قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السبعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السبعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السبعون

قبل عام تقريبًا
كان منشغلًا أمام جهازه، يضع كل تركيزه فيه، زفر بتعب، وأسند جسده للخلف، يحرِّك رقبته في محاولةٍ لتخفيف الإرهاق.
وفجأة
انتبه لوجودها أمامه.
رفعت عينيها إليه وقالت بهدوء: انتهيت؟
أغلق الجهاز ببطء، ونزع نظَّارته الطبية: إلى حدٍّ ما.
أومأت، ثم قالت بتردُّد: أريد أن أقول شيئًا لكنك سترفض.
استند بذراعيه على المكتب، وحدَّق بها: ولِمَ تقولينه إذًا، وأنتِ متأكدة من ذلك؟

ابتسمت بخفوت: أريد أن أتناول الغداء معك.
مطَّ شفتيه، وأخذ ينقر بأصابعه على سطح المكتب للحظات، قبل أن يرد: لا أريد إزعاجك.
هزَّت رأسها سريعًا: ومن قال إنك ستفعل؟ بالعكس سأكون سعيدة جدًّا.
نظر إليها قليلًا، ثم قال فجأة: بيتزا.
ضيَّقت عينيها باستغراب: ماذا؟
أقول أريد بيتزا أليس هذا طلبك؟
تنهَّدت بخفَّة: لا كنت أقصد أن نخرج، نتجوَّل قليلًا، ثم نذهب إلى مطعم طعامه لذيذ جدًّا.

صمت لحظة ثم قال بهدوءٍ حاسم: أعتذر أنا مشغول أوَّلًا، وثانيًا لقد وعدت زوجتي ألَّا أخرج مع أي فتاة.
اتَّسعت عيناها بدهشة: زوجتك! أنت متزوج؟
أومأ ببساطة، وهو يمرِّر إبهامه على خاتم زواجه: نعم
ثم أضاف بصوتٍ خافت، لكنه صادق: أحبُّها كثيرًا ولا أريد أن أحزنها.
ابتسمت بإعجابٍ صادق: هذا جميل حب رائع.
رفع عينيه إليها، وقال ببطء: هذا ليس حبًّا هذا عشق.
ابتسمت أكثر: محظوظة زوجتك بك.
تجمَّد للحظة.

وشعر بوخزة حادَّة تخترق صدره.
أبعد نظره عنها، وهمس بصوتٍ بالكاد يُسمع: ليتها كانت محظوظة
قطَّبت حاجبيها: هل قلت شيئًا؟
هزَّ رأسه سريعًا: لا كنت أفكِّر في الطعام.
ابتسمت: حسنًا، سأطلب شيئًا إذًا.
قالتها، ثم نهضت وغادرت.
بقي وحده
ينظر إلى خاتم زواجه في إصبعه.
مرَّر عليه بإبهامه، وهمس: نعم إنه عشق تسلَّلتِ إلى قلبي واستوطنتِه
أغمض عينيه، وزفر بألم: ليتنا، لم نقترب من البداية.

دقائق معدودة ووصل موسى، دلف للداخل، فتوقَّف صديقه مقتربًا منه: لماذا تأخَّرت؟
كان لدي عمل مهم، ماذا حدث؟
إيفا كانت معه منذ قليل، ولا أعلم بما دار بينهما.
نزع جاكيته، وجلس أمام جهازه، يزفر بغضب، جلس الآخر بمقابلته: مابك! لماذا أنت هكذا؟
علمت أن هذا المصري سيكون له دورًا في قائمة المتقدِّمين للمجلَّة السنوية.
ماذا! ولما هو. أكيد؟

مسح وجهه بغضب: ليت هكذا، علمت منذ الصباح، وذهبت للتأكُّد، اسمه يوجد بالقائمة، وأنا الذي أجاهد منذ سنتين، لم أستطع الحصول عليها.
أكاد أُجن، كيف لهذا، وهو الذي لم يتمكَّن، له اسبوعًا واحدًا.
حقًّا لا أعلم، لكني سمعت من أحد الأساتذة يتحدَّث عن اجتهاده وتفوُّقه.
رمقه موسى بكره وفظاظة: سأعطِّل له تلك الدماغ، وأجعله أضحوكة.
نهض الآخر حين وجد يوسف يقترب منهم: مرحبًا. كيف حالكما اليوم؟

يبدو أنَّك أتيت للاعتذار.
زمَّ يوسف شفتيه ساخرًا: المسلم لن يعتذر عن كبيرة.
ضحك موسى بصخب: أي كبيرة يا رجل، أنتم المسلمون تضعون قوانين حمقاء تحرمكم من المتعة.

اقترب يوسف وانحنى مستندًا على المكتب، يريد أن يلكمه بوجهه، عن حديثه السفيه عن الإسلام، ولكنه سيطر على عاصفة غضبه قائلًا: نحن دينُنا رفع قدرَ الإنسان بالأخلاق، وصانه عمَّا يُفسد فطرته ويهدم وعيه؛ أما علمتَ أن الخمر تُغيِّب العقل وتُسقط الهيبة؟ فأيُّ فارقٍ يبقى بين إنسانٍ أُكرم بالعقل، ثم يُلقي به بيديه إلى الضياع، وبين مخلوقٍ لا يملك تمييزًا دينٌ رفعه بالعقل، وكساه بالكرامة، وجعل له مكانةً لا يُدانيها شيء. الإسلام لم يُحرِّم ما يُحرِّم عبثًا، بل حمى جوهر الإنسان من الانهيار.

أما علمتَ أن الخمر لا تُذهب وعيه فحسب، بل تنزع عنه إنسانيته قطعةً قطعة، تُسقطه من مقام التكريم إلى دركٍ يفقد فيه السيطرة والتمييز كالحيو. ان فكيف يرضى إنسانٌ أن يتخلَّى طوعًا عن أعظم ما ميَّزه الله به؟
أعتذر موسى لكنَّني لا أحدِّثك عن مجرَّد تحريم، بل عن شرفٍ عظيمٍ أُعطيَ لنا، وعن كرامةٍ لا تليق بها المساومة. الإسلام لم يُقيِّدنا، بل أنقذنا من أن نُهين أنفسنا بأيدينا.

ابتسم الآخر ساخرًا: لك كامل الحرية، واعتذر أنِّي أسأت الفهم.
لا تعتذر، علمت أنك جاهل بأمور ديننا، أنا أردت ألَّا تحزن مني، ولذلك عزمتك على هذا.
قالها وهو يتناول من أحدهم علبة البيتزا.
عذرًا دارين، كنت أتمنَّى أن أتناولها، لكن أريد أن أقدِّمها لصديقي كاعتذار.
تراجعت قائلة: انتظر، هنا الكثير، هذه أتت باسمك.

اتجه ألى أشيائه وقال معتذرًا: تذكَّرت أن والدي في منزلي، ولا أريد أن أتناول الطعام دونه، حقًّا أعتذر.
تستطيع أن تأخذها معك.
لا أريد، شكرًا لك.

خرج يوسف متنهِّدا، واتجه إلى منزله.
دلف يبحث عن والده، وجده ما زال نائمًا، اتجه الى حمَّامه، دقائق معدودة أنهى صلاته، ثم اتجه إلى مطبخه.
وقف ينظر متعجِّبًا إلى الطعام الذي يُوضع فوق الغاز.
بابا صحي ولَّا إيه؟!
تراجع إلى غرفة النوم على صوت هاتف والده. نظر لشاشة الهاتف وجده أرسلان، مدَّ يده ثم تراجع، هنا فتح إلياس عينيه: إنتَ رجعت إمتى؟
من شوية، حضرتك صحيت ونمت ولَّا إيه؟

اعتدل جالسًا على الفراش: يعني إنتَ بقالك خمس ساعات برة، أكيد مش هنام دا كلُّه.
جلس جواره ينظر إليه: أنا آسف سيبتك لوحدك، بس كان عندي شغل مهم أنا ضمن فريق كبير من كلِّ الجنسيات، وعلى أعلى مستوى حضرتك فاهم، مش أي حد يوصل للمكان ده.
اعتدل إلياس فجأة، كأن كلماته أشعلت شيئًا بداخله، ونظر في عينيه مباشرة: إمبارح سكت، ومضغطتش عليك، عشان أنا أبوك، بس النهاردة حقِّي أعرف، إيه اللي خلَّاك فجأة تعمل كده؟

هرب يوسف بنظره، كأن عيني والده تكشف ما يحاول إخفائه: يا بابا إنتَ عارف إني مستنِّي الفرصة دي من زمان، وما صدَّقت جاتلي.
ردَّد إلياس الكلمة ببطء، لكن بصدمة واضحة: فرصة؟
ثم اقترب أكثر، حتى صار صوته أشبه بطعنة: فرصة تخلِّيك تغدر ببنت عمَّك؟
فرصة تكسر قلب أمَّك؟
فرصة تخلِّيني أنا أبوك أشوفك قدَّامي ومش قادر أفتخر بيك؟

اشتعلت عيناه، وصوته ارتفع وهو يكاد يختنق من الألم: يا ابني. ملعون أبو أي فرصة تخلِّيني أحسِّ إن ابني خذلني.
ملعون أبو أي نجاح يتبني على وجع الناس اللي ربُّوك!
تجمَّد يوسف في مكانه، وكأن الكلمات سُكبت نارًا في صدره.
كلُّ نفسٍ يخرج منه كان يحرقه، لا يخفِّفه.
نظر إلى والده، لكن هذه المرة لم يجد في عينيه غضبًا فقط. بل وجعًا، خذلانًا، وانكسار أبٍ لم يتخيَّل يومًا أن يأتيه الألم من ابنه.
حقيقي آسف.

قالها بصوتٍ مهتز، كأن الكلمات تُسحب من صدره سحبًا، لا تُقال.
نظر إليه إلياس طويلًا، نظرة حملت خيبة عمر، ثم قال بمرارة: مزعلش منَّك! هو اللي عملته ده يتغفر أصلًا؟! ابني ابني اللي ربِّيته على إيدي يخذلني بالشكل ده؟!
بابا لو سمحت
رفع يده في وجهه، فأخرس صوته قبل أن يكتمل، ثم نهض ببطء، وكأن كل خطوة تثقلها الصدمة: دلوقتي أنا مش همنعك من مستقبلك، اللي بعت علشانه أهلك، وغدرت بمراتك.

ارتعشت عينا يوسف، وتمتم بوجع: غدرت؟! الكلمة دي بتوجع يا بابا.
اقترب إلياس خطوة، وهتف بغضب، رغم ارتجافه: الوجع! بتتكلِّم عن وجع؟! أي وجع يادكتور، طب سألت نفسك وجعها عامل إزاي؟!
يوسف ترجع معايا دلوقتي، وترضي مراتك.
انتفض يوسف واقفًا: آسف يا بابا، أنا وضعي خلاص.
تجمَّد إلياس مكانه، واتَّسعت عينيه، بصدمة كأنها صفعة: يعني إيه خلاص؟! بعد ما جيت لك من آخر الدنيا علشان تصلَّح غلطك؟!
بابا.
اسكت!

صرخ بها فجأة، وانكسر صوته انكسر رغمًا عنه: مش عايز أسمع منك غير كلمة واحدة، إنك راجع لمراتك.
بالغصب يا بابا؟!
في لحظة، وصل اليه وقبض على سترته بعنف، وعينيه تحترقان: غصب إيه يا متخلف؟! إنتَ بتكلِّم أبوك!
اقترب أكثر، وقال بصوتٍ منخفض، ولكنه أشدُّ قسوة: أنا متأكد إنك بتحبَّها، قولِّي إيه اللي حصل؟ قولِّي وأنا أجبلك حقَّك لو هي غلطت.

تساءل بها ثم انفجر صوته فجأة، كأن الألم لم يعد يُحتمل: إنما تهرب! تكسرها بالشكل ده؟! ليه. ليه يا ابن إلياس؟!
اهتزَّ صدر يوسف، وابتلع ريقه بصعوبة، وقال بصوتٍ خرج مخنوقًا: بابا لو سمحت، أنا كده مرتاح.
ساد صمتٌ ثقيل صمتٌ أخطر من أي صراخ.
تراجع إلياس خطوةً للخلف، وكأن الكلمات أصابته في صدره مباشرة، ثم قال بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالقهر: مرتاح؟!

رفع عينيه إليه ببطء، والخذلان يملأ ملامحه: مرتاح على وجع غيرك، حتى مش عامل أي اعتبار لأبوك اللي جالك من آخر الدنيا؟
نظر يوسف إليه بتردُّد، ثم قال بمرارة: حضرتك جاي مخصوص علشان ضي مش كده؟
للحظة صمت إلياس، ثم ابتسم ابتسامة موجوعة: أيوه جاي علشانها.
اقترب منه، وعينيه امتلأتا بدموعٍ رفضت السقوط: جاي علشان البنت اللي كل ذنبها إنها وثقت في عمّّها، واتجوزتك، وسلِّمت لك روحها.

اشتدَّ صوته وهو يكمل: فكَّرت هي عاملة إزاي دلوقتي. ولَّا حتى فكَّرت في كسرة قلبها؟!
ثم أشار إليه: إزاي طلعت أناني وغدَّار كده يا ابن إلياس؟! إزاي قدرت تقتلها وهي لسه عايشة؟!
كان يوسف واقفًا كتمثال
عيناه تلمعان بدموعٍ مكبوتة، وصدره يعلو ويهبط بعنف، داخله كان يصرخ، لكنه لم ينطق.
ضغط على شفتيه بقوة، كأنه يعاقب نفسه على كلِّ شيء، على وجعها، وعلى عجزه.
لكن إلياس لم يحتمل صمته أكثر.

اقترب منه ولكزه في صدره بعنف: إيه. اتخرست ليه، مش قادر تدافع عن نفسك؟!
ثم قال بمرارة قاسية، كأنها حكمٌ نهائي: نزلت من نظري يا دكتور وبقيت شايفك انسان غدَّار ومينفعش يكون ابن إلياس السيوفي.
تجمَّد يوسف في مكانه لم يتحرك، لم يرد.
فقط عيناه اتَّسعتا بصدمة، وشيء ثقيل استقرَّ في صدره يخنقه، وكأن كلمات والده رصاصات نفذت لصدره.

نظر إلى والده حاول أن يتكلَّم، تحركت شفتاه، لكن صوته خانه، كان يريد أن يقول: أنه لم يخن، أنه لم يهرب، أنه تركها لأنه خاف أن يؤذيها أكثر.
كيف يتَّهمه بالغدر وهو الذي يموت ألف مرَّة كل ليلة يموت وهو يتخيَّل دموعها
لكن الكلمات رفضت الخروج.
وكأن الألم داخله أكبر من أن يُحكى.
اهتزَّت أنفاسه، فابتلعها سريعًا، كأنه يخجل من ضعفه.
ضغط على شفتيه بقوة حتى ابيضَّتا، يحاول أن يمنع نفسه من الانهيار أمامه.

انخفضت عيناه إلى الأرض، ولأوَّل مرة، لم يستطع أن يرفعها في وجه والده.
ارتجفت يداه لأوَّل مرة من كمِّ الألم الذي يقتل روحه، فقبض عليهما بسرعة، يخفي ارتعاشتهما
لكن صدره كان يعلو ويهبط بعنف.
إيه يا بن إلياس عيَّرتك قدام نفسك، إنتَ طلعت مش قدِّ ثقة أبوك.
هنا شعر بوخزٍ حاد في قلبه، وجع حقيقي، كأن كل كلمة سمعها غُرست داخله دون رحمة.
نزلت من نظري، مينفعش تبقى ابن إلياس، إنتَ غدَّار.

تردَّدت الكلمات داخله، مرة، اثنتين وعشرات، حتى بدأت تفتك به. أغمض عينيه للحظة.
فهربت دمعة رغماً عنه، سريعة، حارقة
مسحها فورًا بعنف، كأنه يرفض الاعتراف بها.
رفع رأسه أخيرًا لكن ملامحه كانت جامدة بشكلٍ مؤلم.
هدوء غريب يخفي ورائه انهيار كامل.
وقال صوته خرج بالكاد يُسمع، مكسور، متعب: لو حضرتك شايف إنِّي ما استهلش أكون ابن فحقَّك. ماهو مفيش حد بيختار أبوه ولا أب بيختار ابنه.

لم يقلها اقتناعًا، بل كأنها استسلام قاتل ليرضي والده، ولا يعلم أنَّ كلماته التي ألقاها زلزلت كيان والده، الذي تجمَّد وشعر بانسحاب أنفاسه، نظر إلى يوسف الذي استدار ببطء. بخطواتٍ ثقيلة، كأن كل خطوة تُسحب من روحه.
وما إن ابتعد خطوات قليلة حتى توقّف فجأة مع ارتجاف جسده بالكامل.
رفع يده سريعًا إلى وجهه، يضغط على عينيه بقسوة، لكن هذه المرة، لم يستطع أن يمنع نفسه.

انسابت دموعه في صمت، صمت موجع لا صوت فيه لكن داخله كان يصرخ بكلِّ ما يشعر به، هوى بجسده على أقرب مقعد.
بينما إلياس الذي دار حول نفسه يمسح على وجهه، وداخله يحترق، يقسم أن ابنه يخفي شيئًا ولكن لا يعلمه.
قطع انهيار الاثنين رنين جرس الباب، لحظة اثنتان إلى أن سيطر يوسف على نفسه ونهض يفتح الباب.

مرحبًا يوسف، هل ستتقبَّلني هذه المرة أم أنَّك ترفض دعوتي، أنا اليوم جئت من غير شيء، جئت أتعرَّف على والدك، لأنك ذكرت أنَّه ضيفك اليوم.
مرحبًا موسى تفضَّل.
قالها بهدوء، عكس ما يشعر به، دلف موسى يتطلَّع إلى أرجاء المنزل، بخروج إلياس من الغرفة. توقف يوسف أمام والده للحظات، ثم أشار على موسى: زميل لي في مركز الأبحاث.
التفت إلى موسى.

أشار إلى إلياس ببطء، وعيناه معلَّقتان به، كأنهما تحملان ما عجز لسانه عن قوله: ده والدي صمت لحظة.
لكن الصمت كان أثقل من الكلام.
ثم أكمل، وصوته خرج هادئًا، هدوءًا موجعًا، كأنه يخفي خلفه عاصفة: أعظم أب ممكن حد يعرفه. ابتلع ريقه بصعوبة، ونظر في عينيه مباشرة: وقدوتي في كل حاجة.
كلمات بسيطة لكنها خرجت محمَّلة بعتابٍ كاسر.
عتاب ابنٍ امتلأ وجعًا حتى الصمت.

تلقَّاها إلياس كطعنة، لم يسمعها بأذنه، بل شعر بها تضرب قلبه مباشرة.
اهتزَّت نظراته ولأول مرة، لم يجد ردًّا.
اقترب خطوة
عيناه تبحثان في وجه ابنه، يحاول أن يعلم مابه، ولكنه تجاوز ذلك بوجود موسى، رفع عيناه إلى موسى: مرحبًا.
اقترب موسى يمدُّ يده إلى إلياس، ولكن اقترب يوسف سريعًا يسحب موسى من ذراعه رافضًا تحيِّة والده، التي اعتبرها إهانة لشخصه: تعال قولِّي إمتى خلَّصت شغلك.

ابتسم الياس على فعلة يوسف، وحكَّ ذقنه متذكِّرًا وجود إسحاق قبل عدَّة أيام، هل ابنه يعلم من هو ذلك الخسيس؟
فاق على ضحك موسى وهو يقول: أمتلك قدرات خاصَّة.
ثم رفع عيناه إلى إلياس: سُررت برؤيتك سيدي.
اقترب إلياس منه وجلس بمقابلته: إنتَ طبيب؟
نعم، طبيب نسا وتوليد.
مرحبًا، ما جنسيتك أيها الطبيب؟
بريطاني.
بريطاني. قالها إلياس وعيناه ترسم كل شيء.
نعم.
بالقاهرة.

دفعت باب مكتبه، وخلفها غرام: أنتوا مخبيِّن عنِّي إيه إنتَ وأخوك؟
متجوِّز عليكي.
أرسلان، إلياس فين من إمبارح؟ تليفونه مقفول.
عند مراته التانية.
دفعت جهازه بغضب حارق حتى تناثر على الأرضية: ربِّنا يهدِّك ياشيخة، كان فيه فيلم بتفرَّج عليه.
طالعه يزن بشك: أنتوا بتخطَّطوا لإيه؟
يوووه بقى، أنا كان مالي بالعيلة الغم دي، ما كنت عايش ملك، مش صح يا غرامي؟
أرسلان، صاح بها يزن واقترب منه.

تراجع أرسلان ضاحكًا: بتبرّّق ليه يا بني كدا، خد المسدس أحسن من تبريقتك.
أمسكه من تلابيبه: أنا طايرة معايا على الآخر، إلياس فين؟
ما قولت أختك منكِّدة عليه، وراح يتجوز، أهو يجبلنا كتكوت صغير.
دفعه يزن بغضب: تافه.
احترم نفسك يلا، أنا حما بنتك المطلَّقة.
اقترب يزن منه بخطواتٍ متوترة، وقال بصوتٍ يحمل ضيقًا واضحًا: أرسلان، مش وقت هزار طمِّنها، أختك ممكن تموت من القلق.

تجمَّد أرسلان للحظة، وكأن الكلمات أصابته فمرَّ قلقٌ في عينيه حين تذكَّر والدته، زفر ببطء، ثم جلس وأشار إليهما محاولًا التماسك: عنده شغل مهم برة البلد قالي بكرة هيكون هنا إن شاء الله.
اقتربت ميرال بخطواتٍ متردِّدة، عيناها متعلِّقتان بوجهه كالغريق الذي يبحث عن نجاة: راح ليوسف صح؟

هزَّ رأسه سريعًا، بنبرةٍ حاسمة حاول أن يخفي خلفها ارتباكه: يوسف مين. ابنه؟ لا طبعًا أوَّلًا إحنا أصلًا منعرفش مكانه، وثانيًا إلياس زعلان منه وبعدين إنتِ عارفة إنه مش هيروحله، كان على الأقل رد على مكالمته.
سقطت ميرال على المقعد: معقول معقول يا أرسلان، بكلِّ علاقاتكم دي مش عارفين مكان ابني؟

نهض أرسلان واقترب منها، جلس أمامها، ولانت نبرته لكنها تحمل قلقًا خفيًّا: ميرال ابنك مش عايز حد يوصلَّه، عامل حسابه كويس اتِّصالاته غامضة، وبيكلِّمنا من أرقام مش بتاعته، سبيه شوية، زي ما إلياس قال، فترة وهيهدى ويرجع.
هزَّت رأسها ببطء، ودموعها تنساب في صمتٍ موجع: مش هيرجع يا أرسلان، أنا حاسَّة، هيتكتب عليَّ أتحرم منه.

احتواها يزن بذراعيه، يحاول أن يهدِّئها رغم ارتجافها: حبيبتي، ليه بتقولي كده؟ إن شاء الله فترة صغيرة ويرجع وساعتها هنعرف عمل كده ليه.
أمالت رأسها لأسفل، وصوتها خرج مكسورًا بالكاد يُسمع: مش هيرجع!
هنا خرج صوت ضي كالسيف: وأنا كمان أتمنَّى إنه ما يرجعش يا طنط ميرال.

ارتفعت رؤوس الجميع في صدمة. وقفت ضي عند الباب بعينين مشتعلتين، ثم اقتربت بخطواتٍ ثابتة، تقدَّم أرسلان نحوها بسرعة، وقال بصوتٍ يحمل تحذيرًا ممزوجًا بالقلق: ضي حبيبتي، عارفين إنك زعلانة، بس ده ابن عمِّك.
التفتت إليه بعنف، وكأن كلماته أشعلت ما بداخلها أكثر: زعلانة؟! بعد دا كله اسمها زعلانة إيه يا بابا؟! حضرتك مفكَّره داس على رجلي بالغلط، ولَّا عشان فضيحته ليا في الجامعة؟!

ارتجف صوتها، رغم نظراتها بعينيها المتحديتين: لا يا بابا ده إنسان كسرني، حرق قلبي.
نقلت نظرها إلى ميرال، تطالعها بدموعٍ بدأت تخونها رغم مقاومتها: أنا ما يشرَّفنيش إن ابن عمِّي يكون بالخسَّة والندالة دي.
سقطت دمعة رغماً عنها، فمسحتها بسرعة وكأنها ترفض ضعفها: غدار، خاين، كان في حضني وبيخطَّط يطعنِّي وفي الآخر تقولوا زعلانة؟!

تقدمت خطوة منها، ونظراتها تخترق ميرال: أنا مزعلش على واحد زي ده، لأنه ببساطة، ما يستاهلش.
توقفت أمامها مباشرة، وأردفت بصوتها الذي انخفض لكنه صار أشدّ قسوة: ابنك قهرني يا مرات عمِّي، فبتمنى إنه ما يرجعش طول حياته.
شهقت ميرال، وهتفت باسمها بنبرةٍ متقطِّعة: ضي.

لكن ضي لم تنتظر، مسحت دموعها بعنف، واستدارت بجمود: أنا كرهت الشخص ده كره عمري ما حسِّيته ومش عايزة أسمع اسمه تاني لو فعلًا خايف على مشاعر بنتك يا بابا.
أنهت كلماتها وغادرت.

انحنى أرسلان قليلًا نحو ميرال، وأردف بنبرةٍ لينة: ما تزعليش منها ضي موجوعة ومقهورة منه، وده حقَّها، بس كله كلام، وأول ما تشوفه هتنسى كل ده.
رفعت ميرال يدها وأمسكت بذراعه بقوة: أرسلان يوسف بيحبِّ ضي، والله بيحبَّها، وضحَّى بنفسه علشانها، وحياة ولادك، ما تخلهاش تدعي عليه، ابني مكسور وموجوع.

تعمَّق أرسلان في النظر إليها، عينيه تضيقان بشكٍّ واضح: متأكد من اللي بتقوليه يا ميرال؟ طب قوليلي إيه اللي حصل يخلِّيه يطلَّقها؟
ارتبكت، ورفعت عينيها فجأة نحو يزن، وكأنها تبحث عن مخرج، لكن دموعها سبقتها: ابني مش غدَّار، ولا خاين، ظروفه كانت أقوى منه.
اقترب يزن: ميرال إنتِ مخبيَّة عنِّنا حاجة؟
هزَّت رأسها بسرعة، تمسح دموعها بعصبية، ثم نهضت: مش مخبية حاجة، أنا مش مخبية حاجة!

قالتها بنبرةٍ مرتفعة قليلًا، ثم استدارت وغادرت.
بمكتب رولا.
كان معتز يجلس أمامها، يتحدث بثقة ممزوجة بالضيق، يعدِّد أخطاء المهندس الذي عيَّنه له يزن.
استمعت رولا بصمت، تحاول أن تبقي ملامحها جامدة رغم الغضب الذي يتصاعد بداخلها.
وحين انتهى، تنهَّدت ببطء: أنا بعتذر لحضرتك يا أستاذ معتز إن شاء الله هتولَّى الموضوع بنفسي.

نظر إليها نظرة طويلة، صامتة، قبل أن يقول ببرود: أتمنى ما أندمش إني وثقت فيكي يا باشمهندسة.
رفعت رأسها بثقة ثابتة: أبدًا بكرة هيكون عند حضرتك رد واضح.
تمام قالها وهو ينهض، يغلق بدلته، ثم أضاف بصرامة: أنا مش هاجي هنا تاني كلامنا بعد كده في مكتبي.
وقبل أن يتحرَّك، فُتح الباب فجأة.
دخل آسر، عيناه تقعان على معتز مباشرة، ونبرة ساخرة خرجت منه: أهلاً أستاذ معتز وأنا بقول المبنى منوَّر ليه!

ارتبك معتز للحظة، بينما ضيَّقت رولا عينيها بدهشة: إنتوا تعرفوا بعض؟
ابتسم آسر، لكن خلف ابتسامته كان هناك احتراق واضح، قهر لم يهدأ منذ حديثه مع أرسلان، ولا بحثه الذي لم يوصله لشيء يطمئنه.
اقترب خطوة، يشير إلى رولا: أستاذ معتز وكيل عندي.
نظر معتز بينهما، ثم قال متصنِّعًا الدهشة: هو إنتَ تعرف الباشمهندسة؟
زمَّ آسر شفتيه، وأجاب بنبرةٍ جافة: لا معرفهاش أختي بس.

فتح معتز فمه بدهشة مبالغ فيها: إيه الصدفة السعيدة دي! إنتي تبقي أخت الأفوكاتو؟!
ضحك آسر، ضحكة باردة لم تصل لعينيه: تخيّل حتى لمَّا شوفت عربيتك تحت استغربت يكون بينَّا ميعاد بس لما عرفت إنك هنا، قولت لازم أسلِّم عليك.
نظر في ساعته فجأة، وكأنه تذكر شيئًا: أنا سعيد إني قابلتك قبل ميعادنا كنت أتمنى نتكلِّم في القضية، بس عندي ارتباط مهم.
أومأ آسر سريعًا: طبعًا اتفضل أنا مقدرش أعطَّلك.

غادر معتز، لكن عيون آسر ظلَّت معلَّقة به، حادَّة كالصقر والشكوك تتزاحم في رأسه بلا رحمة.
أفاق على صوت رولا: أنا بجد اتفاجئت إنه يشتغل معاك ومعايا في نفس الوقت ومن غير ما حد فينا يعرف!
ردّ بحدَّة مفاجئة: علشان إحنا أغبياء.
قطَّبت جبينها: يعني إيه؟ مش فاهمة.
تنهَّد، ثم أشاح بوجهه: ولا حاجة
قالها ببرود، واستدار مغادرًا المكتب، رفع هاتفه وتحدث مع بلال: إنتَ فين؟

ردَّ بلال من الطرف الآخر: لسه خارج من المستشفى.
هترجع على الكمبوند ولَّا شقِّتك؟
لا راجع الكمبوند.
تمام قدامي ساعتين، عايزك ضروري.
تمام.
قالها بلال، وأغلق الهاتف، وقاد سيارته في صمت، متجهًا نحو منزل والده.

بمنزل إسحاق: دلف إسحاق إلى الغرفة، فوجد حمزة يقف أمام المرآة يعدِّل ملابسه، فابتسم بخفَّة: إنتَ خارج؟
التفت إليه سريعًا: أيوه رايح لشمس، في حاجة؟
تقدَّم إسحاق خطوتين: كنت عايزك تقعد مع المهندس جالك كذا مرة، وعايز يفهم منك التفاصيل.
أومأ حمزة: حاضر هقعد مع شمس نشوف شوية ديكورات، وبعدها هكلِّمه.
تمام بس متتأخرش، أنا هسافر بعد يومين.
توقف حمزة فجأة، واستدار إليه بقلق: هتسافر تاني يا بابا؟

اقترب منه، يحدِّق في وجهه: سفرك بقى كتير، فكَّرني بشغلك زمان، هوَّ حضرتك رجعت له؟
ابتسم إسحاق، هزّ بها مخاوفه: شغل إيه بس، أنا عرفت مكان يوسف، وعايز أسافر له.
اتَّسعت عينا حمزة بدهشةٍ ممزوجةٍ بالأمل: بجد! يعني هتروح له؟
آه بس ما تقولش لشمس دلوقتي، لمَّا أشوف هعرف أوصله ولَّا لأ الأول.
رفع يده بسرعة: لا لا، مش هقول، الموضوع ده تعبني جدًّا.
ربت إسحاق على ذراعه بحنان: خلاص لمَّا أتأكد هقولك.

تنهَّد حمزة براحة خفيفة: يا رب يا بابا، يوسف مأثَّر عليها جدًّا.
أومأ إسحاق بصمت.
بمنزل كريم وإيمان: كانت تجلس بجوار والدها، تحكي له ما حدث في الجامعة، وهو يستمع إليها باهتمامٍ واضح.
سألها بهدوء: طيب عملتي إيه؟
ابتسمت بخفَّة: ولا حاجة يا بابا، ماما قالت اللي يضايقك يبقى مش فاهمك ولا فاهم ظروفنا في أمريكا علشان كده مردِّتش، وده اللي ضايقها.
شدَّها إلى أحضانه بفخر: برافو عليكي يا حبيبتي.

خرجت من حضنه وهي أكثر حماسًا: بابا آسيا هتنزل من أول الشهر تدريب في شركة إيه رأيك أشتغل مع آسر أنا كمان؟
نظر لها بتفكير: هتشتغلي إيه؟
زيها سكرتيرة مؤقتًا، لحدِّ ما أتعلِّم.
هزَّ رأسه: طيب سيبيني أكلِّمه الأول، نشوف محتاج ولَّا لأ.
أوكيه قالتها وهي تنهض: عندي شوية مذاكرة صغيرة، أخلَّصهم وأروح لرولا شوية.
بمنزل أرسلان.
دلفت غرام إليه بخطواتٍ هادئة: عايزة أتكلِّم معاك.

أغلق اللابتوب فورًا، مشيرًا إليها بابتسامةٍ دافئة: طبعًا يا حبيبتي اتفضلي.
جلست أمامه، صمتٌ قصير سبق سؤالها: رجَّعت رولا ليه يا بلال؟ مش سألتك قبل كده وقلت لأ؟
ابتسم بحنان، ثم نهض ومدَّ يده إليها: طب ممكن قبل ما نتكلِّم أنام على رجلك زي زمان؟
لمعت عيناها بسعادة، وهزَّت رأسها فورًا: أكيد يا حبيبي.

جلست على الأريكة، فتمدَّد واضعًا رأسه على ساقيها، وأغمض عينيه براحة: ياااه يا ماما، من زمان أوي، مش فاكر آخر مرة إمتى.
مرَّرت أصابعها بين خصلات شعره بحنان: أنا اللي قصَّرت معاك، اهتميت بضي ونسيتك.
أمسك يدها وقبَّلها برقَّة: مفيش تقصير يا ستِّ الكل، إحنا كبرنا، بس برضه بنحنِّ للحنان ده.
ضحكت بخفة: فاكر لمَّا كنتوا بتتخانقوا مين ينام على رجلي؟
ضحك: كنا هُبل.
ضربته بخفَّة: هُبل إيه يا ولد؟ ده حب!

حب مات من زمان يا ماما.
انفجرت ضاحكة، وعادت بذاكرتها: كنت بعرف أسيطر عليكم، رغم إنك إنتَ ويوسف جنِّنتوني.
ضحك بلال وهو يستعيد ذكرى: فاكرة لمَّا يوسف ربطني في السرير علشان ينام مكاني وقال لضي: إنتي خدي الشمال علشان تبقي قريبة من الشيطان؟
تعالت ضحكاتهما، ثم خفتت وحلَّ صمتٌ ثقيل.
اردفت غرام بصوت متردد: بلال يوسف ما قالكش حاجة قبل ما يمشي؟

فتح عينيه ببطء: لا والله يا ماما، أنا زعلان منه، بس متأكد إن في حاجة غصب عنُّه.
قالت بحزم: أيًا كانت، مالوش حق يكسر أختك كده.
اعتدل وجلس أمامها: ماما ضي هي اللي طلبت الطلاق، خيَّرته بين الطلاق والخلفة، وهو مش جاهز.
اتَّسعت عيناها بصدمة: مين قالَّك كده؟!
يوسف، ولمَّا واجهت ضي، ما أنكرتش.
تاهت غرام في أفكارها، ثم نظرت إليه بتركيز: طيب هو ليه رافض يجيب ولاد؟

هزَّ كتفيه: دي حاجات خاصَّة يا ماما، عمرنا ما اتكلِّمنا فيها.
شردت، تربط الخيوط، وملامح الشك تتسلَّل إليها.
تنهَّد بلال، مغيِّرًا الحديث: بالنسبة لرولا، أنا مش هقدر أعيش من غيرها بحبَّها.
نظرت له بعمق: وهي؟
ابتسم بثقة: بتحبِّني جدًّا، إحنا الاتنين واحد.
إزاي تأكدت يا بني، دي رفضت ابنك؟

أمسك يدها: وقعت من على السلم، والبيبي نزل هي قالتلي، وأنا ما صدَّقتش، رحت للدكتورة، وتأكدت، وبعدين عمُّو إلياس جابلي تسجيل الحادث، كانت وقعة صعبة.
تألَّمت ملامحها: ربنا يعوَّض عليك يا حبيبي.
علينا يا ماما حاولت أبعد، معرفتش من غيرها بحسِّ إني مش عايش.
نظرت له بعاطفة: وأنا أهمِّ حاجة عندي سعادتك.
ابتسم: وسعادتي معاها.
ربتت على يده بحنان: ربنا يسعدك يا ابني، وعقبال أختك، حاسة إنها هتموت من غيره هي كمان.

وبعدين مدام بتحبَّها أوي كدا، وهي كمان، لمُّوا نفسكوا، مش كل شوية تهينوا بعض، دا مش حب دا انتقام.
وإنتَ امسك لسانك، هي شعنونة لكن طيِّبة، هي عايزة حد يقص لسانها شوية بس.
ضحك على كلمات والدته: تنكري إنها زي الأطفال، أنا بحسَّها طفلة أوي يا ماما، علشان كدا مش بزعل منها.
كان يتحدث مع والدتها بعيونٍ تنطق بالحب، راقبته والدته: دا إنتَ واقع أوي يا بن غرام.

دفن رأسه في صدر والدته، واقع من الدور المية يا ماما.
مدَّت يدها تمسِّد على شعره، وشعرت بالحزن عليه: ربنا يهدِّي سرَّك حبيبي ويفرَّح قلبك، طيب ليه ما رجعتش بيتك لمَّا رجعتها؟

اعتدل ينظر إليها: هي مكنتش تعرف إنِّي رجَّعتها غير من شهر، منكرش كنت مضايق منها، ومكنتش بفكَّر أرجَّعها، لكن يوسف اللي ضغط عليَّ، لأنه كان متأكد إنها متهورة، وبعد ما تأكدت إنها ما سقَّطتش البيبي رحت لعمُّو يزن، وقولت له هرجَّع مراتي، طبعًا هو رفض، لكن بابا وعمُّو إلياس أقنعوه، بس أبوها شرط ما ترجعش بيتك غير لمَّا أطلَّق كارما، وأروح أتقدملها من أول وجديد.

هزَّت رأسها منتظرة تكملة حديثه: وبعدين إيه اللي حصل، طلَّقت كارما دي؟
طلَّقتها، بس محدش يعرف غير عمُّو إلياس وبابا، حتى عمُّو يزن لسة ميعرفش.
مش قادر آخد خطوة رجوعي دلوقتي، وضي حالتها كدا، قولت أجِّل الموضوع لحدِّ ماأشوف عمُّو إلياس هيقنع يوسف يرجع ولا إيه.
ليه عمَّك إلياس عرف مكانه؟

أه، وسافرله، متقوليش قدَّام ضي ولا طنط ميرال، لأنها لو عرفت ممكن تحط أمل وفي الآخر ما يرجعش، وطبعًا ممكن طنط ميرال أول ما تعرف تسافرله، ودا عمُّو رافضه.
تنهَّدت غرام بألم على ابنتها: ربنا يهديك يا يوسف، أنا هتكلم معاها، وأشوف ليه طلبت منه كدا، صمتت ثم نظرت إليه: أومال إزاي رولا باتت معاك ليلة العيد، وإنتَ متِّفق مع أبوها.
نزل برأسه للأسفل: هي مادبتتش يا ماما، أنا كنت بحاول أحطِّك قدام الأمر الواقع.

لا والله يا دكتور، غصب عن أمَّك؟
أنا كنت متأكد إنك هتوافقي، لكن مش دا الموضوع.
زوت حاجبيها: أومال إيه؟
نهض من مكانه وارتبك، فتح فمه لينطق بما صار بينهما، ولكنه خجل من نفسه، وتراجع، نهضت مقتربة منه: سكت ليه.؟!
استدار إليها، وقال: مفيش، كل الموضوع مبقتش قادر أتحمِّل أشوفها قدَّامي وهي مراتي، واأتعامل معاها كأنها غريبة.

تفهَّمت ما يشعر به، ربتت على كتفه بحنانٍ أمومي: خلاص حبيبي، أنا هتكلِّم مع أختك، وأمري لله، هكلِّم مقصوفة الرقبة أم لسانين.
هزَّ رأسه بالرفض: لا يا ماما، مش دلوقتي، أشوف موضوع ضي الأول، حضرتك مفهمتيش كلام عمُّو يزن، طالب اتقدِّم من أول وجديد، يعني إزاي هعمل كدا، ويوسف مش موجود، وكمان عمُّو وطنط ميرال قلبهم محروق من غياب يوسف، أطَّمن عليه الأول، أنا إن شاءلله منتظر عمُّو يرجع وأسافر له.
تسافرله؟!

قالتها معترضة، ردَّ عليها دون جدال: ماما إحنا اتربينا إنِّنا أخوات، يوسف أخويا وضي أختي، لازم أطَّمن عليه، لازم أقعد معاه وأشوفه ليه عمل كدا، ممكن ما يقولش لأبوه، ويحكي لي.

مضى شهر لا يحدث فيه شيئا جديدًا، سوى عودة إلياس من عند يوسف، وزيارة اسحاق له
دي ساعة، كأنها اعتذار منك على كل كلامك
قلبها يوسف بيده
ودي فيها حاجة يعني ولا ايه
مفيش فيها حاجة، مجرد هدية
عمو اسحاق!
قالها يوسف باعتراض
ضحك وهو يحاوط كتفيه
فيها مخدرات
رفع يوسف حاجبه بسخرية
لا والله، توقف اسحاق امامه وحاوط ذراعيه
حبيبي كل اللي عليك تعمل اللي بقولك عليه، بلاش تعرف حاجة ممكن تأذيك
قطب حاجبه باستفهام
يعني ايه.

مفيش يعني، انا عايزك تخليه يلبس الساعة دي بس، ومتخافش مفيهاش حاجة تئذيك
مش بتكلم عن الأذى، مبحبش اعمل حاجة مش فاهمها
مفيش حاجة. الساعة فيها جهاز تتبع مش اكتر، عايز اعرف بيعملوا اجتماعاتهم فين. طيب ما أكيد هيفحصها
مايفحصها، حد قالك عني غبي
يعني ايه
وبعدين يايوسف، نفذ وبس
تنهد وقال
المهم اسمعني فيه موضوع تاني لازم اكلمك فيه
سحب نفسا وطرده وعيناه على يوسف.

تنزل مصر، ترضي الكل، لانهم زعلانيين وواخدين على خاطرهم منك، وخاصة ارسلان، اللي اتفاجئ من اللي عملته، هو بيحاول يبان عادي، لكن أرسلان أنا أكتر واحد عارفه، هو بيعمل كدا علشان مايزعلش اخوه، لكن قلبه شايل منك يا ابني
والصراحة لو حد عمل مع بنتي كدا مش هسامحه
لو سمحت ممكن منتكلمش في الموضوع دا.

بكمباوند الشافعي
خرجت رولا بخطوات متثاقلة نحو سيارتها، ملامحها جامدة، لأنها لم تراه منذ يومين، تأففت والقت نظرة سريعة على منزل أرسلان ثم تحركت الى السيارة. كادت تفتح الباب، ولكن جاءها صوت غرام من خلفها: رولا
توقفت، التفتت إليها باحترام: نعم يا طنط؟
اقتربت غرام منها بابتسامة هادئة، رغم ترددها: فاضية خمس دقايق؟
رغم دهشتها، ردّت بسرعة: طبعًا يا طنط ولو مش فاضية أفضالك.

ابتسمت غرام بخفة، ثم أمسكت يدها وسحبتها برفق نحو حديقة المنزل: تعالي نقعد عايزة أتكلم معاكي.
جلست رولا بصمت، تترقب، وقلبها بدأ يخفق دون سبب واضح.
تنهدت غرام، ثم قالت بصوت دافئ: أنا بحبك يا رولا أوعي في يوم تشكي في ده. وربنا عالم إنك عندي زي ضي وشمس يمكن زعلت منك، آه، وزعلت أوي كمان، بس ده مش من فراغ.

سكتت لحظة، وكأنها تختار كلماتها: بكرة لما تبقي أم، هتعرفي إن مفيش أغلى من الضنا. جرحك لبلال وجعني، بس اللي قهرني بجد، إني افتكرت إنك نزلتي ابنك بإيدك.
اهتزت عيون رولا، وارتجف صوتها وهي تقاطعها بسرعة: لا يا طنط والله ما حصل! أنا مسقطتش ابني، هو نزل غصب عني، والله دي الحقيقة.
نظرت لها غرام طويلًا، ثم مدت يدها تربت على كفها بحنان: عارفة يا حبيبتي بلال قالي.

انكسرت الدموع في عيني رولا، وانفلتت منها شهقة مكتومة: أنا عارفة إني غلطت في كلامي، بس كنت موجوعة، أنا كنت بحبه أوي.
ابتسمت غرام إبتسامة فيها صدق وإدراك: وهو كمان بيموت فيكي، ومش هكدب عليكي، قبل موضوع الجوازة التانية، كنت بشوف السعادة في عينه. بس يا بنتي، مفيش حاجة بتفضل زي ما هي.
تعلّقت نظرات رولا بها، وخوف خفي تسلل لقلبها: يعني إيه؟

رفعت غرام كفيها ومسحت دموع رولا بأنامل حانية: يعني لازم تحافظي على جوزك، مفيش راجل مابيغلطش، بس الست الشاطرة هي اللي تعرف تاخد حقها من غير ما تخسر اللي بتحبه.
اشتعل الألم في صوت رولا: بس اللي عمله مش غلطة، ده إهانة!
صمتت غرام قليلًا، ثم قالت بهدوء حاسم: اللي حصل حصل. مش هنفضل نعيط عليه. هو غلط آه، وغلط كبير، بس كمان هو ندم. وانتي رد فعلك كان قاسي.
حاولت رولا تتكلم: أنا.

قاطعتها غرام برفق: سيبي اللي فات، فكري في اللي جاي. هو بيحبك وطلق التانية.
اتسعت عينا رولا، وكأنها لم تستوعب: إيه؟ يعني طلقها؟
نظرت لها غرام بدهشة: انتي مكنتيش تعرفي؟
ارتسمت ابتسامة مرتعشة على وجه رولا، اختلطت بلمعة دموعها: انتي متأكدة؟
تنهدت غرام، وكأنها أدركت خطأها: شكلي بوظت المفاجأة، يلا يا بنتي، روحي شغلك بدل ما تتأخري.

نهضت رولا بسرعة، اقتربت منها وانحنت تقبّلها: أنا بحبك وعذرتك، عشان انتي أم، مكنتش فاهمة لكن ماما قالت لي حقك وغصب عنك
ابتسمت غرام بسعادة صادقة: ربنا يسعدكم يا بنتي، أنا مش عايزة غير كده.
إن شاء الله.
قالتها رولا وهي تتحرك بخفة، كأن الحزن انزاح فجأة عن كتفيها وتحركت كفراشة عادت لها الحياة.

لكنها توقفت فجأة وابتسامتها اختفت تدريجيًا، وهمست لنفسها بنبرة تحمل مزيجًا من الشك والدهاء: بتلعب بيا ماشي يا بلال.

بمنزل اسحاق وخاصة بمكتبه
مش ملاحظ زياراتك ليوسف كترت يا اسحاق
عادي كنت مسافر بلد قريبة، وقولت اطمن عليه، هو عيب ولا حرام
انحنى يستند على المكتب
اسحاق، انت رجعت شغلك تاني
شغل ايه يلا، احنا كبرنا، انا بنتظر حفيدي، ربنا يسهل واخوك يجوز العيال
متقربش من يوسف يا اسحاق، هزعل منك، وصدقني زعلي هيبقى وحش
نفخ اسحاق سيجاره بوجه أرسلان
اللي يشوفك يقول مطلّقش بنتك يعني؟

ايه اللي بتقوله دا يا عمو، يوسف قبل مايكون ابن أخويا بيكون ابني، انت ناسي انه متربي مع ولادي، زعلي منه حاجة، واني اضره حاجة تانية، دا انا افديه بروحي
متخافش يا ابن فاروق، معملتش حاجة ولو مش مصدق، روح اسأله
ظل ارسلان ينظر اليه بصمت
انا حافظك يا اسحاق
بطل هبل يلا، يوسف دا اصلا هيفدني في ايه، غير انه مش مدرب
يعني رجعت شغلك، انا برضو، قولت اسحاق زي السمك
غير اسحاق الموضوع.

المهم قولي عملت ايه في الراجل اللي اسمه ديفيد دا
اه. زي ما هو، سايبه يلعب مع اسر ورولا
طيب اسر محاولش يدور وراه
دور، بس ملاقاش غير اللي انا عايز يعرفه
حك اسحاق ذقنه ونظر اليه
طيب ازاي سكت بعد ماعرف ان دا اللي حاول يغتصب اخته
اسر ذكي ياعمو، هو عايز يوصل، ايه العلاقة اللي يخليه يعمل كدا في اخته
اممم. مش ابن الشافعي، المهم خلي بالك كويس، الراجل دا خطير.

واخد بالي، وجاسر الألفي بنفسه متابع الموضوع، وهو دلوقتي بيروح ملهى ليلي كدا، والوضع هادي، ومبقاش بيتقابل كتير، مع الولاد، كلف حد من عنده
ودا طبيعي
انا عايز اوصله انه طبيعي، وخاصة ان يزن اهتم بالموضوع
امم. ويزن ميعرفش
لا، طبعا، انت ناسي انه اب، ومهما يتماسك مشاعر الابوة هتفرض عليه
عندك حق. المهم عايزك تكلم الياس، نجوز الولاد، شمس خلاص باقي لها امتحان، والنص التاني تكمله، مبقتش قادر اسيطر على حمزة.

زفر ارسلان
والله كلمته كتير وهو رافض، مش قدامي غير ميرال، بحجة عايزين نفرح، وطبعا ماما فريدة.

مساء اليوم
تسلّل إليه الشوق كعادته، فقاد خطواته إلى منزل يزن، وكأن قلبه يعرف الطريق وحده. وقف أمام المسبح، عيناه معلّقتان بالماء، ينتظرها
اقتربت منه بهدوء، حتى وقفت إلى جواره. شعر بها قبل أن يراها، فالتفت بعينين أنهكهما الاشتياق
عاملة إيه؟
ابتسمت بخفوت، تخفي ارتباكها: كويسة الحمدلله إنت فين؟ مش بتبان ليه؟
زفر ببطء، وكأنه يفرغ ما بداخله: مشغول ضغط شغل.
ثم نظر لها بجدية: اقعدي عايز أتكلم معاكي.

جلست أمامه، كعادتها، على بعد مسافة
أشار بجواره: تعالي جنبي، ليه دايمًا بتحطي بينا مسافات؟
نظرت له بعينين تحملان عتابًا ووجعًا: مفيش مسافات يا بلال إنت اللي واهم نفسك
سكت لحظة، ثم سأل بصوتٍ خافت، كطفل يخشى الإجابة: هو أنا مش بوحشك خالص؟
ارتجف قلبها، وفضحتها عيناها قبل كلماتها: مين قال كدا؟
اقترب بجسده بنبرة موجوعة: طريقتك، سكوتك، لو مت، ممكن تعرفي زي الغريب.

لم تحتمل نهضت في لحظة، وجلست بجواره دون تفكير، وكأنها تستسلم أخيرًا. أمسكت بذراعه ولفّته حولها، ثم دفنت رأسها في صدره، تستنشق أمانًا اشتاقت له حد الألم.
علشان ما أضعفش كدا
همست بها بصوتٍ مكسور: علشان مبقدرش أشوفك زي الغريب، علشان بتوحشني بطريقة بتوجعني.
تجمّد جسده وخفق قلبه بعنف، وكل كلمة منها كانت تسقط داخله كاعترافٍ يرقص له قلبه.

رفع وجهها ببطء، وتاه بعينين تائهتين بين ملامحها، وكأنها أول مرة يراها اقترب دون وعي، ولامس شفتيها بشوقٍ مكبوت، قبلة حملت كل ما لم يُقال، كل ما تأجّل، وكل ما احترق بينهما بصمت.
ابتعد بصعوبة، أنفاسه مضطربة، وكأنه خرج لتوه من حلمٍ خطير.
لكنها لم تتركه علّقت عينيها بعينيه، ورفعت كفيها تلامس وجهه بحبٍ صادق: وحشتني أوي.

أغمض عينيه، وقبّل كفيها، يستسلم للحظةٍ سرقها من عمرٍ قاسٍ: أنا قولت لباباكي يديني وقت، لحد ما أشوف يوسف
فتح عينيه، وقال بصوت مختنق: بس أنا مش قادر يا رولا أنا بهرب منك، علشان ما أخطفكيش من الدنيا كلها زي دلوقتي.

دفنت رأسها في عنقه، دون وعي منها أنها تشعل حربًا بداخله، فاهتز جسده وهمس باسمها لكنها زادت اقترابًا، ولفّت ذراعيها حوله: كنت ناوية أعاقبك، بس مش قادرة، مش عايزاك تبعد، كفاية بقى، بقالنا سنة وشهرين وإحنا كدا، أنا تعبت.
أبعدها برفق، وأحاط وجهها بين كفيه، ينحني يقبّل دموعها بندمٍ صادق: حبيبتي أنا آسف.
ثم أضاف يطمئنها: على فكرة، أنا بعدت عن كارما ومفيش بينا حاجة.
نظرت له بترقب: يعني طلقتها؟

هز رأسه بخفة، وعيناه لا تفارقانها: لأ هي ما كانتش مراتي أصلًا، كان شغل وانتهى.
اقترب أكثر، وهمس بصوتًا امتلأ دفئًا وصدقًا: مراتي وحبيبتي واحدة بس، بحبها من عشرين سنة، من وهي عندها ست سنين متربعة في قلبي ومحدش قدر يقرب.
انكسرت كل الحواجز داخلها اقتربت منه، تغرقه بقبلاتٍ تحمل حب سنواتٍ ضاعت دون فائدة.

بحبك اوي. اوي، ليتها تصمت ولا تنطق شيئًا، فقد السيطرة، فابتعد عنها فجأة يحررها قبل أن يفقد صوابه هذه المرة
نظرت إليه بألم، ابتعد بنظراته عن عيناها
أنا كنت جاي أقولك، مسافر ليوسف بكرة.
نظر لها نظرة طويلة، ممتلئة بكل ما لا يستطيع قوله
خلي بالك من نفسك.
ثم استدار سريعًا قبل أن تخونه مشاعره أكثر، ويأخذ قرارًا لن يستطيع التراجع عنه.

مضت شهور أخرى، لم يحدث فيها شيء يُذكر سوى سفر حمزة وبلال إلى يوسف، ومحاولتهما المستميتة لإقناعه بالعودة، لكن رفضه ظل قاطعًا، لا يقبل نقاشًا.
في مساءٍ هادئ
كان بلال منكفئًا على عمله، دلفت رولا إليه بخطوات مترددة.
عايزة أتكلم معاك.
رفع عينيه إليها، يتأملها بنظرة طويلة قبل أن يومئ بصمت. جلست أمامه، تحاول التماسك.
بكرة في حفلة لمعتز الدمنهوري عاملها في الشركة، علشان خلصنا المشروع.

لم يتردد لحظة: مش موافق يا رولا.
عقدت حاجبيها بدهشة: ليه؟ الراجل كان محترم جدًا وكمان شكله جنتل.
ارتفع صوته بنبرة حادة: قولت لا! مفيش روحة للمكان ده ومبحبوش أصلًا، افهمي بقى!
تنهدت بنفاد صبر: وإنت لازم تحبه ليه؟ الشغل خلص خلاص.
ضرب بيده على المكتب: رولا مش هتروحي!
رفعت رأسها بعناد واضح: هروح يا بلال.
قالتها ثم استدارت وغادرت دون انتظار رد.
ظل ينظر في أثرها يمرر يده بعصبية في شعره، ويركل المقعد بعنف.

التقط هاتفه واتصل بأسر: اختك مش لازم تروح الحفلة دي، سامعني؟
جاءه صوت أسر هادئًا: اهدى يا بلال، أنا هكون معاها، متقلقش.
صرخ فيه: وأنا مش موافق! فاهم؟ مش موافق!
قالها وأغلق الهاتف بعنف.
في اليوم التالي
تألقت رولا بفستان أسود أنيق، زينته بلمسات بسيطة، وحجاب أبيض أضفى عليها هدوءًا لافتًا.
خرجت فوجدت أسر بانتظارها، فأشار نحو منزل أرسلان: قولي لجوزك، علشان ما يزعلش.

فتحت باب السيارة بثقة: أنا رايحة مع أخويا، مش لوحدي.

بمنزل أرسلان
دخلت ضي غرفتها بعصبية، تجمع أغراضها بسرعة، لحقت بها والدتها.
ضي بتعملي إيه؟
ردت دون أن تنظر إليها: ماشية، مش قادرة أقعد هنا لحظة كمان.
شهقت غرام واقتربت منها: ليه يا بنتي؟ إيه اللي حصل؟
استدارت فجأة، عيناها تشتعلان: قولي إيه اللي ماحصلش! وكأني مش بنتكم وكأن قلبي ما اتداسش عليه!

اهتز صوتها وهي تكمل: أنا اتغدر بيا واتطلقت من غير ذنب! علشان وثقت في واحد ما يستاهلش وبعد ده كله بتتعاملوا معاه عادي!
حاولت غرام تهدئتها: حبيبتي مش إنتي اللي طلبتي الطلاق؟
ضحكت بسخرية موجعة: آه بس كنت مستنية يتمسك بيا! مش يرميّني بالسهولة دي!
اقتربت منها والدتها بحزن: حتى لو ده كان جوزك، وما يصحش تغلطي فيه.
اتسعت عيناها بصدمة: بتدافعي عنه؟ بعد كل اللي عمله؟

تراجعت خطوة، تمسح دموعها بعنف: حتى أخويا محسش بيا! سابني وجري له وقعد معاه أسبوعين ضحك وصور!
انحنت قليلًا نحوها: كان بيحتفل معاه ولا كأني أخته!
انكسر صوت غرام: متوجعيش قلبي يا بنتي
ضربت صدرها بيد مرتجفة: .
وإنتوا وجعتوا قلبي ليه؟ ليه سيبتوني أموت
حاولت غرام تبرير وضع الياس وميرال
مهما كان، ابنهم، ولازم يفرحوا بيه.
صرخت فجأة: كفااااية!
صمت ثقيل ملأ المكان.

مش عايزة أسمع حاجة تاني أنا ماشية، وسيباكم تاخدوا راحتكم.
صرخت غرام: ضي!
لكنها لم تلتفت، حملت حقيبتها واتجهت للخارج.

وقف أرسلان أمامها، ينظر لحقيبتها: رايحة فين؟
رفعت عينيها إليه، بصوت مكسور: همشي محتاجة أبعد شوية، هنا بموت يا بابا.
انفجر غاضبًا: اتجننتي؟! إيه الهبل ده؟
بابا
قاطعها بعنف: مفيش بابا! تدخلي أوضتك فورًا! عايزة الناس تقول بنت أرسلان قاعدة لوحدها؟!
حاولت غرام تهدئته: اهدأ، هي مش في وعيها.
صرخ: مش في وعيها؟! دي مش صغيرة!
اقتربت ضي منه بثبات غريب: لو فضلت هنا دقيقة كمان هموت نفسي.

وفي تلك اللحظة، وصل بلال، والتقط كلماتها، فتجمد مكانه: ضي إنتي اتجننتي؟!

محدش له دعوة بيا، أنا حرة في نفسي!
لم تُكمل جملتها
صفعة قوية دوّت في المكان، من أيدي والدها
شهقت غرام: أرسلااان!
وضعت ضي كفها على وجنتها، ونظرت لوالدها بعينين متسعتين، لا تبكي فقط تنظر إليه بصدمة موجعة.
ثوانٍ مرت كأنها دهر ثم ابتسمت ابتسامة باهتة، تهز رأسها ببطء: شكرًا يا بابا، شكرًا إنك حاسس ببنتك.
اختنق صوتها لكنها أكملت: وحاضر هقعد علشان الناس، بس اعرف إنك كده بتقتلني.

مدّ بلال يده نحوها: ضي تعالي معايا.
نفضت ذراعه بعنف: ملكش دعوة بيا، أنا مش مستنية منك حاجة.
استدارت بسرعة، تكتم دموعها، واتجهت إلى غرفتها، وأغلقت الباب بقوة.
انفجرت غرام في أرسلان: ليه كده؟! كان لازم تمد إيدك عليها؟!
تحركت تقول بصوت مكسور: بنتي هتضيع مني، البنت بتضيع مني.
جلس ارسلان ثم همس
ليه يا يوسف ليه يا ابني
وصلت غرام إلى منزل إلياس.
دلفت، وأنفاسها متلاحقة، فاستقبلتها ميرال وهي تحمل فنجان قهوة.

توقفت ميرال: في إيه يا غرام؟!
بصوت مرتجف: فين أبو يوسف يا ميرال؟
مالك؟ في إيه؟
لم تجب فقط ارتفع بكاؤها.
خرجت فريدة على الصوت: غرام؟! بتعيطي ليه يا حبيبتي؟
في تلك اللحظة خرج إلياس.
في إيه؟
اتجهت إليه مباشرة، دموعها تنهمر: إنت جيت لي وقولت عايز تنقذ ابنك، ومايبعدش عن حضن أمه
ارتجف صوتها: قولت لي ميرال هتموت لو يوسف سافر.

اقتربت أكثر، وكادت ان تسقط امامه باانهيار: أنا جاية لك النهاردة وبقولك، ابنك موت بنتي يا إلياس بنتي بتموت!
تبدلت ملامحه، نظر لميرال وفريدة بقلق: في إيه؟! إيه اللي حصل؟
همست وهي تبكي: ضي عايزة تسيب بيت أبوها، عايزة تعيش لوحدها
رفعت عينيها نحوه: وعارف بسبب مين؟!
حاول التماسك: غرام اهدي أنا هتصرف.
صرخت من جديد: لا! مش ههدي! بنتي قالت لو فضلت هنا هتموت نفسها!

شهقت ميرال، وضعت يدها على فمها، بينما تجمدت فريدة في مكانها، نطقت كلماتها ثم استدارت وغادرت، تبكي بحرقة.

مضت عدة شهور أخرى، حتى وافق إلياس أخيرًا على زفاف حمزة وشمس، بعد أن كان قد رفض الفكرة تمامًا حين انتهت من دراستها
وقبل حفل الحناء بيومين
في حديقة منزل إلياس، كانت شمس تجلس بين ذراعي حمزة، بينما يعبث بخصلات شعرها برفق، وعيناه لا تفارقان ملامحها
شموسة فستان الفرح عجبك يا حبيبتي؟ لو في أي حاجة مش عاجباكي قوليلي
رفعت عينيها إليه، لكن ابتسامتها كانت باهتة
نفسي أفرح بجد، قلبي وجعني أوي على يوسف.

تبدلت ملامحه، احتضن وجهها بين كفيه، يمسح دموعها بإبهامه
دموعك دي بتقتلني يا شمس، علشان خاطري بلاش تعيطي
اختبأت في صدره، تحاول أن تتمالك نفسها
بحاول ياحمزة، والله بحاول. عارفة إني مزوداها، بس ده أخويا الوحيد، انت متعرفش يوسف كان بالنسبالي إيه
شدد من احتضانه لها
أوعدك هكون لك الأخ قبل ما أكون الزوج
رفعت رأسها إليه، وابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها
أنا متأكدة من كدا، هو أنا بحبك شوية؟

ابتسم بمشاكسة، ومرر أنامله قرب شفتيها
طيب مفيش أي حاجة لجوزك الغلبان؟
احمرّ وجهها، ودفنت رأسها في صدره خجلًا، فضحك وهو يضمها أكثر
مرّ اليومان سريعًا
في غرفة شمس، اجتمعت الفتيات حولها، والبهجة تحيط بالمكان رغم ما يثقل قلبها. جلست آسيا تمسك كفيها، ترسم الحناء بعناية، ثم غمزت لها
شموس أرسم لك فين تاني؟
ردت شمس بصوت خافت، شارد
أي حاجة مش مهم
شهقت آسيا بتصنع.

إيه اللي بتقوليه ده! في عروسة زي القمر كدا وتكون زعلانة؟! قولي حاجة يا رولا
اقتربت رولا منها، تمسك يدها بحنان
شمس حبيبتي، مينفعش كدا. على الأقل علشان مامتك. حاولي تعيشي سعادتك، بعد يومين هيكون عندك حياة جديدة
نظرت لها برجاء
طيب جربي تاني يا رولا، يمكن يكون اتصل. علشان خاطري
تنهدت رولا وهي ترفع الهاتف
والله يا بنتي التليفون أهو، مفيش حاجة
سكتت شمس للحظة، ثم سألت بصوت منخفض
طب فين بلال؟
ردت رولا ببرود.

معرفش ومش عايزة أعرف
وقبل أن تُكمل، دلفت فريدة إلى الغرفة بابتسامة واسعة
القمرات بيعملوا إيه هنا؟
تحركت شمس إليها سريعًا، وكأنها وجدت ملاذها
تيتا حبيبتي
احتضنت وجهها بحنان، تتأملها بإعجاب
إيه الجمال ده كله! والله خسارة في الواد حمزة
ابتسمت شمس بخجل
متقوليش كدا يا تيتا
رفعت فريدة حاجبها بمشاكسة، ونظرت للفتيات
إيه رأيكم؟ ينفع نسيب الأميرة دي لحمزة كدا؟ أنا شايفة إن إلياس يرجع في كلامه.

اتسعت عينا شمس بقلق حقيقي، وتمسكت بها بسرعة
لا يا تيتا، والنبي! هيزعل أوي
انفجرت فريدة ضاحكة، وربتت على خدها
يا بنتي بهزر معاكي ده أنا أول واحدة عايزة أشوفك عروسة
ابتسمت شمس، لكن ابتسامتها لم تصل إلى عينيها.

بعد عدة ساعات
نزلت الفتيات إلى الأسفل، وامتلأ المكان بالموسيقى الصاخبة، وبدأت الضحكات تختلط بالإيقاع، وكل واحدة منهن تحاول سحب شمس إلى وسط الدائرة لتشاركهن الرقص. كانت تبتسم مجاملة، لكن عينيها تفضحان ما بداخلها
في تلك اللحظة، ارتفع رنين هاتف رولا.
التفتت شمس إليها بسرعة، بنظرة مليئة بالأمل
مش هو؟
تنهدت رولا بخفة، وهي تنظر إلى الشاشة
لا وبعدين انتي مفكرة إنه بيتصل بيا؟! ده كلمتين على بعض هروح أرد.

هزّت شمس رأسها بصمت
ماشي
تحركت رولا قليلًا بعيدًا، وأجابت
أيوة
اطلعي أنا مستنيكي
عقدت حاجبيها باستغراب
ضروري يعني؟
زفر بوجع واضح
رولا عايزك تيجي معايا لضي. نحاول نقنعها تحضر حنة شمس، مينفعش تغيب عن بنت عمها
أغمضت عينيها لحظة، ثم ردت بهدوء
أنا روحت لها قبل كدا من غير ما تقول، ورافضة خالص
طيب تعالي نجرب مرة تانية
سكتت لحظة، ثم قالت
ماشي جاية.

بعد دقائق، كانت تسير بجواره، تعلقت بكفه، وتحركا متجهان إلى منزل ضي القريب من الكمبوند، ذاك المنزل الذي انتقلت إليه بعد محاولات كثيرة من إلياس مع أرسلان
عند ضي في الحديقة، كانت تجلس على الأرض، تضم ساقيها إلى صدرها، تحدق في شاشة هاتفها التي تتقلب بصورٍ لهما صورة تلو الأخرى، ودموعها تنساب في صمتٍ موجع.
غدًا ذكرى زفافهما.

ارتجف جسدها، ولم تعد تتحمل، فأغلقت الهاتف بعنف، وألقت برأسها للخلف، تنظر إلى السماء المزدحمة بالنجوم، وكأن كل نجمة تحمل ملامحه.
وضعت كفيها على أذنيها، تحاول إسكات صوته الذي يهمس داخلها، ذلك الصوت الذي كان يومًا ملاذها، وأصبح الآن عذابها.
همست بصوتٍ مكسور، يخرج كأنين
كذاب كله كان كذب
قطع كلماتها صوت الخادمة
الدكتور بلال جه، ومعاه مدام رولا
أزالت دموعها سريعًا، وأشارت لها بالانصراف.

بعد دقائق وقفت أمامه، تنظر إليه بصمتٍ اقترب منها ببطء
هتفضلي زعلانة مني لحد إمتى؟
حولت نظرها إلى رولا، وكأنها تهرب منه
انتوا رجعتوا لبعض؟
فتحت رولا فمها لترد، لكن بلال سبقها
لا أنا اللي جبتها. يمكن توافقي تيجي معاها علشان شمس، شمس ماتستاهلش كدا يا ضي، انتي أختها الكبيرة
رفعت عينيها إليه، ومرارة الألم تملأ صوتها
وأنا كمان، مكنتش أستاهل غدر أخوها
اقترب أكثر، ورفع يده ليحيط وجهها برفق.

حبيبتي أنا عارف إنك موجوعة من يوسف. بس عمك وبنته ذنبهم إيه؟ شمس زعلانة علشان محضرتيش، هو أخوها، آه، بس انتي كمان أختها
تراجعت خطوة للخلف
هحضر الفرح يا بلال، ده اللي أقدر أقدمه، علشان الناس
سكتت لحظة، ثم أضافت بنبرة حاسمة
محدش يطلب مني أكتر من كدا
وقبل أن يرد، قاطعهم رنين هاتفها
نظرت إلى الشاشة، ثم أجابت
أيوة يا نور
جاءها صوته مرحًا
عاملة إيه؟
تنهدت بهدوء
كويسة الحمدلله.

لسه واصلني اللوكيشن إيه الجمال ده يا ضي! واو، واو، واو بجد
تسللت ابتسامة خفيفة إلى شفتيها، رغم كل شيء
بجد؟
بعد فترة
كان بلال يجلس مع أسر في الخارج، يتحدثان بجدية
مش شايف إن معتز الدمنهوري غامض زيادة عن اللزوم؟
صمت أسر لحظة، ثم نظر إليه بنظرة ذات مغزى
في حاجة عمو أرسلان قالها، مش عارف انت تعرفها ولا لا
مال بلال للأمام باهتمام
قال إيه؟
فتح أسر فمه ليتحدث، لكنه توقف فجأة مع صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.

التفت الاثنان في نفس اللحظة. ترجل حمزة من سيارته بثقة، وكأنه داخل معركة وليس حفل حنة، ابتسم بلال بسخرية
الحنة للبنات يا ابن الجارحي
رفع حمزة حاجبه بتحدي
ليه؟ دي قوانين في الدستور؟ أنا جاي أشوف مراتي ومحدش يقدر يوقفني
ضحك أسر، وسحبه جانبًا
سيبه يا بلال خليه يدخل
تقدم حمزة بخطوات واثقة
آه هدخل ومفكرني هخاف؟ أنا هعمل اللي أنا عايزه
قفز بلال بخفة فوق سيارته، مشيرًا له بتحدي
اتفضل يا حبيبي، محدش ماسكك.

رمقهم حمزة بنظرة ساخرة، ثم تحرك للداخل خطوة اتنين تلاتة
وفجأة اصطدم بشخص يقف أمامه
تراجع قليلًا، ثم قال باستغراب
نعم؟
جاءه الرد هادئًا
هو حضرتك بتعمل إيه هنا؟

أنا مستنيك
التفت بسرعة نحو بلال، الذي يستمتع بالمشهد
فعاد بنظره إلى إلياس، يحاول ترتيب كلماته
أنا بس كنت عايز يعني
ظل إلياس ينظر إليه بصمت، حتى ازداد توتره
حضرتك بتوترني على فكرة
ابتسم إلياس ابتسامة خفيفة
ليه يا حنين؟ مفكر نفسك في امتحان الثانوية؟
انفجر بلال ضاحكًا
وجاي يغش عندنا كمان
جزّ حمزة على أسنانه، فرفع إلياس حاجبه وأشار له
لف وريني قفاك
تعالت الضحكات، وأشار حمزة لنفسه بدهشة
حضرتك بتقول لي أنا؟

رد إلياس ببرود
لا للحيطة اللي جنبك
نظر حوله باستغراب
مفيش حيطة أصلًا هو يقصد مين؟
تمتم إلياس بنفاد صبر
حمزة!
ثم أشار إلى ساعته
يلا ارجع. عيب
اقترب حمزة منه محاولًا استرضاءه
طب أقول لها كلمة واحدة بس. قاطعه بسرعة
كلمة إيه؟! إنت اتجننت؟ يلا روح
ابتسم حمزة بمكر، وهو يملس على جاكيت إلياس
ما أنا مش همشي، غير لما أشوفها
رد إلياس ببرود
خليك أنت حر
في تلك اللحظة، وصلت سيارة آدم، برفقة زوجته ونجليه
نظر إلياس لحمزة بصرامة.

يلا لف وارجع. متخلنيش أرجع في كلامي
ابتسم حمزة بثقة
هترجع في كلامك إزاي يا عمو؟ الفرح بعد بكرة، عايز الناس تقول إيه؟
رد إلياس بهدوء مستفز
عادي يا حبيبي، نقول العريس جاله وعكة صحية
شهق حمزة بصدمة
إنت بتقر على جوز بنتك!
لكن إلياس تجاهله تمامًا، واتجه لاستقبال آدم
بينما وقف حمزة مكانه، ينظر خلفه بحنق ثم ابتسم فجأة، وكأن فكرة مجنونة لمعت في رأسه
ماشي يا إلياس هنشوف.

بالداخل
دارت الفتيات حول شمس، يسحبنها إلى وسطهن، تتمايل خطواتها معهن رغم ثقل قلبها، يحاولن انتزاعها من حزنها ولو لدقائق
تعالت الضحكات، واختلطت الزغاريد بالموسيقى، حتى انتهى أخيرًا حفل الحناء، وهدأت الأجواء شيئًا فشيئًا صعدت للاعلى ولكنها توقفت تشهق
انت بتعمل ايه هنا
وحشتني الفراولة، وجيت اكلها عندكم
بتهزر ياحمزة
وضع الطبق الذي يحمل فواكه ونهض متجها اليها.

وحياة شمس عندي، كنت قلقان عليكي، كلمتك وصوتك كان معيط
اقتربت منه تدفن نفسها بأحضانه
أنا بحبك اوي. ابتسم بحنان، تذكرت شيئا
انت دخلت ازاي صح، وبابا
سيبك منه، هو يقدر يعمل حاجة، طيب انا اهو، ولا قدر يوقف قدامي
صمتت تنظر للارض بعدما لمحت والدها خلف حمزة، رفع ذقنها ينظر لعيناها
أنا اهم حاجة عندي شمسي، وبعدين انتي ضحكتي علي، ينفع اسيب حفلة الياس امبارح علشان الفروالة وفي الاخر مادقتهاش.

لم ترد عليه، كانت عيناها على والدها الصامت
مالك حبيبتي، ولا تكوني بتعملي كدا، علشان ماادقش الفراولة، والله قتيل الليلة هنا
اشارت بعينيها على والدها، ولكنه لم يدرك ماتشير اليه، فجذبها من خصرها
معقول ياشموسة تزعليني
انحنى الياس اليه
لا مش معقول يااخويا
قفز مبتعدًا
بسم الله، انت بتعمل ايه هنا
امسكه من تلابيبه، هو مين اللي بيعمل ايه هنا يلا
وصلت ميرال على صوت الياس. في ايه، صمتت حين وجدت حمزة
انت لسة هنا.

التفت اليها الياس
يعني انتي اللي دخلتيه
ابتعد عن الياس، ينظر الى ميرال
سؤال رفيع المستوى، انتي اتجوزتيه ازاي، حضرتك حد مرهف الحس، انما هو
حدجه الياس بنظرة
هو احسن الناس برضو، انا اللي استاهل، محبتش غير بنته
حمزة ايه اللي بتقوله دا
حمزة هينتحر بسبب ابوكي
دقيقة واحدة لو لقيتك هنا والله لالغي الفرح
طب يرضيك اروح وانا نفسي في الفراولة
ميرال. صرخ بها الياس يشير اليه
دقيقة لو لقيته والله لالغي الفرح.

تراجع سريعا ثم انحنى يقبل شمس على وجنتيها
ربنا على الظالم والمفتري.

مرّ اليومان سريعًا
وجاء يوم الزفاف
انتهت شمس من زينتها، تجلس أمام المرآة، تتأمل نفسها وكأنها ترى شخصًا آخر عروس جميلة، لكن بعينين تحملان وجع.
دخلت والدتها، فتلاقت أعينهما، فارتجف قلب شمس، تحاول أن تخفي ما بداخلها
حلوة يا ماما؟
ابتسمت لها بحنان، رغم الدموع التي لمعت في عينيها
زي القمر يا حبيبتي
دلفت فريدة، ومعها غرام ورحيل، فتوقفت كلماتهم، يحدقن بها بانبهار
ما شاء الله دي عروسة ولا ملاك؟

ابتسمت شمس بخجل، بينما انسحبت ميرال بهدوء إلى الأسفل
بعد قليل
هبطت شمس برفقة عمها أرسلان، بعدما أصرّ إلياس أن يكون هو من يسلّمها لحمزة
كان يقف يتطلع الى ابنته بسعادة وعمها وابن عمها يسلمنها الى زوجها، لكن داخله يئن وجع غياب ابنه في يوم كهذا كان أقسى من أن يُخفى.
ضجّت القاعة بالموسيقى والمباركات، والتفتت الأنظار إلى العروس
وفجأة. ظصمت كل شيء.
انقطعت الموسيقى، وتبدلت الوجوه. عند مدخل القاعة، بدخول يوسف.

شهقت شمس، ثم اندفعت نحوه دون تفكير
يوسف!
احتواها بين ذراعيه، ودار بها، وضحكته تحمل اشتياقًا وحنينًا
ألف مبروك يا صغيرة
تعلقت به أكثر
كنت عارفة إنك هتيجي والله كنت عارفة
ابتعدت قليلًا، تبحث بعينيها
ماما بابا
رفع يوسف عيناه التي وقعت على اخر شخصٍ يريد أن يراه، لتهمس شفتيه: ضي.
كانت تقف بعيدًا، تنظر إليه بعينين امتلأتا بدموع حاولت حبسها، لكنها انحدرت رغمًا عنها، حارقة كالنار.
همس اسمها دون صوت.

ارتجفت شفتيها، وارتسمت ابتسامة موجعة، تحركت خطوة نحوه
لكن قبل أن تصل، سبقتها ميرال، وارتمت في أحضانه
حبيبي وحشتني أوي
أغمض عينيه للحظة، ثم أجابها بهدوء، محاولًا التماسك
وانتي كمان يا ماما عاملة إيه؟
احتضنت وجهه بين كفيها، تتأمله بلهفة، والدموع تنهمر
دلوقتي بس بقيت كويسة
كادت الكلمات تختنق في صدرها، بينما هو يحاول أن يبدو ثابتًا
سحبها يزن برفق، بعدما لاحظ نظرات الجميع نحوهما
ميرال اهدي شوية.

ثم التفت إلى يوسف بابتسامة خفيفة
حمدالله على السلامة يا خالو
أومأ له يوسف، وبدأ يحيي الجميع باشتياق ولهفة، حتى توقفت خطواته.
أمامها.
ضي.
كانت تقف ساكنة عيناها خاليتان، لكن داخلهما يصرخ.
التقت نظراتهما، لحظة واحدة لكنها كانت كفيلة أن تعيد كل شيء.
ذكريات، ضحكات، ووعود وخيانة كسرت كل شيء.
اقتربت منه ببطء، رغم شعورها بنظرة والدها الرافضة، ورغم ارتجاف قلبها
وقفت أمامه مباشرة.

صوتها خرج ضعيفًا لكنه كان يحمل كل ما بداخلها
.

أوووه دكتورنا الهربان وصل يا جماعة!
قالتها ضي بصوتٍ عالٍ، يخالطه سخرية لاذعة، بينما صفقّت بكفيها ببطء، وابتسامة باهتة ترتسم على شفتيها.
اقترب منها يوسف خطوة
عاملة إيه يا ضي؟
ضحكت بخفة، ثم التفتت سريعًا نحو والدها وعمها، وعادت بنظرها إليه
كويسة يا دكتور مكنش ناقصني غير رجعتك، صدقني
شدّت رولا على ذراعها بخفة
ضي الناس بتبص علينا
لكنها لم تهتم، رفعت ذقنها بتحدي.

إيه؟ مش برحب بعبقرينو العيلة؟ كبير العيلة؟ صاحب المبادئ والأخلاق؟
زفر يوسف بصبر، محاولًا احتواء الموقف
ضي ممكن نتكلم بعدين؟
اقتربت أكثر حتى تلامست أنفاسهما، وقالت بنبرة منخفضة لكنها قاطعة
مبقاش بينا كلام يا دكتور اللي اتكسر ما بيتصلحش
توتر الجو للحظة، فتدخل يزن سريعًا، بعدما لاحظ نظرات إلياس وأرسلان المتحفزة
حبيبتي بعدين، علشان خاطر شمس
تراجعت ضي خطوة، وأشارت له بيدها بسخرية
اتفضل يا دكتور.

عادت الموسيقى تدوي في القاعة، وكأن شيئًا لم يحدث
التفتت الفتيات حول شمس، يسحبنها للرقص، بينما جلس يوسف بجوار والدته وفريدة، يحاول أن يهدأ.
وقعت عيناه على غرام الجالسة في الطرف الآخر
إزي حضرتك يا طنط؟
أجابته دون أن تنظر إليه
كويسة
ربتت ميرال على كتفه برفق
اعذرها يا حبيبي
ثم نظرت إليه باشتياق
شوفتي يا ماما الدنيا من غيره كانت ناقصة فرح
رفع يوسف يد والدته، وقبّلها بحنان
كنتي وحشاني أوي.

ابتسمت فريدة وهي تشير نحوه
قوم يا حبيبي ارقص مع أختك، دي نسيت جوزها ومشغولة بيك
أومأ برأسه، ونهض متجهًا نحو شمس. ما إن رأته، حتى تركت حمزة، واندفعت نحوه تعانقه
وحشتني أوي!
ضمّها بحنان، ثم ابتعد قليلًا، وبدأ يرقص معها، يحاول أن يعوضها عن غيابه
دقائق، ثم حملها ودار بها، لتعلو ضحكاتها الصافية، وكأن الحزن لم يمر بها يومًا
اقترب بلال منه، يربت على كتفه
ليك وحشة يا وحش
ابتسم يوسف وهو ينظر سريعًا نحو رولا.

إنت كمان وحشتني عامل إيه؟
الحمد لله إيه؟ مش هنوجب مع شموسة؟ يلا نرجع نتشقى تاني
قطّب جبينه بعدم فهم، وفجأة
انطفأت الأضواء!
ثوانٍ من الظلام، ثم أضاءت القاعة مجددًا على نغمات شعبية صاخبة، ومع دخول أسر وحمزة إلى الساحة. تجمع الشباب حول بعضهم، وبدأوا الرقص بحماس، لتشتعل القاعة بالتصفيق والضحك والهتافات
كانت لحظات من البهجة الخالصة. وقف إلياس يتابع ابنه بعينين ممتلئتين بالفخر، بينما اقترب أرسلان بجواره.

فاكر كانوا بيعملوا إيه وهما صغيرين؟
ابتسم إلياس بحنين
تصدق لو قلتلك يا ريتهم يرجعوا تاني
ربت أرسلان على كتفه
ربنا يبارك لك فيه يا حبيبي
اقترب يزن ضاحكًا
إسحاق عايز يولع فيهم حولوا القاعة لسوق!
التفت أرسلان نحو إسحاق، الذي كان يقف مع أحد ضيوفه المهمين، فغمز له بخفة، ثم عاد بنظره، لتقع عيناه على ضي التي
كانت تتحرك ببطء نحو الشباب
تمتم بقلق
ربنا يستر منك يا بنتي، ما تبوظيش ليلة بنت عمك.

توقفت ضي على مقربة منهم. وقفت تراقبهم بصمت
ضحكاتهم، قربهم من بعض، تماسكهم رغم كل الخلافات وعينها عليه هو فقط
تابعت كل حركة، كل ضحكة، كل التفاتة
كان يضحك وكأنه لم يتألم يومًا، وكأن قلبًا لم يُكسر بسببه
وفي لحظة، رفعوا حمزة عاليًا، يهتفون باسمه، لتتعالى الصرخات والضحكات، حتى انتهت الرقصة
ابتعد يوسف قليلًا، يلتقط أنفاسه، واتجه نحو سترته، يسحبها من أحدهم بعدما خلعها أثناء الرقص.

ارتداها ببطء وعيناه تتجهان نحو شمس، يتأمل فرحتها برضا
عاد الهدوء نسبيًا، وبدأت الرقصات الثنائية—
بلال مع رولا، أسر مع سدن، وحمزة مع شمس أما هو فوقف وحده للحظة. حتى توقفت أمامه.

عايزة أرقص معاك
قالتها ضي بهدوءٍ مخيف، وهي تمد كفها نحوه.
رفع يوسف عينيه إليها، وفي لحظة، ارتجف جسده بالكامل، كأن مجرد اقترابها أعاد له كل ما حاول دفنه.
عايزة أرقص معاك واعتبرها رقصة وداع يا دكتور
ابتلع ريقه بصعوبة
ضي مينفعش انتي بتقولي إيه؟
رفعت ذقنها، بعنادٍ ممزوج بوجع
أنا مش باخد رأيك، لأنك هترقص معايا
وصل بلال سريعًا، يحاول سحبها
حبيبتي تعالي، أنا عايز أرقص معاكي
التفتت له بحدة.

ماطلبتش منك اسكت، ثم عادت بنظرها إلى يوسف
خفضت عينيها إلى كفيها، ثم رفعتهما ببطء، وقالت بصوت منكسر رغم محاولتها الثبات
إيدي وجعتني اعتبرها أمنية حياتي، أو آخر فرصة للغفران
تجمد مكانه نظر إلى كفيها، وكأنهما تحملان كل ما بينهما من حكايات لم تُقال
ثم رفع عينيه. ليجد إلياس وأرسلان يقفان على بُعد، يراقبان بقلقٍ وترقب
اقترب أرسلان بخطوات سريعة
فيه إيه؟
ردت دون أن تلتفت له.

بكلم طليقي يا بابا ولو عايز فرح أخته يعدي على خير يرقص معايا
شهق أرسلان
ضي! إيه اللي بتعمليه؟! اتجننتي؟!
لكنها لم تسمع أو ربما لم تعد تريد أن تسمع أحدًا
اقتربت خطوة أخرى من يوسف
هترقص معايا ولا لأ؟
سكت لحظة لحظة أطول من العمر كله
ثم رفع يده ببطء، وأمسك كفها.
بمجرد أن تلامست الأيدي، كأن صاعقة مرت بينهما
رجفة خفية، لكنها كانت كافية لتفضح كل ما حاولا إنكاره
تراجع الجميع دون وعي.

وكأنهم أدركوا أن ما يحدث ليس مجرد رقصة بل مواجهة بين قلبين لم يُشفى أحدهما
تحركا معًا نحو ساحة الرقص، من يراهما يقسم أنهما عاشقان حتى الموت
لكن الحقيقة أنهما يقفان على حافة النهاية
توقّف أمامها، أنفاسه متسارعة، وعيناه لا تستطيعان الهروب منها
رفعت يدها قليلًا، توقفه
لحظة يا دكتور. ابتسمت ابتسامة موجعة، كأنها تودّعه بالفعل
من حقي أختار الموسيقى، اللي هودعك بيها.

كل كلمة خرجت منها، كانت خنجرًا يغرس في صدره. ثم همست
شوفت؟ أنا بعرفك قبلها إزاي
تركته، واتجهت إلى منسق الموسيقى، وسط صمتٍ تام يخيّم على القاعة. الكل يترقب والقلوب مشدودة
تحرك إلياس خطوة، والقلق ينهش صدره من عيناها التي لمح بها الضياع، علم انها لن تشعر سوى بالقهر، اتجه بنظره الى ارسلان لكن أرسلان أوقفه بنظرةٍ حائرة. وفجأة—انطلقت الموسيقى.
هادئة ثقيلة تحمل في نغماتها وجعًا لا يُحتمل.

عادت إليه ومدت يدها من جديد، مع صدح موسيقى التانغو، لتقترب منه حد التلامس
هنرقص تانغو يادكتور
تجمّد يوسف مكانه. يردد الكلمة بذهول، رغم ارتفاع الموسيقى
التانغو دارت حوله على نغمات الموسيقى
اه رقصة العاشقين والصراع والاقتراب الذي يشبه الاحتراق
رفعت عينيها نحوه، ثم مرّت بنظرة خاطفة على إلياس وميرال
نظرة لم تكن عابرة، بل كانت إعلانًا صامتًا أن شيئًا ما، سيموت الليلة.

الفصل التالي
بعد 06 ساعات و 10 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة