رواية صرخات أنثى للكاتبة آية محمد رفعت الفصل مئة واثنان وعشرون
بمجرد وصول السيارة لبوابة المركز الضخمة، استقبلها فريقًا متكاملًا من الأطباء، بعد أن أعلمهم جمال بما حدث، ركضوا صوب السيارة، حملوه ومازال يوسف ينكب من فوقه ويعيد تكرار الانعاش القلبي الرئوي، باستخدام قبضة يديه، متجاهلًا وجع يديه لتكرار فعلته طوال الطريق، فبداخل المشفى يتم التبديل بين الاطباء والمرضى لضمان سرعة وفعالية الانعاش، وبالرغم من تعبه الشديد الا أنه رفض مساعدة آدهم في ذلك، كونه طبيبًا سيجعله يستهدف النقاط الصحيحة بنسبة تصل لتسعون بالمئة، قد يخطئ آدهم مرة ويصيب الاخرى، ولكن الوقت قد ينفذ منهما، فلم يكل يوسف عن محاولاته، استراحته القليلة قد تكون عاقبتها خسارة المريض، وذلك لم يكن أي مريض، شقيق أخيه وصديقه وشريكه، وفوق ذلك هو علي الذي لم يفعل لأحدٌ الا الخير، ويذكره به الجميع.
ولج الفراش المتحرك للعمليات، ومن خلفه وقفا جمال، و آدهم بحزن وخوف يتشكلان على الوجوه، وقفوا يراقبان غرفة العمليات بتوترٍ.
استند آدهم على الحائط، يرتكن بجسده الثقيل عليه، ووقف جمال على الحائط المقابل له مهمومًا، ثم ما لبث ثوانٍ حتى مشط الطرقة بعينيه بدهشةٍ، تحررت بحديثه الذي انتبه له آدهم: عُمران!
ارتاب آدهم حينما لم يعثر عليه، ظنه سيكون أول المتواجدين هنا، ولربما كان سيصر على الولوج مع أخيه، هرول كلاهما للخارج، يفتشان عنه بساحة الاستقبال الضخمة، ومدخل الطوارئ، لم يتركان زواية بالمركز دون البحث عنه، وبينما يبحث آدهم بمقاعد الاستقبال، وقع بصره على السيارة الموضوعة بالخارج، فنادى بحشرجة ألم أعتصرت حنجرته: جمال.
انتبه جمال لندائه، فهرول صوبه، وتطلع تجاه ما يتأمله، فاندهش حينما وجد عُمران مازال على نفس وضعية جلوسه بالسيارة، تحركوا معًا إليه، ناداه آدهم برعبٍ من جموده الغامض: عُمران!
تحركت رقبته تجاه النافذة، يتطلع له بجمود، فابتلع آدهم ريقه بتوترٍ من حالته: منزلتش معانا ليه؟
رمش بآلية تامة، ورد بلسانٍ ثقيل: أنزل فين؟
صعق كلاهما، ولم يستطيعان أن يترجموا حالته الغير مبشرة بالمرة، تحرك جمال يفتح الباب، ويسحب ذراعه بخفة، فانصاع له عُمران، الذي لم يكن من السهل أن يترك جسده القوي بهذا الارتخاء، حتى جمال نفسه ارتاب مما يحدث معه، فأحاطه بقوةٍ وولج به للداخل.
اتبعه عُمران والتيهة تستحوذ عليه، بشكلٍ جعل آدهم يخشى من حالته الغامضة تلك، وبينما كانوا بطريقهم لجناح الجراحة، توقف عُمران محله يتطلع صوب الاستقبال، حيثما كان يتجمع عدد من الناس، أتوا بحادث سير أصيب فيه شابًا من تلك العائلة، فانتشر البكاء، والصراخ، والذعر على الأوجه.
تجلد وهو يراقبهم، ووجهه يزداد إصفراره، وذراعه الظاهر من التيشرت الذي يشمره لمنتصف ذراعه، استطاع جمال أن يلتمس برودته التي تسربت له فجأة، فحاول سحبه بعيدًا عن تلك البقعة، ولكنه وجده يستعيد قوته، فبدى صلدًا، ثابتًا، لم ينجح أن يحركه أنشًا واحدًا، فقال ومازال يحاول: خلينا نمشي من هنا يا عُمران.
أبعد عُمران كف رفيقه عنه، وضاقت رماديتاه وهو يتابع المشهد بدقة، زرعت القلق أضعاف لإدهم، الذي حاول هو الاخر سحبه، وجذب انتباهه حينما قال: عُمران، تعالى يلا عشان نطمن على علي!
التقطت أذنيه إسم أخيه، فبدى كبقعة الضوء التي أنارت ظلمته، فاذا به يستدير تجاه آدهم، ويردد بنبرة غريبة: علي!
ندائه بدى لهما كأنه تناسى أمره وفجأة ذكره به آدهم، ولكن ما حدث بعد ذلك كان كاللطمة السريعة لكلاهما، حينما هرع عمران بالطرقة ينادي بصوتٍ مرتفع باسم أخيه، فتح الغرف المصفوفة بالطابق الخاص بالعمليات، ومازال بناديه بفزعٍ ولهفة: علي!
ركض آدهم و جمال خلفه، يحاولان منعه مما يفعله، ويقدمون الاعتذارات للاطباء والحالات التي كانت تخضع لعمليات نزع الاسنان، وتنظيف الأذن وغيرها من الاجراءات البسيطة التي خُصص لها غرف بداخل الجناح الرئيسي للجراحات.
تخطى آدهم جمال وبدأ بالتعامل مع عُمران بقوة وحزم، قيد جسده بتمكنٍ، حينما توازى معه بقوته الذكورية، دفعه تجاه الأرائك المعدنية، وهو يصدر له أمرًا مباشرًا: بطل اللي بتعمله ده، على جوه ويوسف معاه، شوية وهيخرج يطمنا، ولحد ما يطلع هتقعد هنا بهدوء، سامع!
تهدل جسده تدريجيًا، حتى سقط عن المقعد المعدني، وانزوى أرضًا جواره، يضم نفسه في مظهر انتزع قلب جمال وآدهم، المتعجبان لأمره!
سيطرت الصدمة على آدهم، فجعلته يتخشب محله وهو لا يستوعب أن من أمامه هو الطاووس الوقح، ذاك الذي عهد عنه القوة والشموخ، بينما لم يحتمل جمال رؤيته هكذا، فهرع إليه وانحنى قبالته، يحاول إبعاد يديه التي يحجب بها أذنيه، كأنه يهاب سماع شيئًا غير مسموع لهما، أبعد يديه وناداه باكيًا: عُمران!
تطلع له عُمران بغرابة، وكأنه لا يعرفه، وبعد قليل تجاهل وجوده وتطلع بعيدًا، يبحث عن وجهًا واحد لا يريد سواه، بينما يهمس بصوت منخفض، ولكنه مسموع لكلاهما: علي!
وعاد يضم أذنيه هاتفًا بما جعلهما يتبلدان في دهشة: قولهم يبطلوا عياط وصريخ، أنا مبحبش الاصوات دي!
ضغطات صدرية فعالة، ومحاولات مستميته لتوفير الأكسجين للرئتين، مع استخدام أدوات متخصصة مثل مزيل الرجفان، والتهوية الآلية لزيادة فرص النجاة، يُعدّ هذا الإجراء حاسمًا في الحفاظ على تدفق الدم الغني بالأكسجين إلى الدماغ، والأعضاء الحيوية، بينما يتم التحقق من غياب النبض، والتنفس لمدة 10 ثوانٍ، وتوقفت الامال مع قول الطبيب: المريض مش بيستجيب.
تدخل يوسف واستبدل موضع الطبيب، وضع كعب إحدى يديه على منتصف صدر علي، ووضع اليد الأخرى فوقها، ضغط بقوة وسرعة (100-120 ضغطة في الدقيقة) بعمق بوصتين تقريبًا، مع السماح للصدر بالارتفاع الكامل بين كل ضغطة والأخرى، وبعد 30 ضغطة، أعطى نفسين اصطناعيين عن طريق إمالة الرأس، ورفع الذقن ورفع الأنف، مع التأكد من ارتفاع الصدر مع كل نفس!
أسرع الطبيب المتخصص، يبعد يوسف عن علي، وقام بالاستعانة بجهاز مزيل الرجفان الآلي (AED)، لتوصيل صدمة كهربائية لإعادة ضربات القلب إلى طبيعتها، بوجود أنابيب
ستمر بتسلسل 30 ضغطة، فعلها مرتين متتاليتين، ومع الاخيرة، عادت نبضات القلب أخيرًا لموضعها الطبيعي، وعادت معه السكينة على وجوه الطاقم الطبي، الذي كادوا بالبكاء قلقًا على ذلك المدير العطوف ذو الخلق الرحيم.
انتزع يوسف نظارته وأزاح دمعاته العالقة بأهدابه. بينما يحصل على الراحة أخيرًا، فترك الاطباء يكملون عملهم وخرج ليطمئن رفيقه الذي مؤكدًا يجن جنونه على أخيه بالخارج.
ارتاب آدهم و جمال مما أصاب عُمران، تصرفاته نمت عن طفلًا صغيرًا، يخشى أصوات غير موجودة الا بخياله هو!
انتصب جمال بوقفته، يهرول صوب آدهم، يسأله بقلة حيلة، ودموعه تنهمر وجعًا على حبيب روحه وخليله: أعمل أيه يا آدهم، أطلب له دكتور؟
سحب بصره المندهش، تجاهه، وقال: مش عارف يا جمال، حاسس إنه مش في حالته الطبيعية، هكلم حد من الاستقبال وهاجي.
خطى خطوتين ولكنه توقف حينما انفتح الباب الرئيسي لغرف الجراحات الخطيرة، وظهر من خلفه يوسف، غير آدهم وجهته وسأله بلهفة وقلق: طمني يا يوسف، علي؟
منحه ابتسامة هادئة، يبث لكلاهما الأطمئان: حالته استقرت جدًا، الحمد لله.
وإتجه إلى عُمران، إنحنى قبالته، وابتسامته قد حجبها متصنعًا غضبه الشديد منه، ولكنه أراد أن يطمئنه، فهو يعلم ماذا يعني على لعُمران، فقال بوجومٍ: على كويس، وشوية وهيخرجوه لأوضة عادية، بس يا رب تكون هديت وعقلت، مع أني أشك في ده، إنت مش هترجع غير لما تخسر واحد فينا بسبب عمايلك دي!
تجعدت ملامح يوسف باستغرابٍ، من انحراف بصر عُمران تجاه الطرقة الخارجية، بعيدًا عن ناحية غرف العمليات، حتى أنه استدار يتطلع لما يتأمله، وحينما لم يجد شيئًا، عاد يتأمله بقلقٍ، وخاصة حينما لاحظ وضعية جلوسه، وهلع نظراته، تيهته المريبة، جعلته يجذب جانب وجهه بقوة، ليكن في مواجهة وجهه، بينما يناديه برعبٍ: عُمران!
دفع يد يوسف عن وجهه، ورفع يديه يعود ليغلق أذنيه، ولكنه مال تلك المرة على الارض بوضعية الجنين، صوته المبحوح يصيح بانهيارٍ: خلوهم يسكتوا، مبحبش صوت الصريخ.
وعاد يردد بتوسلٍ: علي، خليهم يسكتوا يا علي، أنا خايف!
وأضاف وقد شح صوته وبات من شدة حشرجته كالهمسةٍ العابرة: أنت فين؟ أنا خايف!
فطر قلب جمال الذي سقط جواره أرضًا يبكي بصوتٍ مسموع، بينما سقط عن آدهم دموعًا، خطفها بإصبعه، واستعاد ثباته وهو يسأل يوسف المتخشب محله أرضًا: من ساعة ما دخلنا المركز وهو على الحالة دي، انا كنت رايح أجبله دكتور، مش عارف ماله؟
رفع يوسف بصره تجاه آدهم، وقال بمرارةٍ: ارتباط عُمران بعلي وصفه بيتلخص في الحالة اللي بقى عليها.
ونهض يشير لجمال الذي كان يتمدد جواره ويربت بحنان على ذراعيه المضمومة داخل ساقيه: سنده معايا يا جمال. هنطلعه فوق.
بكى جواره وفشل حتى بالسيطرة على اعصابه، فحلى آدهم محله، وعاون عُمران، فانتشله عن الأرض بقوة، اسنده بذراعيه ويوسف من الجانب الاخر، يجاهد ألا يتحرر صوت بكائه، ودموعه قد أغرقت وجهه.
وزع عُمران نظراته الحائرة بينهما بغرابة، وكأنه لا يعرف كلاهما، ولكنه يخطو جوارهما في طاعةٍ وخضوع، مروا بالطرقة الرخامية، واتجهوا لاحد المصاعد، تثاقل عُمران قبالة المصعد، ولم يقوى كلاهما على زحزحته من محله، واستدار للخلف يهتف بخوف: علي!
وبصراخٍ عنيف ناداه: علي!
اعتصر يوسف دموعه، وقال بهدوء حاول أن يتحلى به قدر المستطاع: على بخير والله، وشوية وخارج.
أبعده عنه، وقال بتلعثم: أنت واخدني فين، أنا مش هروح معاكم، أنا عايز علي!
تحرر صوت جمال عن مخضعه أخيرًا، فقال باكيًا ليوسف: عُمران ماله يا يوسف، انا حاسس إنه ميعرفناش!
تركه يوسف برفقتهما، وانسحب يسحب هاتفه، يهاتف أحد أطباء المركز، من تخصص الامراض النفسية والعصبية، يقص له بايجاز عن الحالة التي أصابت صديقه، فأخبره ماذا يتعين عليه فعله للصعود به للاعلى، حيث سيكون بانتظاره لاستقبال حالته بنفسه.
أغلق الهاتف وتنهد يخرج زفرة طويلة، اختنق صدره بها، والتفت يعود صوبهما مجددًا، حيثما يعاونه آدهم وجمال، فابعد جمال للخلف وحل محله، يمنحه ابتسامة قد بذل مجهودًا لرسمها، واتبع ما قاله الطبيب فورأن قال له: على فوق يا عُمران، هطلعك ليه.
إنصاع له عُمران بهدوء غريب، واستقر جواره بالمصعد، وآدهم جواره من الطرف الاخر، بينما رفض جمال الصعود، وإتجه للخارج يختبئ من الأعين وينهار باكيًا، مترجيًا الله أن لا يصيب رفيقه سوءًا.
توقف المصعد بالطابق المخصص للطب النفسي بمركز «علي الغرباوي»، ومضى آدهم يصطحبه برفقة يوسف حتى ولجوا معًا لاحدى الغرف، فوقف عُمران على عتبتها يشمل الغرفة بنظرات متفحصة، وحينما لم يجد أخيه صاح بخوف: فين علي؟!
أشار له يوسف، وهو يتجه للخروج من الغرفة: هجيبه وجاي، خليك معاه يا آدهم.
قالها بتحذير لذلك المندهش مما يحدث، لقد تبدل عُمران بشكلٍ جعلهم جميعًا بحالة من الصدمة والذهول.
بقى جواره يتطلع له بحزنٍ، حتى عاد يوسف يصطحب الطبيب، الذي أتجه على الفور يتفحص عُمران والاخر يتابع الجميع ببرود، ونظراته لا تفارق باب الغرفة، ينتظر رؤية علي!
اخترق أوردته أبرة غليظة، لم يشعر بألم سنها الحاد وهو يخترق جلده، بل شعر ببرودة تسري داخل عروقه، ووجد ذاته يتشبث بذراع آدهم القريب له، فدعمه بلهفة وحبه منطوق بنظراته المرتعبة على ما أصابه، بل مال يسانده وهو يفقد وعيه على الوسادة تدريجيًا، ولسانه مازال ينادي أخيه بصوتٍ محتقن: علي!
سقطت دموع آدهم وجعًا، لقد أنسته حالة عُمران على تمامًا، ربما لأنه لم يسبق أن يراه بحالة الضعف هذة، بدى كالطفل الصغير الذي يبكي لفراق أبيه!، وقد مس قلوبهم جميعًا.
أزاح آدهم دموعه، واستقام بوقفته بثباتٍ، ينضم ليوسف الذي وقف يتابع حديث الطبيب بحزنٍ شديد، وخاصة حينما قال: أعتقد إن الحالة اللي هو فيها دي راجعه لخوفه وتعلقه الشديد بدكتور علي، أو جايز يكون سبق ليه إنه عاش حالة الفقد دي قبل كده، فخايف يعيشها تاني، وخاصة أنك بتقول يا دكتور يوسف أنه بيقول انه سامع أصوات صريخ وستات بتعيط، أعتقد أن مر بأزمة متعلقة بوفاة شخص قريب منه.
قطع آدهم حديثهما حينما قال: بس مفيش حالات وفاة حصلت لحد من عيلة عمران أو حتى من معارفه من فترة.
رد الطبيب وهو يزم شفتيه بحيرةٍ: مش عارف صراحة، أنا لو اتكلمت معاه هقدر أفهم منه، لكن في الوقت الراهن حالته صعبة ومش مؤهل لأي حديث بينا، بس اللي ممكن يساعدنا في الحالة دي لو وصلنا لاجابة سؤالي، هل سبق وعاش موقف مشابه زي ده؟
اقتحم صوت جمال مجلسهم بعدما استمع لحديث الطبيب فور دخوله: أيوه، عمران حكالي كتير عن الحالة اللي عاشها بعد وفاة والده، قالي إنه كان خايف ومرعوب من صوت صراخ الستات لانه مكنش متعود يشوف جنازات بالشكل ده في لندن، ووالده اتدفن هنا بمصر.
وأضاف ودموعه تنهمر على خديه: قالي إنه الشيء الوحيد اللي كان بيطمنه هو وجود على جانبه، ويمكن من اللحظة دي كان هو أبوه واخوه وكل شيء بيمتلكه.
برزت الخطوط العريضة أمام الطبيب، فأشار ليوسف بعقلانية: كده كل شيء وضح يا دكتور يوسف، الحالة اللي فيها عُمران راجع للي حصل لدكتور علي، لانه بالنسباله الاب والسند، وفجأة لاقى نفسه بيعيش نفس التجربة من تاني، بس المرادي الشخص اللي هيفقده هو على نفسه!
أسرع يوسف بطرح سؤاله: طيب والحل أيه يا مصطفى؟
رد وهو يربت على كتفه بحنان: متقلقش الوضع اللي هو فيه ده مؤقت، وهيزول كله بمجرد ما يشوف دكتور على قدامه، وحتى لو استمر معاه فاطمن دكتور على من أكفئ وأمهر دكاترة الطب النفسي، فهو أكتر حد هيقدر يساعده.
رد بمرارة اعتصرت حلقه: ربنا يقومه بالسلامة، هو كمان.
أتاهم صوت دقات باب الغرفة المفتوح، وإذا بالممرضة تهتف: دكتور على فاق وطالب يشوفك يا دكتور.
هرول يوسف للخارج، ومن خلفه آدهم، بينما تبقى جمال جوار رفيقه، يلازمه بجلوسه على مقعدٍ قريب منه، وتعمد أن يتحدث إليه في محاولةٍ منه ليطمئنه بأن هناك أحدٌ جواره، فهو يعلم جيدًا أن عقله بتلك اللحظة رهين لحظات الماضٍ، التي عانى فيها طفل الخمسة أو السادسة أعوام!
أنفاسه تتثاقل والصورة تهتز من أمامه، يحاول قدر المستطاع السيطرة على ضربات قلبه التي تشبه دفوف حربًا على وشك أن تنتهي، أعاد غلق عينيه بارهاقٍ، واسترخى بمنامته، حتى فُتح باب غرفته، ففتح عينيه يراقب الزائر بلهفة.
ارتسمت بسمة واسعة على وجه آدهم، فأسرع إليه يهتف بسعادة: حمد لله على سلامتك يا علي.
نزع قناع الاكسجين عنه، وهمس بصوتٍ متحشرج: عُمران؟
طبطب على كفه الممدود وقال: مسافرش اطمن.
انتقل بصر علي لباب الغرفة، ينتظر أن يرى أخيه، ولكن خاب أمله حينما ولج يوسف، يتلهف للاطمئنان عليه: علي، ألف مليون حمدلله على سلامتك.
منحه ابتسامة هادئة واجابه: الله يسلمك يا يوسف.
وحاول النهوض، فعاونه آدهم للاستناد على حافة الفراش، بينما يحذره يوسف: ارتاح يا علي، اللي بتعمله ده غلط، أنت لسه دايخ.
مال برقبته للوسادة من خلفه، وقال بصبرٍ لطالما تحلى به: أنا الحمدلله بخير يا يوسف.
وعاد يتفرس باب الغرفة، ثم تمتم بضيق: روح قوله يدخل، أنا عارف إنه مش قادر يواجهني.
توترت ملامح يوسف وآدهم بشكلٍ ملحوظ، وفشل كلاهما بالوصول لما سيقال هنا، بالرغم من استقرار حالة علي بشكلٍ ممتاز، ولكنهما يخشيان أن تنتكس حالته بمجرد علمه بما أصاب أخيه.
خفق قلب على ببطءٍ قاتل، وجل ما يعتريه أن يجن أخيه ويفعل بنفسه شيئًا، لم يحتاج لكلمة من عمران توحي له بمدى حبه الشديد إليه، حبه ومكانته ترجمتها نظراته، أفعاله، تعلقه الشديد به، الاختصار يكمن بمعرفة على بمدى تعلق وحب عُمران الشديد له، فاذا به يبتلع بصعوبةٍ، وهو يبصق سؤاله بحروفٍ مرتعشة: عُمران فين؟!
تمسك آدهم بكتفه، في محاولة لدفعه للوسادة مجددًا: ارتاح يا علي، عُمران هنا وبخير، اطمن.
انقباضة قلبه جعلته يواجه آدهم بنظرة ثاقبة، وقولًا واحدًا يتردد على لسانه: أخويا مش بخير، عُمران ماله يا آدهم؟!
ذُهل آدهم واندهش من علاقتهما الغريبة ببعضهما، بينما هتف يوسف بهدوء: مفيش يا على هو من قلقه عليك تعب شوية، مصطفى إداله مهدئ، وبقى أحسن الحمد لله.
صعق على من سماع ما قال، لدرجة جعلته يردد بدهشة كأنه يتذوق معنى الكلمة: مهدئ!
أطاح بالغطاء أرضًا، ونهض يضم صدره بوجعٍ احتبسه كله داخله، رفض الانصياع لادهم وليوسف، وإتجه بخطوات بطيئة متعبة للمصعد، ورافقه كلاهما بعد أن فشلا باقناعه.
لم يكن على بالرجل الذي يستسلم لتعبه، ويمضي خاضعًا لمرضه بفراشه، حتى وان أصابه ساهمًا سيتركه بجسده وسيمضي به حتى وإن كان ألمه لا يحتمل، ناهيك عن معرفته بما حدث لاخيه!
مال على المصعد والدوار يحيطه، ولكنه تماسك ممتنًا لمحلول المسكنات والأدوية التي منحته بعض القدرة على المحاربة، وصل للطابق المنشود، وخرج يتبع خطى يوسف وآدهم يسانده رافضًا أن يتركه مع محاولاته اللطيفة لسحب نفسه منه، الا أنه رضخ له بالنهاية.
فتح يوسف الباب، وقبل أن يميل جانبًا ليسمح لعلي بالمرور بمساعدة آدهم، وقف بجسده يعيق مرورهما رغمًا عنه، من شدة صدمته، مما دفع على ليدفعه برفقٍ، ليطل على عتبة باب الغرفة، فصعق حينما وجد أخيه يتمدد على أرضية الغرفة، متخذًا وضعية الجنين، ويبكي بانهيارٍ وصوتًا مسموعًا، بينما يحاول الطبيب واثنان من فريق التمريض و جمال مساعداته للنهوض!
تصنم جسد علي، واخترقه وجعًا لم يصيبه حتى حينما ذيع خبر وفاة عُمران الكاذبة، شعر بثقل يجسم فوق جسده، وكأن عظامه تطحن بين حجارين يسوي جسده بينهما، وتلك المرة سمح لادهم أن يسانده، وببطء همس له: وصلني لعنده.
هز آدهم رأسه، وقد اشتد به البكاء، فأي قوة سيتحلى بها بين هذان الشقيقان!، وصل به للمحل الذي يتمدد به عُمران، فانتبه الطبيب ومن معه لوجوده، واذا به يأمرهم بلطف: لو سمحتم سبيوني معاه شوية.
اعترض يوسف حديثه قائلًا: بس إنت لسه تعبان يا علي.
هتف بثبات ومازالت رماديتاه تتركزان على أخيه: أنا كويس.
انسحب الطبيب الذي قال بفرحة: حمدلله على سلامتك يا دكتور علي.
منحه ابتسامة مجاملة لم تصل لمُقلتيه الباكية، وجل ما يتطلع له هو أخيه!
غادر الجميع الغرفة، ولم يتبقى سواهما، ومع غلق الباب بيد جمال الذي كان أخر من خرج، تهاوت دموع على بغزارةٍ، ومال يرتكن على الحائط متأوهًا بصوتٍ مسموعٍ، ولوجعه أن حبيب قلبه لم يستمع حتى إليه من شدة ما أصابه!
مال برأسه على الحائط يحاول أن يرتب أنفاسه، يعالج نفسه أولًا حتى يتمكن من معالجة أخيه؟!
حصل على بعض السكينة وأندمل وجع صدره قليلًا، فمال ببطء حتى جلس أرضًا، وأخذ يزحف حتى بات يجلس جوار رأس أخيه المدفون جوار ركبتيه!
أزاح دموعه وتنحنح ليستعيد طبيعته، ثم مد كفه يمرره على خصلات شعر عُمران، مناديًا بصوتٍ قويًا: عُمران!
استقام رأسه لوضعه الصحيح، وببطء رفع وجهه صوب صوته المنادي، يتحقق من وجهه بدهشةٍ، ومازالت دموعه تنزف على خديه، تأمله لقليل من الوقت، ثم قال بصوته المحتقن: علي!
واعتدل بسرعة بجلسته، يميل صوبه، يتمسك به برعبٍ، يعاتبه ببكاء: كنت فين يا علي؟! إنت روحت فين وسبتني لوحدي، أنا كنت خايف أوي من غيرك، كانوا بيصرخوا وأنا خايف، أنا خايف من غيرك يا علي.
تخشب بجلسته لدرجة سحبت منه الكلمات، وتخلت عنه، لم يجد ما يقوله، وجل ما يقتحمه ألمًا كسر حطام قلبه المتبقي، ولكن ما تمكن من فعله هو ضمه لاخيه، متحملًا الألم الضاغط على صدره بعنفٍ، بينما يستمر عُمران بالشكوى له: أنا عارف إن بابا خلاص مات يا علي، بس إنت معايا ومش هتسبني صح؟
اعتصر دمعاته وهي يميل للخلف، مستندًا برأسه على الحائط، بينما ينحني رأس عُمران ليغفو على ساقه، لقد علم الإن ما اصاب أخيه بالتحديد، فاستمر بتحريك أصابعه على خصلاته، وهو يخبره بصوته المتقطع: عمري ما هسيبك يا عُمران، أنا معاك وجنبك.
ابتسم وهو يتمسك بساقه، بينما يمرر على يده على ظهر أخيه، كاتمًا بكائه بتحكمٍ تام، فعاد عُمران يشكو له: خليهم يبطلوا صريخ، أنا خايف من صوتهم.
مزق شفتيه من فرط حبسه للبكاء، واستمد نفسًا يبصق به الكلمات: مشوا خلاص، مفيش حد هنا غيري، كلهم مشوا.
سحب عُمران ذراع على يضمه من حوله وهو يستسلم للنوم، فأحاطه بذراعه الأخر، ودموعه تنهمر أكثر من السابق، سيصيبه الجنون حتمًا، لا يعلم كيف ومتى أصاب أخيه هكذا!، هل ألمه ما تعبه لتلك الدرجة التي تجعله يهوى بتلك الحالة الخطيرة التي يخوضها للمرة الاولى؟
مال علي برأسه فوق رأس أخيه يبكي بانهيارٍ، وهو يهمس بصوتٍ محتقن: حقك عليا، أنا آسف!
وجده يغفو وهو يرتكن على كف يده باطمئنانٍ، فعاد يمسد على خصلاته بحزنٍ شديد، وهو يرتكن بظهره على الحائط.
مرت ثلاثون دقيقة، وولج آدهم للداخل ليطمئن عليهما، فاقترب يجلس على الفراش المقابل إليهما، يتطلع لعُمران بابتسامة صافية، فابتسم على ومازال يمسد على خصلاته كالطفل الصغير، حتى شق الصمت صوت آدهم، حينما قال ومازال يتأمل عُمران: الشخصية الوحيدة اللي وقفت عاجز عن فهمها، رغم إني مُدرب على أعلى مستوى، وأهم جزء اتدربت عليه إني أفهم الشخصيات وأحلل ردود أفعالهم، وتقريبًا موقفش عليا شخصية صعبة الا وحللت نصها على الأقل، الا عُمران الوحيد اللي فشلت فيه فشل ذريع!
اتسعت بسمة علي وقال بصوته الرخيم الهادئ: مفيش أطيب ولا أحن من قلبه، حتى لو بان قدامك بطابع القسوة، وبالرغم من أنه يبان مغرور وشايف نفسه، لكن حقيقته تختلف نهائي، عُمران من الأخر الشيء ونقيضه!
شاركه آدهم الابتسامة، وقال باعجاب صريح: كل جانب حلو جوه عُمران إنت اللي وراه يا علي.
وأضاف بحزنٍ نطقت به نبرته: إنت البوصلة اللي بيعتمد عليها عُمران يا علي!
واستطرد ومازال يتطلع إليه: إنتوا الاتنين إدتوني درس النهاردة بعمري كله.
وجهه البشوش يمسك بابتسامته، وبكل محبة قال: تواضعك سابقك يا حضرة الظابط، اللي يُدرس بجد هي شجاعتك وتضحيتك بروحك عشان بلدك.
كاد أن يجيبه ويستهلك الحديث المحبب، ولكن هاتفه استوقفه برنين زوجته، رفع آدهم الهاتف وهو يتطلع لعلي بنظرة علم بها من المتصل، فحذره قائلًا: متقولهاش حاجة، ولا تعرف حد يا آدهم، أنا كويس وعُمران هيبقة كويس، محدش فيهم هيستحمل، كفايا اللي شافوه وعاشوه بغياب عُمران، كفايا وجع عليهم.
هز رأسه بتفهمٍ، ونهض إليه يطمئنه: مش هقولها حاجة، بس قوم معايا ريح على السرير، إنت لسه تعبان.
منحه ابتسامة جذابة، ومازال يمرر يده على خصلات عُمران الطويلة: أنا كويس، وبعدين إنتوا ليه محسسني إني عملت عملية وطالع منها!
وأضاف بنفس الابتسامة: إطلع كلم شمس وطمنها عليك.
هز رأسه في طاعة، وغادر الغرفة بهدوء، بينما استمر على بالتطلع لاخيه، وقد تلاشت كل آلامه حينما وجده يسترخي بالنوم بانتظامٍ.
مدد ساقيه على المقعد المقابل له بتعبٍ، لاحظه يوسف فتنحنح قائلًا: يابني قوم رايح جوه على السرير، بقالي ساعه بتحايل عليك، متبقاش عنيد.
رد عليه جمال بوجومٍ واختناق: أنا مستريح مكاني يا يوسف، شوية وهروح لعمران فمش مستاهلة أدخل جوه.
ضم شفتيه معًا بقلة حيلة، وعاد يقرب الصينية إليه: طيب كل أو إشرب أي حاجة، نشفت ريقي معاك.
زفر بعصبية، جعلته يدفع المقعد وينهض بانزعاج: مقولتلك مش عايز حاجة مصمم تنرفزني ليه يا يوسف، أديني سايبهالك.
وتركه وغادر من الغرفة، فهز يوسف رأسه بقلة حيلة، هامسًا وهو يقضم قطعة من الشطيرة: ربنا كرمني باتنين أجن من بعض!
غرد قرآن الفجر من سماعة صغيرة خُصصت بالمسجد الصغير الذي أنشأه علي داخل المركز، ينطلق منه صوت آذان الفجر من الراديو الذي وضعه العامل جوار السماعات الصغيرة، انطلق يعلن عن صلاة الفجر، بصوتٍ عذبٍ تسلل لذاك الذي مازال يغفو على ساق أخيه.
تحركت جفونه، وفجأة انتفض بمنامته بشكلٍ فزع على الذي بدأ يستجيب للنوم هو الآخر، فراقبه متسائلًا بقلقٍ: مالك يا عُمران؟
مازالت نظرات التيهة تحتل رماديتاه، عكس ثبات لسانه الذي يردد: الصلاة، الآذان أذن، الصلاة!
حاول على أن يهدأه، ولكنه كان كالمذعور، تركه ونهض يردد مجددًا: الصلاة.
واستدار يتجه صوب الباب، وعلى يحاول الاستقامة بوقفته ليمنعه، يخشى خروجه وهو بتلك الحالة النفسية السيئة التي لم يفق منها بعد، مال على صوب الحائط وهو يناديه: عُمران استنى!
خرج من باب الغرفة يمضي صوب الدرج، وعلى يحاول تتبعه، ويناديه بقلقٍ: عُمران.
لم يصل لمسمع عُمران سوى صوت الاذان، ولسانه الذي يردد دون توقف: اتاخرت على المسجد!
كان جمال يهبط الدرج، فوجد عُمران يمضي للاسفل، وعلى يتحامل على الحائط بصعوبة، فقال له وهو يهرع خلف عُمران: ارتاح أنت يا علي، أنا هنزل معاه.
اطمئن على وأشار له بامتنان، بينما أتجه هو لغرفة مكتبه بصعوبة، ليبدل ثياب المشفى، ويرتدى إحدى بذلاته.
تتبع عُمران صوت الآذان حتى وصل للمسجد الصغير، ولج للداخل يتجه للحمامات المخصصة، توضئ وخرج للمسجد، ومنه للصف الأول خلف الشاب الذي يقيم الصلاة، لحق به جمال بعد أن أتم وضوئه هو الاخر.
وقف جواره جانبًا وراقبه بنظرة حزينة، ازدادت عمقها حينما وجده لا يعرفه حقًا، وحينما بدأت الصلاة، خشع كلاهما لله الحي القيوم.
ركعتان كانت له خيرًا من الدنيا وما فيها، ركعتان كانت شفاء روحه المنهكة، وعالجت حالته النفسية بجدارة، وسرعة لم يحرزها طبيبًا معالجًا يومًا مضى ويومًا قادمًا، سلام نفسه لله كما يفعل دومًا.
اعتاد أن صلاته أهم شيئًا بحياته، حتى في تيهته وتدهور حالته فزع للصلاة فور سماع النداء، ومع سلامه يمينًا ويسارًا عاد يتلبس شخصه مجددًا!
جلس على السجادة يسبح ويقرأ بعض الايات القصيرة، ثم استدار صوب جمال الذي لم يبقى سواه بالمسجد، حيثما جلس ينتظره، وأن ظل عمره بأكمله بالمسجد كان سيمضيه رفقته بصدرٍ رحب.
تعلقت نظرات جمال به بارتباكٍ، يخشى أن يعود لتلك الفترة القاتلة التي لم يتعرف بها عليه، لن يحتمل خوض تلك التجربة مجددًا، يكفيه ما يعيشه منذ لحظة دخولهما للمركز.
ارتاح قلبه وتنفس بالحياة حينما ابتسم عُمران في وجهه، وقال بثباته الذي استعاده: كنت واثق إني لما هلف هلاقيك.
اتسعت ابتسامة جمال ودنى زاحفًا تجاهه، يضمه وهو يتمتم ببكاء: خد بالك لو جرالي حاجه هتكون أنت السبب.
ضمه بقوة ودموعه تتلألأ بعينيه، رافضة الهبوط: بعد الشر عليك يا عبحليم، ربنا يجعل يومي قبلكم كلكم.
وابتعد يقابله بابتسامة زرعها بصعوبة، ثم قال: أنا تعبتكم كلكم وأولكم نفسي، خلاص تعبت وعايز أرتاح يا جمال.
مسح على ساقه وقال: راحتك هتلاقيها مع اللي كانت روحك هتروح وراه.
ابتسم رغم انهمار دموعه، وتحشرجت أنفاسه بنطقه إسمه: علي.
هز رأسه مبتسمًا، وتابع بحنان: في مكتبه مع يوسف، اطلعله زمانه قلقان عليك.
أحنى رأسه بحرجٍ، وقال: مين المفروض يقلق على مين يا جمال؟
دعمه حينما سانده بالنهوض، ودعمه قولًا: اطلع يا عُمران، اطلع وريح نفسك من كل التوتر اللي عايشه ده.
اتبعه للخارج حتى وصل للمصعد، فتركه يصعد بمفرده، وغادر لمنزله حينما اطمئن قلبه عليه.
بينما بالاعلى.
انتهى على وآدهم من صلاة الفجر، حيث كان يوسف يصلي بهما، وحينما انتهوا قدم يوسف لعلي الادوية قائلًا: دي الادوية اللي الدكتور يحيى كتباهالك يا علي، انتظم عليهم عشان اللي حصلك ده ميتكررش تاني.
التقط منه الكيس البلاستيكي، وشكره بامتنان: شكرًا يا يوسف.
ورفع بصره صوب آدهم، ثم قال بحرج: أنا تعبتكم معايا، مهما قلت أو عملت مش هكفيكم آ.
قاطعه آدهم بحزمٍ وضيق: أيه اللي بتقوله ده يا علي، إنت أو عُمران اتخيلتوا عن مين فينا عشان نتخلى إحنا!
لكزه يوسف وقال: قوم يا حضرة الظابط خلينا نروح، لحسن دكتور على تقريبًا تأثير الادوية اشتغل قبل ما يأخدها.
واضاف وهو يضع هاتفه بجيب سرواله: جمال طمني على عُمران، بيقول بقى كويس وطالع لعلي، خلينا نمشي ونسيبه للدكتور يظبطه، هو بردو مغرور ومش هيحب يتظبط قدامنا.
ضحك آدهم بصوته كله، وقال: هيحطنا في دماغه وهينتقم مننا، وأنا بالذات مصدقت أقف معاه في نص الرصيف، لا مني داخل معاه صدام ولا واصل لبر آمان، فأنا أول واحد هنط من مركب التأديب والتهذيب دي.
ورفع كفه لعلي يحمسه: الله يعينك يا دكتور، كل الدعم والتوفيق ليك بس من بعيد لبعيد.
ابتسم على بينما مازحه يوسف ضاحكًا: بينا قبل ما نتأخد غدر في العركة دي.
قالها وسحب آدهم من الباب الداخلي لمكتب علي، فخرجوا معًا للمكتب المجاور ومنه للدرج الجانبي!
وقف يتطلع لباب المكتب بحرجٍ، لا يملك أي وجهًا يواجه بها أخيه، سحب أكثر من نفسًا، وزفره على مراحل حتى إستعد أخيرًا، وإتجه ليطرق الباب.
ابتسم علي وهو يراقبه من الحاسوب، وما أن تشجع وطرق الباب، حتى أغلقه، طل عُمران من خلف الباب، يتطلع له بنظراتٍ بريئة، لا تمت لشخصه الشرس بأي صلة، وولج يقدم قدمًا ويؤخر الأخرى، حتى جلس قبالته بصمتٍ، والاخر يستند على كفيه ويراقبه بنظراتٍ ثاقبة.
تنحنح الاخير متهربًا من لقائه، وردد بارتباكٍ مضحك: أنا، آآ، أنا. آ...
وعاد يلتزم بالصمت، وعلى يسيطر على ضحكته بصعوبة، بينما يجيد دوره بامتيازٍ، حتى عاد عُمران يردد بحزن: أنا آسف يا علي، آآ أوعدك مش هعمل كده تاني.
تحرر صوت على الثابت بنظرة غامضة: أعتذارك عن أي فعل بالظبط؟
رفع بصره تجاهه بحيرةٍ من حديثه، فواجهه على بنبرة حادة: لو عددتلك غلطانك هتتكسف تقعد قدامي مش بس ترفع عينك في عيني، بس كل ده ميفرقليش أكتر من انك كسرت كلامي، ومشيت من غير ما حتى تفكر تبص وراك!
وأضاف بغضب، جعل صوته يتحرر بعصبية: كل اللي فرقلك تعبي!
عصبيته عصفت بصدره، فمال يضع قبضته على صدره، وهو يكبت تأويهاته، فهرع إليه يترك مقعده ويتجه إليه، يسأله بخوف: علي! حاسس بأيه، هنادي للدكتور.
قالها وهرول للخارج، ولكنه توقف حينما صرخ فيه علي: أقف مكانك.
وقف محله واستدار يواجهه، فانخفض وجه على للمقعد، ففهم عمران مقصده وعاد لمحله من جديد، فاذا بعلي يتابع بعدما سحب نفسًا يمهد له هدوئه: أنا مش همنعك عن اللي في دماغك، لو عايز تسافر هسيبك تسافر بس في مشوار هتيجي معايا فيه الاول.
رد عمران دون أي تفكير: مش هسافر، أنا هفضل معاك ومش هعمل كده تاني.
ببسمة ساخرة أجابه: ما أنت كنت هتعملها من ورايا، فبعلمي أحسن ومتقلقش مش هيجرالي حاجة تانية خلاص.
تطلع إليه بحزنٍ شديد، وقال باكيًا: أنا آسف.
تألم لأجله ونهض يتجه إليه، يقف على بعدٍ منه، وبصرامة قال: قوم أقف.
نهض يقف قبالته، يخطف النظرات إليه بحزن وترقب، حتى حرر على كلماته: غرورك إنكسر وبقيت بتبكي قدامي في أي وقت، وبعدين مالك مش كنت واثق من قرارك وواقف قدامي بتواجهني بيه!
خطف نظرة إليه، ثم سحبها أرضًا وهو يقول بصوتٍ متحشرج مكتوم: القرار اللي أخدته وكنت فاكره طوق نجاة، طلع شعلة نار، حرقتني قبل ما تطولك.
وتابع ببكاء وعينيه تتأمل صدر أخيه: أنت قلبك وقف بسببي يا علي!
سقطت دموعه تأثرًا به، فجذبه إليه يضمه بقوةٍ، وكلاهما أعينهم تبكي بصمتٍ، حتى ردد على بوجعٍ: موقفش غير من خوفي عليك، مش عارف هتقتنع إزاي إنك لما بتتخدش أنا اللي بنزف مش إنت، فازاي عايزني أتقبل إن حد يجلدك وأنا المفروض اقف وأسكت، وماليش للاسف أتكلم لإنك حاططني في موقف صعب.
إنحنى يقبل يده وهو يهدر ببكاء: أنا آسف، حقك عليا.
سحبه لاحضانه مجددًا، وهو يقبل أعلى رأسه، فهتف عُمران ببكاء: إنت كنت عايز تتخلى عني وترجعني يتيم يا علي!
ابتسم رغم دموع عينيه، وقال في محاولة ليضحكه: وحياتك أنت اللي كنت بتودع مش أنا.
ضحك بالفعل، فابتسم على وقال: طلعت أدور عليك عشان اتسند على عضلاتك اللي بتتفشخر بيها في الجيم، لاقيتك رجعت لكيجي تو، وعايزني أنا اللي أشيلك، طب بذمتك أعملها ازاي دي!
وأضاف بجدية أسقطت عُمران ضحكًا: ده أنت أدي مرتين! فاكر خلة السنان اللي كنت بتعايرني بيها، طلعت تناسبني فعلًا وشكلي كده هنزل معاك الجيم.
وتمتم بانزعاجٍ: محسبتهاش اللحظة دي أنا!
تمايل من فرط الضحك وشاركه علي، وأصواتهما تمتزج مع دموعهما، حتى تمكن على بالسيطرة على ذاته فقال بخشونة مصطنعة: بطل ضحك وخليني أعرف أعاقبك على المصيبة اللي عملتها.
وقف بثبات قبالته، وقال بجدية مصطنعة: تحت أمرك يا بابا علي، تحب أتعاقب ازاي وأنا من إيدك دي لايدك دي.
منحه نظرة غامضة، وقال: مفاتيح عربيتك على مكتبي، هاتها وحصلني!
حاولت فاطمة الوصول لزوجها ولكنها لم تتمكن، حتى مايا فعلت المحال لتتحدث مع عُمران ولكن هاتفه المغلق، جعلها تكاد أن تقتل قلقًا عليه، وما يزيد خوفها، عدم تمكن فاطمة من الوصول لزوجها هي الاخرى، فجلست كلتاهما تنتظر عودة علي.
صعد عُمران خلف علي على درج المسجد الكبير، الخاص ببعض مشايخ الأزهر الشريف، خلعوا الاحذية، وولجوا للداخل حيثما كان رجلٍ كبير بانتظارهما من مشايخ الازهر، صافح الشيخ علي بترحابٍ، وعلى بدوره أشار على أخيه قائلًا: ده أخويا اللي كلمت حضرتك عنه يا عم الشيخ.
تأمله الشيخ العجوز بابتسامة هادئة، وقال بصوته الطيب الذي شرح صدر عُمران له منذ أن رأه: سيماهم في وجوههم، ما شاء الله.
ابتسم علي وبداخله يدعو الله من صمام قلبه، أن يهتدي أخيه، للصواب، فقال لعمران، وهو يبتعد عنهما: هصلي ركعتين.
تركهما وابتعد، وقد فهم عُمران مغزى ما يفعله علي، ليترك محاولة الاقناع الاخيرة للشيخ، أشار الشيخ الفاضل، إليه بمحبة: اقعد يابني.
جلس متربعًا قبالته، يتطلع له باستسلامٍ، فقال مبتسمًا: شكلك مش حابب تسمع تمهيدات، وعايزني أدخل في الموضوع على طول، باين من بصاتك واستسلامك للي هقوله.
تنهد بوجعٍ، وقال: مش فكرة إني مستسلم للي حضرتك عايز تقوله، الفكرة أن في جوايا خوف أكون بشيل على ذنب وقوفه ضدي في اللي عايز أعمله.
واستطرد بقلة حيلة، والحزن يموج برماديتاه: أنا تايه ومبقتش عارف الصح من الغلط يا عم الشيخ.
ابتسم الشيخ البشوش، ومرر يده على سبحته العتيقة، بينما يحاوره بأروع ما أمتلك: حيرتك واصرارك على تطبيق شرع الله ده في حد ذاته شرط من شروط قبول التوبة يابني.
لو حيرتك في إن ربنا عز زجل ممكن يقبل توبتك بدون إقامة الحد، فأنا هريحك إن ربنا سبحانه وتعالى يتقبل التوبة اذا كانت صادقه واستوفت شروطها فإن الله يفتح باب الرحمه لمن تاب، وآمن وعمل صالحا حتى وإن وقع في مثل هذا الذنب مؤكداً أن مغفرته تشمل الذنوب جميعًا ما عدا الشرك الأكبر.
ومن أهم شروط التوبه، الندم والاقلاع عن الذنب
والعزم على عدم العوده الى هذا الذنب مرة آخرى
وهناك أمور تعزز من قبول التوبة زي.
الاستغفار.
قال تعالى (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرو على ما فعلوه وهم يعلمون)
سوره ال عمران الايه 135
الصلاه ركعتان بنية التوبه عن الذنب
بسم الله الرحمن الرحيم
قال تعالى (وإنى لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)
سوره طه
3-الاعمال الصالحه
وقال تعالى.
«والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامه ويخلد فيه مهانا الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحاً فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيماً ومن تاب وعمل صالحاً فإنه يتوب إلى الله متابا»
سوره الفرقان
4-الدعاء بخشوع بأن يغفر الله الذنب، ويتقبل توبتك
قال تعالى.
(وهو الذي يقبل التوبه عن عباده ويعفو عن السيئات)
سوره الشورى
وقالى تعالى
(ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر إليه يجد الله غفورا رحيماً)
سوره النساء.
وأضاف بنفس ابتسامته: يابني ربنا غفور رحيم، وعمره ما أغلق أبواب رحمته، ربنا سبحانه وتعالى سترك بفعلتك، فإنت مدام عقدت النية بعدم العودة للذنب ده متحاولش تهتك الستر ده عنك، شروط التوبة العزيمة والارادة إنك مش هتعيد الغلطة دي تاني، قرب من ربنا وكن على يقين إنه هيغفرلك، ولو يأست افتكر قوله تعالى.
«قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمه الله أن الله يغفر الذنوب جميعاً أنه هو الغفور الرحيم»
ردد عُمران ودموعه تنسدل على وجهه: رضيت يا الله، وأسألك أن تعفو عني وتغفر لي ذنبي.
دقق الشيخ بوجهه، وقال يلفت أنتباهه: أيه رأيك تعتكف معانا بالمسجد النهاردة.
رفع عينيه له متلهفًا بترديد حديثه: أعتكف؟
هز رأسه موكدًا، وأوضح له: في مجموعه من الشباب بتيجي كل أخر شهر تعتكف هنا أربع أيام، أسبوع، اللي ربنا يقدرهم عليه، خليك معايا هما بيجوا على صلاة العشاء باذن الله.
وأستكمل بابتسامة واسعة وهو يشير محل جلوس على الذي عاد من الخارج، يحمل حقيية عُمران الذي كان يتركها بالسيارة، فتطلع له عُمران باستغراب، فقال الشيخ: أخوك قالي انك بتحب الشيخ أحمد عزب، والشيخ حازم شومان، وسبحان الله الاتنين بيجوا هنا على طول، فلما قولتله إني هعرض عليك تعتكف معانا رحب جدًا بالفكرة.
ابتسم عُمران في رحة، وخاصة حينما استطرد الشيخ: أخوك شكله بيحبك جدًا، ربنا يباركلك فيك ويخليكم لبعض يابني.
وتابع وهو ينهض عن الارض: قوم ودع أخوك وهات شنطتك وتعالى.
منحه ابتسامة كبيرة، وإتجه صوب على بوجهًا مستنيرًا، فقال على وهو يرنو إليه بالحقيبة: عارف انك مش هترفض الفرصة دي، فنزلت جبتلك شنطتك من العربية.
واستطرد بحب: كان نفسي اعتكف معاك، بس وجودي هيشتتك.
وتابع وابتسامته الجذابة مازالت تحتل وجهه الرجولي: أنت محتاج الوقت ده، وصدقني لو لسه مصر على قرارك مش همنعك.
قال جملته الاخيرة وهو يقدم له جوازه باليد الاخرى، فسحب عُمران حقيبة ملابسه، وترك بين يدي أخيه هاتفه وجوازه رافضًا أخذهم منه، بل تلقفه بين أحضانه وقال بنبرة اجتمع فيها حب العالم بأكمله: أنا ربنا عوضني عن عيلتي كلها فيك يا علي، أنت أبويا وعمي وخالي وأخويا وعزوتي في الدنيا، ربنا ما يوريني فيك أي شيء وحش، والله مستكفي بيك عن كل حاجة ومش عايز غير وجودك جنبي.
وتابع ودموعه تنهمر على كتفه: سامحني أني دايمًا بكون سبب وجعك وألمك.
أبعده وأحاط وجهه بين يديه بقوة: إنت سبب سعادتي مش وجعي، أوعى تقول الكلام الاهبل ده تاني والا هعاقبك بجد المرادي، سامع!
منحه ابتسامة واسعة، فاستطرد على وهو يودعه: أنا همشي، وعندي أمل إنك راجع قبل ولادة مايا، هدعيلك ربنا يطمن قلبك باللي تقطع بيه الماضي بوجعه اللي ملازمك للنهاردة.
وأضاف بعدما ابتعد عنه قليلًا: لو اشتاقتلي رنلي من تليفون أي حد، وخد بالك إنت مأمور ببر الوالدين.
تلميحه الاخير بأنه والده، جعل عُمران يبتسم بسعادة، ووقف يراقب أخيه وهو يغادر المسجد، واستدار تجاه الشيخ الذي يتأمله ببسمة بشوشة، فسحب عُمران نفسًا طويلًا، وقال بوجه مشرق: أنا جاهز يا عم الشيخ!