رواية فتاة ذوبتني عشقا للكاتبة أمنية محمد الفصل الخامس والعشرون
Ù
استيقظ سليم من شروده على ذلك اليوم منذ سنتين. استيقظ على شعوره بيديها على كتفه وهي تبتسم بهدوء. تلك الإبتسامة الصفراء التي تشق طريق خديها منذ وفاة ابنتها. على حالها للان. تنهد بعمق قائلا (اخبار البيبي اي؟ ) ثم وضع يديه على بطنها فهزت رأسها بخفوت (كويس، كل حاجة كويسة ياحبيبي. ) اقترب منها معانقاً إياها بحنان واضعاً رأسه في ثنايا عنقها. مغمضاً عينيه تعود به الذكري ليوم جلوسه امام مقبرة ابنته.
يجلس امام المقبرة يرتدي سروال وقميص اسود وشعره مبعثر. عينيه دامعتين حزينتين. قال بنبرة مقهورة (انا اسف ياروح قلبي. اسف اني مقدرتش احميكي. كل إلى حصلك كان بسببي فعلا. انتي سبتينا ومشيتي بسببي. كان نفسي اخدك للبحر زي ما كنتي عايزة. وكان نفسي اجبلك العابك المفضلة إلى طلبتيها مني ياوعد. فراقك صعب عليا يابنتي. متعزيش على إلى خلقك ياحبيبتي يارب. ) رفع رأسه للسماء يناجي ربه بأن يلهمه الصبر في فراق ابنته. ظل يردد (يارب. يارب الصبر يارب. ) ثم اخفض بصره ينظر للقبر مرة اخرى وهو يمسح دموعه قائلا (حقك رجع ياوعد. حقك وحق تيته سارة وتيته نورهان. حقكم كلكو رجع. هو هيتعاقب عند ربه دلوقتي اشد عقاب. اشوفك في الجنه ياحبيبتي يارب. ) ظل جالسا يقرأ بعض آيات القرآن ويدعو الله ويدعو لهم. ثم قام من مكانه عندما بدأ الظلام يحل وغادر لقلب زوجته المكسور. غادر بقلبه المكسور ليضعه جوار قلبها فيكملا تلك الحياة المؤلمة.
- نور وتامر -.
كانوا يجلسون حول مائدة واحدة يتناولون وجبة الغداء. هو. وهي. ووالدته. وإخوته. بينهم هدوء تام بينما الجميع يتحدث ويقهقه، بينما هما ينظران لبعضهم بين الحين والآخر بصمت. انتبه لصوت زوج اخته قائلا (عقبالك يامعلم. مش ناوي تفرحنا ياعم وتجيب حتة عيل. ) تحدثت والدته بسخرية (مراته مبتخلفش يابني. ) كز تامر على اسنانه ناظراً لوالدته بينما نور تحول وجهها لألوان متعددة. ابتلعت غصتها وتلك الإهانة داخل جوفها. فقال زوج اخته بخفوت (طب مبتخدهاش تتعالج ليه و، ) رد عليه تامر بنبرة عنيفة (وانت مالك. انا حر في مراتي، واحنا مرتاحين كدا. ابقوا والنبي ربو عيالكو وبعدين تعالو اتكلمو على الخلفة. ولا معندوش تجيبو إلا لما تربوا الاول. ) نظرت لهم نور من طرف عينيها ثم اخفضت بصرها بهدوء، بينما الجميع ينظر بأحتقار لها. وينظرون لتامر بغضب لحديثه. ردت اخته قائلة (مالك ياخويا محموق كدا ليه وبعدين، ) قاطعها بعنف مرة اخرى (محدش قالك تتكلمي. هو جوزك مبيعرفش يرد، انا غلطت اني قبلت عزيمة زي دي اصلا. ) ثم قام مكانه قائلا بحدة (قومي يانور. ) وقفت معه وهي تأخذ اغراضها ثم نظرت لوالدته نظرة اخيرة خافتة حزينة. بينما هو نظر لوالدته أيضاً نظرة حادة. ثم امسك يد نور وغادرا المكان. كان الجو هادئ بينهم في السيارة حتى وصلا للمنزل. دلفت لتصعد من امامه ولكنه امسك يديها وجذبها تجاهه. نظرت داخل عينيه بعينيها المتلألأتين. فنظر لعينيها بدفئ واقترب يعانقها بحب بالغ هامساً (انا اسف. اسف على كل إلى قالوه دا. احنا معدناش هنشوفهم تاني. ) عانقته وهي تخبئ رأسها داخل صدره تبكي بصمت ودموعها تتساقط على ملابسه فتحمل آثار ذلك الحزن المغطي على قلبها. صامتة لا تتحدث. فقط تستمع إليه دون إجابة. تنهد بعمق وشدد على عناقه لها. ثم اغمض عينيه وهو يدعو الله ان يوفق حالهم وان يلهمهم الصبر على ما بهم...
- ليث وحنين -
- فارس وقمر -.
كانت تجلس وجوارها ابنها الصغير الشقي. يضع كل ما حوله في فمه فزفرت بضيق قائلة (يا اياد بقا ارحمني ياخي. ) قهقه ليث بخفة قائلا (الواد دا شقي زي ابوه. ورخم) لوح له فارس بيديه بمعنى ياعم روح ثم نظر لاياد بيأس قائلا بتثاوب (دا جاي يربينا والمصحف. احنا متربناش اصلا. ) اتى مازن الصغير ووقف امامهم ينظر لاياد الصغير ثم نظر لفارس ومن ثم ل قمر. ثم مرة اخرى ل إياد ومد يديه ويحب لعبته وجرى لأحضان ليث سريعاً يختبئ فشهق فارس قائلا (اللئيم وانا إلى بقول جاي يلعب مع الواد) قهقهت حنين قائلة (لعبته يخويا. ) عبس إياد مادداً شفتيه بحزن ثم بدأ في بكاء لا ينتهي. حملته قمر قائلة (يلهوي مش هنفصل بقا اهو. ) نظر ليث ل مازن قائلا (مازن. مينفعش كدا روح اديله اللعبة دا لسه نونه) هز مازن رأسه برفض وإصرار فقال ليث بخفوت (خلاص بابي هيزعل منك عشان انت خليت النونه تعيط) رفع مازن عينيه ينظر ل ليث ثم التفت مرة اخرى لاياد ووضع له اللعبة وذهب لأحضان ماريا. همست حنين بنبرة ساخرة (زعل منك. ) حملته ماريا لاحضانها قائلة (تعالى نروح نلعب بالعابنا التانية متزعلش) هز رأسه بإيجاب متحمس قائلا (يلا) ثم امسك يديها فأبتسمت ووقفت معه وغادرا لغرفة الألعاب. نظر ليث ل قمر متسائلاً بهدوء (سليم ومراته عاملين اي دلوقتي. ) تنهدت بخفوت قائلة (كويسين. لسه راجعين مصر من اسبوعين كدا، ) اضاف فارس خافتاً (كنا بنزورهم اول امبارح. بس شكلهم ناويين يسافروا تاني) هزت قمر رأسها بنفي قائلة (لا فرح رافضة وعايزة تفضل في مصر! ) تنهدت حنين قائلة (ربنا يهدي بالهم يارب ويريحهم. فرح من يوم ما حصل إلى حصل وهي بقت واحدة تانية خالص وتعبانة فعلا. ) ردت قمر بخفوت قائلة (ربنا يريحهم يارب، ).
تيم وطيف -.
(اهدا يا تيم بالله عليك متتعصبش كدا) ها هي من جديد تعاني معه في عصبيته المفرطة، كانت قد صدقت أنها لن تعاني معه من جديد في هذه المشكلة ولكنه خيب آمالها فهو مُنذ فترة لديه ضغط في العمل هز رأسه بنفي وهو يقول بصراخ (اهدا اي يا طيف. انا شغلي بيقع يا طيف، بس مش انا إلى يتعمل معايا كدا والله لوريهم ولاد الكلب دول. ) اقتربت منه تحتوي كفه بين كفيها. (كفاية بقا تحرق في أعصابك عشان خاطري. صدقني كل حاجة هتتحل بس بالهدوء. مافيش حاجة هتتحل بالعصبية دي) ثم اقتربت منه وعانقته وهي تربت على ظهره وتمتم ببعض الكلمات المهدئة. حاوط خصرها بيديه هامساً (متخافيش. انا هكون كويس ومش هرجع زي الأول أبداً. ) تنهدت بعمق وراحة ثم ابتعدت عنه قليلا قائلة (انا عايزاك تكون زي الفل دايماً ياحبيبي. متخليش مشكلة شغل تأثر فيك كدا. انت عارف ان مافيش حد قدك اصلا) ابتسم بدفئ ثم مال بوجهه عليها يقبل مقدمة رأسها قائلا (هو حد يبقى معاه طيف وصبا ويبقى قد حد) استندت بكفيها على صدره ثم قالت بغنج (طبعا ياحبيبي هو احنا اي حد ولا اي دانا مرات تيم وصبا بنت تيم) اقترب منها وطبع قبلة حانية على شفتيها قائلا (انتو روح قلب تيم والله. )...
اتى صوت غجري من الخارج صارخا (يا باباااااا) هزت طيف رأسها بقلة حيلة قائلة (استلم بقا. ) نظر للباب فوجد ابنته الحيلة تقف واضعة يديها في خصرها قائلة بغجرية (انتو مبتنزلوش عشان ناكل ليه. انا جعت اوي. ) عبست واقتربت منهم وهي تدب قدميها بالأرض قائلة (لو منزلتوش انا هاكل من غيركم) شهق تيم بتمثيل قائلا (تاكلي من غيرنا دا ازاي دي انتي اللي بتفتحي نفسنا عشان ناكل! ) بدى على ملامحها علامات الغرور قائلة (طب اتفضلو احنا مش هنفضل مستنين) ثم التفتت وغادرت فقالت طيف (مغرورة اوي مش عارفة طالعه مين) قهقه وحاوط كتفها بذراعيه وهما يسيران نحو الاسفل ليقول (ولا انا عارف بصراحة. ممكن ليا. ) نظرت له قائلة بتأكيد (دا اكيد ياروحي)...
- سليم وفرح -.
كانا يقفان سويا امام مقبرة ابنتهم المرحومة. ينظر هو بعين شاردة لذلك القبر الذي يحتوي عظام ابنته. تلك العظام التي كان يكسيها اللحم وفيها الروح وهو يداعبها ويلاعبها. تلك الروح التي ذهبت الى الله دون ان تودع امها وابيها. لن يعترض فتلك حكمة الله ولكن البلاء طال على قلبه وقلب زوجته. ادمى القلب بجروح كبيرة لم يجدوا لها علاج. اغمض عينيه فسقطت دمعه على خده فهمس (لا إله إلا الله. ) نظرت له فرح ثم عاودت النظر للقبر وهي تحاوط بطنها بيديها وكأنها تحتوي الروح التي بأحشائها ثم اخذت نفساً عميقاً وهي تدعو لابنتها وامها بالرحمة. ثم قالت بصوت مختنق (يلا عشان نمشي. انا تعبت! ) هز رأسه بإيجاب ثم أمسك يديها بين كفيه لينعم بحنانهم. ثم التفتا عن المقبرة وغادرا المكان بينما هي صامتة صامدة جامدة. بينما هو شارد وهادئ. نظر إليها ثم عاود النظر امامه وهو يقود قائلا (نروح نقعد مع قمر وفارس شوية؟ ) هزت رأسها بنفي ثم قالت (بلاش النهاردة انا تعبانة. ) هز رأسه لها ثم قال بدفئ (ماشي ياحبيبتي. ) وصل للمنزل وهو يسندها ليدلفا للمنزل فما كانت الا وقيعة بين يديه مغمى عليها. امسكها بين احضانه صارخاً بفزغ (فرررح)...