قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية قلب القمر الجزء الثاني للكاتبة شيماء سعيد الفصل الثاني والعشرون

رواية قلب القمر الجزء الثاني للكاتبة شيماء سعيد الفصل الثاني والعشرون

رواية قلب القمر الجزء الثاني للكاتبة شيماء سعيد الفصل الثاني والعشرون

بكوكب سنمار.
ملامح عايدة يسودها الغل، تبدو وكأنها تحترق من الداخل، ابتعدت سوما للخلف بحذر. خائفة، عينيها تراقب حركة يد الأخرى بسلاحها القاتل (سكين) تتوقع منها أي جنون بهذه اللحظة الحاسمة.
تأكدت من أنها على أبواب نهاية أحدهما، رفعت طرف فستانها حتى لا تتعثر به، مشيرة إلى الأخرى بعدم الاقتراب، إبتسامة خبيثة جنونية تزين وجه السلطانة عايدة ؛ أخيراً و بعد طول انتظار ستتخلص من ابنة كوكب الأرض.

أغلقت سوما عينيها بخوف شديد، الموت يقترب منها مع كل حركة تأخذها الأخرى إلى الأمام، أين أنت يا سنمار؟ قوتها تستمدها دائماً من بين حصون قوته، اعتادت على كلمة منقذي إلا أن هذه المرة طال الانتظار.

ابتلعت لعابها بصعوبة، الفاصل بينهما أصبح خطوة واحدة خصوصاً بعد وصولها إلى بداية الشرفة، بحركة تلقائية وضعت كفها المرتجف على معدتها التي بدأت بالظهور، قطعة منه بداخلها تأخذ منها الدعم بآخر لحظات لها على قيد الحياة، نظرات عايدة واضحة يستحيل خروجها من الغرفة قبل أن تنتهي حياة إحداهما.

انتفض جسدها مع إغلاق باب الجناح من طرف خدم عايدة، حاولت بث القوة بقلبها، تعطي لعقلها إشارات صريحة بالتفكير، رسمت القوة على ملامحها مع إبتسامة بسيطة ظهرت بها أسنانها ؛ بدأت تتوتر الأخرى و تفقد القليل من أعصابها على ثبات عدوتها الانفعالي.
توقفت عن العودة للخلف، وقفت أمامها بشكل مباشر و يدها تضم معدتها بدعم، سارت بعينيها على هذه السكين التي تبتعد عنها بمقدار كف اليد، مردفة بصوت خرج مهتز قليلاً:.

جاية لحد جناحي و السلطان دقيقة و يكون هنا عشان تقتليني يا عايدة؟ اللي أعرفه إنك ذكية جداً و متأكدة إن موتى لا هيفيدك و لا هيسببلك أي ضرر، أخرجي قبل ما السلطان يرجع دي آخر فرصة ليكي.
قهقهت عايدة بضحكة رنانة، تخاف من السلطان كيف و هو بمجرد رؤيته لدماء قلبه سيسقط بعدها؟ الحرب الماضية تخيلت أن سوما ستنهار بدونه إلا أنها ظلت صامدة إلى النهاية، موتها الحل الأمثل لتظل هي تحت مسمى السلطانة عايدة.

بأريحية مثيرة للأعصاب جلست على المقعد المخصص للسلطان، و وضعت ساق على الآخر بكبرياء و غرور، سعيدة لدرجة صعب وصفها لمجرد رؤية إنهيار السلطانة سوما، مهما حاولت إخفاء خوفها فهو واضح جداً و مريحا لها.
دارت بعينيها بالمكان بطريقة جنونية، ثم تحدثت بغل لأول مرة قررت عدم اخفائه:.

ارتاحي يا سلطانة لأن السلطان مش جاي هنا دلوقتي، أصل يا عيني قاعد مع سوما الصغيرة بعد ما رجلها انكسرت، و الحرس اللي هنا كمان هو بنفسه أمرهم من شوية يبعدوا عن باب الجناح، مع إني كنت ناوية أدخل من الشباك بس المهمة دلوقتي بقت سهلة أوي، إيه رأيك فيا طلعت بفكر أحسن منك صح؟

بدأت تتخلى عن أعصابها بشكل كامل، جسدها بالكامل يرتجف رجفا، قدميها تعطي لها أكثر من إنذار أنها لا تتحمل الوقوف، رفعت كفها و مررته على وجهها أكثر من مرة، مردفة بعصبية:
أنتي بالشكل ده مريضة نفسية يا عايدة، عايزة توصلي لإيه بالظبط موتي مش هيوصلك للعرش؟

مين قالك كدة؟ موتك هيكون وراه موت حبيب القلب من القهر أو على ايديا، بعدها ابنك اللي فاكر نفسه عنده أربعين سنة و حبيب زي والده، أنتي أول واحدة تيجي من كوكب الأرض لهنا يا سوما، أنتي اللعنة اللي قالت عليها السلطانة الكبيرة أمي قبل ما تموت، قالتلي بينك و بين العرش سنين عايزة توصلي له يبقى بنت كوكب الأرض تموت، الكلام ده قبل حتى ما سنمار يتولد يعني أنا مستنية اللحظة اللي روحك تخرج فيها في أيدي من خمسين سنة، تحبي تموتي ازاى؟

حركت سوما رأسها بنفي شديد لما يحدث حولها، على حافة الهاوية هي تقف، إمرأة مريضة لن تتركها إلا بخروج روحها، نظرت إلى الشرفة لتجد نفسها بالدور الأول، حل واحد للهروب من هنا، منذ متى و هي تهرب من أي شيء بتلك السهولة؟

بحركة مجنونة غير محسوبة بعقلها أو بعقل عايدة، اقتربت منها خاطفة سلاحها، تمسكت به الأخرى بكل قوتها ترفض تركها على قيد الحياة، بين هذا وذاك أخذت سوما أول ضربة من السكين بمقدمة صدرها، رفضت الاستسلام و ألقت بجسد عايدة على الأرض، آلام مبرحة تكاد تفتك بها تحملته، لم تجد أمامها حلولا لتأخذ أقرب شئ لكفها و ضربت به رأس عايدة.

تركتها بعدما تأكدت من فقدانها الوعي، جرت ساقيها خلفها جرا لتصل لباب الجناح إلا أنه مغلق عليهما من الخارج، بكت بكاء شديدا من وجعها و خوفها على أطفالها واحد ببطنها و الأخرى مكسورة القدم مع والدها، تشويش كامل بالرؤية. و نزيف أخذ شبة دماء جسدها.

بريق من الأمل ظهر على ملامحها الشاحبة، الشرفة مقر هروبها الوحيد، تضغط على نفسها وتحملت وجعها حتى سقطت على أرض الحديقة، خطوة و الثانية لم تتحمل أكثر و انهارت قوتها على الأرض مستسلمة لعتمة الليل:
سنمار.
علي بعد أمتار قليلة اقتربت منها خادمات عايدة بتوتر، بعد خروجها تأكدوا من مقتل سيدتهم، إذا ظلت السلطانة سوما على قيد الحياة ستنتهي حياتهم، التفكير لم يأخذ منهم وقت قبل أن تردف واحدة منهم:.

هي عارفة مين خدم عايدة، اول ما هتفوق هنموت إحنا عشان كدة لازم تختفي من القصر ده، أنا هروح اجيب جوزي يشيلها و يرميها في أي مكان بعيد عن القصر لحد ما تموت لوحدها.
أومأت لها فتاة أخرى مع باقي الخادمات بخوف مرعب، أرواحهم جميعا معلقة بروحها، أردفت و هي تنظر حولها برعب:
طيب بسرعة قبل ما السلطان يحس بحاجة.

بكوكب الأرض.
صعدت معه على ظهر اليخت، الملك ابريس بثوب جديد عليها بشكل كلي، رجل أعمال ظهر من العدم اشترى معظم أملاك رجل أعمال أمريكي، البذلة تليق به مثلما كان يخطف الأنفاس بالزي الملكي، انبهار شديد مسيطر عليها بكل خطوة تتحركها معه.

بين يديه يضم كفها، بكل غرور و قيمة عالية يسير بها، أشار إلى الحرس بعد صعود اليخت يريدها بمفردها، بدأ اليخت يتحرك بعيدا عن الشاطئ، تابع ملامحها المنبهرة بمشاعر مشتاقة لأبعد الحدود، سعيد جداً لعودتها لأحضانه من جديد.

ليالي الفراق كانت مؤلمة، تأخذ من روحه قطعة تلو الأخرى، رغم غناء والدها الفاحش إلا أنها تشعر بتجربة كل شيء معه لأول مرة، ابتسمت له بصفاء بصفاء على شروده بها، الحب جميل به لذة خالصة تضيف للحياة حياة.

تسارعت أنفاسها مع حركة يده على وجهها، خطف قلبها من قبل أول لقاء، سيرته على لسان السلطان سنمار جعلتها تسقط بغرامه، رجولته الطاغية جعلتها تعشقه بدلال، أغلقت عينيها مستمتعة بلحظة قرب مميزة، ضغطت على كفها الموضوع بين يده الأخرى، فاق من دوامة أشواقه بعتاب شديد لنفسه قبل أن يكون لها، أبريال جوهرته الثمينة أغلى من لحظة ضعف يندم أحدهما بعدها.

حاولت إخفاء توترها مبتعدة قليلاً عنه، رفض بعدها و رفض هروبها من مواجهة عينيه، رفع وجهها إليه بعيون متلهفة، خجلها هذا يجعل تفكيره يذهب به إلى مكان لا حياء به، قرص أنفها قبل أن يردف بحنان:
وحشتيني أوي أوي يا أبريال، في كورة حطتيها في ملعبي قبل ما تمشي فاكراها؟

بتعجب حدقت به عدة ثواني قبل أن يصل إليها المغذى الحقيقي من حديثه، تلون وجهها بحمرة الخجل، أحبك قالتها له قبل الرحيل و تركت إليه زمام الأمر، أخرجتها وقتها بقوة و شموخ إلا أن الحقيقة كانت غير، قلبها كان يدق جسدها به قشعريرة بها بعض اللذة، عقلها يصرخ بها غاضب لابد أن تخرج منه هو أولا.

بتلك التعبيرات البسيطة الواضحة على ملامحها تأكد من فهمها لأجمل ذكرى بحياته، لذلك أومأ لها مؤكدا عليها، مردفا بغزل صريح:.

أيوة يا أبريال أقصد الكلمة الروعة اللي خطفت روحي و خلتها بين إيديك، وقتها حسيت بحاجات حلوة كتيرة بس الإحساس الأقوى كان العجز، خوفت أكمل في طريق تكون نهايته فشل، بس الأقوى من الكلمة دي الورقة اللي كان فيها الآية القرآنية، وقتها حسيت بحاجات مش قادر أوصفها و قولت الشهادة، مش عشانك بس يا أبريال عشاني أنا كمان، حسيت براحة نفسية إني إنسان كامل صافي مش محتاج من الدنيا أي حاجة، خوفت زي أي شخص و بقيت مشتت مش عارف الصح فين و الغلط فين، فاكرة يوم ما عملت لينا فرح و أنتي كسرتي التمثال؟ بقيت مستني أشوف رد فعله على غلطة كبيرة زي دي بس معملش أي حاجة، سألت نفسي ازاي كنت بالغباء ده و أتخيل إن حاجة عملتها بأيدي ممكن تنفع أو تضر، شكرا يا أبريال. معاكي وصلت لبر الأمان.

اتسعت إبتسامتها باتساع، لطالما تمنت هذه اللحظة التي تنتصر بها على الباطل، وصلت به لبر الأمان مثلما قال و هذا رائع، أعطت لشفتيها بعض الطراوة متوترة.
أرادت الحديث معه عن مخاوف تطاردها، صعب عليها فتح صفحة جديدة معه بطريق الأشواك الذي يسير به، قاطعها قبل أن تنطق واضعا أحد أصابعه على شفتيها، مردفا بهيام:
بحبك بحبك جداً يا أبريال، تقبلي تتجوزيني؟

سقطت قوتها و تخلت عنها أنفاسها، صعب عليها الموقف جداً، زواجها منه ليس بتلك البساطة التي يتحدث بها، خفضت وجهها تخفي ملامح الانزعاج عنه، بدأ القلق يتسرب لقلبه توقع الكثير من ردود الأفعال إلا الصمت، تخيل سعادتها مع عناق حار، دمعات سعيدة تنتهي بزواج و طفل جميل يحمل صفات كلا منهما، خاب أمله مع تعبيرات وجهها.
كلمات مكتومة بحلقها تحاول إخراجها إلا أنها لا تعرف، ترك لها بعض المساحة مردفا بتساؤل:.

قولي اللي جوا عيونك.
ابتلعت تلك الغصة المريرة بحلقها قائلة:
أنا مش مستعدة لخطوة الجواز دلوقتي...
قطع المتبقي من جملتها مشيرا لها بالصمت، مهما حدث سيظل الملك ابريس و الرفض له مستحيل، ابتعد عنها كثير، مردفا بصوت عالي للقائد:
ارجع على الشط.

بقصر العمري.
صعدت جناحها هاربة من كل شيء، عودة زوجته أو طليقته كما قال جعل بينهما حائط منيع، جلست على الفراش منهارة، لا تعلم لما دائماً تأخذ الحياة فرحتها بأول جولة؟ سالم غير فؤاد، إحترمت فؤاد و أخلصت لحبه لها، سالم أحبته بل عشقته و هذه المرة الاختيار صعب، ضمت ساقيها لجسدها، تشعر ببرودة قوية تتخلل بداخلها، تركته بالأسفل بعدما أمرها بالصعود لغرفة نومها القديمة.

ارتجف فكها خائفة من لحظة الاختيار، من المؤكد ان أم أطفاله أحق به، دقات صغيرها على باب الغرفة انتفض جسدها على أثرها، حاولت أخذ بعض القوة و التحلي بالهدوء.

أعطت إذن للطارق بالدخول، دلفت إبنة سالم الكبيرة و خلفها شقيقتها، ، على رؤيتها توترت الأوضاع أكثر و أكثر، رسمت إبتسامة زائفة على وجهها مشيرة لهما بالاقتراب، اقتربت منها الصغيرة باكية أما الكبيرة أغلقت الباب خلفها و وقفت جامدة، خلف هذه الزيارة كلمة النهاية ستكتب على الشاشة بكل بساطة.

ابتلعت لعابها بصعوبة، ضمت الصغيرة إليها لتهدأ من روعتها، منتظرة سبب الزيارة بدقات قلب مرتفعة، كادت ان تفقد وعيها من شدة الموقف عليها، لفت الفتاة الكبرى كفيها حول عنقها بحركة غريبة، فتاة بسن المراهقة تفهم كل ما يحدث حولها بوضوح.
بملامح وجه غاضبة و نظرات كريهة، أردفت:.

وجودك في حياة أبوي كان عشان ولدك، بس هو مات مفيش حاجة تخليكي مرت أبوي، مرته و أم عياله موجودة يبجي ابعدي عننا يا بت الناس جبل ما حياتنا تبجي خراب على يدك.
أصيبت بصدمة قوية، وقعت على أرض الواقع بلا رحمة، بالبداية تزوجته من أجل طفلها الذي توفي كما قالت الصغيرة، إذا لما هي هنا؟ من أجل أوامر قلبها الصارمة بعدم البعد، لا تعرف كيفية التصرف مع ابنته.

اختفت إبتسامتها المزيفة، بريق من السعادة أتت به معه اختفى بمجرد دخولها لهذا القصر اللعين، أغلقت الفتاة الصغيرة عينيها لتضعها على الفراش بحذر حتى لا تقلقها، قامت من مكانها مقتربة من الأخرى التي ابتعدت عنها بنفور.
أغلقت عينيها ثواني تتحمل بهم ما يحدث ثم عادت النظر إلى الفتاة، مردفة بجدية:.

حبيبتي ده كلام كبار و أنتي لسة صغيرة، أي حاجة ممكن أقولها دلوقتي مش هتوصل ليكي بالشكل الصحيح، أنا مش هخرب بيتكم و لا عمري أقدر أعمل كدة...
قاطعتها الفتاة بقوة عجيبة، كأنها حفظت تلك الكلمات التي قالتها على سنوات طويلة، مشحونة بكم كبير من الحقد. معها كل الحق به، صدمة كبيرة شعرت بها مع دفع الفتاة لها بقوة، مردفة:.

بجولك إيه اني مش صغيرة و فاهمة كل حاجة، شغل بنات البندر ده مفيش داعي منيه، لما تاخدي راجل على مرته و بناته تبجي خرابة بيوت و جليلة الأدب و الرباية، أبوي طلج أمي عشانك و بطل يسأل عليا اني و أختي، اطلعي برة حياتنا بالزوق بدل ما تطلعي بفضيحة كدة كدة مالكيش مكان في عيلتنا.

عقلها لا يستوعب أنها تقف أمام طفلة بالكثير لديها أربعة عشر عاماً، كلماتها سامة أكبر من عمرها أضعافا مضاعفة، حاولت نسيان ما تفوهت به هذه الفتاة فهي محقة خائفة على عائلتها، أشارت لها بهدوء مردفة:
يا حبيبتي أنتي فاهمة الموضوع غلط أنا مش وحشة بالشكل ده، و مادام كبيرة و عاقلة يبقى أكيد عارفة إن الحب ده مش بأيد حد...

للمرة التي لا تعرف عددها تمنعها من إكمال حديثها، و تدفعها بقوة أكبر لتسقط على الفراش بألم شديد، غضبت من هذه الحركة التي فعلتها الفتاة أكثر من مرة، لتردف بغضب:
أنتي بنت قليلة الأدب ايه التصرف الغير أخلاقي ده؟

انقطع كل شيء فجأة مع صرخات الفتاة الصغيرة التي كانت تنام منذ قليل، شاركتها الكبرى بهذه النوبة الجنونية حتى دلف سالم و خلفه عزيزة و زوجة أبيه، ، اسود العالم من حولها فهي بداخل لعبة قذرة مع عصابة.
ذهب سالم إلى صغيرته التي تنام غيداء على وجهها تقريبا بلهفة، بعد دقائق هدأت الصغيرة ليتحدث بصرامة:
ايه اللي بيحصل هنا يا غيداء؟
ردت ابنته الكبيرة بدلا عنها مردفة:.

طلبت مننا نجعد معها شوية عشان نتعرف على بعض أكتر و بعدين جعدت على فرح عايزة تخنجها يا أبوي.
تحولت معالم وجهه بشكل كامل، احمرت عينيه و اسودت ملامحه، نظر إلى غيداء بقوة مردفا:
غيداء مستحيل تعمل أجده.
لا أنا فعلا عملت كدة يا سالم.

بكوكب سنمار.
ظل بجوار ابنته سوما الصغيرة بلهفة أب، مع تلك الفتاة يتعامل بطريقة مختلفة عن الباقي، يخاف عليها من الهواء، يخشى شعورها باليتم أو النقص، بدأ يحرك يده على خصلاتها مع إنها ليست ابنة سوما إلا أنها تحمل شعرها الأسود الطويل، بكائها يعصر قلبه ألما.

بدأت تهدأ من روعتها، ليقبل رأسها عدة مرات قبلات متفرقة، ابتسمت له الصغيرة ببراءة تخطف الأنفاس، مع أنها أكبر من بدر إلا أنه يتعامل معها على أساس ابنته الصغيرة.
دلف بدر للغرفة بلهفة كبيرة، سوما تربية والدته رقيقة مثلها، ابتسمت بمرح تحول فجأة لحزن، أقترب منها بدر مردفا بقلق:
مالك يا سلطانة يا صغيرة؟ دموعك غالية عاليا و أنتي عارفة و كمان هيف جاية تطمن عليكي.

أشارت إلى ساقها المكسور و الرباط من الجبس الملفوف حوله، تود اللعب مع هيف و الركض لشقيقها تضمه إليها، أين والدتها لما لم تأتي حتى الآن؟
مدت شفتيها إلى الأمام بملامح طفولية لذيذة، ثم تساءلت بحزن:
مش قادرة اتحرك من مكاني يا بدر، و نفسي ألعب مع هيف شوية بس برضو مش عارفة، كمان ماما راحت فين مش المفروض تسأل عليا و أنام النهاردة في حضنها؟

صرخات مرتفعة من بعض الخادمات جعلت سنمار الصامت ينتفض من مكانه للخارج، حشد كبير حول جناحه مع سوما بالطابق الأرضي الذي صمم الانتقال إليه طوال فترة حملها، جر ساقيه جرا يخشى الاقتراب من الجناح، لو أصابها مكروه قلبه لن يتحمل، يعلم أنها تعاني الآن خصوصا مع هذه الضربات التي تضرب صدره دون أسباب.

سقط قلبه مع رؤية الدماء تغرق الغرفة، عايدة على الأرض، الشرفة مفتوحة، قطرات من الدماء تسير من أول باب الجناح حتى الشرفة، ركض بقدميه مختلة عن الحركة، حركة للإمام معها عشر خطوات للخلف، بداخله رعب كبير.
سوما ااا.

إسمها خرج من جدران قلبه بصريخ مرتفع، ترك الجميع بالجناح و سقط من الشرفة للحديقة، دار حول نفسه إلا أنه لم يجد لها أي أثر، أين سوما أين حبيبته؟ حاول تملك دموعه التي تريد أن تخونه لأول مرة و تغادر مقلتيه.
وضع يده على خصلاته بضياع، السلطان سنمار أصبح مثل الطفل الصغير تائه بدون والدته، حالة من الخوف و التوتر نالت منه ما نالت، كتم أنفاسه مع انقطاع الدماء عند نقطة معينة، اختفى آخر أثر سيصل بينهما.

سوما أنتي فين بس أنا قلبي بدأ يوجعني، أنتي لسة عايشة أنا متأكد من كدة بس مش هفضل متأكد على طول.
أتى ابراق من خلفه مردفا بتوتر:
مولاي بيقولوا في جثة ست عند البحر اللي جنب القصر.

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة