رواية قلبي وعيناك والأيام للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل التاسع عشر
رمق رعد الصبي نعناعه في غيظ وكبت موجة من السباب بفمه، فتابع الصبي وهو يمضغ لقيمات الفطير بفمه وعلى وجهه التأثر والأسى: ابويا العمدة عايزني اكمل تعليم بس أنا عاصي اكمل...
أغرق يوسق قطعة من الفطير بالعسل ووضعها في فمه بتلذذ وقال وهو يمضغها وخرج صوته متحشرج: ليه يا نعناعه مش عايز تكمل تعليم؟، ده العلم نور!
ابتلع الصبي ما بفمه وقال بضيق شديد: الاساتذة كلهم بيكرهوني، بيحرجوني قدام العيال وبيخلوهم يضحكوا عليا، أنا عارف أن مخي تخين ومش بفهم بسرعة، بس يعني التهزيق والاهانة قدام زملاتي مش هيخلوني أذاكر وافلح!
قال جاسر بتفهم: بيتنمروا عليك يعني؟..
حملق فيه الصبي ولم يفهم معنى الكلمة فهمس يوسف لجاسر: قالك مخه تخين!، هيفهم كلمتك أزاي؟
فسر رعد الكلمة وأوضح: التنمر يعني السخرية والتريقة...
قال الصبي بابتسامة واثقة: بيتمألتوا ويألسوا يعني!، إيوه، هو التم، التن، اللي قاله الدكتور ده ايوه، كمل أنا مفتح مخي معاكم...
تعثر الصبي في قول الكلمة بنطقها الصحيح فابتسم الشباب لبعضهم ثم قال يوسف له وهو يمتص بلسانه بقايا العسل الملتصق بأصابعه: سيبك من الموضوع ده هنتكلم فيه بعدين، لما نخلص أكل هروح لوالدتك أشوف سنانها وآسر هيشوف قريبتك يشوف بطنها...
اتسعت عين آسر بجمود فصحح يوسف: يشوف اللي في بطنها...
كتم جاسر ضحكته هو ورعد بينما حدجه آسر بغيظ شديد فتابع يوسف تفسيره بتوتر: يشوف إيه اللي مزعلها، حلو كده؟
زم آسر شفتيه وتمتم كلمات غير مسموعة ولكنها تبدو شتائم، قال جاسر بشيء من السخرية: في أي حد هنا هيولد؟..
رد الصبي سريعا: كانت سكرة وولدت، على ايدك يا سيد الدكاترة، بس استنى هروح اسأل أمي لتكون في واحدة معرفة هتولد ولا حاجة، أهو تنشغل بحاجة بدل الفراغ ده!
وضع رعد يده على فم جاسر الذي بدا أنه خرج عن طور التحكم، رمق يوسف جاسر بثبات وقال بإصرار: هنمشي مع بعض...
ثم تسأل رعد في حيرة وهبطت يده عن فم جاسر: طب وانا لزمتي إيه في الزيارة دي؟
رد جاسر بسخرية: كوبيتين نسكافية سكر مضبوط، عارف لو النسكافيه طلع مسكر؟، هرجعك القاهرة على عجلة...
لوى رعد شفتيه بضيق حتى انتهوا جميعاً من الإفطار...
لمست حميدة براحة يدها جبين سما الممددة على فراشها في اعياء شديد، قالت بقلق: حرارتك بتزيد!، أنتِ لما بتزعلي بيحصلك كده، إيه اللي زعلك يا سمكة؟
أطرفت سما عينيها الثقيلة الحركة وقالت بصوتٍ خرج ضعيف من شفتيها: أنا بخير، لطشة برد بس ويوم وهبقى زي الحصان...
دلفت جميلة للغرفة وبيدها كوب كبير من مشروب الليمون الساخن وتهم لتقترب من شقيقتها سما، وضعت جميلة الكوب على كومود قديم خشبي بجانب الفراش وتطلعت بوجهها في خوف: أنا خايفة للسخونية دي تزيد، قومي اقعدي واشربي اللمون الدافي ده على ما الدكتور يوصل...
حدقت سما بوجه جميلة في دهشة وقالت: دكتور يوصل؟، هيجي هنا؟، هو أنا هموت ولا إيه؟
كادت جميلة أن تجيب حتى استأذن الصبي للدخول وكانت سما تلف رأسها بالحجاب من شدة رجفة جسدها، قال نعناعه وهو يقف ناظرا لها: جيبتلك الدكتور لحد هنا يابت يا سمكة، عشان تعرفي إنك غالية عندي، تعالى يا دكتور...
غاب عن بالها الفريق الطبي تمامًا ولم تظن للحظة أنه يقصد أحد هؤلاء الأطباء الأربعة المقيمون هنا...
دخل آسر وبيده حقيبته التي تحوي أغراضه الطبية اللازمة للكشف، دلفت معه زوجة خالهم العمدة وهي تخبره حالة سما بينما وجه آسر كان يرتسم عليه الوجوم والضيق وكأنه يكره هذا الواجب...
اتسعت عينيه على آخرهم من الصدمة واعتدلت بفراشها بجسدها الثقيل بحركة سريعة وهتفت بعصبية: مين اللي جابوا هنا؟، انتوا، هو انتوا...
ارتجف جسدها بشدة واصطكت أسنانها فجأة من لفح الهواء الرطب، تلعثمت وكأن الكلمات هجرت من عقلها فجأة!
قالت زوجة خالها بعتاب: عيب يابنتي ده جاي يكشف عليكِ، المفروض نشكره، هو احنا هنلاقي دكتور في البدرية كده!
احمر وجهها الشاحب وسرت الدماء بعروقها من رجفة شديدة بعيدة عن المرض، تمددت بوهن شديد مرة أخرى ولم تستطع حتى الجلوس بفراشها لفترة أكثر من الدقيقة، قالت برفض: مش عايزة حد يكشف عليا، كتر خيروا...
تنفست آسر بعصبية وهو يرمقها، تبدو مريضة جدًا وهذا واضح، ولكنها مع ذلك تبتر أي شفقة ممكن أن يشعر بها وهي بحالتها هذه!
ولكن لاحظ دموع عينيها وهي ترتجف اسفل الغطاء الثقيل، اقنع نفسه أن يؤدي واجبه ليس أكثر واقترب خطوة لها، قال بصوت حاد: لو سمحتي سيبيني اكشف عليكِ عشان ما اتأخرش على شغلي،!
هزت سما رأسها ببكاء وقالت برفض وهي تبعد عينيها عنه لجهة أخرى: لأ، مش هتكشف عليا، روح شغلك...
قال بغيظ: أنتِ عنيدة ليه؟، أنتِ مش شايفة نفسك عاملة أزاي؟
صوبت الجملة في بقعة سوداء داخلها، بخضم المرض وحالتها المزرية لم تستطع فهم ما يقصده تمامًا، ابسط الأشياء تؤلمها اتجاه مظهرها...
لم تجيب عليه وازداد بكائها، زفر آسر بنظرة غاضبة لها فقال متسائلًا: هي بتشتكي من إيه طيب؟
طرح السؤال على الفتيات ومن حوله فأجابت رضوى: لما بتزعل بيحصلها كده، الدكتور قالنا قبل كده أن معدتها بتتعصب...
سأل نفسه أن كان سبب حالتها هذه ما حدث بينهما بأول وثاني لقاء!، الأمر كان سخيفا بالفعل لم يلومها على هذا الشعور، وضع حقيبته على طرف الفراش وفتحها، أخرج منه جهاز صغير لقياس الحرارة...
ونفضه بيده حتى ثبت مؤشر الترمومتر وقربه لفمها قائلًا: على الأقل أعرف حرارتك كام!
اومأت رأفضه فوضع الجهاز بفمها رغما فضيقت عينيها بغيظ منه، قال لها مشيرا بتحذير: ما تشليهوش من بؤقك...
تركته غاضبة حتى مرت لحظات وسحب الجهاز الصغير امام عينيه ليرى المؤشر، ضم شفتيه بضيق حقيقي وقال: 39، لازم تنزل قبل ما تزيد عن كده...
نفض الترمومتر مرةً أخرى ثم وضعه بعلبه صغيرة معقمة فتسأل نعناعة: ايه ده؟
رد آسر وهو يكتب شيء في دفتره الخاص: ده معقم...
تعجب الصبي وقال: ليه هي جربانة؟، كنت شاكك...
ابتسم آسر رغما عنه وتسحبت عينيه عليها فاتسعت ابتسامته عندما رآها تشير للصبي بتوعد، أخفى ابتسامته وقال بجدية: هكتبلك حقن و...
صرخت سما كالطفلة الصغيرة وقاطعته: لااااا، أموت وماخودش إبر...
جاهد ليخفي ابتسامته من مظهرها الذي تحول لمظهر طفلة بائسة، قال ورسم الجدية مرةً أخرى: معلش، تعالي على نفسك عشان تفوقي بسرعة، الحقن هتجيب نتيجة أسرع، وهتريح معدتك...
سأل الصبي بتفكير وحيرة: مين اللي هيديها الإبر؟..
قطع آسر الورقة من دفتره ونظر للصبي وهو يكتم ضحكة عالية من غبائه، وقال: اكيد مش أنا...
تمتمت سما بغيظ وهي تنظر لنعناعه ثم هتفت بعصبية: غور من وشي يلا...
رمقها نعناعه بغيظ وقال: وانا اللي كنت متوغوش عليكِ وجايبلك الدكتور لحد هناِ؟، ده بيطمر في البهايم وأنت لأ!
قالت بعصبية وغيظ شديد منه: اطلع برا يا فرط البلح ياغبي، لما أقوملك بس...
كتم الفتيات ضحكاتهن من غباء نعناعه بالاسئلة حتى غادر آسر الغرفة وبيده حقيبته، كانت الزيارة مضحكة أكثر بكثير مما يظن...
خرج آسر من الغرفة وتلقاه الشباب بالخارج، قدمت زوجة العمدة الشاي الساخن لهم حتى انتهى آسر من كشفه، قال يوسف لها: نعناعة قالي أن سنانك بتوجعك يا ام نعناعة؟..
قالت السيدة بابتسامة بشوشة: أهو كل كام يوم الاقيها بتوجعني كده، الحمد لله على كل حال، معكرش بالنا بس غير تعب سمكة، والعمدة راح مشوار مهم من صباحية ربنا قبل ما نعرف أنها تعبانة...
رد يوسف بابتسامة: احنا موجودين وزي ولادك برضو، هنقوم باللازم ما تقلقيش...
جلس آسر وعلى وجهه بوادر ابتسامة فرمقه جاسر بنظرة ماكرة وهمس له: ما انت كنت مش طايق نفسك من شوية!
عبس وجه آسر ونظر لاه نظرة تحذيرية نظرا لوجود زوجة العمدة، فقالت السيدة بطيبة: البيت ساكت من صوت سمكة، لما بتبقى بعافيتها بتبقى مشقلبة البيت بصوتها وضحكتها...
رد آسر ليطمئنها: لو خدت الدةا اللي كتبتهولها هتقوم بسرعة أن شاء الله، عملت اللي اقدر عليه مع رفضها أني اكشف عليها!
قالت السيدة وهي تجلس بجسد ثقيل من بعض الأمراض: هي عصبية شوية، ما تاخدش على خاطرك منها يا دكتور، دي اغلب من الغلب والله، هي تلاقيها اتكسفت منك...
شرد آسر للحظات، كانت في حلمه خجولة، تبتسم بحياء شديد، أقتربت منه ببطء شديد دحض مقاومته وفتتها...
لم يعرف لما كان في الحلم الغريب هذا، متيم بها!
حتى قالت له بوجه مبتسم مشرق، تتسابق النسمات لتلامس وجنتيها، فقالت بمنتهى العذوبة أنها، تحبه!
فضمها بقوة بين ذراعيه وهو يهمس لها بجنون عشقه لها...
حلما سريع يتكرر امام عينيه منذ أن استيقظ صباحا!
لا زال يشعر بتلك الضمة حتى في صحوته!
خرج من شروده ولم يدرك أنه كان يبتسم شاردًا على صوت جاسر ونظرته المبتسمة الخبيثة: أنتِ بتحلم حتى وأنت صاحي؟، هتحتاج نصايحي قريب أوي، اسأل الموسوعة، جاسر ويكبيديا.
وكزه يوسف من الجهة الأخرى وقال بغيظ: الست عمالة تقولك أشرب الشاي يابني اشرب الشاي يابني وأنت تايه ومعرفش حصلك ايه،!
أنا حذرتكم من الفطير محدش سمع كلامي!