رواية ظنها دمية بين أصابعه للكاتبة سهام صادق الفصل التسعون
وقف عزيز متيبسًا مصعوقًا من حديثها الذي اندفع من فمها دون اِحْتِرَاس، جحظت عيناه بصدمة وارتدّ إلى الوراء بعدما دفعته على صدره تسأله بصوتٍ مختنقٍ من البكاء.
قول إنك زهقت مني خلاص، ما هو أنا فين و أنت فين...
ازدادت في بكائها وهي تراه يُحدق بها صامتًا وكأنه لا يملك ردًا على سؤالها، حركت رأسها رافضة ذلك الشعور الذي كان أولاد شقيقه سببً فيه.
اظلمت عيناه فجأة ثم حدَجها بنظرة مُخيفة.
اسرعت ليلى بوضع يدها على شفتيها حتى تكتم صوت بكائها.
أنت قولتلي إنك عمرك في يوم ما هتزعل مني، أول وعد منك راح يا عزيز.
اردفت بها بصوت مُرتعش ومهزوز ثم اِستدارت بجسدها مبتعده عنه، فاسرع بجذب ذراعها بعدما بدء عقله يفيق من ذهوله وصدمته.
اقفي مكانك ولا هتهربي زي العيال الصغيرة وتجري تستخبي.
نفضت ذراعها عنه وإلتفت بوجهها إليه وقد احتلت عيناها نظرة عتاب.
أيدك بتوجعني يا عزيز .
والألم الذي تجلَّى بوضوح على وجهها، جعله ينتبه على قوة قبضته على ذراعها.
تنهد بمقت ثم افلت يده عنها وأخذ يدور حول نفسه حتى توقف عن حركته.
أنتِ مستوعبه كل كلمه قولتيها يا ليلى.
هزت رأسها وهي تزيل دموعها بأناملها التي ارتعشت مع نبرة صوته الخشنة ثم أعاد سؤاله بصراخ.
ردي، مُدركة كل كلمة قولتيها.
أومأت برأسها عدة مرات وفي داخلها أخذت تسأل نفسها بماذا تحدثت، فغضبها قادها لتقذف بالكلام دون أن تنتبه.
يعني أنتِ عارفة كويس بتقولي إيه.
انفلت الكلام دون ترتيب من شفتيها.
أيوة مستوعبه كل كلمة قولتها لأن أنت.
لم تستطيع مواصلة بقية حديثها، فنظرته الخاوية أرهبتها.
قوليلي حسابنا هيكون على إيه النهاردة، على خروجك من غير أذني ومن غير تليفونك ولا...
وبسخرية أردف بعدما وقف قبالتها وقبض بخفة على ذراعيها حتى لا يؤلمها.
ولا نتحاسب أحسن على كلامك وأنا متأكد تمامًا إنه اتقال بعد ما سمعته من حد.
وعندما تذكر كل كلمة نطقتها بحماقة عن إنتهاء مهمتها في حياته، احتقنت ملامحه أكثر وصاح بنبرة أشد حدة.
مين وصلك صورة إنك في حياتي كوضع مؤقت، معقول متجوزاني وأنتِ خايفة في يوم أقولك معلش خلاص صلاحيتك انتهت من حياتي.
ارتفعت أنفاسه بوتيرة عالية، فهو لا يُصدق إنها تراه بتلك الصورة المُخْزِية. رجلًا يتخذ الزواج من أجل المُتعة وعندما تنتهي مُتعته ينتهي هذا الزواج.
قوليلي بقى احاسبك على أنهي حاجة الأول، ردي.
أنا عملت كده عشان أضايقك بس يا عزيز، أنت السبب، عاملتني بالهجر والخصام وأنا ماليش ذنب في حاجة.
وبأنفاس لاهثة و مُتقطعة أخذت تخبره عن جفائه في كل ليلة كانت تُبادر بالقرب منه و ردوده المقتضبة معها.
اختفت تقطيبة جبينه و تركها تبوح له عن كل ما صار يدور برأسها من أفكار.
اخفض رأسه بشرود و ندم، فهذا ما كان يسعى لأجله. أن يجعل فكرها ينحصر في مكان واحد وهو الفراش.
حاولت أصالحك وفي كل مره مكنتش بلاقي غير الجفا.
اهتزت أجفانه كما اهتز قلبه، ليلى غاضبة منه لهذا الأمر، الأمر الذي أراد حدوثه بل وهيئها له بكل الطرق حتى تعرف دورها الأهم في حياته لكن بعد ذلك أدرك فداحة تفكيره،؟
رفع رأسه إليها بعد أن تمالك صدمته.
ليه مقولتهاش ليا صريحة يا ليلى، من حقك تقوليلي إنك عايزاني.
اخفضت رأسها خجلًا، فهي لم تكن تقصد هذا الأمر فحسب، بل كان يكفيها حضنه ومداعبته لها بحديث لطيف و حنون. هي أحبت عزيز الحنون، السَخِي في عطائه.
ارفعي راسك و بصيلي.
عزيز، أنا مقصدش اللي أنت فهمته...
كاد أن يقترب منها إلا إنه تجمد مكانه عندما وجدها تندفع نحو الفراش ثم دفنت رأسها أسفل الوسادة باكية...
توقف سيف قرب الدرج محتارًا، فهل يهبط لأسفل أم يتحرك نحو غرفة عمه ويطلب منه أن يأتي معه للخارج حتى يهدء غضبه ثم يعود ليحل هذا الخلاف.
اِختفاء صوت شجارهم زاد من حيرته وتساؤله، فما الذي حدث؟
اتخذ قراره و سار باتجاه الممر المؤدي إلى غرفة عمه ولم يكن في داخله سوءً حتى إنه استعجب من نفسه.
ليلى هنفضل نعيط كده كتير.
جذب الوسادة من عليها، لتدفن وجهها هذه المرة بالفراش حتى تهرب من نظرته العابثة.
طيب قوليلي إنك زعلانه مني عشان جرعة العسل بتاعتنا.
قالها وجلس جوارها، فانكمشت على نفسها وقبضت بيديها على شَرْشَف الفراش.
بعترف إني غلطان في النقطة ديه يا ليلى.
حركت رأسها ببطء بعدما صرح بخطئه، فابتسم واشاح وجهه عنها ثم استند بساعديه على فخذيه مُستطردًا.
زي ما أنتِ غلطانه في خروجك من ورايا.
رفعت رأسها بالكامل و اعتدلت في رقدتها ثم حدقت بظهره.
وغلطانه برضو على كلامك اللي لازم اعرف مين داخله في راسك.
والتفت برأسه إليها بعدما شعر بحركتها.
لكن هنسيب عِتابنا دلوقتي ونشوف موضوع جُرعة العسل.
عزيز.
خرج صوتها مبحوحًا يطغو عليه الغنج.
طيب منظري إيه دلوقتي قدام نفسي بعد ما غضبي كله ضاع.
مطت شفتيها بعبوس، فضحك بقوة.
ما تحاولي تصالحيني بقى يا ليلى.
وفي لحظة اِنقلب الأمر إلى ضحكات عالية، ليتوقف سيف مكانه مدهوشًا، فهل تلاشى غضب عمه هكذا بل ويضحك ويطلب منها أن تُدلله أم تُريد أن يُدللها هو.؟
عمه صار نسخة من والده، والده الذي لا يتذكره إلا في صورة رجلٍ خنوعٍ وضعيفٍ.
اخفض سيف رأسه وقد أخترق ضحكات عمه أذنيه وسرعان ما كانت تعلو شفتيه ابتسامة ساخرة.
هتخليك تكون زيه، بتخلق صورة تانية من سمية في حياتنا يا عمي.
قالها ثم تراجع بخطواته واتجه نحو غرفته مُلقيًا بكل ما تلتقطه يديه تحت نظرات كارولين الذاهلة.
وقف صالح ينظر إلى الفراش وهو لا يستوعب ما تفعله ورغم وضوح الأمر إلا إنه شعر بالغباء.
أنتِ بتعملي إيه يا زينب.
التفت إليه، فتوقف عن تحريك المنشفة على خصلات شعره الرطبة.
زي ما أنت شايف.
قالتها ثم ابتعدت عن الفراش وأشارت إلى الجزء الذي اختار النوم عليه.
زي ما أنا شايف!
هتف بها وهو يرفع أحد حاجبيه ثم واصل حديثه بتهكم.
الصراحة أنا مش شايف غير إنك بتقوليلي بكل أدب و ذوق إن السرير ليكي والأرض ليا.
كادت أن تقطع كلامه وتخبره إنها تُحب أن تأخذ حُريتها بالنوم وإذا أراد الإعتراض فلِما لا يحجز غرفة مُزدوجة الأَسِرَّة.
زينب أنا مش هنام على الأرض وليا حق في السرير ويتقسم بالعدل.
صاح بها بحنق ثم اتجه إلى الجزء المخصص له والقى بجسده عليه بعد أن القى المنشفة من يده.
وأهي المخدة عشان ترتاحي خالص.
قذف بالوسادة أرضًا ثم نظر لها وهو يعقد حاجبيه منتظرًا رؤية ردة فعلها.
تعالي نامي يا زينب ربنا يهديكي ومتخافيش نومي هادي ومش بتحرك لا شمال ولا يمين.
وبمكر أردف عندما وجدها تعقد ساعديها أمامها.
اظن إنك شوفتي ده بعينك.
رمقته بنظرة شَزَرة ثم طرقت الأرض بقدميها حانقة.
خلاص نلتزم بالإتفاق محدش يقرب من حدود التاني.
اِنفجر ضاحكًا بعد حديثها.
حاضر مش هقرب من المنطقة المحظورة.
تنهدت ثم التقطت الوسادة التي القى بها أرضًا و تأففت وهي تعيد من وضعها لكن هذه المرة وضعتها بالمنتصف.
رغم إن المخدة ديه إهانه في حقي وعدم ثقة فيا بس وماله كله عشان الحدود والإتفاقيات.
زجرته بنظرة حادة بعد مزاحه، فاخفى ابتسامته سريعًا واعطاها ظهره قائلًا:
تصبحي على خير يا زينب.
داعبت شفتيَّ صالح ابتسامة عريضة عندما أستمع إلى غمغمتها.
هنام جانبك وأمري لله.
وضعت رأسها على الوسادة ثم نظرت إليه، فما تفعله معه صار يَرْوق إليها.
أغلقت جفنيها مُطمئنة وعلى شفتيها اِرتسمت ابتسامة خفيفة.
غفت سريعًا بسبب إرهاق السفر لكن هو أخذ يتقلب على صفيح ساخن...
مدَّ يده نحو الوسادة حتى يرميها مجددًا لكنه تراجع باللحظة الأخيرة عندما وجدها تمد يديها وتحتضنها ثم استدارت بها للجهة الأخرى.
انفرج ثغره بابتسامة واسعة حينما رأى مكان الوسادة أصبح فارغًا.
حلو أوي، أنتِ اللي شيلتيها بنفسك.
اِنتظر قليلًا، فالخطوة القادمة ستأتي لا مَحَالةَ وستكون منها.
اتحركي يا زينب، خليكي قريبة مني.
بخفوت تمتم كلماته ثم أغلق عينيه مُترقبًا حدوث ما يتوق إليه، فتح عينيه على وسعهما عندما شعر بيدها على ذراعه ووجهها مُقابل وجهه ولا يفصلهم سوى أنفاسهم.
ولن يكون هو قديسًا هذه الليلة ويحرم نفسه من قربها.
زينب ينفع أقرب أكتر.
حديثه الخافت لم يكن يسمع صداه إلا هو، ابتسم عندما وجد شفتيها تنفرج بإنفراجة خفيفة حتى تستطيع التنفس بعمق.
.
وقفت شهد قرب النافذة التي تُمكنها من رؤية سيارات المنزل عند عبورها البوابة، تنهدت ثم ابتعدت قليلًا وأطرقت رأسها.
أول مرة سيف يتأخر كده.
أجفلتها نحنحة والدها الخشنة، فانتفضت بذعر والتفت حولها وعلى ما يبدو إنه يتجه إلى المطبخ.
دارت حول نفسها، لتبحث عن مكان تستطيع الإختباء به.
أيوة هنا...
جثت على ركبتيها وراء تلك الأريكة ثم أسرعت بتكميم فمها حتى تحبس أنفاسها الهادرة.
دقائق مرت وهي تجلس هكذا وراء تلك الأريكة و ترتجف من الخوف.
أغلقت عينيها تسترقي السمع إلى خطوات والدها التي اختفى صوتها بعدما عاد إلى غرفته.
كنتي هتضيعي يا شهد.
نهضت سريعًا من وراء الأريكة وقررت العودة إلى غرفتها، فلن تُطبق نصيحة لميس لها ولن تدعوه ليأتي معها هذا الحفل لكن قرارها تبخر في لحظة عندما استمعت إلى صوت سيارته.
غادرت المسكن بعدما مررت يديها على ثوب نومها الذي قامت والدتها بحياكته لها.
خرج سيف من سيارته بخطوات مُترنحه، فالأول مرة يزيد من جرعة شُرب الخمر التي كانت لا تتجاوز سوى كأسين يُبرر بعدها إلى نفسه إنه يشرب للمجاملة لا غير.
سيف.
نادته وهي تدخل ورائه الجراج ثم أسرعت إليه عندما رأته غير مُتزنًا في مشْيه.
اِستدار إليها مُتفاجئًا بوجودها أمامه بهذا الوقت مُتسائلًا بصوت ثقيل.
شهد، أنتِ بتعملي إيه هنا؟
حدقت به ثم اتجهت بنظراتها الحائرة نحو باب السيارة المفتوح لتتساءل بقلق.
هو أنت تعبان يا سيف، ليه مش عارف تقف كويس.
اِستمر في ترنحه الذي لم تفسره إلا إنه مصاب بالحمى. ف سيف في عقلها الصغير لا يمس تلك الأشياء المُحرمة.
أه أنا تعبان أوي يا شهد.
خرجت الكلمات من شفتيه ثم سقط أرضًا وأخذ يضحك.
تعبان أوي و السبب بنت عمك.
رفرفت باهدابها بعدما نفضت رأسها واستوعبت حديثه.
ليلى! عملت إيه، ليلى طيبة أوي و مبتعملش حاجة وحشة يا سيف.
رفع سيف رأسه إليها وابتسم.
خليكي جانبي.
ردت بتلهف وكأنها تنتظر منه دعوة البقاء بجانبه.
أنا جانبك يا سيف.
اقتربت منه أكثر وضمت رأسه إلى صدرها الذي أخذ يعلو ويهبط بأنفاس غير منتظمة.
أنا تعبان و ضايع.
خرج صوته في ضعف وخفوت ثم رفع عينيه إليها.
تقابلت نظراتهم، فارتبكت من نظرته لها.
سيف أنا...
وبقية الحديث كان يضيع مع تلك القبلة التي رحبت بها معه ولم تشعر بعدها بنفسها إلا وهي مُسطحة على الأرضية الباردة بين ذراعيه.
وضعت أشرقت يدها على بطنها التي أصبحت خاوية من ذلك الجنين الذي تخلصت منه اليوم.
اِنسابت دمعة من عينيها مسحتها سريعًا ثم تسطحت على الفراش في تلك الغرفة التي تبيت فيها ليلتها بأحد الفنادق بعدما أخبرت والديها إنها في مأمورية تخص العمل.
انفلتت الدموع من عينيها مرة أخرى وعادت تُمرر يدها على بطنها.
كده أحسن ليك و ليا...