عندي يا بتاعت الفطير.
اتسعت ابتسامته لها، فتسحبت ابتسامة على شفتيها سرعان ما أخفتها مجددًا، وقالت متظاهرة بالحدة: برضو مالكش دعوة بيا، وخليك في حالك.
قال يوسف بمرح وبعض المكر: لأ ما أنا قررت أنك أنتِ هتبقي حالي وأم عيالي، أن شاء الله، قولي أن شاء الله بقا.
اخفت حميدة تمتمتها ولكن يوسف قد لاحظ، وضحك عليها بصوتٍ عالي، اغتاظت منه وعادت لتأخذ طبق الحلوى للجد، وأشارت له ليفسح لها الطريق: وسع كده خليني أعدي.
أفسح يوسف لها للطريق مبتسما وكان الابتسامة حفرت على وجنتيه منذ وقعت عينيه عليها هنا.
في المشفى...
دخل وجيه مكتبه برادئه الطبي الأبيض، وبدا عليه بعض الارهاق من زحام العمل والمرضى، خلع معطفه الطبي تزامنًا مع دخول أحدى الممرضات، وقالت له: ليلى فاقت من نص ساعة يا دكتور وهي عند والدها دلوقتي بتطمن عليه.
وضع وجيه معطفه الطبي على المشجب ورد عليه وهو ينظر لساعة معصمه: تمام، هي عرفت الخطأ اللي حصل؟
اجابت الممرضة بإرتياح: آه، اعتذرتلها وهي قبلت أعتذاري الحمد لله...
تنفس وجيه الصعداء ثم قال: خلاص، ارجعي أنتِ لشغلك وركزي عشان مش هقبل الغلط ده مرة تانية.
اعتذرت الممرضة مرة أخرى وذهبت من أمامه، فخرج بعدها وجيه من مكتبه متوجها لغرفة العناية المتواجد فيها والد ليلى...
وبعد دقائق فتح باب تلك الغرفة فوجد ليلى تحضن يد ابيها وتقبلها بدموع هادئة مطمئنة وابتسامة، رقت عينيه عليها ومضى إليها بهدوء، ثم قال بنظرة دافئة: والدك بخير وبيتحسن، مالهاش داعي الدموع يا ليلى.
ابتلعت ليلى ريقها وقالت وعينيها مصوبة اتجاه والدها بمحبة شديدة: أنا بعيط من فرحتي، أنه بخير ولسه جانبي، أنا راضية حتى لو فضل كده، بس يفضل معايا.
قال وجيه مفاجئته: تعرفي إيه أكتر حاجة ممكن تحسن حالته أكتر، نتجوز.
ورغم أن هذا الأمر ليس مفاجأة لها بالمعنى الواضح، ولكن هناك شيء جعلها تنتفض واقفة أمامه باعتراض: لأ...
ضيق وجيه عينيه عليها بتعجب وقال: رفضك المرادي مالهوش مبرر!، والدك وكان موافق عليا وأنا متأكد أنه لو يقدر يتكلم دلوقتي هيقولك وافقي، وجدك مستني اللحظة اللي تقولي فيها موافقة، واكيد مش محتاج أقولك ريميه هتفرح أزاي، وطليقك وأنتهي أمره للأبد.
إيه سببك للرفض المرادي؟
سقطت دموع ليلى أكثر وبعينيها موجات من العذاب، ثم قالت: مش عارفة. بس حاسة أني مستعدة دلوقتي للجواز، حالتي النفسية مش...
قطع وجيه حديثها بعصبية وقال: هتضيعي أكتر من السنين اللي فاتت إيه؟، محتاجة كام سنة كمان عشان توافقي وتبطلي خوف؟، أنا المرادي مش هسيبلك الفرصة تقرري...
قالت بدهشة: يعني هتتجوزني غصب عني؟
نظر لها لثوان ثم قال بتصميم: لو عندي شك ولو قليل أنك مش هتكوني سعيدة كنت اتراجعت، أنما أنتِ بتبعدي لشيء غامض ومش مفهوم، أنتِ عايزة توافقي بس في حاجة منعاكِ، أنا متأكد أن تفكيري صح؟
هربت ليلى بعينيها في نظرة معذبة حائرة، فقال وجيه مشيرًا لها بتأكيد: دلوقتي اتأكدت أكتر، عشان كده مش هستناكِ تقرري، وجوازنا هيتم في خلال أيام، وده قرار نهائي.
اغمضت عينيه كي تمنع الخوف الواضح فيهما، ثم نظرت لها وغيرت مجرى الحديث قائلة: بنتي معاك، عايزة أشوفها.
رد عليها محاولًا الهدوء من أستفزازها له: ريميه مع أهلي في البيت أطمني عليها، هي بس محتاجة تهدأ قبل ما تشوفيها، أنا مقدر أنها حاجة صعبة عليكِ، بس نفسية البنت تقريبًا مدمرة، أصبري بس يوم أو يومين وهجيبهالك.
لم يحب أن يخبرها مباشرةً أن الصغيرة تصرخ وتخاف عندما تراها، ف ليلى لم تستطع حمايتها بذلك اليوم...
وافقت ليلى بألم على أقتراحه، فقد اكتشفت مدى خوف أبنتها سابقًا، أضاف وجيه برفق: في يوم هتعرفي أني كان لازم أجبرك على الخطوة دي، وأني لو ما عملتش كده يبقى مكنتش بحبك...
كأنه قرأ أفكارها وهي تتألم، وإنها بحاجة أن يسرقها عنوة من ضعفها وخوفها، هي بحاجة إليه ولكن يديها مقيدتان بالماضي ولم تستطع أن تبسطهما كي يتشبث بهما ويلتقيا.
في قسم الأشعة المقطعية بالمشفى.
مضى أمجد من الممر المؤدي للقسم حتى وجد مساحة تخص الموظفة المسؤولة عن تحضير أوراق المرضى وتنظيم الدخول وترتيب مواعيد الحجز...
وجد فرحة تضع رأسها على المرتفع الرخامي أمامها وتخفي وجهها. فقال لها: مساء الخير.
رفعت فرحة رأسها بلفتة سريعة، وتفاجأ أمجد أنها كانت تبكِ وعينيها متورمتان من البكاء، فقال بعبوس: شكلك معيطة أوي ليه كده؟ ده أنا جاي أطمنك!
ابتسمت فرحة وكأنها وجدت قارب النجاة برؤيته وقالت: طمني ارجوك...
رفق أمجد بحالها وقال البُشرى: أخوكِ بدأ يفوق وحالته اتحسنت عن امبارح كتير، استنيتك تيجي الصبح بس ماجتيش!..
قالت فرحة وهي تمسح عينيها من الدموع: اتحايلت على الدكتور استأذن ربع ساعة بس. لكن مرضيش، وكمان زميلتي غايبة النهاردة ومافيش غيري، كنت مستنية ميعاد البريك وأروح أشوفه، خلاص فاضل 10دقايق مستنياهم يخلصوا.
عطف أمجد على حالها وقال برقة: طب كويس أني جيتلك، على الأقل اطمنتي عليه لحد ما تقدري تشوفيه، وعلى فكرة أنا وصيت الممرضات هناك عليكِ، يعني لما تروحي تشوفيه محدش هيمنعك.
ابتسمت فرحة له وبدا يظهر على وجهها الأحمرار والحياء، فقال أمجد متعجبًا من نظراتها له التي تثير فيه شيء: طب أمشي أنا بقا عشان ما أعطلكيش عن شغلك.
أوقفته فرحة وخرجت من خلف المرتفع الرخامي، ثم وقفت أمامه بنظرة امتنان وشكر قائلة: أنا مش عارفة أقولك إيه ولا أشكرك أزاي، أنا فعلًا كنت محتاجة أطمن ومش عارفة اعمل إيه.
ارتبك أمجد بعض الشيء ورفع نظارته على أنفه وضبطها سريعا، ثم تحدث وعينيه تتهرب منها: مالوش داعي الشكر، أنا ما عملتش حاجة.
ران صمت بينهما للحظات مع تصاعد خجل كلًا منهما، وأكثر ما لفت أنتباه فرحة به تلك اللمحة الخجولة بشخصيته، أتى بتلك اللحظة آخر شخص كانت تريد فرحة رؤيته، لينظر زايد إليهما بشيء من السوط والعصبية، وقال بحدة: أستنيتك في العناية لكنك ماجتيش فجيتلك أنا، على فكرة أخوكِ فاق...
نظر أمجد له بنظرة ثابته وقابله الآخر بتحد واضح غير مبرر، وتنقلت عين فرحة بينهما، وقالت لزايد برسمية: آه عرفت، ومكنش في داعي تجيلي لأني قولتلك بلاش الطريقة دي معايا، بعد أذنك.
أخذت فرحة حقيبتها وكادت أن تبتعد، فقال أمجد وهو يتقدم ليسير معها: هاجي معاكِ.
سارت فرحة معه بالممر وهي تخفي ابتسامتها، وتركت زايد واقفا يتطاير من عينيه...
فقال لها أمجد بابتسامة وهما يمضيان بالممر بعدما ابتعدوا قليلًا متعجبًا: بتضحكي ليه؟
تلعثمت وارتبكت، ثم قالت وهي تخفي ابتسامتها: أصل يعني، مبسوطة أن أخويا بخير الحمد لله...
قال متفهما: طالما كده خدي راحتك.
تخضب وجه فرحة بالأحمرار والحياء، وتعجب أمجد من نفسه، لما كل هذا الأهتمام بها؟، وتبدلت ابتسامته لحزن كان يخفيه، يبدو أنه يبحث عن أي شيء يسرقه من حزنه على فراق حبيبته التي تزوجت بغيره.
فتحت حميدة باب غرفة جدها وقدمت له الحلوى الشهية، وظهر على وجهها أسئلة كثيرة تتردد في طرحها، فنظر لها الجد بنظرة كشفت أفكارها وقال: أقعدي جانبي نتكلم شوية يا حميدة.
جلست حميدة وحاولت أن تبدو طبيعية، فتساءل الجد بمكر: اكيد يوسف كلمك، ودافع عن نفسه، أنا عارفه وعارف أنه مش هيستنى وهيكلمك.
قالت حميدة وظهر على وجهها الحيرة والضيق، فقالت بصدق: آه كلمني، شكله صادق، بس خايفة أصدقه.
ابتسم الجد بمحبة وقال: يوسف هو السبب أني كنت عندكم في البلد امبارح، لما حس أنهم ناويين يرجعوا القاهرة بعتلي رسالة عشان أجي الحقهم، وده معناه أنه مكنش عايز يسافر ويمشي.
التمع عين حميدة بالدموع فربت جدها على يدها بحنان وقال: بيحبك وهيموت عليكِ ومظلوم في اللي حصل، بس أنا بقا عايزك تجننيه، مش عايزك تقوليله أني كلمتك، ولا تحسسيه أنك مصدقاه دلوقتي خالص، واتقلي عليه على اد ما تقدري، خليه يهد الدنيا عشانك قبل ما ياخدك...
نظرت حميبدة لجدها بلستغراب فأوضح الجد مبتسما بخبث: مستغربة من كلامي صح؟، هو بيحبك وشاركي بس هيحبك أكتر لو تقلتي عليه، وده اللي أنا عايزه، أنا عارفهم وحافظهم، وكلامنا ده مايطلعش لأي مخلوق، ماشي؟
هزت حميدة رأسها بابتسامة وقالت: حاضر...
ربت الجد على رأسها بابتسامة وحنان ثم قال بمرح: تعالي بقا ناخد الكيكة دي وننزل وناكلها بعد العشا، قولي للبنات يحضروا نفسهم عشان هنتعشا كلنا سوا، وهبعت للشباب يجوا...
نظرت حميدة لجدها للحظة ثم ضحكت وهي تمسح عينيها من الدموع وقالت: أنت عايزها حرب بقا يا جدي،!
غمز لها الجد وقال بمكر: حرب باردة، اللي هيحارب فيها مش انتوا خالص، خلينا نشوف هيحصل إيه، ولسه اللي جاي مش هيخطر على بالهم...
قالت حميدة بضحكة: ناويلنا على إيه يا جدي؟
استند الجد على يدها وهو ينهض ثم قال: هخليكم هوانم، أميرات، برنسيسات...
تساءلت حميدة بحماس: طب وهما هتعمل فيهم إيه؟
وضع الجد يده في جيوب روبه الطويل وقال بابتسامة خبيثة: بودي جارد، هلففهم وراكوا زي الحلزون كده.
انخرطت حميدة بموجة من الضحك مع تعابير وجه جدها المرحة...
ونهضت وهي تأخذ يده بيدها، فقال الجد بنظرة محبة لها: بس تعرفي، الواد يوسف هيصعب عليا شوية، ده غلبان مالهوش في حاجة.
حاولت حميدة أن تكتم ضحكتها ولم تستطع، فقال لها الجد بهمس: أضحكي بس بشويش.
هزت حميدة رأسها بإطاعة، ولكنها تعرف أنها لم تصمد وخصوصا أمام جدها...
وأتى المساء ببعض البرودة، وذهبت الشمس بوداع مؤقت حتى صباحٍ قريب...
وظلت رضوى تتجول بالحديقة تائهة شاردة...
حتى لمحت رعد يترجل من سيارته ويدخل من البوابة الحديدية الكبيرة، فارتجفت وتخشب جسدها عن الحركة...
ثم ركضت و اختبأت خلف شجرة قريبة وهي تلهث من التوتر والارتباك، ظنت أنها كرهته بعدما فعله، وأنها ستكن اقوى من ذلك، ولكن بمجرد أن لمحته من بعيد ارتجفت وانفرطت مقاومتها هباءً، كأن ما فعله لا يُعد المه أكثر من نظرة قاسية!
كان قد لاحظ ظل يهتز قليلًا من خلف شجرة الكافور، فضيق عينيه وتوجه بحذر، ولكنها عندما انتبت لظل جسده يقترب انتفضت خوفا وركضت غير مكترثة أن يرها...
ولكنه لحقها وسد عليها الطريق، حتى ثبتت عينيه عليها في شوقٍ معترف ولهفة واضحة، وهمس كأنه لا يصدق أنها أمامه: رضوى.
ازدردت رضوى ريقها بصعوبة، كأن ما تحاول أن تبتلعه هو ضعفها وميلها إليه، حاولت أن تتهرب بعينيها كي لا تنظر له، ولكنه ردد اسمها بأكثر رقة كأنه أراد النيل من مقاومتها هذه وجعلها مثل السابق...
التمعت عينيها بدموع تمنت لو تبقى مكانها ولا تفضح تأثرها بوجوده، فتطلع بها رعد بنظرة فيها عاصفة من الاشتياق المتواري، وقال بصوتٍ خافت: مش هتصدقيني، بس كنت حاسس أني هرجع الاقيكي هنا!
رفعت رضوى رأسها ونظرت له بنظرة ضيقة كأنها تسخر من قوله، وامتلأت نظراتها بالألم والمرارة بعد ذلك، فهم رعد مرادف حديثها الصامت...
فأخذ نفسا عميقا بضيقٍ شديد من نفسه، ومن تلك الضبابية التي عكرت شيء جميل بينهما، وهمس لها: حطيت احتمال أن جدي يجبكم معاه و...
اندفعت رضوى بصوتٍ حاد وعينين ملتهبة من الغضب الذي يخفي بباطنه دموع منهمرة. وهتفت: وأنت فاكر أني جيت هنا بمزاجي؟، لو عليا مكنتش خليتك تشوف وشي تاني، أنا جيت لأن مكنش ينفع أعصي أمي ولا ارد لجدي كلمة...
وجودي هنا مش معناه أنك سهل تتكلم معايا، ولا مسمحولك حتى تنطق اسمي بسهولة كده...
تنهد رعد بثقل كبير من الهموم على صدره، يبدو أن الصبي اخبرها بما سمعه، ولكن لا يلومها فكان قوله أحمق وغبي بلحظة غضب اعمته عن كل شيء، فقال بنبرة تحمل في طياتها الاعتذار الغير مباشر: وجودك هنا هيخليكي تعرفي سبب موقفي من أي شيء بيقوله جدي، وأن مش دايمًا اللي بنقوله بيكون هو اللي جوانا...
ابتسمت رضوى ابتسامة مليئة بالالم والمرارة والاستهزاء فيما سمعته للتو، وقالت بسخرية: بقولك إيه، وفر كل اللي هتقوله لنفسك لأن كلامك مايهمنيش، وسيبني في حالي عشان ما اكرهش وجودي هنا اكتر من كده.
قال لها بصدق: لو في قرار واحد جدي خده وريحني، فهو وجودك هنا، متتخيليش وجودك هيفرق أزاي.
غصبت رضوى منه ومن محاولة ضعف مقاومته وهتفت: وأنا مكرهتش أد وجودي هنا...
قال لها عتاب شديد ظاهر بعينيه: عايزة ترجعي البلد؟، وتمشي!
هربت بعينيها منه للحظة، وتملكها قوة غريبة عنها وعاصفة تحدي، ونظرت له بحدة قائلة: لما امشي من هنا مش هرجع البلد، لما أمشي من هنا هكون رايحة بيتي، لا هنا بيتي، ولا بيت البلد بيتي.
ضيق عينيه بشرر ملتهب عندما فهم ما ترمي إليه، وتبدلت رقته لغضب شرس وهو يجذبها من يدها بعنف ويصيح بوجهها: تقصدي إيه؟ هو أنتِ فاكرة أني هسمحلك اصلًا؟ ولا هسيبك لعنادك ده وتضيعي نفسك وتضيعني معاكِ؟
تفاجئت رضوى بجذبه لها فتملكها الغضب ودفعته بعيدًا عنها بقوة، ثم وقفت أمامها وصفعته على وجهه بكل قوتها وعينيها تلتهب من الغضب، وقالت: لو فكرت تعملها تاني رد فعلي مش هتقدر حتى تتوقعه، وبعدين أنت مين عشان تسمحلي ولا ما تسمحليش؟ ولا فاكر أني جاية ارمي نفسي في اي جوازة والسلام عشان بس اغيظك؟
لا فوق لنفسك، انا يوم ما امشي من هنا واروح بيت تاني هيكون لراجل بجد يعرف قيمتي ويصوني، راجل، مش...
قطع رعد حديثها بصوتٍ شرس من الغضب وقال: مش قولتلك أن مش دايمًا اللي بنقوله بيبقى هو اللي جوانا؟ القلم ده هتتحاسبي عليه يا رضوى، حساب هيزعلك.
وقفت أمامه وقالت بتحد: يستحسن تخليك في حالك، لأن أنت ما تعرفنيش لسه، وأعتبر وجودي زي ما أنا معتبره وجودك كده، زي عدمه!
رد بعصبية شديدة: - كدابة، وهثبتلك ده.
ابتسمت رضوى بسخرية وقالت: أنت اللي هتحتاج تثبت لنفسك حاجات كتير في الأيام الجاية، أنا مش جاية اثبتلك حاجة، ولا أنت فارق معايا من الأساس.