رواية قلب القمر الجزء الأول للكاتبة شيماء سعيد الفصل الثامن والعشرون
لو بيديها لكانت صرخت أمام الجميع من شدة سعادتها...
اكتمل عوض الله و حملت بداخلها طفل من ابراق...
السلطانة اميرة التي قال عليها البعض عقيمة ستصبح أم من سلطان قلبها...
سجدت عدة مرات شكر لله الذي أنعم عليها بكل ذلك...
أعطى لها المال و السلطة و العائلة و الآن أعطى لها ابراق و طفل من ظهره...
وضعت إحدى يديها على معدتها الصغيرة ارتجاف صار بكامل جسدها...
تشعر أن الهواء جف من الغرفة و قدميها تخلو عنها...
مشاعر غريبة تدغدغ قلبها كلمة أمي ترن بداخل اذنيها بلحن خاص...
دلف ابراق للغرفة بعد يوم مرهق من الأعمال مع السلطان...
اختفى إرهاقه و تعب جسده مع رؤية ابتسامتها اميرة و سلطانة قلبه...
تلك المرأه تتلخص حياته بها لا يعلم كيف مرت عليه سنوات و هو مع غيرها...
إقترب منها مقبلا يديها باشتياق يوم من العمل و العذاب ينتهي بداخل احضانها...
اردفت بابتسامة...
- حمد لله على السلامة يا باشا، انا عملتلك الأكل اللي بتحبه...
اردف بمرح بسبب جملتها فهي كلمة لا تعرف شيء عن الطعام أو المطبخ قليلة على وصفها...
- يعني حتى الأكل اللي بحبه حرام عليكي يا أميرة...
اختفت ابتسامتها و حل مكانها الحزن الأيام الماضيه أثبتت فشلها بجدارة...
لم تفعل شيئاً واحداً بداخل المنزل صحيح الطعام هي نفسها ترفض أكله من طعمه الغير محبب...
لا تعرف لما يأكل ما تفعل و على وجهه ابتسامة سعيدة و كأنها فعلت إنجاز مع انها فاشلة...
جذبها إليه و هو يقرأ أفكارها الغبية يعلم ما يدور بداخل تلك الرأس اليابسة...
رفع إحدى يديه بحنان و وضع خصلة شاردة خلف اذنها مردفا...
- الجميل زعل ليه انا كنت بهزر معاكي، لو زعلتي مش ههزر تاني...
اخفضت رأسها أرضا ثم اردفت بخجل من نفسها و تصرفاتها...
لا تعرف كيف تحولت من السلطانة اميرة الجامده لتلك الاميرة الطفلة التي تخجل من كل شيء...
كل ما تعيشه معه بحكم زواجها الأول عاشته من قبل...
و معه هو تخجل تسعد تطالب مشاعر جديدة عليها و لأول مرة تفعلها...
- انا أسفة من أول جوازنا مفيش أكلة واحدة نجحت في أيدي، عارفة انك متحمل ده عشان مكنش زعلانة بس و الله بحاول اعمل حاجات حلوة مش عارفة بيطلع طعمها وحش ليه...
لم يتحمل طريقتها بعرض الموضوع و انفجر بالضحك.
حمقاء لا تعرف قيمتها و قيمة تنازلها و عمل الطعام له...
لا تعرف انها تخطف قلبه و أنفاسه من مجرد لمستها ضحكتها نظرتها...
يذوب بين يديها مثل قطعة السكر من شدة عشقه لها...
طعامها الفاسد من وجهة نظرها من وجهة نظره هو أجمل طعام ذاقه على الإطلاق...
تمالك نفسه عندما رأى ملامحها تحولت للغضب و أردف بصدق عاشق...
- مشكلتك انك مش عارفة قيمتك. انا لحد دلوقتي كل ما أصحى الصبح و أشوفك نايمة جانبي على السرير احمد ربنا انه مكنش حلم أو هلوسة مني، انتي أعلى من انك تدخلي مطبخ و تعملي أكل بس انا عملت كده عشان اتأكد من حبك، السلطانة اميره أكبر بكتير من أنها تعتذر على حاجة مش بايديها، من النهارده مفيش دخول للمطبخ تاني الخدام هيكونوا هنا كمان ساعة. ماشي يا سلطانة قلبي...
و أين سلطانة قلبه لترد عليها فهي ذابت بسحر كلماته...
اتسعت عيناها بغباء من نفسها كيف نسيت قول أهم خبر...
مدت يدها و أخذت يده و وضعتها على معدتها مردفة...
- نسيت اقولك في باشا صغير هنا يا ابراق باشا...
لحظات مرت عليه دون استيعاب جملتها و بعد ذلك حملها بين يده يدور بها بالغرفة قائلا بسعادة خرجت من أعماق قلبه...
- بحبك و بموت فيكي...
- و انا بعشقك...
خرج من الطائرة و مد يده لها وضعت يدها بداخل كفه و خطت أول خطوة لها بأرض الوطن من جديد...
أخيرا عادت. عادت على قدميها كما خرجت عليهم...
نظرت لسعد بشكر و امتنان صاحب أكبر فضل بعد الله على عودتها لهنا...
كانت تتخيل انها ستعود على ظهرها أو ستموت هنا بعد أشهر من المرض و انتظار دورها بالمستشفيات الحكومية...
و ها هي تتحرك بكل خفة و نشاط كما خرجت و بمعنى أدق أفضل بكثير...
ضغطت على يد سعد بقوة لتشعر نفسها بالراحة و الأمان أكثر...
تبث بداخلها القوة بعدما أصبح هو مصدرها الوحيد...
تعالت دقات قلبها مع رؤية والدتها أمامها و الدموع تغرق وجهها...
لم تتخيل انها سترى صغيرتها من جديد بكامل طاقتها و جمالها...
لم تفعل أي حساب للمكان و انها بداخل المطار و سقطت على الأرض ساجدة...
أخذت تشكر ربها بدموع تحرق القلوب ركضت نفين على السيدة امل بلهفة...
نزلت لمستواها و بكت معها لتأخذها الأخرى بين احضانها بشوق و سعادة لا يمكن وصفها...
ثم أردفت...
- رجعتوا ليا انتو الاتنين تاني بيتي و بناتي رجعوا، انا كنت فاكرة ضهري انكسر بعدكم بس ربنا طبطب و عدينا الوحش كله...
رفعت نفين أحد اصابعها و أزالت دموع والدتها بابتسامة جميلة ثم اردفت...
- إحنا بقينا كويسين يا ماما و خلاص الوحش كله بقى مجرد درس نتعلم منه، فين أسماء عايزة اشوفها يا ماما؟
ابتسمت السيدة أمل بحنان...
- هتيجي قريب تعمل فرح هنا حكايتها و لا في الأحلام، بس الحياة عندهم هاديه و جميلة بدل الزحمة هنا، ابقى تعالي معايا مرة الولد سنمار بيترعب مني...
- مين يشوفك و ميخفش يا أمي...
رفعت رأسها لصاحب الصوت سعد ذلك الظالم و المظلوم...
بالفعل ما فعله بالأيام الأخيرة جعلها لا تعرف ما بداخل ذلك الرجل...
وجدته يمد يده لها حتى تقوم عليها ثواني من الصمت مرت...
هو ينتظر ردها و هي لا تعرف ماذا تفعل مازال قلبها يحمل منه و أيضا ما فعله بالأيام الاخيرة فوق رأسها...
نظرت لنفين لتشير إليها الأخرى بايجاب لتبتسم له و تقوم على يده قائلة...
- تسلم يا سعد يا ابني...
دلف لجناحه بنظرات مشتاقة يبحث بعينيه عنها بكل مكان...
ابتسم بمشاعر مستحيل وصفها عندما وجدها تحمل سوما الصغيرة و تشبعها حتى تخلد للنوم...
لا يعرف أهو عشق بشرية ام ملاك بالفعل قلبه و عقله عاجزين عن وصفها...
كل لحظة تمر بينهم يتأكد أن السلطان سنمار بدونها و لا شيء...
هي بالفعل قلب القمر و لا يستطيع الحياة بدونها و لو لدقيقة...
إقترب منها أكثر و أخذ منها الصغيرة حتى يضعها بداخل فراشها المجاور لفراش أخيها...
جلس بجانبها على الفراش و سحبها بداخل صدره مثل عادته...
يأتي يوميا من العمل يأخذها بداخل أحضانه حتى تكون قريبة من قلبه...
و مثل عادتها هي أيضا تغلق عينيها لتشعر بمتعة تلك اللحظات المميزة...
العناق أهم شيء لقوة العلاقة الزوجية شعور غريب بالأمان و السكينة تحيط الطرفين...
أخذت نفس عميق من عطره الخاص و كتمته بصدرها...
رائحة جسده شهية بطريقة غير طبيعية لو بيديها لأكلت ذلك السنمار الوسيم...
لف إحدى خصلاتها السوداء الناعمة على اصبعه القوي مردفا بامتنان...
- مش عارف اقولك ايه على تعبك مع سوما الصغيرة و اهتمامك بيها...
وضعت يدها على فمه تمنعه من إكمال الحديث تلك الصغيرة ابنتها...
لا تنكر انها بالبدايه كانت تكرها و ترى والدتها بها، كلما نظرت إليها تتذكر انها ابنة ثمرات...
و لكن الآن الوضع مختلف تلك الصغيرة أسرتها بجمالها الساحر و ابتسامتها الرائعة...
براءة مستحيل أن تكره صاحبتها مهما كان السبب...
حب زرعه الله بداخلها لتبقى سوما ابنتها و ابنة سنمار و هذا يكفي...
أردفت بصدق بعدما اعتدلت بجلستها مبتعدة عنه قليلا...
- بلاش طريقة الكلام دي مفيش ام بيتقال لها شكرا على رعاية ولادها، سوما و بدر عندي واحد الاتنين ولادي و نفس الحب و الله العظيم. يمكن في البداية كنت شايفة انها بنت ثمرات و الغيرة عمت قلبي ما هو اللي بيحب لازم يغير، لكن بعد كده و بعد ما اكلت مني بقت بنتي فعلا يا سنمار و مستحيل اكرها انا بحبك و بحب اي حاجه منك و هي منك زي بدر...
تلك المرة كانت ستموت من شدة ضمه لها يخشى عليها كأنها ستهرب منه...
رأى نساء كثيرة بحياته و لم يرى مثلها ابدأ جمالها بنظره يتعدى الحدود و روحها غير موجودة على كوكبه...
نقية مرحة حنونة شرسة عاشقة بها كل ما يريده فهي خلقت بالفعل له و من ضلعه
أردف بحنان عاشق...
- انتي بتعملي فيا ايه يا قلب القمر، عايزة اوصل لفين بحنانك و جمالك و حبك...
أردفت بتردد...
- مولاي انا اسفة على اللي هقوله، بس انت إزاي بتقدر تروح كوكب الأرض و ترجع منه كأنك مسافر المعمورة؟.
لم يتملك نفسه من الضحك لا يصدق انها مازالت تخشى الحديث معه على طبيعتها...
لو تعلم أنه ينسى من هو و أين لكانت قالت له مثل والدتها يا واد يا سنمار بيه.
تلك المرأة بمفردها تجعله يريد التخلي عن عرشه و حياته مقابل قتلها...
اعتدل بجلسته و أجلسها على قدميه يريد إيصال رسالة معينة ليها ثم اردف بهدوء...
- طول ما إحنا سوا من غير حد انا سنمار حبيبك و بس ممنوع أسمع كلمة مولاي أو حتى اشوف نظرة الخوف و التردد في عينيك على حاجة عايزة تقوليها، اتفقنا؟
أردف آخر كلمة بتساؤل حاني يريد أزالة أي حاحز بينهم...
أومأت هي بابتسامة عاشقة لذلك الرجل الذي لا يوجد له شبيه...
تنفس سنمار بعمق و سند ظهره على الفراش مغلق عينيه بهدوء قائلا...
- اول حاجة لازم تعرفي إن اللي هقوله ده سر بنا محدش يعرفه الا انا و السلطانه الأم و السلطان الله يرحمه و دلوقتي إنتي، و طالما قولتلك عليه يبقى انتي أقرب حد ليا و مش عايز مخلوق يعرف عنه حاجة حتى الست امل لأنها فضيحة...
قهقهت بمرح على حديثه عن والدتها و ابتسم هو معه و اكمل حديثه...
سره سيصبح معها لأنها أصبحت جزء لا يتجزأ من جسده فهي ضلعه الناقص من كتفه...
- اول حاجة السلطان الله يرحمه كان ذكي جدا و عقله بيعدي الزمن اللي هو فيه بكتير، عشان كده بحث في العالم اللي حولينا و عرف إن كوكب ضمن كواكب كتير، و كمان ان فيه كوكب عليه ناس عايشة و هو كوكب الأرض. و من هنا بدأ يفكر ازاي يروح الكوكب ده من غير ما حد يعرف أو يكون في اي تأثير على عرشه و حياته، و أخترع حاجة زي العربية عندكم بس الفرق انها بتفضل مكانها و اللي جواها هو اللي بيتحرك زي الشمس الثابته و الكواكب بتلف حواليها...
صمت قليلا يرى تأثير حديثه عليها ليجدها تفتح فمها بحماس و انبهار...
ابتسم على تعبيرات وجهها الأبيض و كمل حكايته أو بمعنى أدق سره...
- و نجح الاختراع و راح السلطان كوكب الأرض و هناك شاف حسناء جميلة اتهوس بيها و عشقها، قالها على سره و جابها معاه للكوكب هنا بس مقدرش يتجوزها اخدها جارية عنده بس كانت المفضلة و بعد ما جابت ولي العهد سنمار بقت السلطانة الأم...
قطع حديثه شهقه خرجت منها بعدم تصديق ثم سألته...
- يعني السلطانة الأم من كوكب الأرض زيي، طيب مش بتحبني ليه؟
أجابها بجدية...
- غيرانة منك عشان انا اتجوزتك بس هي كانت جارية الأول. عموما مش ده موضوعنا بعد كده لما انا بدأت أكبر بقيت بحس بحاجات غريبة و بشوف أماكن جوا احلى بس مش في الكوكب عندنا، و في يوم كان عندي 15 سنة ضغطت على أيدي بكل قوة و خرج من لساني جملة مش عارف معناها أو حتى سببها، قلب القمر في كوكب الأرض، و فجأة جالي صداع شديد و لقيت نفسي نايم على باب بيت غريب أول مرة اشوف بيوت بالشكل ده و بنت زي القمر خارجة من باب بيتها بتقولي انت مين و على وشها ضحكة تخطف القلب، مردتش عليها لكن هي مدت ايدها و سلمت عليها و قالت انا أسماء...
صمت مره أخرى يتابع رد فعلها على كلماته وجدها تنظر إليه بذهول...
عقلها يعيد ذلك اللقاء من جديد تتذكره و كأنه كان ليلة أمس...
ولد وسيم يقف على باب منزلها بملابس غريبة و بيدو عليه الذهول و عدم معرفة المكان...
ابتسمت له بدون أرادة منها و سلمت عليه قائله اسمها منتظرة معرفة اسمه ليترك المكان و يركض بكل قوته...
اردفت بصوت متقطع من شدة الصدمة...
- و روحت فين بعد ما سبتني و طلعت تجري بره العمارة؟
سعادته لا توصف بسبب تذكرها له بالفعل الرابط أقوى من أي شيء...
أغلق فمها المفتوح و تحدث مكملا...
- مش عارف لقيت السلطان أدامي و بيقولي قول يا سنمار عايز اعرف الكوكب بتاعنا، و قولت زي ما قال و جه نفس الصداع و بعدها لقيت نفسي في جناحي بالقصر و السلطان معايا، و قلي يومها جملة واحدة و خرج خد بالك من قلبك يا قمر عشان يوم ما يقف عن الدقات هتروح انت كمان و عدت سنين و انا نسيت الموضوع لحد ما جيتي انتي و السلطانة الأم رجعت كوكب و جيت انا لكوكب الأرض لتاني مره في حياتي عشان و وقفت على نفس الباب و نفس العمارة و وقتها عرفت انك انتي قلب القمر بجد...
- يعني اي؟
قالتها بغباء ليجعل هو وجهها إليه مردفا بشغف و عينيه على شفتيها...
- يعني حياتي كلها متعلقة عليكي يا قلب القمر و كفاية كلام بقى عشان وحشتيني جدا...
أنهى حديثه و فمه ينزل على شفتيها يأكلهم بداخل قلبه مشتاق عاشق...
دقائق و كانت تخوض معه رحلة جديدة من ليالي عشقهم الساحرة...
لينسي كلا منهم المكان و الزمان و كل ما حولهم إلا تلك اللحظات الفارقة بالعمر...
ابتعد عنها بعد مده لا يعرف عددها مقبلا أعلى رأسها لتقول هي بأعين مغلقة و انفاس متلاحقة...
- بحبك اوي يا سنمار بحبك يا قمري...
- و انا بحبك يا قلب القمر...