رواية فتاة ذوبتني عشقا للكاتبة أمنية محمد الفصل الرابع والعشرون
- سليم وفرح -
يمر اليوم ب توتر. توتر شديد يفوق قدراته بسبب تلك الرسالة التي وصلته منذ قليل. يحاول الإتصال بالرقم ولكنه مُغلق. إذن من يحاول فعل ذلك. من يحاول تدمير عائلته.؟
اتاه اتصالا فأجاب سريعاً (الو. ) اجابه الطرف الآخر بينما سليم يستمع إليه وفي اثناء استماعه توسعت ابتسامته بنصر ثم قال بنبرة واثقة (كنت عارف ان دا هيحصل، متسبهوش ثانية واحدة وخليك وراه لحد ما نشوف هنعمل اي! ) استمع لحديث الطرف الآخر ثم قال (هنمسكه. ومتلبس كمان احنا بقالنا خمس سنين بنحاول نكشف عنه اي حاجة فعليه مافيش. بس انا حاسس ان احنا خلاص قربنا. ) أنهى المكالمة وهو مبتسم بثقة. ها هو يحقق هدفه منذ أكثر من خمس سنوات. حل قضايا كثيرة ولكن تلك لم يحلها إلى الآن. وكأن الرأسين غير موفقين في هذا الأمر. او كأنهما يشبهان بعضهما إحداهما تجاه الخير والاخر تجاه الشر. يجري بعروق سليم دم الاخر. إذن التفكير نفسه واحد لذلك يعجز سليم على حله. ذلك الشخص هو والده، ذلك الرجل الذي اختفى من حياتهم بعدما اخذ ما اراد. وهو موت والدتهم منذ ثلاث سنوات، ذلك الرجل الذي يحتقر ان يقول عليه والده. اقسم وقتها انه لن يرحم إلا وهو ينهي حياته في السجن ليتعفن. منذ وقتها وهو يعافر ويعلم جيداً أن والده ايضا يعافر حتى لا يكشفه سليم. خرج من شروده على دخولها الغرفة وهي تتنهد قائلة (اخيرا نامت. ) ابتسم بخفة ووقف مكانه متجها لها واضعاً يديه حول خصرها هامساً (وانا عايز انام) خرجت منها ضحكة خجلة وهي تخفض بصرها وتقترب منه تحتضنه. فمال على كتفها يقبلها بحنان هامساً (كل سنة وانتي كل دنيتي) تقوصت ملامحها لمعايدته المفاجأة ولكن سرعان ما تذكرت انه عيد زواجهما. فإبتسمت بحب وهي تقول بنبرة هامسة (كل سنة وانت بطلي وكل حاجة عندي يا سليم. ) ابتعد قليلاً ثم مال على خدها يقبلها بنهم ثم بدأ يقبل كل مكان في وجهها حتى استقر على ما يبغاه منذ البداية فأخذ يقبلها بعمق وهي تبادله جنونه تحت مسمى انه عيد زواجهم...
في صباح يوم جديد، كان يوم ممطر والسماء مليئة بالسحاب الداكن الذي يجعل السماء مظلمة. كان يجلس جوار ابنة اخيه الغالية وفي احضانه ابنه الغالي. وامامه تجلس زوجته العزيزة. كان يدلل ابنه الذي يقهقه بطفولية وماريا تتابعهم بهدوء تام. وكأن نار الغيرة تشتعل داخلها فهذا مكانها وليس مكان الصغير. عبست قليلاً ثم وقفت مكانها متجهه لغرفتها واتت باحدى دفاتر الدرس والكتب وجلست جوار ليث قائلة (بابي. ذاكرلي! ) هز رأسه بإيجاب (حاضر ياحبيبتي! ) فأستمر مازن بجذبه ليلاغيه. فبدأ ليث مرة اخرى ان يداعبه ويلاعبه بينما مازن يضحك بطفولية. فعبست ماريا بضيق وهي تنظر لهم ثم اخذت اغراضها وصعدت لغرفتها بضيق سريعاً. تطلع إليها ليث بإستغراب ثم نظر ل حنين التي لمحتها وهي ذاهبة لأعلى. قامت حنين من مكانها قائلة (انا هطلعلها) سبقها بالوقوف وهو يقول بخفوت (لا خليكي. انا هشوف مالها. ) ثم اعطاها مازن وصعد خلفها ليعلم ما سر غضبها ذلك وصعودها سريعاً للأعلى. رغم انه لم يحدث ما يُحزن ولكن سيعلم الآن منها. جلس جوارها فرأها تزُم شفتيها بحزن وتخطو بقلمها بالشخابيط في دفترها. همهم بهدوء مستفسراً (زعلتي ليه؟ ) هزت رأسها بنفي وهي تقول بخفوت (مزعلتش! ) احاط كتفها بذراعه قائلا (بجد؟ ) همهم مكملا (همممم يعني مزعلتيش كدا وقومتي خدتي كتبك وطلعتي) هزت رأسها مجاوبة بنبرة خافتة بريئة (لا انت مشغول مع مازن فطلعت اذاكر لوحدي) اعاد كلماتها قائلا بنبرة ممطوطة (مشغول مع مازنن) هزت رأسها بإيجاب فقهقه بدفئ محاولا مراضاتها (طب اعمل اي اخوكي دا فشته مايعه وبيحب الضحك! ) تطلع لابتسامتها التي شقت فميها فأبتسم بنصر فهو تقصد انساب الاخوة لها وتقصد أيضاً مداعبتها بالمرح. فهو يعلم جيداً قلبها الطيب وحنانها البالغ. اكمل في مصالحتها قائلا (وبعدين ياستي احنا النهاردة إجازة وانتي جاية تذاكري النهاردة. قومي هنقول لحنين تعملنا كيكة بالفراولة من اللي بتحبيها ونلعب سوا) هزت رأسها بإيجاب وهي تقول (اشطا وانا هساعدها عشان انا بحب الكيكة) ابعدت الكُتب من جوارها فحملها ليث على اكتافه وهي تقهقه بصوت مرتفع يملوء المنزل. فإبتسمت حنين على نزولهم قائلة (ماتضحكونا معاكم. ) انزلها ليث امام حنين قائلا بإبتسامة واسعة (اعملولنا كيكة ها). همهمت حنين بخفوت ثم قالت (حاضر هقوم اعملكم) امسكت ماريا بيديها وهي تقول بنبرة متحمسة (وانا هساعدك) ثم دلفت معها تساعدها بينما هو يبتسم بخفوت على حالهم. ها هو الحال ينقلب الآن ف ماريا بدأت تغار مع الصغير مازن وهذا الحال سيطول. وهو يجب ان يتصرف سريعاً حتى لا ينقلب عليهم.
- نور و تامر -.
دخل إليها حاملا الطعام و جلس أمامها متنهداً لحالهم منذ الأمس. فهي تعبت منه وظلت بقية اليوم حزينة صامتة. (يلا يا حبيبتي عشان تاكلي. انا جبتلك الاكل إلى بتحبيه) اشاحت بوجهها بعيدا عنه دون أن ترد عليه و دمعة سريعة منها فرت من عينيها، تنهد تامر بعمق و ابعد الطعام و امسك يدها مقبلا اياها بحنو قائلا بنبرة نادمة (انا اسف يا نور بس انت خرجتيني عن شعوري انت عارفة كويس اني مستحيل أمد ايدي عليكي بس انت كل يوم جايبة سيرة اني اتجوز عليكي و اخلف عيل من غيرك، ) وضع يده على خدها و جعلها تنظر اليه وهو يبتسم إبتسامة صغيرة قائلا بنبرة دافئة (انا بحبك يانور و مش عايز ولاد انا كدا مرتاح انت مراتي و بنتي و اختي و امي وكل حاجة مش عايز غيرك فحياتي ف لازم سيرة الجواز دي تشيليها من دماغك و خلاص).
نظرت نور لعينيه وهي تبكي قائلة بنبرة حزينة (بس. اي حد يتمنى انه يكون عنده عيل يربيه و يشوفه بيكبر قدام عينيه وانت اكيد عايز انو، ) اسكتها تامر بقبلة سريعة يلتهم شفتيها بنهم وحب و ابتعد بنبرة هامسة محببه (ما خلاص بقا قولنا مش عايز، صدقيني مش عايز. و ياريت الموضوع دا يتقفل خالص. ويلا عشان تاكلي وتشربي الدوا ياقلبي) ثم أعاد الطعام لامامها و قام باطعامها محاولةً منه مرضاتها بعدما فعله بالأمس بها. يريد ان يعيد شغف حبهم كما كان وان تكون تلك الطفلة المدلله التي يعشقها وتلك الزوجة المخلصة التي يهواها وتلك الصديقة الوفية التي يحترمها وتلك الأخت الحنونة والمجنونة في ذات الوقت التي يحبها...
- تيم وطيف -.
كان يجلس جوارها ملتصق بها. فطقس اليوم غير جيد فلم تسمح له بالذهاب لعمله وجعلته يجلس بالمنزل، ولكن جلوسه لم يكن بالهداوة وانما يعبث معها مرة ويخجلها مرة وها هو يمد يديه على طول ذراعها وهي خدودها تشتعل حمرة من الخجل قائلة (يابني بقا يابني. بنتك قاعدة) غمز لها بعينيه قائلا (طب اي رأيك ننيمها ونشوف شغلنا صح! ) وقفت من جواره قائلة (خلي بالك من بنتك. انا داخلة اعمل الغدا. ) اشار له بيديها ان تذهب وهو يقلب عينيه ف كتمت ضحكتها سريعاً ولكن سرعان ما اخذت تتنحنح بجدية ودلفت للمطبخ. ماهي الا دقائق حتى شعرت به يحتويها من الخلف داخل احضانه. ويلف يديه حولها واضعا رأسه في عنقها. فهمست بخفوت (تييم) همهم بنبرة خافتة هامسة (هممم) فأبتسمت بحب وبدأت تلين بين يديه وهو يحاصرها على رخام المطبخ، قطع لحظتهم السعيدة وانفاسهم اللاهثة شهقة ابنتهم صبا التي دلفت عليهم بترقب وامسكتهم متلبسين. اقتربت منهم الصغيرة وهي تقول (بتعملو اي يا بابي! ) ابتعد تيم عنها وعينيه مفتوحتين على وسعهما وهي تنظر له وتتنفس سريعاً. نظر تيم ل صبا قائلا بتلعثم (نعم ياروح بابي، ) وضع يديه على رأسه بتذكر قائلا (ياااه نسيت كان عندي شغل فالمكتب فوق، اسألي مامي) ثم ابتسم لطيف باستفزاز وصعد لغرفة مكتبه هارباً بعد ان مسكته ابنته بوضع لا يصح مع زوجته. نظرت صبا لطيف فأمسكت لها طيف الملعقة الكبيرة قائلة بتهديد (بقولك اي اخفي عن وشي السعادي. ) ضحكت صبا بصراخ وخرجت تركض لمقر العابها مرة أخرى.
- سليم وفرح -
- ورد و على -.
كانوا جالسين حول مائدة الطعام. فلقد عزمهم سليم اليوم لاحتفاله بيوم عيد زواجهم. يقهقهون بسعادة ويتحدثون كثيراً حول مواضيع متعددة. ابتسمت فرح قائلة من بين قهقهتها (اومال انتي هتنفجري امتى؟ ) هزت ورد رأسها بضحكة خافته (انا عارفة تحسيه لابد ومش عايز ينزل كدا) ابتسم سليم بخفوت قائلا (ربنا يقومك بالسلامة ويتربى في عزكم) اجابه على بنفس تلك الإبتسامة الخافتة (تسلم ياكبير. ) انتهوا من تناول الاكل وجلس كل من على وسليم يتحدثون بأمور الشغل وحول قضية والده. ابشره على بأنهم في طريقهم لإيجاد الدلائل جميعها. سُر سليم داخلياً لذلك الخبر واعتلت شفتيه ابتسامة منتصرة. اكمل على كلامه قائلا (الرسالة اللي وصلتك امبارح انا بعتها لواحد يشوف قرارها واتبعتت من فين. ) اومأ سليم راسه بإيجاب قائلا (ماشي. ربنا يسهل ونشوف. ) بعد قليل من الحديث والضحك ذهب ورد وعلى لبيتهم...
في صباح يوم جديد. يوم ملئ بالاقدار والاسباب التي وضعها الله. ف هناك من ستذهب روحه لله اليوم وهناك من ستأتي روحه للدنيا اليوم. اخذت فرح وعد وذهبت بها لمنزل والدتها. وتركتها معها حتى تذهب للسوق لتشتري بعض الاغراض اللازمة. بينما هي تسير في اتجاه الطريق وتتحدث مع سليم على الهاتف قائلة (اه انا لسه خارجة من عند ماما ورايحة اهو للسوق. و) لم تنهي كلامها بسبب صدمتها بتلك السيارة التي كادت ان تنهي حياتها فشهقت ثم صرخت بأعلى صوتها فصرخ سليم قائلا (فرح. فرح في اي! ) جلست فرح اعلى الرصيف بعدما فرت السيارة هاربة دون ان تفعل شئ سوى انها كادت تصدمها وهربت. ظلت جالسة بلا حول او قوة خائفة مرعوبة. جسدها بأكمله يرتجف لم تشعر بمناداة سليم لها ولم تشعر بالوقت الذي مر فرأت سليم امامها يهرول تجاهه قائلا بأنفاس لاهثة (فرح انتي كويسة؟ ) رفعت بصرها ببطء تنظر له ووجهها تحول للون الاصفر قائلة بتعلثم خائف (انا خوفت اوي، كان هيخبطني وبعدين جري) اقترب منها يساندها برفق قائلا (خلاص اهدي حصل خير. انت كويسة اهو. تعالي نطلع شقة ماما ترتاحي شوية وبعدين هبقى اوصلك للسوق لو لسه عايزة. ) هزت رأسها بإيجاب ثم ذهبت معه للسيارة وغادر بها لمنزل والدتها. ساندها مرة اخرى وصعدوا للمنزل فرأوا باب المنزل مفتوح فقوص سليم حاجبيه قائلا (مش اخواتك فالمدرسة. الباب دا مفتوح ليه! ) هزت كتفيها دون معرفة ودلفا سويا للشقة...
منظر يُصعق البدن. وكأن البرق يهبط من السماء على الجسد فيحرقها، حدقتي عينيهم توسعت اعلى ما بوسعهم. وفرح تنظر بما لا يقل عن الصعقة بشئ. بدأت تخرج همهماتها ثم صراخاتها شيئا فشيئا وهي ترى والدتها مرمية أرضا بلا حول لها او قوة. في قلبها رصاصة وقدميها تنزف الدماء اثر سكين. بينما صغيرتهم وحورية حياتهم. جوارها وعنقها ينزف الدماء، كان ينظر لطفلته بصدمة كبيرة لا يعلم ماذا يفعل. رأى الكثير من قبل ولم يرى هكذا يوماً، انها صغيرته هذه المرة. انها ابنة قلبه ومن لحمه ودمه. ها هي منتهية امامه وهو لا يستطيع فعل شئ فروحها بين يدي الله. بدأ يفيق على صوت صراخ فرح المؤلم. وهي تقول بصراخ كبير (وعدد، ماما. وعد ياسليم وعد) ضمها لصدره اكثر وهو يغمض عينيه بقوة متألما وعينيه لم تذرف اي دمعة حتى الآن...
مرت بضع ايام والجميع حالهم لا يُوصف. إن كان في تهدئه فرح التي تستيقظ وتصرخ بإسم والدتها وابنتها وتعود للنوم ثانية بالمخدر. او ان كان على حاله. حالة من البرود والتجمد يتمسكه. يتذكر عندما عانق صغيرته بين احضانه يتشبع منها لاخر مرة. وهو يهمس لها بأنه سيأخذ حقها عاجلاً ام آجلا ولو كان سيكلفه حياته. تذكر عندما وضعها في مقبرتها جوار جدتها. تلك الأم التي كانت اكثر حنانا عليه من امه. ها هي تُدفن ايضا. وضع عليهم التراب وقلبه مُعلق معهم بالاسفل، عاد من عندهم لزوجته المسكينة التي لم تتحمل تلك الصدمة ف اُصيبت بانهيار عصبي. وها هي تقبع بالمستشفى بلا هوادة. يجلس حولها الجميع بما فيهم اخاها الهادئ المتألم. المصدوم. واختها التي لم تكف عن البكاء عن والدتها وابنة اختها. وحال الجميع ألماً على تلك الأسرة التي تملكها الحزن سريعاً.
كان يجلس جوارها ممسك بيديها. لونها شاحب ولونه شاحب يبدوان كالاموات على قيد الحياة. ينظر إليها بحزن بالغ فما رأته الايام السابقة لم يكن هيناً. كان يتمنى الا ترى كيف ماتوا وان تعلم فقط. ولكن ما رأته يزيد حالتها سوءاً. كانوا يجلسون بمفردهم بغرفو المستشفى والجميع بالخارج. لا يود ان يرى احد. مال برأسه على عنقها وبدأ يشهج بالبكاء كالطفل الصغير. يشد على اعصابه والدموع تُذرف دماً. والقلب غير موجود. القلب تركه عالقا في المقابر. لن يعود إلا بعودة حقهم جميعهم. لن يُرمش له جفن إلا بعودة الحق. رفعت يديها بضعف ووضعتها في شعره وهي تهمس (ماتوا ياسليم. وعد بنتي ماتت. وماما ياسليم) اجهشت في البكاء هي الاخرى فذلك ما كانت تفعله عندما تستيقظ ولكنه هذه المرة الاولى التي يبكي بها عليهم. فقط فاض به الامر. وهوى كما تشتهي الرياح وليس السُفن. فقد غرقت السفن في المحيط بفعل عاصفة. اكلتها المياة كما اكل القهر على ابنته قلبه. ابتعد قليلاً عن عنقها وهو ينظر داخل عينيها بعينيه الحمراوتين كالدم. ودماء جسده تفور فصعدت لوجهه فأصبح بلون احمر غاضب. بل حزين. وأيضاً مقهور. بل يجمع كل تلك الصفات الآن داخله ب رمية واحدة. كانت تنظر إليه للحظات لحاله فأغمضت عينيه وبدأت تصرخ مرة اخرى دون وعي (انا عايزة بنتي ياسليم. انت السبب. انت السبب في موت بنتي ياسليم. بنتي فين. رجعووولي بنتي. بنتي ياسليم بنتي. ياوعد، ) كان ينظر إليها بصدمة لحالها الذي اصبح غير موزون. حاول السيطرة عليها ولكن لم ينجح. لم يشعر سوى بالطبيب والممرضات يدلفون لها واضعين لها إبرة مهدأ لتنام. بينما هو يخفض بصره ناظرا إليها. انها تتهمه في موت ابنته. يعلم جيداً انها ليست بوعييها ولكن الوسواس يسيطر عليه بأنه هو السبب بالفعل. فبعمله كان السبب في موتها وخسارتها. يجلد بذاته ويتهم نفسه. لم يشعر بنفسه إلا وبالطبيب يسانده فأغمض عينيه بارهاق مستسلماً لذلك السواد الذي احتله!
- عودة للحاضر -.
استيقظت من نومها بصراخ بأسم ابنتها وعد استيقظ جوارها سليم بفزع قائلا (اي يافرح. انتي كويسة ياحبيبتي! ) هزت رأسها بنفي وهي تحتضنه باكية (كنت بحلم باليوم اللي حصل من سنتين يا سليم. اليوم اللي خسرت فيه بنتي وامي. ) ظل يمسد على شعرها برفق وهو يتلو عليها بعض الآيات القرآنية لعلها تهدأ ويهدأ قلبها. وبالفعل بدأت فالهدوء وعادت للنوم ثانية ك طفلة صغيرة تنتظر مواساة ابيها لها لتنام بأحضانه بلا هوادة. ابتعد قليلاً من جوارها وذهب للمطبخ ليرتوي ببعض الماء. شاردا بذلك الماضي الذي لم يفارقهم لثانية رغم مرور عليه سنتين إلى الآن. تُيقظهم الكوابيس بلا انتهاء. وتؤلمهم نفسهم بلا توقف. وضع الماء مكانه بعدما شرب وخرج للشرفة ينظر للخارج بشرود. ك كل ليلة تمر عليه لا يستطيع النوم خوفاً من مواجهة تلك الكوابيس. استقل من عمله ك شرطي بعدما اخذ ما يريد، اخذ حق ابنته ووالدته ووالدة زوجته. وبعدها اخذ فرح وسافر خارج مصر. حتى يبعدوا عن كوابيسهم في مصر وما حدث بها. ولكن ها هم الآن عادوا مرة اخرى لمصر ليكملوا حياتهم. عائدين وهي في احشائها ينمو جنينهم الثاني. يدعو الله ان تظل الامور على خير دوماً...
- كريم -.
كان يجلس واضعاً امامه الاب توب الخاصة به. بعدما انتهى من دراسته من عليه اغلق موضوع الدراسة فخرجت امامه صورة لوالدته. صورة لمن لم ينسى كيف ماتت او بالأصح قُتلت. اغمض عينيه بقوة يحاول ان ينسى ذلك الماضي العالق في ذاكرته رغم مرور السنين عليه. ها هو ذو 22 عاماً ولم ينسى لما حدث. خرج صوته مرتفع قليلاً منادياً عليها (حوور) خرجت من غرفتها بعد قليل من منادته لها. تشبه اختها فرح في نضوجها. وتشبه والدتها بالاكثر. سألها كريم بخفوت (بتعملي اي؟ ) وضعت يديها في خصرها وهي تنفخ بضجر (بذاكر ياكريم في اي انجز؟ ) قوص حاجبيه ثم قال بتهكم (اعمليلي كوباية شاي ياختي هعوز منك اي يعني! ) زفرت ثم اتجهت للمطبخ لتعد له كوب الشاي. وبعد عدة دقائق انتهت من الشاي وذهبت ووضعته امامه قائلة (اتفضل يخويا) ثم اتجهت لغرفتها مرة اخرى لتدرس. فهي هذه السنة في ثانوية عامة. وتريد ان تلتحق ب كلية احلامها وان تحصد مجموع كبيراً يدل على ما زرعته طوال العالم. حالها لم يكن اقل حزنا عن كريم وفرح. ولكنها تحاول باقصى جهدها ان لا تدع الماضي يؤثر عليها هذه الفترة. لان في المرة الاخيرة وصل بها الحال بالاغماء ومكوثها في المستشفى...
- قمر وفارس -.
في منتصف الليل هذا يجلسون سوياً ويودن البكاء قهرا على حالهم فهم لا ينعمون بقسط من الراحة بسبب ذلك الكائن الصغير الذي يجلس بينهم ويخرج اصواتاً طفولية تدل على لعبه ومرحه وسعادته بجلوس ابويه هكذا جواره. ها هو يتثاوب للمرة الالف ولكن هذه المرة وقف مكانه ليدلف للغرفة لينام ولكن لا. فالصغير لن يسمح له ليصرخ قائلا (ب. ببباب. ا) اغمض فارس عينيه بتعب فنظرت له قمر ب قرف وكأنها تخبره أن يجلس والا يحاول. جلس مجددا قائلا (ماتنام بقا ياض يابن الكلب انت انا عايز انام! ) ظل الصغير يخرج كلمات غير مفهومة حتى بدأت رأسه تثقل وتتساقط قليلاً ف قليلاً بينما همست قمر قائلة (صلاة النبي اياد بينام يا فارس) فأبتسم فارس بأمل لعل الصغير ينام ولكنه حطم توقعاتهم فقد فتح عينيه مرة اخرى بعدما سمع همسات قمر وبدأ يلهو مرة اخرى وهما ينظران اليه بصدمة وعين ترمش من شدة التعب.
- على و ورد -.
يجلسان سويا امام التلفاز وينام ابنهم في احضان ورد. بعد تعب يوم كامل وروتين مُعتاد من حيث الاستيقاظ باكراً وإعداد وجبة الإفطار ثم الجلوس مع الصغير يزيد بعد ذهاب على لعمله. فهو أيضاً استقل من عمله مع سليم وبدأ يعمل في مكان آخر براتب جيد. وعند اقتراب على من العودة تُعد وجبة الغداء ليجلسوا سويا لتناولها في مشجنات عائلية مرات سعيدة ومرات حزينة ومرات اخرى ب مشاكل لا لزوم لها. ولكن ليست الحياة دون مشاكل. مال على برأسه يستند على كتفها وهو ينظر لابنه الذي يشبهه كثيراً حتى في نومه. يتذكر يوم قدومه وماذا فعلت به ورد.
- فلاش باك -.
كانوا في وقت متأخر عندما استيقظ على همهمات ل ورد المتعرقة جواره. اعتدل قليلاً في نومته وهو يستند على ذراعيه قائلا (مالك ياختي؟ ) عاد للخلف بفزع اثر صرختها العالية المتألمة قائلة (انا بولددد) تحدث بتلعثم وخوف لما هو به الآن (بتولدي ازاي. طب اعمل اي. قوليلي اعمل اي. اشقط الواد) صرخت بصوت مرتفع اكثر بوجهه ثم قالت بصراخ (وديني المستشفى ياااا عليي. ) وقف سريعاً مكانه واخذ يجول الغرفة ذهابا وايابا وهو يقول (اوديها المستشفى صح. طب انا ملبستش. طب اعمل اي. طب بصي قومي نروح) صرخت مرة اخرى ببكاء وهي تقول (شيلني ياعلييي. شيلني للمستشفى هتشلني وانا بولد) ظلت تضغط على اسنانها بتعب شديد بينما هو اقترب يحملها وهو يهمس (يلهوي تقيلة جدا) صرخت بوجهه ف فُزع وتحرك سريعاً بأتجاه السيارة واضعاً اياها بها ثم عاد للمنزل يأخذ كل مستلزماته وعاد مرة اخرى للسيارة ليذهب للمستشفى بها...
وصلوا المستشفى وهو يستمع لصراخاتها ثم قال بتهكم (يخربيتك افصلي دماغي صدعت) صرخت به بقوة قائلة (تعالى اولد مكانيي يخوياا) كانت تكز على اسنانه في حديثها له فجعلت الممرضات يقهقهون بخفوت عليهم. بينما اخذوها من امامه لغرفة الولادة. وهو يقف خارجاً يدعو الله ان تكون بخير وصغيره بخير. ظل على حالة التوتر حتى خرجت الممرضه تبشره بقدوم صبي له. وان حالة زوجته جيداً همس بخفوت (عال العال. ).