رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل العشرون
ابتعد إلياس عن طارق، صدره يعلو ويهبط بعنفٍ كأنَّه يطرد أنفاسه المشتعلة، وعيناه تقدحانِ شرراً، ارتفع رنين الهاتف يعلو بالمكان، ورغم ذلك لم يلتفت إليه، وصاح بصوتٍ جافٍّ متحشرجٍ بالغضب: – فكَّرتك راجل يالا بس إنتَ طلعت قذر، وفعلًا مهما الواحد يعمل معاك هتفضل حيوان.
نهض طارق ببطء، مسح الدماء المتجمِّعة عند فمه بظهر كفِّه، وألقى بنظرةِ تحدٍّ نحو إلياس قبل أن يتكلَّم بنبرةٍ متكسِّرةٍ تحمل مزيجاً من الألم والاعتراف: – أنا بحبَّها وإنتَ عارف.
تقدَّم خطوةً للأمام، وارتجف صوته وهو يتابع: – مش ذنبي إنِّ أبويا كان مجرم إحنا مالناش يد في اللي عمله، خمس سنين وبحاول اقنعك، وانت رافض تديني فرصة، وهي اتخطبت وبرضو مقدرتش تكمل، اه غلطنا لما اتقابلنا من وراكم، وأصرينا على كدا، منكرش اني وعدتك هبعد عنها بس مقدرتش، ومش معنى انك لقيتنا خارجين من الشقة دي يبقى كسرناكم، الشقَّة دي بتاعة صاحبة غادة، ووالدتها جالها غيبوبة سكر اتَّصلت بيَّا لأنَّها مالهاش حد وأكيد إنتَ عارف دا كلُّه.
توقَّف لثانية يلتقط أنفاسه، ثم أكمل بعينينِ يملؤهما الإصرار: – آه أنا بحبَّها، وماانكرش كان قدَّامي فرص كتيرة بس عمري ماأذيتها، عمري مافكَّرت أضرَّها.
التفت إلياس إليها، عيناه تقدحانِ شررًا، وأردف بصوتٍ ينفجر كالرعد: – بيقول مافكرش يضرِّك، لمَّا يخرج معاكي من غير رابط رسمي، غير مكالمتكم طول الوقت وتنكروا كمان إنُّكم جيتوا هنا قبل كده؟!
ارتجفت شفتاها، وكأنَّ الكلمات تخنقها، فتمتمت بتقطُّع: – إلياس.
لكنَّه قطع صوتها، وأشار إليها بتهديدٍ صريح: – اخرسي يابت، واركبي العربية. مش عايز أسمع نفسك.
رنَّ الهاتف من جديد، فانتزعه من جيبه، وأجاب بنبرةٍ تقطر غضباً، كأنَّها تحمل حمماً تتفجَّر: – فيه إيه؟!
أجابه الطرف الآخر، متردِّداً: – أستاذة ميرال في شقَّة على طرف المدينة ياباشا خرجت من ساعة، وحاولت تهرب من الحراسة، بس أنا تابعتها من بعيد زي ماحضرتك أمرت.
ضغط أسنانه حتى كاد يُسمع لها صريراً: – ابعت العنوان بسرعة.
قالها وأغلق الهاتف، يلتفت بعينين تومضانِ بالغضب نحو سيَّارته، ثم أشار لمالك بصرامة: – وصَّل غادة وخلِّيك على اتِّصال معايا.
– تحت أمرك، ياباشا.
توقَّف طارق أمامه: -إلياس آسف إنِّي مكنتش قدِّ وعدي.
حدجه إلياس بنظرةٍ كادت تحرقه: -استغلِّيت البنت ياطارق، استغلِّيت حبَّها وفكَّرتها زي البنات اللي بتسهر معاهم، دنا إلياس خطوةً حتى اختلطت أنفاسهم وهدر بغضب: -غادة دي أختي ياطارق، أوعى تفكَّر علشان غيَّرنا الأسماء مبقتش تهمِّني، دا أنا مستعدِّ أضحِّي بحياتي لو حد حاول يضرَّها، حتى لو أخويا نفسه، ويارب مايكنش ضرِّيتها فعلًا، لأنِّي وقتها مش هرحمك يابنِ راجح. قالها وتراجع إليها.
ثم صوَّب نظراته الناريَّة نحوها من جديد، وأردف بصوتٍ آمر: – اركبي واقفة كده ليه؟!
تحرَّكت ببطء، تشعر بثقلِ خطواتها، رفعت عيناها إلى طارق وهي تتَّجه إلى سيارة مالك، ثمَّ التفتت إلى إلياس الذي ابتعد بنظراته عنها، هنا شعرت بأنَّ صمته سيظلُّ جارحًا وسيرفض منحها فرصة لتبريرٍ أو تفسير.
وصل إلياس إلى العنوان الذي دُوِّن على شاشة هاتفه، توقَّف بسيَّارته بعنف، وترجَّل بخطواتٍ متسارعة، فاقترب منه الحارس وأشار بيده إلى الأعلى: – فوق.
تقلَّصت ملامح إلياس واندفع نحو المبنى، متَّجهًا إلى الطابق المنشود.
بالدَّاخل عند ميرال، طالعت رانيا بوجهٍ جامدٍ كالصخر، وعينين تتطاير منهما شراراتٍ حمراء، سحبت السكِّين الذي بدا وكأنَّ النار أكلت حدِّه فصار رمادًا أحمرًا من شدَّة انصهاره، تقدَّمت برأسها وأمالت حتى التصق ظهر رانيا بالمقعد، والذعر ينهشها.
رفعت ميرال السكين إلى عنقها، ليرتفع صوت صراخِ رانيا الذي جلجل السكون: – لاااا ميرال، إنتي اتجنِّنتي؟!
ورغم ذلك لم يرفَّ لها جفن، بل اتَّكأت عليها، تحدجها بنظراتٍ سوداء كالذي يغرق في الظلام، وهتفت بصوتٍ يخرج مبحوحًا مخنوقًا بالغلّ: – شايفة الألم دا؟! ده ماييجيش نقطة في بحر اللي عشته بسببك.
اقتربت أكثر، حتى كادت أنفاسها الحارَّة تحرق وجه رانيا: – من يوم مافوقت وعرفت إنِّك ورا الخراب اللي أنا فيه وأنا بدعي ربِّنا أموِّتك، مش مهم إيه اللي هيحصل بعدها عايزة أدفنك تحت الأرض زي مادفنتيني وولَّعتي في حياتي وأنا عايشة.
ورغم ارتجاف يدها، لكنَّها ضغطت على السكين بقسوة: – أنا بكرهك بكرهك من يوم ماعرفت اللي عملتيه في ماما فريدة وفي أختك، وأنا نفسي أشوفك جثَّة.
بكره نفسي علشان شايلة دمِّك القذر، ضغطت بقوَّة أكتر وهي تحرِّك السكين على جسدها مع صرخات رانيا، ولكن ميرال كأنها أصيبت بالصمم ولم تعد تستمع شيئًا: -وصَّلتيني أقتل نفسي وأقتل بنتي. وصَّلتيني أكون مدمنة وأكره جوزي. دفعت رأسها عدَّة مرَّاتٍ بالجدار تصرخ بها كالمجنونة: -وصلت لمرحلة كنت هضيَّع شرفي. أاااه. لازم أموِّتك. قالتها بصراخٍ وارتجافِ جسدها ودموعها التي أصبحت كالشلَّال.
مع انفجار رانيا بالبكاء، تحاول إبعاد يدها المرتجفة؛؟ لكن ميرال تحوَّلت كالمجنونة وهي تضغط بقوَّة حتى تناثرت الدماء وصرخات رانيا كالزلزال: – حاولتي تقتلي جوزي علشان
مايوصلش لميرال، علشان تاخديها تشغَّليها في قذارتك، سيطرتي على مخِّي علشانك. إنتي قذررررة.
ارتفع صراخ ميرال ممزوجًا بنحيبٍ متقطِّع، في تلك اللحظة دفع إلياس الباب بقوَّةٍ عمياء، فارتطم بالحائط وتناثر زجاجه في كلِّ مكان:
– ميرال!
همس بها بصوتهِ مذعورًا، وهو يراها بتلك الحالة، جسدها يرتجف بالكامل، وبيدها سكِّينًا وكأنَّها منصهرة، دموعها تسيل بلا توقُّف، ووجهها مشوَّهًا بغضبٍ ووجعٍ عميقين، كأنَّ روحًا أخرى استولت عليها.
اقترب خطوةً واحدة، قلبه يضرب في صدره بعنف، وهي تشير إليه بجنون، بعينينٍ كجمرٍ مشتعل: – لو قرَّبت، لو قرَّبت، هموِّت نفسي مش هسيبها لمَّا أموِّتها، لازم أريَّح الناس من قذارتها.
– ميرال، حبيبتي، ارمي السكِّين. إنتي كده بتضيَّعي نفسك، بتتحوِّلي لمجرمة.
اقترب خطوةً أخرى، وعيناه على السكين الذي يرتجف بين كفَّيها. ونطق بصوتٍ يرتجف وهو يحاول أن يلتقطها من حافَّة الهاوية: – سيبيها، فكَّري بعقلك ياميرو...
لكنَّها صرخت، وأصبح صوتها متقطِّعًا من حالتها الضائعة، تمتمت كالذي فقد عقله: – أنا لازم أموِّت الستِّ دي، ياإلياس.
إنتَ متعرفش حاجة. الستِّ دي لو فضلت عايشة هتاخد ولادي منِّي، هيَّ قالت كده. قالتلي هتعملها وعايزة تموِّتك.
هتف إلياس، وطالعها وهو يتوسَّل إليها: – ميرو حبيبتي، ارمي السكِّين. كده ولادك هيتَّاخدوا فعلًا، لأنِّك هتتحبسي لو موِّتيها، القانون مالوش دعوة باللي هيَّ قالته. فكَّري في الولاد، يوسف وشمس.
لكنَّها هزَّت رأسها بعنف، عيونها تغلي بدموعٍ مريرة: – لازم تموت، لازم. هيَّ تستاهل.
اقترب أكثر ببطءٍ محسوب كأنَّه يحاول تهدئة حيوانٍ جريح: – تمام، وحياتك عندي، هاخد حقِّك منها. بس مش كده، مش بالموت. سيبي السكين ياميرو، أرجوكي...
كانت يداها ترتجفانِ بعنف، والسكين يهتزُّ في قبضتها كأنَّه ينتظر السقوط. خطوةٌ واحدة أخرى فقط كانت تفصل إلياس عنها وعن اللحظةِ الفاصلة بين الحياة والموت. وهي تميل بنظراتها إلى رانيا، راقب تغيُّر ملامحها، كأنَّها تصارع كوابيس.
-ارتعش صوته وهو يهزُّ رأسه بجنون، من نظراتها إلى رانيا، التي تيَّقن أنَّها فاقدة لعقلها بالكامل، همس اسمها برجاءٍ يائس، يحاول إيقاظها من كابوسٍ يغرقها في لجِّ الظلمات، ابتلع ريقه بصعوبة وقال بنبرةٍ حاول أن تكون هادئة: – طيب ينفع كده؟ إنتي بتموِّتينا كلِّنا. مفكَّرتيش فيَّ، في حياتنا؟! سيبي السكِّين ياميرال، سيبيها.
لكنَّها لم تستمع إليه كأنَّها بعيدة، بعيدةٌ جدًّا، كأنَّ روحها انفصلت عن جسدها. عيونها معلَّقة بوجه رانيا المحترق، وصرخاتها تصمُّ الآذان، وذكرياتٍ سوداء تتدافع كالأمواج العاتية، تلطم عقلها وكيانها بلا رحمة.
حتى ذهبت ذاكرتها لمآسيها الدامية، تنظر إلى عيون رانيا المتألِّمة أمامها، وهي لا تراها سوى وجهٍ عذَّبها، بل خنقها، وألقى بها في الجحيم. صرخت رانيا باسم إلياس وهي ترى اقتراب ابنتها المجنون منها، رغم حروقها لم تشعر بشيءٍ إلَّا أنَّ ابنتها ستقوم بقتلها حتمًا، صرخت رانيا تستعطفها برجاءٍ ولكن صراخها لم يكن شفيعًا إليها بل كان صدى لآلامِ الماضي الذي فجَّرته رانيا بعقل ميرال المغيَّب، لتفتح قيح جراحها الذي لم ينطفئ قط. فانحنت تضع السكين على عنقِ رانيا.
اهتزَّت شفتاها بكلماتٍ بالكاد خرجت من حنجرتها، كلماتٍ تحمل وجعًا وقهرًا: – لازم تموت. لازم. أخلص منها...
قالتها وهي تبكي بحرقة، مع ارتجاف يدها. لم يكن خوفًا بل غليانًا من الغضب المكبوت، حتى انفجر إلياس اندفاعًا، صرخ صرخةً شقَّت سكون الموت، وركل يد ميرال الساكنة ليختلَّ توازنها، وتسقط مع سقوط السكين من قبضتها.
توقَّف كلُّ شيء و تجمَّد، ولم يُسمع سوى أصواتِ أنفاسهم المتقطِّعة.
عيناه كانت على رانيا وهو ينظر إلى
مافعلته ميرال بها، ثم اتَّجه إلى ميرال التي جثت على الأرض، ترتجف كطفلةٍ فقدت الطريق، ودموعها تحفر أنهارًا على وجهها.
صرخت بجنون، التقطها يرفعها من فوق الأرض وهي تبكي بنشيجٍ تتخبَّط بين ذراعيه تهمس بجنون: – لازم تموت ياإلياس! الستِّ دي لازم تموت، أنا بكرهها. بكرههاااا!
ضمَّها إلياس بقوَّة، كأنَّه يخشى أن تفلت منه وتسقط في هاويةٍ اللاعودة، ربت على ظهرها بصوتٍ مبحوح: – اهدي. اهدي ياميرال.
رفع نظره إلى ذلك الرجل الضخم، علم من هيئته أنَّه تابع إلى أرسلان، أشار على رانيا المقيَّدة وقال: -فكَّها وخدها من هنا.
أومأ بطاعة وتحرَّك دون أن يضيف شيئًا.
أمَّا هي فقد انهارت بين ذراعيه، جسدها ينتفض، وشفتيها تهمهم بخفوتٍ متقطِّع: -عايزة أموِّتها. هيَّ دمَّرتني ياإلياس، دمَّرتني مش هتسبيني هي عايزة تموتك.
انحنى إليها، رفعها من بين ذراعيه بحذر، كأنَّها شيئًا هشًّا يخشى عليه من الكسر. ورغم ثبات ملامحه، إلَّا أنَّ داخله كان بركانًا يوشك على الانفجار. مضى بها بخطواتٍ بدت واثقة، بينما الحقيقة أنَّ قلبه كان يختنق مع كلِّ خطوة.
وصل إلى سيَّارته، وضعها برفقٍ على المقعد، وقبَّل جبينها قبلةً حاول أن يسكب فيها كلَّ طمأنينته: -أنا معاكي. محدش دمَّرك، ولا حاجة في الدنيا هتكسرك طول ماأنا موجود. ميرال، ركِّزي معايا. الماضي خلاص مات، فكَّري فيَّا أنا وإنتي وولادنا. دا أهمِّ من أي حاجة.
أغمضت عينيها، ودموعها انسابت في صمت، ورغم أن الدموع مياه لكنَّه شعر بها نارًا تحرقه من الداخل. استدار خلف المقود، مدَّ ذراعه ليضمُّها إليه، واضعًا ذقنه فوق رأسها كأنَّه يبني لها حصنًا من أضلعه.
-إيه رأيك نعدِّي على الدكتور الأوَّل؟
تحكي له اللي جوَّاكي.
-مش عايزة. عايزة أروح لماما فريدة.
-تمام. هنروح لماما، بس علشان خاطري، نعدِّي على الدكتور الأوَّل.
أومأت برأسها بصمت، وذراعاها تحاصره كمن وجد الأمان أخيرًا.
عند غادة...
استقلَّت سيارة الحراسة، جلس مالك خلف المقود وتحرَّك بها صامتًا، كأنَّ الكلمات اختنقت في صدره. استندت غادة إلى النافذة، نظراتها معلَّقة بالخارج، تتأمَّل الشوارع التي تتلاشى خلف الزجاج بينما عيناها تحوَّلتا إلى بركٍ من الألم. كانت تدرك أنَّها أخطأت بحقِّ الجميع، لكن قلبها يأبى إلَّا أن يفتقده، وبدأ ينزف لأجله.
أغمضت عينيها، تركت دموعها تنساب في صمتٍ ثقيل، لم يكن بكاءً صاخبًا، بل وجعًا يتسلَّلُ كنيرانٍ تلتهم قلبها.
لمحها مالك عبر مرآة السيَّارة، تردَّد طويلًا قبل أن يبتلع كبرياءه ونطق: -آسف. عارف إنِّي اتصرَّفت غلط، بس كان لازم أحافظ على أمانة شغلي.
فتحت عينيها ببطء، نظرت إليه بنبرةٍ مكسورة: -ليه؟ رغم إنِّي حذَّرتك، بس عملت اللي في دماغك.
لم يرد، شدَّ على المقود بأصابعه، كأنَّه يحارب نفسه قبل أن يحارب كلماتها. لحظات وتكلَّم، بصوتٍ منخفض لكن حاد: -ماليش دعوة بتحذيراتك، أهمِّ حاجة عندي أأدي شغلي بأمانة وإخلاص. أوَّل مرَّة عدِّيت وخبَّرته بعد ماتركتي المكان. يعني حاولت أنصفك وأنصف شغلي.
رمقته بنظرةٍ ممتلئةٍ بالخذلان: -إنتَ مالكش دعوة بحياتي تاني، سمعتني، إنتَ مين أصلًا علشان تدخل في حياتي؟
شدّ على المقود أكثر، وتحدَّث بنبرةٍ خرجت من بين أسنانٍ مضغوطة: -عذرًا ياآنسة، مش ذنبي إنِّ حضرتك فاهمة غلط، أنا بأدِّي شغلي وبس. أمَّا إنِّك تعملي حاجة غلط، فدا مش عيبي.
صرخت بغضبٍ مخنوق: -ممكن تخرس، مش عايزة أسمع نفسك خالص.
ابتسم بمرارةٍ لم ترَها: -حاضر. هخرس، بس مش علشان حضرتك قولتي كدا. علشان أنا أصلًا مش عايز أتكلِّم مع شخص فقد الثقة في اللي حواليه.
جحظت عيناها من الألم، نظرةٌ ناريَّة وجَّهتها إليه عبر المرآة، لكنَّه سحب بصره سريعًا للأمام، يقود بصمت. ظلَّت السيارة غارقةً في الصمت حتى قطعه صوتها فجأة، حادًّا متوسِّلًا: -ممكن توقف قدَّام النيل شوية؟
-آسف. ماعنديش أوامر بكدا.
-لو سمحت.
لكنَّه مضى في طريقه دون أن يلتفت إليها، هنا أفلتت شهقةً ببكاءٍ خافت، تحاول كتمه قدر ماتستطيع، وهي تهمس بصوتٍ مبحوحٍ كأنَّها تكلِّم نفسها: -لو روحت كدا. بابا هيشك، وأنا مش هقدر أوجعه. وممكن يزعل منِّي.
اتَّجهت بنظرها إلى المرآة، وعيناها تتوسَّلانه بصوتٍ مكسور: -مالك. لو سمحت، نصِّ ساعة بس أهدى. وبعد كدا كلِّم إلياس، لازم أتكلِّم معاه.
-حاضر.
نطقها مالك بنبرةٍ خافتة، ثمَّ أوقف السيارة على جانب الطريق، وترجَّل بخطواتٍ بطيئةٍ نحوها، فتح الباب بهدوء، فترجَّلت هي بعيونٍ غائمةٍ بالدموع، وكأنَّها تمشي محمَّلةً بجبالٍ من الهمّ. اتَّجهت نحو النيل، وقفت صامتةً تحدِّق بالمياه وكأنَّها تبحث عن شيءٍ يُطفئ حرائق صدرها.
ظلَّ مالك يراقبها من بعيد لدقائق معدودة، ثمَّ أخرج هاتفه وأرسل رسالةً قصيرة، ثم بقي في مكانه يتابعها بصمت. جلست غادة على إحدى الأرائك الحجرية، ومن عينيها انهمرت الدموع بغزارة، بكاءٌ مكتوم تحوَّل إلى نحيبٍ مرتجف، وكأنَّها تفكِّك حصونها المنهارة.
اقترب مالك بخطواتٍ هادئة، مدَّ نحوها محرمةً ورقيَّة بصمت. سحبتها منه دون أن تنظر إليه، وهمست بصوتٍ متقطِّع: -شكرًا.
لم يرد وظلَّ كما هو؛ بينما هي تنظر بشرودٍ ضائعٍ وذكرياتِ مقابلتها بطارق وحديث إلياس كاد أن يشقَّ صدرها.
قطع الصمت رنين هاتفه، رفعه سريعًا: -أيوة يافندم.
تحدَّث إلياس بصوتٍ حازم: -خلِّيها مع نفسها شوية، متسبهاش لوحدها، وبعد كده ارجع بيها البيت عندي. ماترجعش بيها عند السيوفي.
-تحت أمرك.
أنهى المكالمة، ثم تحرَّك إلى سياج النيل، أخرج سيجارةً أشعلها، وراح ينفث دخانها ببطء، عيناه تتنقلانِ بين المارَّة ومياه النيل الساكنة، ثمَّ استدار يتأمَّل غادة، سكونها، نظراتها المعلَّقة في اللَّاشيء.
فجأة، اقتربت طفلةٌ تحمل باقة وردٍ صغيرة، عيناها فيهما شقاوة طفولية: -وردة ياباشا. خدها وصالح بيها حبيبتك بدل ماهيَّ بتعيَّط.
زمَّ شفتيه ساخرًا: -بكام الورد ده ياأمِّ لسانين؟
ابتسمت الفتاة بخفَّة، كان عمرها مابين الثالثة عشر والخامسة عشر، ردَّت بذكاء: -لو هتاخده كلُّه. يبقى بتصالح ومش زعلان. لكن لو بتسأل علشان تضحك عليَّا، يبقى يفتح الله.
أخرج بعض النقود، وضعها في كفِّها: -شوفي دول يكفُّوا؟
قلَّبت النقود بين أصابعها: -مش بطَّالين. أهم جابوا حقُّهم علشان أروح أذاكر.
تأمَّل ملامحها لحظة، ثم سأل: -إنتي بتدرسي؟
-طبعًا. أنا في تالتة إعدادي، وإن شاء الله هدخل ثانوي علشان أدخل كلية هندسة، يالَّه سلام ياباشا. وصالح حبيبتك، هيَّ مش لابسة دبلة يبقى لسة حبيبتك مش خطيبتكط.
تهكَّم على كلماتها، أشار إلى الورد: -خدي وردك معاكي، دي مش حبيبتي.
رفعت حاجبها، دارت بعينيها ولمحت غادة الغارقة في شرودها، ثم نظرت له بثقةِ طفلةٍ تعرف ماتقول: -بس أنا شوفتها نازلة من عربيِّتك.
-يلَّا يابنتي، شوفي شغلك.
نظرت إلى النقود ثمَّ إلى الورد: -لو مش هتاخد الورد. يبقى خد فلوسك، أنا مش شحَّاتة.
تنهَّد بضيق، التقط الورد من يدها بإيماءةٍ حادَّة، أشار لها بالرحيل. تركته وغادرت، وبقي واقفًا، يحدِّق بالورد الذي تركته معه، ثمَّ عاد بنظره إلى غادة.
اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، انحنى قليلًا، وضع الورد أمامها وقال بنبرةٍ جافَّة لكن فيها اعترافٍ خفي: -اعتذار منِّي. مع إنِّي مابعتذرش عن حاجة صح عملتها. بس اعتبريه اعتذار عن أسلوبي معاكي.
رفعت نظرها إليه، لم ترَ سوى انعكاس وجهه خلف نظَّارته السوداء، مدَّت يدها، أخذت الورد هامسة: -شكرًا.
ثمَّ نهضت فجأة، وأردفت بكلماتٍ مختصرة: -روَّحني.
-لا. هنروح عند إلياس باشا، هوَّ اللي أمر بكده.
أومأت بصمت، ومشت نحو السيارة، الورد في يدها، وقلبها مثقلًا بأسئلةٍ لم تنطق بها.
عند طارق.
وصل طارق إلى الكمبوند كالمنهار، أوقف سيَّارته فجأةً فصرخت الفرامل بصوتٍ مرعب. خرج يزن من منزله بسرعةٍ ليرى ماذا حدث، يظنُّ أنَّ الأمر متعلِّق برؤى، لكن ملامح طارق كانت تحكي مأساةً أكبر. هبط يزن الدرج بخطواتٍ سريعة نحو طارق، لكنَّه سبقه بانفجارٍ ممزوجٍ بالقهر: -ذنبي إيه إنِّي ابن راجح، ذنبي إيه إنِّي اتربِّيت على إيده وعملت غلط؟ ربِّنا عاقبني واتجازيت. ليه دايمًا هدفع التمن، ليه مهما أعمل، الناس هتفضل تشاور عليّا وتقول دا ابن راجح؟
ضاقت عينا يزن بدهشة، بينما خرجت رحيل من المنزل تتفاجأ بصوت طارق المقهور وهو يكمل: -هفضل أدفع التمن لحدِّ إمتى؟ ليه مش مكتوب عليَّا أتعامل إنِّي طارق. وبس؟
اقترب يزن يحاول فهم مايجري: -إيه اللي حصل ياطارق، مالك؟!
-تعبان. أنا تعبان يايزن. خلاص، حياتي اتدمَّرت. وهفضل في نظر الكلِّ مجرم. وابنِ مجرم.
قالها ودموعه تنساب بلا توقُّف، استدار مترنِّحًا نحو منزله، خطواته ثقيلة كأنَّها تقوده للهاوية. وضعت رحيل يدها على كتف يزن وقالت بقلق: -روح وراه. طارق مش ضعيف علشان ينهار كدا، أكيد فيه حاجة كبيرة حصلت.
أومأ يزن متفهِّمًا: -طيب. خلِّي آسر يستناني لمَّا أرجع.
عند أرسلان.
وصل أرسلان إلى مكتب إسحاق بعدما استدعاه. طرق الباب بخفَّة قبل أن يدخل: -مساء الخير ياعمُّو.
أشار له إسحاق بالجلوس، وهو مايزال منشغلاً بمكالمةٍ هاتفية. انتظر أرسلان، دقائق قليلة قبل أن ينهي إسحاق حديثه، ثمَّ استدار إليه بابتسامةٍ خافتة: -عامل إيه دلوقتي؟
-نهض إسحاق من مكانه وجلس قبالة أرسلان، وقال بنبرة جدِّية:
كويس ياحبيبي. بس اسمعني للآخر، وفكَّر، مش عايز ردَّك دلوقتي.
ظلَّ أرسلان ينظر إليه في صمت، حتى أكمل إسحاق:
عايزك ترجع شغلك تاني، ولو خايف من المساءلة أنا في ضهرك. محدش هيقدر يتكلِّم، عمَّك واصل.
لم يتحرَّك ساكنًا في وجه أرسلان، حتى قال:
فيه حاجة تانية حضرتك عايزني فيها؟
تأفَّف إسحاق بضيق:
مش دا اللي منتظره منَّك ياأرسلان.
استند أرسلان على المكتب بذراعه، وأردف بصوتٍ هادئ لكنَّه حاد:
الموضوع انتهى ياعمُّو. وحقيقي مش عايزك تزعل منِّي.
يعني إيه؟
زفر أرسلان بتعب:
يعني خلاص، أنا رسمت حياتي ومرتاح كدا. مش عايز أرجع أحارب ضدِّ ولادي. عارف حقِّ بلدي وفوق دماغي، بس مش قادر أرجع للشغل دا تاني. عوِّدت نفسي أبعد، وأبعد ولادي عن ضغطه.
هزَّ إسحاق رأسه بتفهُّم، وحدجه بعينينِ تحملانِ شكًّا صامتًا:
طيب. إيه اللي قولته لفاروق، وإيه الورق اللي كان معاك وخلَّاه من وقتها مش عايز يتكلِّم؟
مرَّر أرسلان يده على وجهه، كأنَّه يطرد ثقلًا جاثمًا فوق صدره:
حاجات تخصِّ أحلام هانم. آسف، عارف إنَّها والدتكم. بس اللي راحت كانت أمِّي.
تراجع إسحاق في مقعده، ورغم ذهوله الذي يعصف به لكنَّه أخفى اضِّطرابه وتمتم بنبرةٍ باردة:
مش فاهمك ياأرسلان. من إمتى بتكلِّمني بالألغاز؟
أغلق أرسلان سترته بهدوء:
- عمُّو، ممكن نأجِّل الموضوع. فيه حاجة بعملها ومنتظر نتيجتها.
توقَّف إسحاق، ونظراته تزداد حِدَّة:
- أرسلان، أنا مشغول جدًّا. متقلقنيش إيه اللي مخبِّيه عليَّ؟
اقترب أرسلان خطوةً للأمام، وتمتم بنبرةٍ أكثرُ ثِقلاً:
عايز أعتذرلك عن مختار العوضي. أنا اللي عملت فيه كدا، متنساش إنُّه مدسش على رجل أرسلان الشافعي.
دخل في شرف العيلة، وحاول يضغط على مرات أخويا الكبير. وإنتَ أكتر واحد عارف عمل إيه.
اقترب أرسلان أكثر، والنظراتُ بينهما تتلاقى بثقل:
عندي معلومات تدفنه في سابع أرض، بس مش هعمل كدا. لأنِّ حسابه مع أرسلان الشافعي لسه مااتقفلش.
تجمَّد إسحاق في مكانه، يرمق أرسلان بنظراتٍ تبحث خلف كلماته، بينما قال أرسلان بنبرةٍ حاول أن تبدو هادئة:
متزعلش منِّي. مش قصدي أدَّخل في شغلك. كدا كدا إنتَ لقيت المعلومات اللي محتاجها. رجاءً ياعمُّو، بلاش تضغط على عيلة الشافعي في موضوع مختار. وصدَّقني، دا كلام إلياس كمان.
حقِّ الدولة بعتناه زي مالقيناه، إنتوا أخدتوا حقُّكم. لسه الدور علينا.
تقلَّصت ملامح إسحاق بتوجُّس:
أرسلان. إنتَ ناوي على إيه؟ الراجل يعتبر مات خلاص، مبقاش فيه حاجة تتعمل.
هزَّ أرسلان رأسه بثبات، وعيونه تلتمع بتصميمٍ غامض:
- لا ياباشا. لسه كتير أوي.
- أرسلان، الراجل دلوقتي تحت وطأة القانون.
ابتسم أرسلان بسخريَّة باهتة:
مابلاش الكلام دا مع أرسلان ياإسحاق باشا. متأكِّد هتستخدمه طُعم. هوَّ كدا كدا ميِّت، صح ولَّا لأ، يبقى سبني أنا كمان أستفيد بالطُعم.
ارتفعت نبرة إسحاق فجأة:
مستحيل، لو قرَّبت من الناس دي، هيموِّتوك.
أجابه بهدوء كأنَّه يسخر من الخوف نفسه:
العمر واحد والربِّ واحد ياعمُّو. المهم، أسيبك علشان شغلك بقى.
أمسكه إسحاق من ذراعه فجأة، عيونه تتوسَّل بلا كلمات:
هستنَّاك إنتَ والولاد يوم الجمعة.
وحشت عمَّك أوي. نفسي نرجع زي زمان.
توقَّف أرسلان، التفت نحوه بنظراتٍ مثقلةٍ بالخذلان:
ليه شرَّحت جثِّة ماما من غير
ماترجعلي؟
صمت إسحاق لحظة، ثمَّ قال بصوتٍ خافتٍ لكنَّه حاد:
لأنُّه كان واجب عليَّا ياأرسلان. كان لازم أعرف ماتت إزاي.
لم يعلِّق أرسلان، فقط أومأ بصمت، ثمَّ سحب نفسه ببطء وتحرَّك للخارج، بينما عينا إسحاق تتابعانه بتوجُّسٍ يشبه الخوف.
-ياترى ناوي على إيه، وإيه اللي بينك وبين فاروق؟
بفيلَّا السيوفي.
توقَّفت تنهي عمل القهوة وأشارت إلى أحد الخدم: -طلَّعي القهوة دي لإسلام. قالتها وهي تحمل قهوة مصطفى وتحرَّكت إلى مكتبه، طرقت الباب ثمَّ دلفت وجدته يتحدَّث بالهاتف. وضعت القهوة بصمت وجلست إلى أن أنهى حديثه، التفت إليها مبتسمًا: -تسلم إيدك ياأمِّ إلياس.
-تسلملي يامصطفى ويفضل حسَّك في الدنيا؛ رفع فنجانه وارتشف بعضه وعيناه لا تفارق ارتباك جلوسها، وضعه وتساءل: -سامعك يافريدة.
رفعت عينيها إليه وقالت: -عايزين نروح نجيب ملك، عارفة إسلام واخد على خاطره، بس كفاية كدا، داخل على شهر أهو ومراته عند أبوها، ينفع مرات إسلام السيوفي تفضل الوقت دا كلُّه برَّة بيت جوزها، أنا سكتِّ عليه الفترة اللي فاتت دي، قولت فرصة موت صفية، والناس مش هتعيِّب بس المدَّة طوِّلت وابنك مش في دماغه.
-وإنتي شايفة اللي عملته يافريدة سهل، أو ينفع نسامح عليه؟
-لا يامصطفى، بس اللي أعرفه إنِّنا بني أدمين، ولازم نسامح ونغفر، مش يمكن ربِّنا كان شايف حاجة إحنا مش عارفينها، مش يمكن الجنين لو كمل كان لا قدَّر الله جه بأمراض الله يعافينا، مصطفى حتى لو البنت غلطت لازم نسامح، أوَّلًا سنَّها الصغير وقلِّة خبرتها، ثانيًا بقى هوَّ مين فينا مش بيغلط يامصطفى؟
-طيب يافريدة اعملي اللي إنتي شايفاه صح، أنا واثق فيكي، بس اعذريني مش هقدر أروح معاكي.
نهضت سريعًا وأردفت: -لا. أنا هاخد إسلام، ولو رفض هقول لحدِّ من الولاد.
ابتسم على نقاء قلبها وسعادة عيونها، نهض من مكانه واقترب من وقوفها وهي تراقب تحرُّكه. سحبها إلى أحضانه، وقبلة عميقة بمعاني كثيرة: -أنا بحبِّك أوي يافريدة، خلِّيكي فاكرة الكلمتين دول، وتأكَّدي إنتي أكبر نعمة لمصطفى.
تلألأت عيناها بنجومها اللامعة وأمسكت كفَّيه الذي يحتضن وجهها وقبَّلته: -ربِّنا يديمك في حياتنا ياأبو الياس.
ضحكة صافية ولكنَّها بمعاني كثيرة، معنى الفخر والاعتزاز، مسَّد على رأسها: -أكيد ومقدرش أنكر دا، ولا حد يقدر ينكره، واللي يقول كدا مستعدِّ أموِّته، دا ابني حتى لو إنتي رفضتي.
أفلتت ضحكةً ناعمة ثمَّ دفنت رأسها بصدره: -إنتَ بتلعب بيَّا يامصطفى، أنا اللي قولت على فكرة، وبعدين إنتَ وابنك حرِّين.
قطع لحظة صفائهم طرقاتٍ على باب الغرفة، ثمَّ دلفت الخادمة: -إلياس باشا ومدام ميرال برَّة ياهانم.
-نظرت لزوجها ثمَّ قالت: -أهو جبنا في سيرة القطِّ ياسيدي.
بالمشفى – عند رؤى
كانت تجلس على الفراش، تضمّ ركبتيها إلى صدرها، وعيناها شاردتان في نقطة مجهولة. دلفت الممرضة بخطوات روتينية:
- ميعاد الجلسة.
رفعت رؤى رأسها ببطء، نظراتها غائمة، تتابع الممرضة بصمت حتى جلست قربها تجهّز الأجهزة. فجأة قالت بصوت مخنوق:
- معايا فلوس فلوس كتير أوي. ممكن أخليها لك كلها بس ساعديني أخرج من هنا.
توقّفت الممرضة، تحدّق بها بريبة:
- قصدِك إيه؟
اعتدلت رؤى، واقتربت بجسدها، ووقالت بصوت يرتجف بالدموع:
- أنا مش مجنونة! ولا مريضة! دي مرات أخويا حيوانة، عايزة تنتقم مني لأني كشفتها بتخون أخويا مع أخوه، ولما قلتله صدّقها هي وكذّبني أنا.
ضغطت بكفّيها على صدرها، وعيناها تبرقان بالقهر كاذب:
- أهلي ماتوا وهي بقت المتحكمة في كل حاجة. خليته يعذبني وهي خاينة. دلوقتي عايزة تبان بريئة، وبتطلب من الدكتور يزوّدلي جلسات الكهربا، والله العظيم أنا مش مريضة دي بتمثل.
مسحت دموعها بسرعة، نظرة مكر بدأت تتسلل لعينيها:
شوفي الخاتم الألماس اللي كان في إيدي اول مادخلت، اسألي صاحبتك عنه. خديه، مبروك عليكِ وهديكي فلوس كمان لو ساعدتيني.
صمتت الممرضة لحظة، تائهة بين الشكّ والطمع، ثم تمتمت:
طيّب سبيني أفكر، وأردّ عليكي.
وقفت، وأشارت لرؤى:
قومي غيّري هدومك للجلسة.
أومأت رؤى، شفتيها ترتجفان بابتسامة خبيثة، تهمس لنفسها بغلّ:
- هعرفكوا مين هي رؤى يا ولاد الشافعي.
في اليوم التالي. مكان احتجاز رانيا.
وصل إلياس، وعيناه تقدحان شررًا، والغضب ينهش ملامحه، كلّما مرّت أمامه صورة ميرال وكلمات الطبيب كاد عقله يشتعل جنونًا. دفع الباب بعنف، فارتدّ صوته في المكان الخاوي.
كانت رانيا ملقاة على الأرض الباردة، جسدها يئن من جروح الحرق، خطا إليها بخطوات هادرة، وانحنى يرفعها، أصابعه تغرز في خصلاتها، صرخ بجنون: أنا هعرّفك يعني إيه خوف.
سحبها بعنف، وجسدها يتعثّر على الأرضية الخشنة، تصرخ وهي تحاول الإفلات من قبضته، لكن عينيه كانتا قد تحجّرتا، لا تسمعان سوى وجع ميرال ولا ترى سوى أفعال رانيا السيئة.
جرّها على الدرج بلا رحمة، كل خطوة تهوي على جسدها كالسياط. ثم ألقاها بقوة عند شجرة ضخم، وصاح بالرجل الضخم الحارس: ارميها مع الكلاب في القفص، خليها تعرف إن الله حق. بس بعد ماتحرمهم من الاكل، وآحرمها هي كمان، مانشوف مين هيخلص على التاني.
هتف الحارس بطاعة، فيما صرخت رانيا باسم إلياس برعب.
- إلياس ماتعملش كده!
لكن إلياس التفت إليها بنظرة قاسية كالسكين، قبل أن يدير ظهره ويغادر نحو سيارته، كأن الحكم قد صدر ولا رجعة فيه. رغم صرخاتها ومحاولاتها الهروب.