رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل الخامس والثمانون
طالت نظرته إليها عندما وجدها تشيح وجهها عنه وتحتضن جسدها بذراعيها، جذب عزيز غطاء الفراش الخفيف بصمت ووضعه على جسدها ثم نهض من جانبها.
أطبقت جفنيها عندما شعرت بنهوضه وتشبثت بالغطاء الذي غطى به جسدها وقررت أن تستسلم للنوم.
وضع عزيز رأسه أسفل صنبور المياة ثم اِنتزع رأسه فجأة من أسفله وأخذ يزفر أنفاسه بتهدَّج.
رفع قميصه ليخلعه عن جسده بعدما ابْتَلَّ جزءً كبيرًا منه ومازال صوت أنفاسه يخرج بلهاث وكأنه كان في سباق.
هل امتنعت عنه ليلى وعارضت وصالهم؟
نفض رأسه سريعًا حتى لا يترك نفسه إلى شيطانه ثم التقط المنشفة ليُجفف بها خصلات شعره المبتلة.
القى عليها نظرة خاطفة وهو يتحرك نحو غرفة الملابس وبعد دقائق غادرها حاملًا على يديه ملابس لها بعدما استبدل ملابسه.
ضاقت حدقتاه بقلق عندما انتبه على اِنكماشها وتقطيبة جبينها التي صارت واضحه لعينيه.
ليلى، متناميش وأنتِ كده قومي البسي حاجة.
بصوت خافت هتف بها، ففتحت عينيها بصعوبة.
عايزة أنام يا عزيز.
اقترب منها متنهدًا ورفع جسدها برفق وقد أرغمها على الإعتدال في رقدتها.
مش هتاخدي غير دقيقة، أرفعي دراعك بقى وساعديني.
تذمرت كالأطفال.
عزيز سيبني أنام، أنا تعبانه بجد.
تنهد هذه المرة بقوة.
ولما تنامي وأنتِ كده تعبك هيروح، قومي يا ليلى ربنا يهديكي.
نهضت بحنق جعله يرفع أحد حاجبيه بغرابة وقد تأكد أن هناك شيئًا يُشوِّش رأسها.
أنا هلبس لوحدي.
تحركت عينيه ببطئ على ملامحها ثم هز رأسه رافضًا.
لأ.
انفلتت شهقة من شفتيها عِنْدَ اجتذبه للغطاء من عليها ثم رباط المئزر الذي صار مرتخيًا على كتفيها.
باغتها برفعها بذراعه بخفة حتى تقف أمامه.
مش عايز أسمع منك كلمة إعتراض.
تركته يفعل ما يشاء لتخفض عينيها نحو يديه وهو يغلق لها أزرار منامتها.
أنا آسفه يا عزيز، أنا مستعدة لو أنت.
قاطعها بإشارة من يده، فازدردت لعابها وقد ظنته إنه غاضب منها.
عزيز أنت هتنام زعلان مني.
تساءلت بصوت متحشرج، فمرر إبهامه على خدها.
وهنام زعلان ليه يا ليلى.
أسرعت بالرد وهي تخفض رأسها حتى تهرب عن نظرة عينيه.
عشان يعني...
ثم عضت على طرف شفتيها بحرج، فابتسم وهو يرفع وجهها إليه.
بطلي إفتراضات من عقلك يا ليلى وخلينا ننام.
اِرتجف جسدها بانتفاضة خفيفة فور أن ضمها إليه ثم وضع قبلة على رأسها.
هنزل اعملك حاجه تشربيها واجبلك مسكن للصداع.
كاد أن يتحرك من أمامها، فاسرعت باجتذاب ذراعه.
لأ خليك متنزلش، أنا كويسة.
قطب جبينه وحتى تجعله يُصدق إنها بخير وتعتذر منه، بادرت في تقبيله.
شعرت بالصدمة عندما أبعدها عنه برفق رافضًا هذا الأمر الذي ظنت إنه لا يفكر إلا به.
ليلى خلينا ننام.
وجدته يتحرك نحو الفراش ثم اسْتلْقى عليه، وقفت تنظر إليه وتَرَقْرَقَت الدموع في عينيها.
شعرت بالاختناق واقتربت منه وهي ترفرف بأهدابها حتى تكبح دموعها.
طيب أعمل إيه عشان متزعلش مني.
يا ليلى ربنا يهديكي وتعالي نامي.
اندست أسفل الغطاء بتلك المساحة الصغيرة من الفراش قُربه والتصقت به، فكبت صوت ضحكته.
طيب وده نسمي إيه يا ليلى.
لم يتوقع منها هذا الرد الذي قالته.
حب يا عزيز.
تعالت وتيرة أنفاسه، فما السبيل أمامه إلا الغرق في حبها.
ضمها إليه متنهدًا بعمق.
وأنا عايز أغرق في حبك يا ليلى، أنتِ ملكتي حتى عقلي.
جرعة من الحب كانت هي من تبدء بها، وقد صار التلميذ نجيبًا واكتسب دور المعلم بفطرته.
وليلة بعد ليلة كانت خيوط اللعبة تُكبله هو وانفلت رجاء خافت من شفتيه لم تسمعه.
أوعي تسبيني في يوم يا ليلى.
القى مراد برأسه على الوسادة بعدما افلتت جسدها من بين ذراعيه ونهضت من جانبه.
اتأخرت عليهم في البيت، مامي زمانها مش مبطله اتصالات عليا، قولتلها هكون في البيت على تسعة.
التقط علبة سجائره وقدَّاحته ثم رفع جسده قليلًا.
قوليلهم خرجنا سهرنا شوية.
أسرعت أشرقت بإرتداء ملابسها ونظرت إليه.
المفروض مكناش جينا على الشقة هنا.
واردفت بندم لا تشعر به إلا بعدما تنتهي علاقتهم بتلك الغرفة.
الفرح خلاص قرب لازم نبطل مقابلتنا ديه يا مراد.
اِستنكر طلبها ونفث دخان سيجارته وتساءل بخبث.
ليه نبطل مقابلتنا، اِعتبري إننا متجوزين يا أشرقت ولا أنتِ مش واثقة فيا.
التقطت حذائها ثم رفعت رأسها إليه وتذكرت حديثه لها في ذلك اليوم.
أنا لولا ثقتي فيك مكنتش رجعتلك يا مراد، أنا مش قادرة انسى كلامك ليا يومها.
حدجها بنظرة خاوية قاتمة لم تنتبه عليها ثم ابتسم ونهض بذلك الوضع الذي عليه دون حرج.
قلبك أسود يا حببتي كده ليه، ما أنا اعتذرت منك وقولتك إن دماغي كانت فيها مليون حاجة وحاسس بضغط جامد بسبب توتر علاقتي مع عدنان باشا.
لَفَحَ بأنفاسه عنقها ثم طوقها بذراعيه.
تعرف يا مراد محدش بيعرف يغير ليا مزاجي غيرك، أنا كنت جاية مخنوقة أوي.
ثم تساءلت وهي ترجع رأسها إلى الوراء واستندت على صدره.
هو مكنش واضح عليا.
غمغم بخفوت وكذِب وهو يُحرك يديه على ذراعيها.
كان واضح يا حببتي وأنا محبتش أسألك وعشان كده جيبتك الشقة، قوليلي مين مزعلك.
تجهمت ملامح أشرقت واستدارت إليه بعدما حررها من ذراعيه.
هو في غيرها، زينب هانم.
«زينب »اسمها حينما يتردد أمامه ويخترق أذنيه، يتولد داخله شعور لا يعرف له وصف.
ابتعد عنها والتقط هو الأخر ملابسه حتى يرتديها.
عملتلك إيه؟
أندفعت تخبره بحقدها نحوها، فتساءل.
أنتِ عايزاها تطلق من جوزها.
برقَتْ عيناها ووضعت يديها على كتفيه بأمل.
نفسي أوي يا مراد أفرح فيها لما ترجع لجدو تاني بلقب مطلقة.
ازدادت عيناه قتامة والتف إليه مُلقيًا سؤاله الذي بهتت معه ملامح وجهها.
هو أنتِ بتاخدي حبوب منع الحمل.
لقد صارت أغلى النساء في قلبه و عينيه، قلبه لم يخفق بهذا الجنون من قبل نحو امرأة لكن هي غيرهن، بها شئ عجيب يأسره، شئ احتار فيه، ربما لمعة عينيها التي تتجلى فيها مشاعرها بوضوح دون تزيف، ربما تمردها الذي بات يشعره بأنه يقف أمام طفلة تحتاج لحضن والدها وليس صراخه عليه. أو ربما قوتها الهشة التي تجعله يود فتح لها ذراعيه فتركض إليه حتى يضمها إلى صدره ويُخبرها أن تتركه يتحمل عنها ولو قليلًا.
وآه وآه كان يتردد صداها بقوة داخل فؤاده المُلْتاع بحرقة، إنه وضع القرار أمامها وعليها أن تختار هي بعدما يفلتها من بين يديه لعلها تلتف إليه قبل رحيلها.
حاسه إن الملح زاد مني شوية صغيرين.
أخرجه صوتها من شروده، فأرخى عقدة ساعديه أمام صدره واقترب منها.
مش مشكلة لو الملح زاد شوية يا زينب.
رمقته بنظرة ثاقبة خطفت معها قلبه الذي ازدادت خفقاته بين أضلعه.
لكن أنت مبتحبش الأكل مالح.
قالتها ثم اشاحت عيناها سريعًا عنه، فما الذي تفوهت به وعلى ما يبدو أن اِمتنانها له اليوم سيجعلها تفعل أشياء عجيبة.
ابتسم صالح والتقط منها ملعقة التقليب حتى يتذوق ما طهته له.
خليني أدوق وأحكم الأول يا زينب.
حرك رأسه لها برضى جعلتها تترقب تعقيبه عن الطعم ورغم زيادة الملح بنسبة واضحة لا يُفضلها إلا إنه استمر بهز رأسه مؤكدًا.
الملح مظبوط متقلقيش، تسلم أيدك.
ضاقت حدقتاها وتساءلت حتى يؤكد لها أن الطعام لا بأس به.
متأكد.
اتسعت ابتسامته وتذوق ملعقة أخرى ثم أخذ يتلذذ به.
ومن أمتى أنا شخص مجامل يا زينب؟
رمقته هذه المرة بنظرة طويلة ثم تنهدت، فهتف بحماس وهو يلتقط المقلاة.
مش قادر أصبر.
تقابلت عيناهم، فالتمعت عيناه بإمتنان.
شكرًا يا زينب أنا فعلا كنت جعان، تقدري تروحي ترتاحي وأنا أول ما أخلص أكل هنضف مكاني متقلقيش.
لم ينتظر أن يرى ردة فعلها على ملامح وجهها واتجه نحو طاولة الطعام الصغيرة التي تتوسط المطبخ ووضع المقلاة عليها واسرع بإلتقاط ما يحتاجه مع وليمته البسيطة التي أعدتها له بعدما عرضت عليه أن تجهز له وجبة خفيفة إذا كان جائعًا.
محتاج مني حاجة تانية.
غَمَّس قطعة الخبز في المقلاة ودسها بين شفتيه ثم استدار برأسه إليها.
ما تيجي تشاركيني الأكل ولا لسا عند رأيك إنك مش جعانة.
ما به هذا الرجل اليوم، إنها ظنت ستجده بعد تلك الليلة التي تعرَّى فيها من حقيقة عائلته المخزية سيكون مثلما كان في بداية زواجهم، متجهم الوجه، يتحدث معها بكلمات مقتضبة ويمر بجانبها وكأنه لا يراها.
طعم الأكله تجنن وهتفوتك، فكري بسرعة.
بالهنا والشفا على قلبك.
عاد يركز عينيه على ما يتناوله بنهم، فانشق ثغرها بابتسامة واسعة واخذت تُحدق به لبعض الوقت لتنتبه على وقفتها التي طالت وتحركت من أمامه وبصوت هادئ هتفت.
تصبح على خير.
تتبعها بعينيه ورد بنبرة رخيمة.
وأنتِ من أهل الخير يا زينب.
زفرت زينب أنفاسها بقوة بعدما أغلقت باب غرفتها ورائها ووقفت تستند بظهرها إليه، إنها تعيش هذه الفترة حالة من الحيرة ولم تعد تعرف كيف تتخذ قرارًا.
أنتِ عرضتي عليه إنك تحضري له العشاء يا زوزو لما سمعتي بيقول ل يزيد إنه راجع تعبان وجعان.
حادثت بهذا الكلام نفسها ثم أخذت تهز رأسها وهي تزمّ شفتيها.
وكمان أنتِ حاولتي تشكري بالطريقة ديه بدل الكلام، ده غير لوح الشوكولاته اللي جبها ليكي مع يزيد.
وعندما أتى أمر لوح الشكولاته إلى رأسها، اِفتر ثغرها عن ابتسامة خفيفة واتجهت نحو الفراش لتلتقطه من عليه.
ده حتى عارف نوع الشوكولاته بتاعتي المفضلة.
قلبت لوح الشوكولاته بين يديها، فأفعاله البسيطة أصبحت تلجم لسانها وتجعل عقلها يدور في حيرة وتساؤل.
حتى لو كان مذنب زي ما قال يا زوزو هو برضوه ضحية، وأنتِ اكتر حد عارف يعني إيه تدفع تمن مالكش ذنب فيه.
وحتى تلهي نفسها عن أحزانها، فتحت مغلف الشوكولاته وأخذت تأكل منها حتى انتهت منها.
بالساعة الثالثة صباحًا، نهض صالح من على الفراش بعدما شعر بعدم قدرته على النوم، فهو بحاجة لأرتشاف كوب من اللبن الرائب.
غادر الغرفة متجهًا نحو الجزء الأخر من الشقة، فهم لم يقوموا بتجهيز المطبخ الآخر.
حاوط خصره بحزام المئزر الذي يرتديه على منامته واتجه نحو المطبخ.
فتح البرَّاد ووقف يرتشف من عبوة الرائب بالكامل ثم أخذ يُحرك يده على معدته متنميًا أن تزول حموضتها.
ديه ضريبة الأكل من غير نظام.
وارتفعت زاوية شفتيه بسخرية على حاله.
هو أنت بقى عندك دلوقتي أي نظام، ربنا يسامحك يا ماهر دعوتك اتحققت وحفيدة سيادة اللواء بقت مخلياني ألف حوالين نفسي.
وبكلتا يديه دَلَكَ جبينه ثم زفر أنفاسه وتحرك مغادرًا المطبخ.
تيبس مكانه بوجوم واِنكمشت ملامحه عندما اتاه آنين خافت.
دارت عينيه بفزع ليسرع نحو المكان الذي أتى منه الصوت.
التقط أنفاسه أخيرًا وحدق بها، فوجدها غافية على الأريكة وتهذى في أحلامها.
« بابا متمشيش وتسبني، خدني معاك. مكنتش عايزه اقوله، تيته هاتي أيدك أنتِ، لا لا متمشوش»
استطاع نفض رأسه من ذهوله وجثا على ركبتيه جوار الأريكة واخذ يهزها حتى تستيقظ.
زينب، زينب.
« مش عايزة أفضل لوحدي، خدوني معاكم»
كرر نداء اسمها بذعر.
زينب فوقي أنتِ بتحلمي.
انتفضت من غفوتها ونظرت حولها تبحث عنهم.
بابا و تيته راحوا فين، كانوا هنا معايا...
وأندفعت ناهضة من على الأريكة وأخذت تدور حول نفسها.
راحوا فين، راحوا فين...
ألجم مظهرها لسانه ليبتلع لعابه وانتصب واقفًا بقلق.
زينب أنتِ كنتي نايمة، محدش كان هنا.
دفعته من أمامها تُحرك رأسها رافضة ما يُخبرها به.
لأ كانوا هنا، أنا شوفتهم.
اِهتز قلبه برجفة من رؤيتها هكذا وضمها إلى صدره رغمًا عنها.
طيب اهدي واغمض عينك.
قولهم يرجعوا ليا، وأنا مش هقول حاجة تاني، هقول إني مشوفتش حاجة.
ارخى جفنيه وشدد من ضمها إليه وتركها تتحدث كما تشاء.
بابا مات وهو فاكر إنهم عملوا فيا حاجه...
بهتت وجهه فجأة، ومثلما تعرَّى هو من حقيقته المخْزية أمامها، كان عقلها هذه الليلة يتحرر من خَبَايَاه المستورة.
خفف قبضتي يديه حولها لتبتعد عنه.
ليلة فرحنا كنت مستنيه اقوله إنهم كذبوا عليه، بابا مات بسببي.
زينب أنتِ بتقولي إيه؟
لم تكن تشعر بنفسها وهي تتحدث بهذيان، فحكاية سارة أَشْعَلَت داخلها تلك النيران الخامدة.
أنت الوحيد تقدر تثبت ل بابا إنهم كذبوا عليه.
قطب حاجبيه وابتلع ريقه مرارًا حتى يستوعب ما يسمعه منها وفي لحظة كان كل شئ يتضح له بعدما خرج صوتها في توسل وبكاء، ليحدق في رباط مئزره الذي حررته هي.
حررني من الذنب ده، خلي بابا يرتاح يمكن يوافق ياخدني معاه...