قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية عروس رغما عنها الجزء الأول للكاتبة سولييه نصار الفصل السادس

رواية عروس رغما عنها الجزء الأول للكاتبة سولييه نصار الفصل السادس

رواية عروس رغما عنها الجزء الأول للكاتبة سولييه نصار الفصل السادس

للحظات لم يستوعب جابر ما قاله آدم، لم يدخل عقله من الأساس وقال ذاهلا: - معلش ممكن تعيد كلامك، انت بتقول ايه؟!
اقترب ادم وعينيه الزرقاء تبرق بشدة وقال: - هكرر عرضي تاني تعتذر لأمي قدام الكل هتجوز حفيدتك ومش عايز منك مليم غير كده شوف حد غيري، دي كلمتي يا جابر عزام وده طلبي اللي مش هتنازل عنه حتى لو حصل ايه، القرار بإيديك...
لم يسيطر جابر على نفسه وقال: - من بنت الخدامة؟! اعتذر من بنت الخدامة...

اشتعلت عيني ادم وقال: - اقسم بالله لو غلطت في امي تاني يا جابر عزام لانسي فرق السن الكبير اللي بيننا واعاملك بالطريقة اللي تستحقها مفهوم!

رفع جابر رأسه وعينيه تبرق بعناد، كانا الاثنين متشابهين لدرجة كبيرة، نفس العناد، نفس العصبية والغضب، عرف جابر أن حفيده عنيد مثله ولن يتنازل، آدم لن يتنازل عما يدعوه حق والدته؟! ولكن هل سيقلل من نفسه ويعتذر من تلك المرأة اللي حرمته من ابنه وفرقت شمل عائلتهم، الشئ الوحيد الذي يريد فعله بها هو أن يطعنها بسكين ساخن في قلبها ويراها تنزف حتى الموت، لا احد يتخيل كم الكراهية التي يحملها جابر في قلبه لحسناء، تلك المرأة التي استغلت ابنه علي، استغلت سذاجته وجمالها وأخذته منه، هو لن يسامح تلك المرأة وما يطلبه آدم هو المستحيل بعينيه، فهو مستعد أن يركع لوائل السويسي ولا يعتذر منها هي...

- انت بتطلب مني اتذل لوالدتك يا آدم، بتطلب مني انا جابر عزام اني أخضع لمرا...
رفع ادم رأسه وقال: - ده شرطي يا جابر لو مش حابب خلاص...
- ادم انت هتتخلي عن بنت عمك؟!

قالها جابر بغضب ليرد آدم ببساطة: - هي عمرها ما كانت بنت عمي ولا اعرفها حتي، أنا عمري ما شوفتها ومش معترف بأي صلة قرابة بيننا يا جابر عزام، انت مجرد راجل جاي تعمل معايا صفقة مش جدي، فأنسي حوار أننا عيلة واحدة بس، لأننا مش عيلة ولا عمرنا هنكون، حتى جوازي من حفيدتك هيكون مؤقت أنا مش هفضل متجوزها طول عمري اكيد، وانا قولت اللي عندي...
- اطلب اي حاجة غير دي لو عايز فلوس أنا...

ضحك ادم ساخرا وقال: - لا لا يا جابر بيه فلوسك خليها معاك، أنا حالف اني عمري ما هلمس الفلوس دي ولا هدخل بيتك حتى حفيدتك هتعيش عندي معززة مكرمة لحد ما تستلم ورقة طلاقها مني، لكن لو هموت أنا وعيلتي عمري ما اخد منك مليم.

بلع جابر ريقه وهو يري كمية الكره بعيني حفيده، الحقد والكره بعينيه يكاد يحرقه بقوة، هز جابر رأسه وقال: - انا مش مصدق أن حسناء قدرت تكرهك فيا بالشكل ده يا آدم، خليتك انسان حاقد على عيلتك...

ضحك ادم وقال: - امي عمرها ما جابت سيرتك بوحش بس انا شوفت، شوفت ازاي وقفت لأمي في كل مشوار في حياتها كأنك بتعاقبها عشان اتجوزت ابنك، امي بسببك وبسبب نفوذك اطردت من كلية الطب، اي شغل كانت تروحه كانوا يمشوها، كانت عايزة تجمع مصاريف علاج ابويا وابنك بأي طريقة بس انت سديت كل الطرق في وشها لحد ما جات واتذلت ليك، انت فاكر اني هنسي لا يا جابر المواقف دي هتفضل محفورة في عقلي لحد ما اموت، أنا مستحيل انسي دموع امي اللي انت كنت السبب فيها، مستحيل اغفر، مستحيل انسي ومستحيل اعتبرك من عيلتي أنا عيلتي تلاتة وبس امي وليلي ومرام...

ابتعد ادم وهو منهيا الحوار وقال: - انا قولت كلمتي وانت فكر ورد عليا.

في قاعة المحاضرات...

كانت ليلي تجلس وهي شاردة للمرة الأولي عينيها السوداء لامعة بفعل الدموع، تعض شفتيها بعنف كي لا تشهق بقوة، كانت تشعر بالإنهيار، لم تصدق أن يخذلها ادم بتلك الطريقة، لقد اعتبرته قدوتها، كان ادم دوما هي الفرد الأقرب لقلبها، ادم ليس شقيقها الأكبر فحسب بل هو بمثابة والدها، لقد نشأت وهي تراه يتعب لأجلها. لأجل عائلته بأكملها، كانت دوما مدللته، كان حاميها. بوجود ادم ليلي لم تكن تخاف شيئا، لقد ساهم ادم في تشكيل شخصيتها القوية تلك، زرع فيها الحب والايمان والثقة بالذات، كان صديقها ومرشدها ووالدها واخاها، كان كل شىء، كان الصورة المثالية في مخيلتها ولكن صورته الان تزلزلت في عينيها، وقلبها يؤلمها بسبب هذا، صحيح هي لم تعش ما عاشوه ولكن ادم دوما كان يقص عليها ما عاشوه من معاناه على يد تلك العائلة وهو من اقسم الا يرتبط اسمه بإسمهم فكيف سيتزوج منهم، هي لا تفهم ادم، لا تفهم كيف يفكر، انسابت دموعها دون دراية منها ومسحتها بسرعة كان تريد ان تسيطر على نفسها ولا تحدث دراما أمام الجميع نظرت إلى الدكتور وهو يشرح وللمرة الاولي الكلمات كانت لا تدخل عقلها...

انتهت المحاضرة اخيرا وكانت آخر محاضرة لها واخيرا ستذهب للمنزل كي تندس تحت غطائها وتبكي. اتت خلفها صديقتها ميار وهي تلمسها وتقول: - لولا بنادي عليا بقالي ساعة، ايه يا حاجة مركبة عجلات في رجلك...
نظرت إليها ليلي ووجهها شاحب كان التعب يرسم اثاره البشعة على وجهها، اصطنعت ليلي ابتسامة وقالت: - معلش يا ميار أنا بس تعبانة وعايزة اروح البيت...

وكادت أن تذهب من أمامها إلا أن ميار امسكتها من يدها وقالت: - لا لا انت مش مضبوطة النهاردة، تعالي معايا واحكيلي مالك، ده مش تعب عادي، أنت يا بنتي زي ما يكون حد ماتلك، تعالي نروح لمحل الكشري اللي قريب من هنا ونأكل طبقين كده وتحكيلي...
تنهدت ليلي وهي تترك ميار تجرها خلفها بينما تشعر قلبها ينعصر من الالم، ربما الحديث سوف يساعدها قليلا. فلتحكي لميار ربما ترتاح...

في محل الكشري...
كانت تضيف ميار الشطة على طبقها وهي تبتسم واغمض عينيها وهي تقول: - ريحة الدقة مجننة امي يا ليلي، اهي هي دي الأكلة اللي الواحد ينسي أحزانه بيها، كلي كلي يا شيخة وارمي أحزانك وراكي محدش واخد منها حاجة، اعرفي أن الحل الوحيد لتجاوز الاحزان هو الاكل...

لم تتحمل ليلي أكثر وضحكت قائلة: - تعرفوا في البيت بيقولوا علينا ايه، حلة ولقت غطاها، احنا الاتنين مجانين، امي بتقول أن المجانين بينجذبوا لبعض عشان كده احنا اصحاب اووي، وانا فعلا مهما لفيت مش هلاقي اجمل ولا اجن منك تكون صاحبتي، أنت صاحبتي واختي وربنا يديمك في حياتي يارب، أنا بحبك اووي...
ابتسمت ميار وقالت: - وعقبال ما ابقي مرات اخوكي يارب صدقيني هنبقي احلي دويتو في البيت هحبك اكتر من اخوكي...

نظرت ليلي إلى ميار بتوجس وهي تأكل من طبقها وتبدو مسرورة فقالت فجأة: - ميار، أنت عارفة أنا زعلانة ليه؟!
- ليه يا قلبي.
قالتها ميار وهي تولي انتباهها لليلي فقالت ليلي: - اخويا ادم هيتجوز بنت عمي كريم...
- نعم يا اختي...
صرخت ميار وهي تنهض ثم أكملت: - يعني المز طار، اتشقط، وشقطته امتي دي، أنت يا بت مش قولتيلي مفيش حد في حياته...

ابتلعت ليلي ريقها وقالت: - حصل لكن ده صدمنا بالقرار امبارح فجأة، صدقيني أنا مصدومة زيك يا ميار...
جلست ميار على الطاولة وبدأت تأكل وتبكي قائلة: - فتي احلامي راح!

- لو مجبتش الايجار بعد يومين هطردك انت وامك من البيت، انت فاهم يا احمد...
صرخ بها سالم صاحب المنزل الذي يستأجره احمد، ليهز احمد رأسه بطاعة ويقول: - فاهم يا ابو عمر، حاضر هجيب الايجار...

ذهب الرجل ليجلس احمد على القهوة ويشرب سيجارته بإرهاق، لقد انهي معظم مدخراته من عمله السابق في الذهاب للنوادي لكي يكون قريبا من مهرا، حاول أن يبدو في مستواها كي تحبه، ولكن تصرفه غير المسؤول الان سوف يعرضه للطرد من منزله، يا الهي ماذا فعل بنفسه؟! وماذا سيفعل الان، هل ينتظر حتى يطرد من المنزل؟! مستحيل أن يدبر المبلغ بيومين! حتى أنه طرد من عمله في شركة الاتصالات بسبب عدم التزامه بالمواعيد، لقد فقد عقله وطارد مهرا حتى غرق ولم ينال قلبها حتي، كان يعرف انها تحتقره بسبب مستواه المادي ولم تحبه ولكنه حاول ابهارها وفشل رغم ذلك، اغمض عينيه وهو يحاول أن يفكر في اي حل ولكن عقله متوقف تماما، اين سيجد عمل، اين سيجد مال؟!

فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير، كثير وقليل عاشقين
فات من عمري سنين وسنين
شفت كثير وقليل عاشقين
اللي بيشكي حاله لحاله
واللي بيبكي على مواله
اللي بيشكي حاله لحاله
واللي بيبكي على مواله
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين
أهل الحب صحيح مساكين، صحيح مساكين.

كانت حياة تغمض عينيها وهي تستمع إلى صوت ام كلثوم الساحر وهو ينساب لروحها وليس أذنها، تشعر أن تلك الأغنية كتبت مخصوص من أجلها، تشعر أنها مجرد مسكينة تستجدي حبا ليس لها من الاساس، لقد حاولت كثيرا أن تجعل احمد. يراها، حاولت كثيرا أن تجعله يحبها ولكن جل ما كانت تراه في عينيه هو الكره والقرف، كان يقرف منها وهذا كان يؤلمها، كم أرادت أن يحبها، أن يعطيها أمل بإنه سوف يحبها، الحب فعلا ابتلاء، لقد حكم عليها أن تعشق رجلا لا يطيقها، رجل هائم بصديقتها ويرفضها رغم كل محاولاتها، دفنت حياة رأسها في وسادتها وبدأت تبكي، قلبها ينزف داخل صدرها، هي لم تحب بتلك الطريقة من قبل، لم تحب لدرجة أنها تشعر أن صدرها سيخرج من قلبها، لم تحب حد الشعور بالحريق، هي تحترق بسبب هذا الحب، تحترق ولا تعرف ما العمل، هي فقط تتمني أن تتخلص من حبه لعلها ترتاح، لعلها تعيش في سلام دون تلك الأحلام التي تنسجها حول احمد يوميا فتصاب بالاحباط وهي تراه يبتعد أكثر، اه كم تحبه وكم تتمني أن يحبها ولكن هذا يبدو مستحيل، الحل الوحيد لكي تتمكن من العيش أن تحاول أن تنساه، أن تمحيه من قلبها، أن...

قاطع أفكارها رنين هاتفها، التقطت الهاتف ولكن فجأة اتسعت عينيها البنية وهي تري اسمه يضئ على شاشتها، كان قلبها يضرب داخل صدرها بقوة، لا تصدق حقا لا تصدق، هل يتصل بها، يتصل بها هي! للحظات ظلت جامدة مكانها لا تعرف ماذا تفعل، فجأة فتحت الهاتف بسرعة ووضعته على أذنها وهي تتنفس بعنف بينما الدموع تنساب من عينيها: - حياة ممكن اشوفك ضروري؟!

قالها احمد بنبرة عادية لترد هي بصوت مخنوق: - اكيد يا احمد، تحب نتقابل فين...
أخبرها المكان لتودعه هي وتغلق الهاتف ثم أمسكت الهاتف وأخذت تقبله بعنف، ثم بدأت تقفز بسعادة وهي تضحك وقد استحالت دموع الحزن لدموع السعادة، كانت تدور حول نفسها وهي في مزاج وردي بينما صوت ام كلثوم الذهبي يصدح: - اهل الحب صحيح مساكين.

كان جابر يجلس في مكتبه وهو يغلي، يشعر بقهر كلما تذكر شرط ادم، ادم يريد أن يذله، هو جابر عزام يعتذر من تلك المرأة، ماذا يظنه، هل يعتقد أنه سوف يرضخ لابتزازه الغبي، إذن هو لا يعرف جابر بعد...
ضرب جابر على المكتب وقال بغضب: - مشكلته أنه عنيد، زينا بالضبط، وارث أسوأ صفة فينا وهي العناد، وعناد عيلة عزام مش سهل...

اغمض جابر عينيه وهو يشعر بالتعب ماذا يفعل الان، فعلي جثته أن يعتذر لتلك الشيطانة التي أبعدت ابنه عنه...

شعر بألم في قلبه وأخرج حبوب من جيبه وتناولها ثم شرب كأس ماء واغمض عينيه وجل ما في تفكيره مشكلة مهرا وماذا سيفعل، هل يخضع لادم معقول، هل يذل نفسه أمام تلك المرأة، تنهد جابر وهو يتذكر وعده لابنه وهو على فراش الموت، كيف اقسم أنه سوف يعتني بإبنته جيدا، على يتخلي عن مهرا الان؟! ليكن صريحا وائل لن يسمعه حتي، فبين جابر ووائل بغض متبادل وهو لن يخاطر بهذا ابدا، تنهد بتعب وهو يسحب هاتفه ويتصل بآدم...

بعد قليل انهي مكالمته مع ادم وقد اتفقا على كل شىء، وادم قام بدعوته ليتفق في منزله على كل شئ.

في المساء...
علي طاولة العشاء كان يجلس ادم ومرام وحسناء، نظر ادم إلى مقعد ليلي الفارغ وقال: - فين لولا...
- ملهاش نفس
هكذا ردت والدته لكن مرام ردت بإنفعال نادرا ما يظهر عليها: - لا ليلي زعلانة يا آدم ومش عايزة تقعد معاك على نفس السفرة واظنك عارف ليه...
- مرام!

قالتها حسناء بتحذير لترتدي مرام قناعها الجليدي وتكمل وهي تأكل بدون شغف حقيقي: - عموما دي حياتك ومش هتدخل في قراراتك، بس بتمني ترجع سنين ورا وتفتكر الذل اللي اتعرضتله امنا من الشخص ده، قبل ما تحط ايدك في ايد جابر عزام افتكر يا آدم الإهانة، افتكر مين اللي اتسبب في موت ابونا مين...
- خلاص يا مرام...
قالتها حسناء وهي تضرب على الطاولة بغضب ثم أكملت: - تجاوزتي حدودك، دي اختيارات اخوكي أنت ملكيش دعوة...

ابتسمت مرام لوالدتها وقالت: - عندك حق يا امي...
ثم أكملت اكلها في برود...

كان آدم ينظر إلى عائلته بحزن، يعرف أنه جرحهم بقراره، لقد اقسموا منذ زمن أن لن تكون لهم أي علاقة بعائلة عزام، ولكن الآن هو سيدخل فرد منهم في عائلته، لولا انهيار السيدة مروة لم يكن ليقبل ولكنه يعرف قهر الأمهات. نظر إلى والدته بحزن وهو يتذكر تلك الأيام السيئة التي عاشتها بعد موت والدها وكيف أنها بقت على الفراش بعد ولادة ليلي تصارع الموت بسبب الولادة والاكتئاب بسبب موت والده، كيف أنه قرر أن يترك الدراسة في تلك الفترة ليبقي هو رجل العائلة، تكفل هو بكل شئ، كان يساعد والدته في تربية ليلي وكان يعمل مع رجل في الجبس ليصرف على عائلته، لقد ساعده الكثيرون حقا وهو ممتن لهم، ولكن في رعايته لوالدته كان يراها تذبل يوما بعد يوم، لقد انك سرت. وقد رأي هذا في عينيها، وما زال انكسارها لم يجبر. ما زال الشرخ داخل قلبها ويعرف أن ما قاله جرحها أكثر، أحرقت الدموع عينيه وكاد أن يبكي أمامهم كالطفل الصغير ولكنه نهض مسرعا وهو يتجه إلى الحمام...

ولج ادم للحمام واغلق الباب، نظر إلى المرأة وانسابت دموعه على وجنته، لماذا وافق على هذا، لماذا وافق وجرح والدته، ولكن ما ارغمه هو تلك السيدة بدت منكسرة، لقد رأي انكسار والدته بها، لم يكن بمقدوره أن يدير ظهره ويتركها لذلك فعل ما يمليه عليه ضميره ووافق، ولكن ربما شرطه بأن جابر عزام يعتذر لوالدته ستطيب من خاطرها قليلا، تنهدت ادم وفتح الصنبور ثم غسل وجهه وجففه وخرج متجها إلى غرفة ليلي، وقف لبضع لحظات وهو يشعر بالتوتر، يعلم كم هي غاضبة حسنا هي لم تعاصر تلك الأحداث المؤسفة ولكن عندما كبرت قليلا أخبرها بكل شئ، وان كان هناك شخصا يكره جابر مثله فهي ليلي، لأن ليلي تتأثر به، هو يعرف أنه مثلها الاعلي، أو كان مثلها الاعلي، فكر بحزن، ثم استجمع شجاعته وطرق الباب، فسمع صوت ليلي من الداخل وهي تقول: - ماما أنا مليش نفس اكل بجد.

تنهد آدم وفتح الباب وقال: - ده انا ينفع ادخل.
نظرت ليلي إلى الكتاب ولم ترد عليه، اقترب هو منها وقال: - شكلك اجمل بكتير وأنت مقموصة، افضلي مقموصة علطول بقا لو سمحتي.
لم تبتسم حتى ليتنهد هو ويجلس بجوارها ويقول: - انت عارفة اني مقدرش اكل من غيرك يا لولا، ومقدرش اشوفك زعلانة مني، أنا عارف اني خذلتك بس صدقيني مهرا ملهاش اي دخل باللي حصل زمان، جابر هو اللي آذانا وانا علمتك أننا مناخدش حد بذنب حد صح...

نظرت إليه ليلي وعينيها مبتلة بالدموع وقالت: - بس كل ما هشوفها هفتكر جابر اللي ظلم ماما وبابا يا آدم، هفتكر الإنسان اللي حرمني من بابا ومخلنيش اشوفه اصلا...
شدها ادم إليه وهو يربت على شعرها وهو يتمني داخله أن ينتهي أمر زواجه سريعا...

في اليوم التالي...
في شركة سامر. في مكتبه على وجه الخصوص...

كان جالس على مكتبه، عينيه شاخصة للاعلي، يشتاق إليها بشدة ويفتقدها، لقد أدرك أن حبها يتغلل داخله، حبها كالمرض الذي لا شفاء منه، هو سيظل يحبها حتى يموت. تلك الفكرة رعبته، فكرة أن يحب بتلك الطريقة، تلك الطريقة الملعونة، أن يظل ملعون بحبها للابد، أن يتعذب و يزداد حبه لها كل يوم دون أن تكون لديه القدرة على نسيانها، ذكرياتهما تعذبه بشدة، ابتسامتها الرقيقة وملامحها الهادئة يشتاق إليهم بشدة، حتى برودها الذي كان ينفر منه. يشتاق إليه، كان يشعر بالصدمة من نفسه الصدمة لانه لم يدرك أنه يحبها بتلك القوة الا بعدما غادرت حياتها وكأنها أمضت بيديها على عقابه، والعقاب عدم لمح طيفها مرة اخري، هل سياتي يوما وينساها ام سيظل ملعونا بها للأبد، اغمض عينيه وهو يتذكر شجاره الدائم معها بسبب برودها. وكم أن هذا يؤذيه...

فلاش باك...
- انا زهقت بصراحة، زهقت ومش قادر استحمل يا مرام، أنا عايز احس مرة انك بتحبيني، نفسي اشوف في عينيكي غير البرود...
قالها بملل ثم أكمل: - انا عايزة احس اني خاطب مش واحد غريب عنك، مكالمتنا بحساب حتى الخروج بحساب ولما نخرج بتجري اختك الصغيرة معاكي...
قالها وهو يشير إلى ليلي الجالسة على الطاولة المجاورة في الكافيه تحتسي عصيرها بهدوء...

كانت مرام تنظر إليه ببرود مستفز، عينيها باردة كالجليد، لا يوجد لمحة لأي انفعال...
- ممكن تردي وبطلي برود.
- اهدي هيطقلك عرق ده اولا...
كاد أن يصرخ إلا أنها أكملت بنفس البرود
- ثانيا لو سمحت متتكلمش معايا بالطريقة دي تاني، اتكلم معايا بإحترام عشان أنا كمان احترمك...

ثالتا دي أنا وأنت خاطبني وانت عارف اني ليا حدود معينة مش بتجاوزها ولا هتجاوزها عشان خاطر اي حد حتى لو كان انت كلامنا بحساب لاني بلتزم بضوابط الخطوبة غير اني مش برتاح لما اكلمك كتير انت عايزني اقولك كلام حرام اني أقوله وانت يعتبر غريب عني. واظن وضحتلك طريقتي واسلوبي وانت اللي اختارتني يبقي تستحمل انا مش هغضب ربنا عشانك...
- انا مش حاسس انك بتحبيني، حاسس اني جوازة وخلاص يا مرام...

قالها بحزن، دوما يشعر أنها لم تحبه ابدا وأنه مجرد عريس لقطة كما يقولون...
تنهدت مرام وهي تزيح قناعها الجليدي وتقول: - كوني اني اختارتك ما بين اللي اتقدمولي ده مش موصلك حاجة؟!
ابتسم بسخرية وقال: - فعلا، بس احيانا بحس انك اختارتيني مش لأن بتحبيني أو فيه مشاعر...
- اومال ليه اختارتك؟!

سألت تناقشه بهدوء وقد قررت أن تطمئنه قليلا وتطلب منه الصبر إلا أنها صدمها وقال: - يمكنك عشان أنا عريس لقطة مثلا، ومستوايا الاجتماعي اعلي من كل اللي اتقدمولك...

ارتدت قناعها الجليدي وتراجعت على مقعدها وهي تنظر إليه ومطت شفتيها بملامبالاة تعرف أنه يمقتها وقالت: - انت تعرف كل اللي اتقدمولي؟! غريبة أنا اتقدملي ناس اغني منك ورفضتهم عادي، واظن لما جيت بيتنا مبانش عليا أو على اخويا أننا طماعين ولا حبينا نكلفك اصلا، ومفتكرش في مرة طلبت منك هدايا أو اخدت منك فلوس ولو ليك حاجة عندي تعالي خدها بما فيهم شبكتك...

ابتلع ريقه من كلامها وقال متمتما: - انا اسف، أنا متأكد انكم مش من النوع ده...
ابتسمت ببرود وقالت: - شاطر حط ده في بالك المرة اللي جاية...
تنهدت وهي تنهض وقالت: - انا عايزة اروح. روحني!
باك...
خرج من شروده وهو يشعر بفراغ في قلبه. رفع سماعة الهاتف وطلب كارما...
بعد قليل.
ولجت كارما إلى المكتب وقالت بهدوء: - طلبتني يا سامر...
- ايه رايك نتجوز الاسبوع اللي جاي؟!

في المساء
في فيلا عزام...

كانت مهرا تقف أمام خزانتها. اخيرا ستتحرر من السجن الاجباري الذي فرضه عليها جدها لتذهب إلى سجن اخر، سجن ابن عمها، نظرت إلى الملابس وهي تشعر بالملل. يا تري ماذا ترتدي لعريس الغفلة. ستبحث على أسوأ فستان في خزانته وترتديه، ستريه أنه غير مرغوب به وأنها مضطرة للزواج به، لعله يحتفظ بكرامته ولا يلمسها بعد زواجهما، وقفت تتذكر كلام والدتها وكم أن ادم هذا وسيم، ابتسمت بسخرية وهي تفكر أن والدتها ستقول عن أي شخص في الطريق أنه جميل لأن بنظرها الجميع جميل، وجهة نظر غريبة منها، هزت مهرا رأسها وهي تبتسم ساخرة، ثم اقتربت من المرأة وهي تقول بحزن: - معقول الجمال ده كله هيدفن مع واحد شكله وحش، بس سمعت جدي بيقول أن الجواز مؤقت، يارب يكون مؤقت فعلا واتطلق منه، أنا مش هستحمل العيشة مع الشخص الجاهل ده، رفعت شعرها الأشقر وهي تتأمل نفسها جيدا وقد لمعت عينيها العسلية بخبث فهي قد قررت أن تجعل حياة هذا الشاب جحيم وستستغل جمالها بطريقة لا ترحم، بالطبع شخص جاهل مثله سيكون ساذج جدا، وسيخضع لسحرها وهي سوف تستغله جيدا حتى تتحرر منه، ابتسمت بحماس وهي تفكر بخطتها، الأمر ليس بذلك السوء، فهي ستستطيع بكل تأكيد أن تسيطر عليه كليا ولن يكون هو الاقوي في ذلك الزواج بل هي، سوف تجعله يركع على ركبته من أجلها، وهكذا غيرت رايها في ارتداء أسوأ فستان لديها، على العكس تماما أسرعت إلى خزانتها وهي تنتقي اجمل واغلي فستان لديها ولم تنسي والاكسسوارات والحقيبة الملائمة لذلك الفستان...

بعد نص ساعة تقريبا كانت تضع دبوسا في شعرها الناعم الذي شكلت به تسريحة بسيطة ولكن أنيقة، أمسكت الأقراط التي على هيئة نجمة ووضعتها ثم الاسورة التي لفتها على معصمها واخيرا سلسال ذهبي يخطف العقل كان يستريح على نحرها، واخيرا ابتعدت وهي تبتسم ابتسامة واسعة، كانت لا تصدق نفسها، كانت جميلة بشكل يخطف الأنفاس، لا بد أن عريس الغفلة سوف يفقد عقله عندما يراها وهي لن توليه أي اهتمام بالمرة، كان الفستان الكريمي محتشم ولكن انيق للغاية، بدأت مهرا في وضع اللمسات الأخيرة وهي مساحيق التجميل، قررت أن تكتفي بأحمر شفاه وماسكرا وهذا ما فعلته. والان أصبحت على أتم الاستعداد لإفقاده عقله...

- مفيش اجمل مني بجد!
قالتها مهرا بغرور وهي تأخذ حقيبتها وتخرج
- ايه رايك يا ماما؟!
قالتها مهرا وهي تقترب من والدتها التي كانت ترتدي فستان بني بسيط، ابتسمت مروة ببهوت وقالت: - حلوة يا مهرا.

ثم صمتت وهي شاردة، تأمل أن يسير كل شىء على ما يرام اليوم، لا تريد اي مشاكل سوف تعطل زواج ابنتها، تريد التخلص من تلك الفضيحة بأقرب وقت، لا تريد لصغيرتها ان تتأذي، هي تأمل فقط أن يعتذر عمها بهدوء من حسناء وقد قررت مروة أن تعتذر أيضا فهي مشتركة في هذا الخطأ ولن تسامح نفسها ابدا لانها تخلت عن حسناء واولادها في عز محنتها ونسيتهم تماما في خضم حياتها الجديدة ولكن يعلم الله أنها لم تحقد على حسناء ابدا بسبب علي، بل هي تقبلت مصيرها وتزوجت من الأفضل...

تنهدت مروة لتقول مهرا: - فيه حاجة يا ماما؟!
هزت مروة رأسها وقالت: - مفيش يا مهرا...
ثم اقتربت مروة من مهرا وامسكت كفها وقالت: - بالله عليكي يا مهرا متعمليش اي مشاكل هناك، وافقي على كل حاجة يقولها جدا، صدقيني احنا ما صدقنا أن ادم يوافق...
- نعم؟! وهو يطول اصلا يتجوزني...
ضربتها على كتفها وقالت: - اكتمي خلاص جدك نازل.

- قومي يا لولا البسي الضيوف زمانهم على وصول...
صرخت بها حسناء وهي تخرج قالب الكيك بالشيكولاتة من الثلاجة بجوار العصائر...
كانت ليلي في غرفتها تزم شفتيها وهي تشعر بالضيق منذ أخبرها شقيقها أنه سيتزوج، كانت تنوي فعليا الا تحضر معهم، ليتفقوا هم وتقبع هي بغرفتها، تبكي ربما، ولكن هذا أخاها ولن تتخلي عنه مهما كان قراره لذلك نهضت وهي تتوجه إلى خزانتها.

خرج ادم من الحمام وهو يرتدي بيجامته الرمادية ويجفف شعره، ولج للمطبخ وقال: - ما بلاش التكاليف دي يا امي هنشحت اخر الشهر...
ضحكت والدته وقالت: - يا حبيبي ده انا اخيرا هفرح بيك، مش مصدقة يا آدم إنك خلاص هتتجوز...
تنهد آدم واقترب من والدته وقال: - يعني مش زعلانة يا امي عشان هتجوز حفيدة جابر...

- لا يا آدم مش زعلانة رغم اني عارفة أن فيه سر معين بس مش عايزة اعرفه وعايزة اقولك اني واثقة فيك جدا يا آدم ومعاك في اي قرار تاخده، يالا روح البس الضيوف زمانهم على وصول، وياريت تشد على ليلي عشان تلبس.
- حاضر يا ست الكل.
قالها ادم مبتسما...
طرق ادم على الباب: - لولا لو ملبستيش هدخل ارميكي من الشباك مفهوم...

قالها ادم بتهديد مزيف لتبتسم ليلي وهي تخرج الفستان الذهبي من خزانتها وتقول من الداخل: - بلبس يا اخويا اهو...

بعد نصف ساعة تقريبا...
كانت مهرا باهتة بشدة، عينيها العسلية متسعة وهي تنظر إلى اجمل رجل رأته في حياتها، مالت مهرا على والدتها وقالت: - مين ده يا ماما...
- ده ادم...
- الجاهل الوحش، والله انا اللي وحشة.
قالتها مهرا هامسة...
- اهلا اتفضلوا...
قالها ادم مبتسما ثم تجاهل يد مهرا الممدودة وصافح مروة وقال: - اتفضلي يا هانم...
انزلت مهرا يديها وقالت بخفوت: - اصلي أنا قرفانة ما اسلم عليك...
ثم ولجت خلفهم...

جلسوا الجميع على الأريكة، نظرت مهرا الس فستانها بحسرة، ادم اصلا لم يراها وكأنها شفافة، نظرت إليه بطرف عينيها وجدته يتحدث مع جدها زمت شفتيها بضيق، اقتربت مرام من مهرا لتقدم لها العصير ولكن ساقيها فجأة انحنت وسقط العصير على فستان مهرا
- ايه يا متخلفة يا غبية أنت، ايه عامية ولا مبتعرفيش تمشي...

صرخت بها مهرا وهي تمسح فستانها بقهر ولم تنتبه لذلك التي اشتعلت عينيه بنيران أتت على كل شىء ولا تلك التي بهتت وهي تتذكر تلك الفتاة التي اهانتها من قبل عندما كادت السيارة أن تدهسها!

الفصل التالي
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة