رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السادس والستون
تحرك إلياس في المنزل كأنَّ روحه تُسحب منه جزءًا جزءًا لم يكن يبحث عنها فقط، بل كان يهرب من إحساسٍ مرعب بدأ يلتهم صدره، إحساس فقدْها مرَّةً أخرى.
فتح الأبواب بعنف، ناداها بصوتٍ مكسور. تسارعت أنفاسه، وارتجف جسده، وذكريات الماضي انهالت عليه بلا رحمة، نفس الإحساس، نفس الخوف، نفس العجز.
لكن هذه المرة لم يعد يحتمل.
لم يعد يملك قلبًا يقاوم كل هذا.
اندفع إلى مكتبه، وبيدين ترتجفان ضغط على الكاميرات لتظهر فيها أمامه على الشاشة، توقَّف قلبه للحظات وهو يراها تخرج وحدها مكسورة كأنَّ الحياة انطفأت داخلها.
اتجهت إلى منزل يوسف.
اختنق صدره، وخرجت منه شهقة موجوعة، كأن أحدهم غرس سكينًا في صدره ببطء، همس لنفسه بصوتٍ واهن: ليه يابني تعمل فينا كدا، أغمض عيناه
وكأن هذا المشهد وحده كان كافيًا ليُدرك ماسيعانيه معها.
بمنزل يوسف
دخلت كأنها تدخل قبره وهو حي.
توقَّفت عند الباب، ويدها مازالت على المقبض، تخشى أن تخطو خطوةً أخرى بداخل المنزل، كأنها إن دخلت أكثر، ستتأكَّد أن غيابه حقيقي. أنه لم يعد موجود.
لكن قلبها يهفو إلى أي شيئ يخصُّه فدخلت ببطءٍ مؤلم خطواتها متردَّدة، مكسورة.
نظرت حولها كل شيء كما هو. كلَّ شيء يحتفظ به إلَّا هو.
شهقة خرجت منها دون إرادة، شهقة أمٍّ انكسر ظهرها فجأة.
اقتربت من أحد أغراضه، التقطته بيدين مرتجفتين، وضمَّتْه إلى صدرها فجأة بقوة كأنها تعانقه هو. لتهمس
يوسف
خرج اسمه من بين شفتيها ممزَّقًا ك آخر ما تبقَّى لها منه.
جلست على الأرض دون وعي، لم تعد ساقاها قادرتينِ على حمل هذا الوجع. وانحنت تحتضن ما يخصُّه بقوة تخشى أن يُنتزع منها
إزاي سبتني، إزاي قدرت تمشي وتسيب أمَّك، هونت عليك يا حبيبي، دا وعدك ليَّا.
رفعت قمصيه تستنشقه بوله، كأن رائحته دواء لقلبها المحطَّم من غيابه.
ارتفع صوتها بالبكاء، لم يعد مكتومًا، لم تعد قادرة على كتمه، بكاء أمٍّ لا تبكي فقط. بل تُنتزع منها روحها.
تشعر بأن البكاء أصبح الشيء الوحيد الذي يثبت أنها مازالت على قيد الحياة.
زحفت ببطء نحو سريره.
وضعت يدها عليه، ثم وجهها ثم احتضنته بالكامل، تحاول أن تستخرج منه دفءه الغائب: ريحتك لسه هنا، أهو إنتَ هنا صح؟ قولٍّي إنك هنا رد عليَّا! رد على أمَّك يا يوسف، قولي مش هقدر أوجعك يا أمِّي، مش هقدر أكون قاسي وأبعد عنِّك.
لكن لا رد.
فارتجف جسدها بعنف، وانهارت أكثر، وخرج صوتها مكسورًا حدَّ الاختناق: أمَّك اللي كانت بتستخبَّى في حضنك من الدنيا تقوم تسيبها لوحدها كده؟!
ثم فجأة صمتت تنظر للغرفة بضياع.
تدور برأسها ببطء، عيناها زائغتان، وصوتها أصبح هامسًا أخطر من الصراخ: أنا مش قادرة أعيش من غيرك
انحدرت دموعها في صمتٍ ثقيل، مش هقدر حبيبي، ياله ارجع لحضن أمَّك.
دلف إلياس بخطا ثقيلة، توقف عند الباب يستمع إليها بأنينٍ قاتل، كاد أن يدفنه وهو على قيد الحياة.
شعرت بوجوده التفتت إليه، وأشارت: إنتَ كمان وحشك، جيت تطمِّن عليه، بس هوَّ مش موجود، ابني مش موجود يا إلياس. جوِّزته علشان ميهاجرش، بس هاجر، ابني هاجر علشان يهرب من ماضي أمُّه.
اقترب منها وانحنى يساعدها: ميرال مينفعش اللي بتعمليه دا، اللي يسمعك بتقولي كدا، يقول بعد الشرِّ عليه إنه مش هيرجع.
صرخت بها بصوتٍ متقطِّع وقلبٍ مفتَّت: ماهو مش هيرجع، هيرجع ليه، أه قولي هيرجع ليه، وهوَّ شايف آلامه كلها هنا.
ميرال، كفاية بقى، ليه مصرَّة إن الولد مبقاش موجود.
دفعته بقوة وثار غضبها: بالنسبالي مبقاش موجود.
دارت بعينيها بالغرفة، ثم خرجت تركض بين غرف منزله تدفع الأبواب وتنادي عليه: يوسف، يوسف إنتَ هنا.
توقفت واستدارت إلى إلياس: إيه رد عليك، سمعته؟ نزلت دموعها: خرج وقالَّك كفاية عصبية يا إلياس
شوفته رد عليَّ وقالي وطِّي صوتك يا ستِّ الكل وابعدي عن إلياس هوَّ دايمًا بيتعصَّب مع نفسه.
دموع، دموع فقط كانت أبلغ عن أي كلمات أو وصف.
اقترب منها، وحاوط جسدها: ميرال أوعدك هرجَّعه، اديني وقت أعرف سافر فين، وحياتك عندي هرجَّعه.
هزت رأسها بالنفي: مش هيرجع يا إلياس، لو كان ناوي يرجع مكنش سافر هروب، كان على الأقل ودَّعنا.
رفعت عيناها تهمس: مكنش طلَّق مراته اللي بيموت فيها، ابنك مش هيرجع وأنا متأكدة، حتى لو رحت علشان ترجَّعه مش هيرجع. هو اختار الفراق والوجع، زي أمُّه زمان، فاكر يا إلياس؟
حاوط جسدها وتحرك بها للأسفل: ياله حبيبتي علشان ترتاحي، وسيبي رجوع يوسف عليَّ.
تهكَّمت بسخرية لاذعة: كأنك متعرفش ابنك يا إلياس، أو بتحاول ترضيني وتطمِّني، بس ريَّح نفسك، أنا متأكدة إنه مش هيرجع.
طيب يلا ي اميرو، أنا تعبان مش يبقى إنتي كمان.
رفعت عيناها إليه: هترجَّعه ليَّ؟
احتضن وجهها يزيل دموعها: وحياة ميرال عندي هفضل وراه لمَّا يرجع.
أمسكت كفَّيه الذي يحتضن به وجهها وقبَّلته: ربنا يخليك ليَّا يارب.
ضمَّها لأحضانه بقوة، كأنها ستختفي من بين ذراعيه: ويخليكي ليَّا حبيبتي...
لفَّت ذراعيها حول خصره، تدفن نفسها داخل أحضانه، تستنشق رائحته، كأنه يحمل رائحة ابنها.
أخرجها من أحضانه وسحب قميص ابنه من يدها: ياله علشان نرتاح، اليوم كان مرهق.
نظرت للقميص الذي بيده، ثم دارت بعينيها بالغرفة: عايزة أبات هنا، لو سمحت.
مينفعش، علشان شمس، نسيتي بنتك لوحدها، وكمان نامت بمهدِّئ، ميرال لازم تفوقي علشان شمس، إحنا كبار وواعين ونقدر نتحكِّم في مشاعرنا ووجعنا، لكن هيَّ مش هتقدر تتحمِّل بعد أخوها.
نزلت دمعة شريدة عبر وجنتيها: ولا أنا قادرة، حاسة أخد روحي معاه، ليه عمل كدا.
رفع ذقنها ونظر لمقلتيها: مش قالك أي حاجة، افتكري ممكن يكون قالِّك حاجة وماأخدتيش بالك، أصل موضوع سفره المفاجئ دا وجعني، وكلامه في الرسالة وراه حاجة.
تراجعت تطالعه باستفهام: رسالة إيه؟
سحب كفَّيها وتحرك لخارج المنزل وهو يقول: بيودَّعني فيها.
بمنزل أرسلان.
دفع الباب بعنفٍ كأن الريح نفسها هي من فتحته، لكن ما رآه في الداخل كان كافيًا ليجمد الدم في عروقه ابنته، فلذة كبده.
جالسة على أرضية الحمَّام الباردة، كأنها قطعة منكسرة من روحه
في يدها مقص، وحولها خصلات شعرها متناثرة كأشلاء محطَّمة، حتى صارشعرها لم يعد كما كان.
شهقت غرام شهقة خرجت من عمق قلبٍ أمٍّ يُسحق ببطء: ضي! حبيبتي عملتي في نفسك كده ليه؟!
لكنها لم تجب، رفعت عينيها ببطء عيون متورِّمة من البكاء، غارقة بالألم، ضائعة بعشقٍ حطَّم قلبها.
ضمَّت غرام وجهها تزيل عبراتها، رفعت عيناها.
تنظر لوالدتها بتشتُّت وكأنها لا تراها. أو كأنها صارت بعالمٍ آخر، عالمًا كله صار بعيدًا جدًّا عنها
انحنى بلال بسرعة، ركع أمامها ومدَّ يداه التي ترتجفان من هول حالة أخته، لمس كتفيها بحنان، يخشى عليها من فزع لمسته: ضي بصيلي أنا هنا حبيبتي.
لم ترد كانت بعالمٍ آخر بعيدًا عما يدور حولها، لقد وضعت نفسها به.
أبعد والدتها عنها وحاوط جسدها: حبيبتي بصيلي. لكنها لم تفعل شيئًا، سوى أنها مالت بجسدٍ واهن، على كتفه، فقام بحملها بسرعة، واحتضنها بقوة يخشى أن تتفكَّك بين ذراعيه: ماما. هاتي هدوم هدومها مبلولة!
تشبَّثت به فجأة بقوة مفزعة، وغرست يدها في قميصه تتمسَّك به كالغريق الذي يستغيث. تحرك بها، فسقطت رأسها على صدره وهي ترتجف، بلا صوت، بلا دموع
صمتها كان أشدُّ قسوة من أي صراخ.
اندفعت غرام تبكي، تبحث بتشتُّت عن ملابسها، ولكنها لم تعي سوى انهيار ابنتها.
أما أرسلان. فلم يتحرَّك، تجمَّد في موضعه كأنَّ روحه تُسحب من جسده دفعةً واحدة لم يفعل شيئًا، سوى أن تعلَّقت عيناه بابنته نعم الآن لا يرى سواها لا يسمع سواها.
ينظر إليها بقلبٍ يصرخ بداخله، وليست بعيونٍ تندم على ما يراه، من هذه؟! هل هذه
تلك التي كانت يومًا تختبئ خلفه خوفًا من الغدر!
لأول مرَّة يشعر أنه ليس الأب الذي يحمي بل الأب الذي خذل دون أن يقصد.
انقبض صدره بقسوة، يشعر بأن يدًا غليظة تعتصر قلبه بلا رحمة.
يتفتَّت داخله وهو يراها مكسورة، منطفئة كأن روحها تسُحب منها رويدًا رويدًا ولم يتبق منها سوى جسدها، هل حقًّا هذه ضيِّه ونور حياته، ماذا حدث لها، كيف تغاضى عما يحدث لها من غدر البشر
غدر البشر.
تردَّدت الكلمة داخله كطعنة، لكنه لم يستطع نطقها.
كيف يقولها؟!
كيف ينعت من فعل ذلك بها بالغدر وهو من دمه! من بيته! هو من ربَّاه كأنه ابنه؟!
ارتجف قلبه بعنف، رافضًا الفكرة بكلِّ ما فيه
لا لا يمكن، فوالله وتالله، لم يره يومًا إلا سندًا.
لم يره إلا ذراعًا تُمدُّ لحمايتها، لا سكِّينًا تُغرس في ظهرها.
لكن حالة ابنته كانت أقسى من كل إنكار.
نعم فابن أخيه الذي وثق به، والذي أدخله بيته، والذي ائتمنه على ابنته، هو نفسه من كسرها.
هنا انكسر شيء داخل قلب أرسلان
ليس غضبًا فقط بل خيانةً تضرب جذور قلبه.
ارتفعت أنفاسه بشكلٍ متقطِّع، وعيناه تلمعان بوجعٍ لم يعرفه من قبل
كيف؟!
خرجت منه كأنها صرخةً مذبوحة
كيف يواجه هذا؟!
أبٌ يرى ابنته تُذبح معنويًا أمامه. والجاني ليس غريبًا، بل قطعةً من عائلته.
ضمَّ قبضته بقوة حتى ابيضَّت مفاصله، واهتزَّ صوته من بين أسنانه: لو كان غريب، كنت أعرف آخد حقِّي منه، لكن ده ده أنا اللي ربِّيته!
انكسر صوته باختناق كأن العالم كلَّه انهار فوق صدره: أحميكِ منه إزاي وآخد حقِّك إزاي، وهوَّ ابني؟!
وفي تلك اللحظة
لم يكن أرسلان رجلًا قويًا ولا أبًا صارمًا بل كان أبًا مذعورًا. يرى ابنته تضيع بين يديه، ولا يملك إلا قلبًا يحترق، ولا ينطفئ.
تحرك خطوة، ثم توقَّف
كأن قدميه ترفضان الاقتراب من آلام ابنته
همس بصوتٍ مكسور بالكاد يُسمع: ليه يابني عملت كدا، ليه كسرت الكلِّ كدا؟
قالها وكأن سؤاله ليس سؤال عاديًا، بل
كان صرخةُ رجلٍ انهار داخليًا دون أن يملك حتى حقَّ البكاء.
نظر إلى ابنته وهي ترتجف بحضن أخيها.
تتشبَّث به بقوة، تخشى أن يتركها وهي تهمس ببكاءٍ متقطِّع: متسبنيش، هموت متسبنيش هموت.
تمتمت بها وهي تظنُّه حبيب روحها.
ابتعد بلال يشير لوالدته: غيَّري لها، لمَّا أجهِّزها لها حقنة.
رفعت عيناها إلى إخيها: متسبنيش.
انحنى يحتضن رأسها وطبع قبلةً فوق رأسها: جي حبيبتي، غيَّري هدومك علشان متتعبيش.
قالها وانسحب من أمامها، متَّجهًا إلى والده.
أشار أرسلان بعيونٍ مشتَّتة اتجاه ابنته: أختك مالها.؟!
انهيار عصبي للأسف، لازم نكون حواليها، ممكن تئذي نفسها، الصدمة كانت قاسية عليها.
هوى أرسلان على المقعد يحتضن رأسه.
اقترب بلال منه: بابا هتبقى كويسة إن شاءلله.
رفع رأسه ينظر إلى ابنه: ليه يوسف يكسرها كدا، إزاي بعد الحبِّ دا كله، معقول كان بيلعب بيها؟
جلس بلال بمقابلته: حضرتك تصدَّق إنه يعمل كدا؟
هزَّ رأسه بالنفي: أبدًا، لكن العقل والمنطق بيقول كدا.
آسف يا بابا، لو فكَّرنا بالعقل، مستحيل يعملها. ولو فكَّرنا بالمنطق، نقول فيه حاجة أجبرته لكدا، إيه هيَّ دي اللي مجنِّناني.
قاطعهم رنين هاتفه، سحبه بسرعة: أيوة يا عمُّو إسحاق، اتَّصلت كتير ماردتيش ليه؟
قالها أرسلان بعصبية.
علي الجانب الآخر ردَّ إسحاق: كنت نايم والتليفون سايلنت، فيه حاجة ولا إيه؟
نهض من مكانه وقال بصوتٍ مختنق: يوسف ابن إلياس سافر فجأة، ومنعرفش سافر فين، عايزك تعرف لي مكانه، روحت المطار، رفضو يدُّوني معلومات.
ويوسف يسافر ليه بالطريقة دي؟
معرفش يا عمُّو، ولا حد يعرف، عايزك تفوق لي وتشوفه فين، خلال ساعات اعرف مكانه.
حاضر. اهدى يلا، إنتَ نسيت نفسك وبتؤمر عمَّك.
عمُّو إسحاق لو سمحت مش وقت هزار، متعرفش حالنا هنا إزاي.
إلياس عامل إيه؟
هيعمل إيه يعني وهوَّ ميعرفش ابنه فين.
تمام. تمام، ادِّيني كام ساعة وأشوف حد أتواصل معاه.
إسحاق، مش هقولَّك الوضع هنا إزاي.
خلاص يابني قولت هتصرَّف.
قالها إسحاق ونهض من فوق الفراش متجهًا للخارح، وجد دينا تشرف على إعداد طاولة الطعام.
حمزة رجع ولَّا لسة؟
لسة مكلِّماه قالِّي جاي في الطريق.
قطع حديثهم دخول عمران من الخارج: مساء الخير يا إسحاقو.
مساء الخير حبيبي، كلِّم أخوك شوفه وصل فين.
اقتربت دينا بعيونٍ متسائلة ثم تساءلت: فيه حاجة ولا إيه؟
أرسلان لسة مكلِّمني، بيقول يوسف ابن إلياس سافر فجأة ومحدش يعرف سافر فين.
هزَّت كتفها وقالت: عادي هوَّ يوسف صغير، ما يمكن شغل، همَّا ناسين دا دكتور، طبيعي يسافر في أي وقت مش لازم يقول يعني
أنا كمان قولت كدا، بس الموضوع شكله كبير، صوت أرسلان مش طبيعي، ومستحيل يطلب منِّي مكانه إلا إذا الموضوع كبير.
خير إن شاء الله.
دقائق قليلة ودلف حمزة ملقيًا السلام: عليكم السلام حبيبي، اطلع غيَّر هدومك علشان نتغدَّى.
أشار بيده باعتراضٍ واضح: لا، لازم أروح لشمس.
اقتربت منه دينا متذكِّرة حديث إسحاق منذ قليل: أيوة صح، عرفت إيه اللي حصل؟
قطب حاجبيه بتساؤل: ليه في إيه، أنا بتِّصل بيها ما بتردِّش، واتصلت بعمُّو إلياس بردو مردِّش.
قالها وهو يصعد للأعلى.
تحرَّكت خلفه وهي تقصُّ له ما أخبره بها إسحاق.
توقَّف بمنتصف الدرج واستدار إليها: مش فاهم، يعني ايه يوسف سافر ومش عارفين مكانه؟!
صعدت الدرج الفاصل بينهم حتى توقفت أمامه: معرفش، بابا جوّّا في المكتب بيحاول يوصلَّه.
عاد متَّجهًا لمكتب والده، طرق الباب ودلف بعد الإذن، خطا إلى مكتبه حتى انتهى من اتصاله: إيه اللي حصل؟ مفهمتش من ماما حاجة.
أنا اللي عايز أسألك، مكلِّمتش شمس ولا إيه؟
بكلِّمها من ساعتين ما بتردش، قولت نايمة، واتصلت بعمُّو ما بيردش حتى طنط ميرال، علشان كدا قلقت وقولت هغيَّر وأروح لهم.
نهض إسحاق من مكانه وأشار إلى ابنه: طيب اطلع غيَّر، ونتغدَّى ونروح لهم.
لا غدا إيه، لو الموضوع زي ما أنا متخيِّله، يبقى شمس حالتها صعبة دلوقتي، لازم أروح أطَّمن عليها.
يابني استنى نروح مع بعض، منتظر مكالمة.
خرج وهو يردُّ باعتراض: لا أنا هروح حالًا، مش هغيَّر حتى.
قالها ولم ينتظر ردَّ والده، الذي تنهَّد وجلس على مكتبه، وسحب هاتفه في محاولةٍ للوصول إلى شيء.
بعد قليل.
وصل حمزة إلى كمبوند الشافعي، بدخول آسر بسيارته، ترجَّل من السيارة، وتوقَّف بانتظار آسر، الذي اقترب منه: حمد الله على السلامة.
تمتم بها آسر، أومأ حمزة وتساءل: إيه اللي حصل؟
قصَّ له ما صار ولكنَّه لم يذكر طلاق يوسف لضي. قطع حديثهم خروج إلياس وميرال من منزل يوسف، تحرك حمزة إليهما.
بخطوات مترددة، وعيناه تحمل قلقًا لم يستطع إخفاءه، على شمسه، بادر الحديث بتحية خافتة: عمو إلياس، إزي حضرتك؟
رفع إلياس رأسه نحوه، وحاول أن ينتزع ابتسامة، لكنها خرجت باهتة لا حياة فيها: كويس يا حبيبي
اتجه بنظره نحو ميرال
توقفت عيناه عليها طويلًا، نهشت حالتها قلبه، وهو يراه بتلك الحالة. خطواتها غير المتزنة، وجهها الشاحب، عيناها الزائغتان لم تكن تبدو كإنسان يشعر بل كجسد يسير بلا روح.
انخفض بصره سريعًا، وشعر بغصة تنزع تنفسه، كيف سيكون حالة حبيبته، هل فاقت حالة والدتها، تمنى أن يطير ليصل اليها ويطمئن روحه عليها، ورغم تلهفه الا انه قال بكلمات خافتة
لسه عارف من بابا اللي حصل.
قاطعه إلياس بهدوءٍ ليقطع أي حديث غير محتمل على زوجته
إنت لسه جاي من شغلك؟
أومأ حمزة برأسه وتحرك إلى جواره: أيوة كنت عايز أطمن على شمس.
في تلك اللحظة دلفت سيارة اسحاق، فاقترب اسر من ميرال، وأحاطها بذراعه بحذر بالغ.
عمتو حبيبتي تعالي معايا.
لم تُبدِ أي رد فعل لم تنظر إليه حتى
انساقت معه بصمتٍ مخيف
رفع رأسه ببطء نحوها، ينظر الى تخبطها في السير، أشار إلى اسر قائلًا بهدوء: طلّعها أوضتها يا حبيبي.
اكتفى بإيماءة صامتة، ثم ابتعد بها
بينما بقي إلياس واقفًا في مكانه، جامدًا ينتظر اسحاق
ترجل إسحاق من سيارته، وتقدم نحوه بخطوات مترددة: مساء الخير يا إلياس.
أجابه بصوت خافت: مساء النور
ثم أشار بيده إلى الداخل: اتفضل.
لكن إسحاق لم يتحرك فورًا، استوقفه منظر ميرال وهي تسير بتخبط
تقلصت ملامحه بقلق واضح: مدام ميرال كويسة؟
تردد إلياس للحظة، ثم قال بإيجاز شديد: الحمد لله.
دخلا وجلسا جلس إلياس، لكن جلوسه لم يكن إلا جسدًا أُلقي فوق مقعد؛ أما روحه، فكانت غارقة في اي رد من اسحاق على الاطمئنان على ابنه
تنحنح إسحاق برفق، مراعيًا حالته، ثم قال: التذكرة كانت لألمانيا وبكرة إن شاء الله أعرف لك هو فين بالظبط هناك.
ساد صمت ثقيل للحظة
ألمانيا
خرجت الكلمة من بين شفتي إلياس همسًا، لكنها حملت كل الام البعد عنه
تنحنح إسحاق مرة أخرى، محاولًا أن يبدو عمليًا: طبعًا مش من حقي أدخل بس سفره عادي يعني مش مشكلة حتى لو مقالش.
تجمد إلياس في مكانه
كأن كلماته أصابته في صدره
سفره عادي
ترددت الكلمات في رأسه، بينما كان شيء ما بداخله يتكسر بصمت.
مرر يده على وجهه ببطء، ثم رفع عينيه نحو إسحاق، وصوته خرج هادئًا، لكنه محمّل بألمٍ عميق: هو عادي فعلًا يا إسحاق؟
صمت لحظة، ثم تابع، وقد بدأت نبرة الاختناق تظهر جليًا: ممكن كل شئ جايز، يمكن ماتعودناش أنا وهو ناخد قرارات من غير ماحد فينا يعرف
خرجت منه ضحكة خافتة، لكنها كانت أقرب إلى بكاء مكتوم: أنا مش زعلان إنه سافر أنا خايف عليه، انت عارف شغلي القديم لسة بيطاردني
اومأ اسحاق بتفهم، ثم نهض قبل أن يقول.
متخافش، اعرف مكانه، وصدقني حمايته هتكون على اكمل وجه.
توقف الياس بمقابلته
اعرف لي بس مكانه، مش محتاج حاجة تانية
إن شاءلله، هسيبك علشان ترتاح، واسف جيت في وقت متأخر
هز إلياس رأسه بالنفي
متقلش كدا، انت صاحب بيت
اتجه إسحاق بنظره نحو حمزة، وقد بدا عليه التردد قبل أن يسأله: مش هتروح؟
ظل حمزة في مكانه، وقال بصوتًا حاسمًا: أطمن على مراتي الأول يا بابا.
أومأ إسحاق برأسه دون اعتراض، ثم تحرك مغادرًا، بينما ظل حمزة واقفًا مكانه
اقترب إلياس منه، وربّت على كتفه بحنوٍ أبوي، وقال بهدوء: شمس واخدة مهدئ، زمانها صحيت شوية وتنزلك، أنا هطلع لها.
لكن حمزة أوقفه سريعًا
حضرتك بتقول إنها واخدة مهدئ، يعني تعبانة لو تسمح لي أطلع لها.
اقترب خطوة، وعيناه تنطقان بما عجز عنه لسانه، نظرات تحمل الرجاء، الخوف، والتمسك: عمو إلياس. أنا مش غريب، اللي فوق مراتي.
توقف لحظة، وكأن الكلمات تثقل صدره، ثم أكمل بصدقٍ واضح: مش عايز منك غير ثقة، وصدقني عمري ما أخون ثقتك شمس أغلى من روحي.
تأمله إلياس طويلًا، وفي قلبه ألمٌ لا يهدأ، لكنه شعر بصدقه، . ابتسم ابتسامة خافتة خرجت من بين وجعه
نادَى على الخادمة بصوتٍ هادئ: طلّعي الكابتن أوضة شمس، بس اطلعي لها الأول وعرفيها إنه هيطلع.
حاضر يا باشا.
تحركت الخادمة، وفي تلك اللحظة.
دلف أرسلان كان وجهه لوحة ممزقة من الألم والحزن، عيناه غارقتان في وجعٍ لا يُحتمل
تقدم بخطوات ثقيلة، ثم قال بصوتٍ خافت: اسحاق كان هنا؟
أومأ إليه إلياس دون أن يتكلم
جلس أرسلان على المقعد، وأسند رأسه إلى الخلف، مغمضًا عينيه
وكأنه يحاول الهروب من مما رآه من حالة ابنته
راقبه إلياس بصمت ومن حالته أدرك أن هناك ما هو أسوأ مما يتخيل.
فقال بهدوء، وهو يشير لحمزة: اطلع يا حبيبي مع مها.
أومأ حمزة وتحرك سريعًا.
صمت ثقيل، يحمل في طياته شيئًا مخيفًا.
اقترب إلياس قليلًا، وتسائل بصوتا خرج حذرًا: مالك إيه اللي حصل؟
اعتدل أرسلان بنصف جسده، وقال بصوت
خرج محملًا بانكسار رجلٍ فقد كل شيء: ابنك ليه وصلنا لكده يا إلياس؟ ليه يقتلنا كده؟
اهتز صوته، وبدأت ملامحه تتشقق من الألم: ضي بتموت ومش على لسانها غير متسبنيش.
ثم تابع حديثه المتقطع، وكأن كل حرف يُنتزع من قلبه: بنتي بتضيع يا إلياس بتضيع من إيدي وأنا واقف مش عارف أعمل لها حاجة
رفع عينيه إليه، نظرة تحمل عتابًا ممزوجًا بانهيار: ده جزاتي إني رميت بنتي في نار ابنك؟
ساد الصمت، لكن كان صمتًا قاتلًا
حين قالها أرسلان دون أن يشعر بانهيار دموعه، التي كانت تسقط في صمتٍ موجع، كأنها اعتراف بالعجز قبل أن تكون حزنًا: مالها ضي يا أرسلان؟
سأله إلياس بقلقٍ ظاهر، لكن قلبه كان يرتجف خوفًا من الإجابة
اختنق صوت أرسلان، وانسابت دموعه أكثر، ثم قال بصوتٍ مكسور: روح شوفها، وانت هتعرف ابنك عمل فيها إيه ليه يعمل كده؟ دبحها يا إلياس يوسف دبح البنت بسكين بارد
تصلب جسد إلياس، وكأن الكلمات اخترقت صدره، لكنه أجبر نفسه على التماسك، وقال محاولًا احتواء الموقف: طيب اهدى، أنا هشوفها وهتكلم معاها وإن شاء الله تهدى.
لكن أرسلان لم يهدأ احتضن رأسه بين كفيه، ودموعه لا تتوقف
أهدى إزاي؟ انت مش متخيل حالتها دي ممكن تأذي نفسها، مش حاسة بحاجة غير إن يوسف بعد عنها ليه يا يوسف؟ ليه تعمل في البنت كده؟
ثم رفع عينيه إلى إلياس، نظرة ممزقة بين الرجاء والاتهام: متزعلش مني أنا خايف على بنتي، انت زمان خوفت على ابنك ليضيع من بين إيدك وأنا سلمت لك البنت وأنا مغمض.
أغمض إلياس عينيه بقوة، ويشعر بأن الكلمات تضغط على جرحٍ مفتوح داخله، ثم قال بصوتٍ مرهق: أرسلان لو سمحت أنا في اللي مكفيني كفاية تضغط إنت كمان.
هز أرسلان رأسه بسرعة، وكأنه يعتذر رغم انهياره: عارف والله عارف، بس قولي أعمل إيه؟ وأنا شايف بنتي بتضيع قدامي
أغمض إلياس عينيه، وعجز عن النطق.
لكن أرسلان لم يتوقف، صوته أصبح أهدأ، لكنه أكثر ألمًا: إلياس متزعلش مني، أنا عاجز، عارف يعني إيه تبقى شايف أقرب الناس ليك بيتكسر ومش قادر تعمل له حاجة؟
فتح إلياس عينيه ببطء
وكان في نظرته انكسار أبٍ لم يعد قويًا كما كان.
ثم قال بصوتٍ متعب، و كل كلمة تُنتزع منه: أنا تعبان يا أرسلان
توقف لحظة، ويده ترتجف فوق صدره: قلبي بيتقطع على ابني عارف إنه غلطان، وعارف إنه وجعكم بس اعذرني.
رفع عينيه إليه، وقد امتلأت بالألم: بنتك؛ مهما كانت بتعاني هي قدام عينك في حضنك
انخفض صوته أكثر، واهتز: إنما يوسف. أنا معرفش حاله إيه، حاسس إنه بيتقطع؛ ومش عارف أعمل له حاجة ولا أوصل له
أخرج من جيبه ورقة مهترئة من كثرة ما قبض عليها، ومدها إليه بيد مرتجفة: شوف كاتب إيه، أنا مش فاهم يقصد إيه مش قادر أتنفس حاسس جبل فوق صدري.
ابتلع ريقه بصعوبة، وكأن الكلمات تخنقه: وكله كوم وإنه يخبي عليّ سفره كوم تاني، حتى لو فيه وجع الدنيا كلها، أنا أولى أعرف ابني بيمر بإيه
صمت لحظة
ثم تكلم، لكن هذه المرة لم يكن يخاطب أرسلان فقط كان يواجه نفسه: أنا زعلان إني ما بقيتش أب يستاهل حتى كلمة منه
انخفض صوته أكثر، وكأنه يخشى هذا الاعتراف: كنت فاكر إني أكتر واحد حاسس بيه، طلع أنا آخر واحد عرف إنه بيتألم
أدار وجهه بعيدًا، لكن دمعة سقطت رغمًا عنه.
ضغط بكفه على صدره: تعمل إيه وإنت بتحاول توصل له، ويقولوا لك سفره عادي.
ابتسم بمرارة: آه عادي بس محدش قال لك إن الفراق بيكسر من جوه من غير صوت
تنفس بصعوبة، وصوته خرج متقطعًا: أنا موجوع علشان هو مشي موجوع علشان سابني ومشي
ساد صمت اخر ثقيل، كأنه يحمل أنين قلبين مكسورين.
ثم همس إلياس، بصوت بالكاد يُسمع: أصعب حاجة، إنك تبقى أب ومتعرفش تحمي ابنك
في الجهة المقابلة
كان أرسلان ينظر إليه بقلبًا يحترق.
بالأعلى بغرفة شمس
طرق الباب طرقًا خافتًا، ثم دلف دون انتظار رد.
وجدها قد أنهت صلاتها جالسة على سجادة الصلاة، ووجهها مبلل بالدموع.
تجمّد مكانه، كأنه يراها لأول مرة يرسم تفاصيل وجعها بعينيه.
رفعت عينيها إليه، وعندما وقع بصرها عليه، اهتز صوتها: حمزة!
وصل إليها بخطوة واحدة، يضمها إليه بقوة.
فانفجرت باكية بين ذراعيه، فقد كانت تنتظر هذا الحضن لتنهار؛ لتقول بشهقات متقطعة: شفت يوسف عمل إيه؟ سابني ومشي، سافر وسابني لوحدي
أنا بقيت وحيدة يا حمزة وحيدة أوي
أغمض عينيه بقسوة، وكأن أحدهم يغرس النار في صدره.
لم يحتمل صوتها، ولا ضعفها الذي يهده لأول مرة.
رفعت وجهها إليه، ويا ليتها لم تفعل.
عينان غارقتان بالوجع ضياعها ك ضياع طفل فقد أمانه، طالعته بتلك النظرة الضائعة: أنا عايزة أخويا أنا مش قادرة أستحمل بُعده
رفع يده ببطء، يمسح دموعها وكأنها تحرق أنامله، وقال بصوت مختنق حد الوجع:
يا روح حمزة بلاش دموعك دي بتوجعني أنا
شهقت بقوة، وحين شعرت بأنها فقدت التنفس، لتقول بانهيار: هاتهولي يا حمزة علشان أعرف أتنفس
أنا حاسة إني بموت من غيره.
شدّها إلى صدره بقوة أكبر، كأنه يحاول يحميها من الالم الذي يجتاحها: بعد الشر عليكي، خلاص، وعد هقلب الدنيا كلها عليه، وهرجّعه وهجيبه يعتذر لشمسي
ابتعدت عنه تهز رأسها بعنف، ودموعها ابلغ رد
لا أنا عايزة حضنه، يوسف عمره ما كان مجرد أخ، ده كان أماني، وحياتي
احتوى وجهها بين كفيه، يحدق في عينيها يغرق فيهما وقال بصوت منخفض متعب: وأنا يا شمس؟ أنا فين من ده كله؟
نظرت إليه بصدق موجع، لا تعرف كيف تخفف عنه: إنت حبيبي وجوزي
بس هو هو حياتي اللي اتربيت جواها
أنا أول ما عرفت الخوف جريت عليه
وأول ما اتكسرت حضنه كان بيجمعني، حضنه كان آماني ياحمزة
اختنق صوته داخل صدره، ونيران الغيرة اشتعلت رغمًا عنه، رغم أنه أخوها تمنى، ولو للحظة، أن يكون مكانه.
أمسكت بملابسه كطفلة تستجدي الأمان: يوسف بالنسبة لي مش أخ وبس، يوسف هو شمسي وأنا من غيره، ضلمة وبرد، ووحدة تخوف.
سقطت دمعة من عينيها وهي تهمس: إنت عارف لما الشمس بتغيب؟
الدنيا كلها بتبرد مهما كان حواليك ناس أنا كده يا حمزة، بردانة أوي من غيره
سكت لحظة ثم جذبها إليه مرة أخرى، يضمها
اوعدك هرجعه، لو هقلب الدنيا كلها عليه
علشان قلبي اللي مش مستحمل يشوفك كده
رفعت عينيها إليه، تتشبث بكلماته: هترجعه صح؟
مرر يده على شعرها بحنان، وعيناه تحملان وعدًا ثقيلًا: هرجّعه غصب عنه، أصل أنا مقدرش أعيش وشمسي مطفية.
في اليوم التالي – مكتب آسر
دلفت آسيا إلى المكتب بخطوات هادئة، واتجهت نحوه وهي تضع كارت أمامه.
فيه واحد برة اسمه معتز الدمنهوري.
رفع آسر الكارت، يقرأ ما به باهتمام، قبل أن يسأل بفتور: وده عايز إيه؟
آجابته: من يومين حاجز معاد علشان يقابلك قضية يعني.
أومأ دون أن يرفع عينيه عن الأوراق: فقال لها: تمام دخّليه، وابعتي سحر.
رفعت حاجبها باستغراب، واقتربت خطوة: عايز سحر ليه؟
رفع عينيه إليها أخيرًا، بنظرة هادئة تحمل سخرية خفيفة: هكون عايزها ليه؟ شغل طبعًا
أشارت إلى نفسها بضيق خفيف: ما أنا فاضية ولا أنا منفعش؟ ولا جايبني أدخّلك الناس وخلاص؟
أنا زهقت ووعدتوني أكمل الكلية، والسنة الجديدة هتبدأ اهو فين التقرير يا متر؟
لمعت ابتسامة على شفتيه، حاول إخفاءها ولكنه فشل. نهض من مكانه واقترب منها قليلًا: هتصدقي لو قلتلك مكنتش متوقع منك تتغيري كده؟
نظرت له بتهكم، واقتربت المسافة بينهما: آسر بلاش لؤم المحامين معايا.
إنت عارف لما بحط حاجة في دماغي بعملها.
رفع حاجبه بإعجاب خفيف: لا والله؟ فاجأتيني.
مطّت شفتيها وهي تنظر إلى أناملها:
يمكن إنت اللي ما درستنيش كويس.
تراجع خطوة وكأنه استوعب المعنى، قبل أن يبتسم بنبرة أعمق: قدامنا وقت متخافيش. هندرس بعض كويس أوي.
قالها ثم عاد وجلس خلف مكتبه. اقتربت منه، وأسندت كفيها على سطح المكتب، تميل نحوه بثقة: أنا بدخل امتحانات على طول ومبحبش الدراسة.
بدليل اشتغلت معاك وامتحنت، حتى من غير ما أروح الكلية فخاف من عقلي.
أومأ ساخرًا، وعيناه تلمعان بإعجاب واضح: وأنا بحب ذكاءك أوي يا آسيا.
اعتدلت سريعًا، واستدارت متجهة إلى الباب: مش ذكائي بس يا ابن خالي أنا آسيا برضه.
توقفت عند الباب، واستدارت بنصف جسدها: واتعلمت عربي كويس علشان مبحبش الخسارة، خصوصًا لو كان المنافس ضعيف التفكير عيب في حقي.
زمّ شفتيه بتهكم، ورد بنبرة متحدية: لا برافو عاجبني شغل القطط اللي بتستخدميه ده.
طيب خاف من القطط
اوكيه وانتي خلي بالك من المنافس الضعيف ليوقّعك.
ابتسمت بثقة، وهزت رأسها: متخافش أنا عارفة أستخدم أسلحتي كويس.
فتحت الباب ثم التفتت له مرة أخيرة: هدخّلك الراجل بدل ما يقول عليك متر نص نص، وساعتها العيب هيبقى في حقي أنا.
خرجت بثقة واضحة، بينما زفر آسر بضيق خفيف، وهو يهز رأسه بتمتمة: وبعدين معاكي يا آسيا مش ناوية تعقلي، تنهد يحدث قلبه
ملقتش غير المتمردة دي، ودي هتعامل معاها ازاي.
بمنزل إسحاق
رغم أن الجميع على طاولة الإفطار، إلا أن الصمت كان ثقيلًا بينهم.
قطع عمران هذا السكون وهو يرفع فنجان قهوته، متسائلاً بنبرة عابرة لكنها تحمل فضولًا خفيًا: حمزة بات عند شمس ولا إيه؟
أجابته والدته بهدوء، لكنها لم تُخفِ قلقها: لا رجع مع الفجر، ولسه نايم قال هيصحى على عشرة، شمس تعبانة ومش عايز يسيبها لوحدها.
ثم التفتت بعينيها إلى إسحاق، الذي كان غارقًا بجريدته: عرفت حاجة عن مكان يوسف؟ ميرال صعبانة عليا أوي، من ساعة ما حكتلي عن حالتها وأنا مش مرتاحة.
أنزل الجريدة ببطء، : نزل ألمانيا بس خرج منها على دولة تانية، ومفيش أثر واضح ليه بحاول أوصل لأي خيط.
اتسعت عينا عمران بدهشة: ليه كل ده إيه اللي حصل يخليه يهرب بالشكل ده؟
شد إسحاق شفتيه بجهل: لما حمزة يصحى يمكن نفهم منه حاجة. حاولت أكلم إلياس امبارح، بس حالته ما كانتش تسمح.
تدخلت دينا، وهي تحاول ربط الخيوط بصوت متردد: هو مش اتجوز ضي علشان السفر أنا فاكرة غرام قالت حاجة زي كده.
أومأ إسحاق ببطء: أيوه ساعتها كنا عايزين نخطبها لحمزة.
تبادلت دينا وعمران نظرة حائرة، قبل أن تقول: طيب إزاي يسافر ويسيب مراته؟
ولكن قطع حديثه دخول حمزة بخطوات بطيئة، وملامح مرهقة: صباح الخير.
ردت والدته سريعًا، تحاول أن تخفي قلقها بابتسامة دافئة: صباح النور يا حبيبي تعال افطر، وأنا أعملك قهوتك.
رفع إسحاق عينيه إليه، يراقبه بنظرة فاحصة: صحيت بدري مش كنت قايل عشرة؟
مرر حمزة يده على وجهه، وصوته خرج مثقلًا: أنا منمتش أصلًا.
تقدمت والدته نحوه بخوف واضح: شمس عاملة إيه؟
تجمد لثانية
وكأن السؤال أصاب موضعًا يؤلمه.
ثم جلس ببطء، وعيناه شاردتان، قبل أن يهمس بصوت خافت يحمل وجعًا مكتومًا: هتعمل إيه حضرتك شوفت طنط ميرال تخيل بقى شمس، اللي حياتها كلها كانت في أخوها.
أومأ إسحاق برأسه بتفهم، وظهر الحزن على ملامحه: فعلاً كانت متعلقة بيه بشكل مش طبيعي مع إنهم في الأول ما تربوش مع بعض، بس من ساعة ما جت تعيش مع أبوها وهو بقى عالمها كله.
سكت لحظة، يتذكر طفوليتها، ثم أكمل: فاكر لما كانت بتصحى وماتلاقيهوش كانت بتفضل تعيط لحد ما يرجع. شوفتها مرة عند ارسلان لما الياس وميرال كانوا مسافرين.
هنا شعر حمزة بأن كلمات والده تغرس بصدره كالسيف
خفض عينيه، وقال بصوت منخفض فيه ألم واضح: أنا عرفت إنه سافر ألمانيا يا بابا كلمت حد أعرفه في المطار وقالّي.
رد إسحاق: للأسف وبعدها غادر ألمانيا.
ثم سكت، ووجّه نظره لابنه مباشرة: طيب ما تسأل اللي عرفت منه يمكن يوصلك لحد في مطار هناك، يعرف سافر على فين.
زفر بضيق، وأضاف بنبرة حاسمة: مش عايز أدخل جهات مختصة دلوقتي.
هز حمزة رأسه بتفهم
هشوف.
قالها وهو ينهض ببطء: المهم أنا مش هرجع النهارده.
رفع عينيه لوالده وأضاف: هقضي اليوم مع شمس وأسافر على شغلي من هناك.
نظرت له والدته بقلق: طب ارتاح شوية الأول يا حبيبي، شكلك تعبان.
ابتسم ابتسامة خفيفة مكسورة
أنا مش تعبان ياماما.
بعد عدة ايام بمنزل ارسلان.
فتح الباب ودلف للداخل بهدوء، معتقدًا أن أخته بمفردها كعادتها جاء ليعطيها دواءها ويرحل، لكن خطواته توقفت فجأة.
تجمد مكانه
كانت تجلس تحتضن رولا، وكلتاهما غارقتان في النوم فوق أكتاف بعضهما، كأن التعب هزمهن معًا.
ظل للحظات يتأمل المشهد بعينين ساكنتين، لكن داخله كان يضج.
اقترب ببطء.
انحنى أولًا يعدّل وضع رأس الاخرى على المقعد بحنان بالغ، ثم حمل اخته بين ذراعيه، وكأنها شيء هش يخشى عليه من الكسر، واتجه بها نحو الفراش.
ما إن وضعها، حتى فتحت عينيها قليلًا، وهمست باسمه بصوت واهن: بلال
مال عليها قليلًا، وقال بصوت خافتًا مطمئنًا: اهدي أنا هنا.
أغمضت عينيها مرة أخرى، وكأن وجوده وحده كان كافيًا لتسكن.
سحب الدواء من جواره وسأل بهدوء: أخدتي الدوا؟
أومأت برأسها، ثم نظرت ناحية رولا: ادتهولي.
مرر يده على خصلاتها بحنان، وعيناه تفتشان ملامحها: انتي كويسة؟
هزت رأسها بالنفي، وانسابت دموعها دون مقاومة: لا مش كويسة خالص
اعتدلت جالسة، وأسندت رأسها على كتفه، تتشبث بذراعه: قلبي واجعني أوي غدر بيا وخاني
لكن عينيه لم تكن عليها
كانتا معلقتين بتلك الغافية على الاريكة
همس، وكأنه لا يواسيها بل يواسي نفسه: بكرة تخفي الأول بيبقى صعب بعد كده بتتعودي لحد ما الوجع يبقى رفيقك.
رفعت رأسها تنظر إليه ثم اتبعت اتجاه نظره نحو رولا، وقالت بصوت هادئ لكنه مليء بالمعنى: بإيدك تزيح الألم.
تصلب للحظة
ثم نهض فجأة، كأنه يهرب من شيء داخله: نامي يا حبيبتي أنا في أوضتي لو احتاجتي حاجة.
قالها وغادر سريعًا.
ما إن أغلق الباب، حتى فتحت رولا عينيها دموعها كانت شاهدة إنها سمعت كل شيء.
نظرت إلى ضي، التي التفتت لها بنظرة فيها سخرية موجوعة: عايزاه يسامحني.
تمددت ضي على الفراش، وهمست بهدوء: متسامحيش أي شخص في حقك
لكن رولا لم ترد
نهضت فجأة، وكأن قرارًا وُلد في تلك اللحظة.
رايحة فين؟
سألتها ضي باستغراب.
ردت وهي تتحرك نحو الباب، بعينين لامعتين بعزم وألم: أعالج قلبه أصله بيوجعني أوي.
عقدت ضي حاجبيها: قلبه؟
وضعت رولا كفيها على صدرها، وابتسمت ابتسامة حزينة: قلبه معايا وقلبي معاه.
نظرت لها ضي طويلًا ثم ابتسمت بأسى: اتمنى يعالجك مش يكسرك.
انحنت رولا وقبّلت وجنتها برفق: بكرة يوسف يرجع وتنسي كل ده.
ضحكت ضي بسخرية مريرة: ومين قالك إنه لسه يفرق معايا؟
هزت رولا رأسها وهي تتجه للخارج: بس تشوفيه هتنسي أي وجع.
وقفت أمام غرفته
ترددت لثواني ثم طرقت الباب.
ادخل.
دخلت تبحث عنه بعينيها، فخرج من غرفة الملابس
توقف كلاهما للحظة صمت مشحون بكل ما لم يُقال.
اقتربت خطوة، وصوتها خرج مترددًا: فيه موضوع عايزة أتكلم معاك فيه.
رد بهدوء جاف: سامعك.
تاهت عيناها في أرجاء الغرفة، تهرب من نظرته والكلمات تثقل شفتيها.
مش بتقولي عايزة تتكلمي؟
تنفست بعمق، ثم نظرت إليه أخيرًا: تيجي معايا مشوار مهم؟
قطب جبينه: مشوار إيه؟
بالجامعة وخاصة بكلية الاعلام.
دلفت الى الصرح الجامعي، تبحث عن كليتها، تحركت كالطفلة التائهة وسط الزحام. تبحث عن اخيها، رفعت هاتفها
رائد انت فين؟!
قدام كلية الإعلام، امشي في طريقك على طول، هتلاقيها في وشك
اوكيه، دقائق معدودة حتى لمحت وقوفه
اوبس دي فعلا زي مامي بتقول
وبعدين بقى في Egypt هي حلوة وكل حاجة لكنها crowded
ضحك عليها وسحبها من كفيها
عيشي اللحظة ياصغننة واستمتعي.
أنا فعلا كدا، بس مضحكش عليك، كان نفسي اوي ادخل سياسة واقتصاد، مفهمتش حاجة من بابي
لما نروح هفهمك المهم دي كليتك، ادخلي وشوفي الدنيا تمام ولا ايه، واه احنا مش في امريكا، دي مصر، اتصرفي زي مابابا قالك
اوكيه. هحاول، متخافش هعرف اتأقلم.
أنا مش بعيد عنك، لو مشيتي شوية هتلاقي كلية الهندسة
اومأت له قائلة
Good luck
you too
دلفت الى الممر تبحث عن قاعتها
مطت شفتيها
كله شبه بعضه، اوقفت احدى الفتيات.
Excuse me، where can I find the first-year Mass
Communication classes
صمتت تنظر اليها
اسفة فين الفرقة الاولى للاعلام
اشارت الفتاة على مبنى وقالت
دي القاعات شوفي المكتوب هتعرفي
Thank you
تحركت سريعًا تبحث عن القاعة المسجلة عندها.
هرولت الى القاعة التي تقام بها المحاضرة، تنظر الى ساعتها
اوف دلوقتي الاستاذ الدكتور، هيسمعني كلمتين
كانت تخطو بخطوات واسعة، ولم تنتبه لذاك الذي يتراجع بظهره يودع احدهم، حتى اصطدمت به
ايه ياكابتن ماتفتح، اعمى النظر
رفع حاجبه ينظر لتلك التي تصل الى ركبتيه
انا سامع صوت بس مش عارف طالع منين
اشارت باصبعها
مااسمحكلش. قطب حبينه يهمس لنفسه.
- طيب دي اوطي علشان تسمعني ولا اشيلها. قالها وهي تنحني ترفع كتبها تسبه
هو يوم مش باين من اوله
انحنى يحمل كتبها
اسف يااوزعة، بس نصيحة ماتمشيش في الزحمة ممكن يدوسوا عليكي
قالها وغادر، وهي تطلع اليه بعيونا جاحظة
اه يا. قاطعها رنين هاتفها، ضربت على رأسها متذكرة المحاضرة. ركضت الى القاعة وجدت الباب مغلقًا. ضربت اقدامها بالأرض.
توقفت للحظات ثم طرقت الباب وفتحته بهدوء قائلة.
اسفة يادكتور، بس. توقفت تنظر لذاك الجسد الضخم وهو يتوقف امام المدرج، يبدو وانه يعطي تعليماته. القى عليها نظرة ثم اتجه بنظراته للطلاب
النهاردة سماح علشان اول يوم تعارف، وكمان فيه عيال صغير كانت تايهة
قالها عمران متهكمًا. وهو يرمقها بسخرية
هبط من جانب المكتب، وتحرك بين درجات القاعة
أنا دكتور عمران اسحاق الجارحي. هناخد مع بعض اقتصاد سياسي.
بكمبوند الشافعي
خرجت ضي من غرفتها بعد عدة أن مضت الأيام ثقيلة كأنها لا تمر. حتى والوقت نفسه أصبح عبئًا على صدور الجميع، خاصة في كل محاولة للوصول إلى يوسف كانت تنتهي إلى لا شيء
رغم كل اتصالات إسحاق، إلا أن القوانين هناك كانت جدارًا صلبًا، لا يُكسر، ولا يُخترق. ذبلت ميرال وجهها فقد الحياة، شاحب كأن الروح انسحبت منه تدريجيًا.
أما شمس فلم تكن أفضل حالًا. لكن الفرق الوحيد كان حمزة.
وجوده بجانبها كان الشيء الوحيد الذي يبقيها واقفة وكذلك بلال لم يتركها
حملت غرام بعض انواع الحلوى التي تحبها ابنتها. واقتربت من جلوسها بالحديقة، وجدتها شاردة بنظراتها اتجاه حمزة وإلياس
يعني انتوا خارجين فين دلوقتي ياحمزة
رايحين سينما ياعمو، ماقولت لحضرتك من شوية
ضغط الياس على فكيه عله يحاول السيطرة على اعصابه
سينما ايه دلوقتي، انت ليك مزاج يابارد.
لا حضرتك فهمتني غلط، احنا هنشوف فيلم كوميد، وصل بلال على كلمات حمزة
والله فيلم كوميدي يابن اسحاق
والله ياعمو حتى اسمه برشامة
اسمه ايه ياخويا
حاول بلال كتم ضحكاته ولكنه فشل، يهز رأسه
هو فيه فيلم فعلا اسمه كدا ياعمو
حاوط اكتاف شمس، يجذبها إليها
عايزة تروحي سينما ياشموسة
دفعه حمزة بغضب
ايدك يااخويا، وبعدين انت بتعمل ايه هنا، مالكش بيت
اقترب بلال منه، ولكن اوقفهم إلياس
بس منك له، نظر إلى ابنته الصامتة.
عايزة تروحي سينما حبيبتي
مش عارفة يابابا، التفتت الى حمزة
مابلاش سينما، مش قادرة
حبيبتي غيري جو، مش كفاية مابتروحيش الجامعة
هزت رأسها بالرفض وقالت
اسفة ماليش نفس
غمز بلال
احسن، فيه حد ياخد بنوتة قمر لفيلم اسمه برشامة. هو دا مش مخدرات
جحظت أعين إلياس
انتوا بتقولوا ايه.؟!
قهقه بلال، او ربما اراد ان يخبر الجميع أن كل شيئا على مايرام
عند ضي.
دارت عيناها بالمكان كالغريبة نظرات باردة بلا روح. توقفت عيناها عند منزلها، ذلك الذي كان وطنها، فحدّقت به طويلًا طويلًا جدًا، تحاول أن تتذكر كيف كانت تشعر داخله لكنها لم تجد سوى الفراغ، نهضت واتجهت اليه، دخلت.
وكل خطوة خطتها كانت كصفعة على قلبها هنا ضحك، وهنا اقترب، وهنا وعدها أن لا تنكسر
ابتسامة ساخرة لتقول
واحد كذاب.
تنفّست بصعوبة، وراحت عيناها تلتهم التفاصيل كل زاوية تصرخ باسمه، كل ركن يفضح حبها و أنها كانت يومًا له.
صعدت للأعلى ببطء، بإنهاك، دلفت غرفتهما. وهنا تجمّد الزمن.
ليطاردها كلا من الصور ضحكاته نظراته التي كانت توهمها بالأمان لم تكن ذكرى، بل طعنات متتالية، تُغرس في صدرها دون رحمة.
خطت و سحبت نفسها سحبًا، كأنها لم تعد تنتمي لهذا المكان جلست على الفراش، نفس الفراش الذي شهد حبها وسقوطها.
حدّقت فيه بعينين خاليتين، باردتين. ميتتين كأنه لم يكن يومًا لها، وكأنها لم تكن يومًا كل شيء لديه.
ثم بدأت الأصوات تتصارع بعقلها بقوة على ذلك الفراش، همسه بالعشق، وعوده الكاذبة التي اصبحت له خيانته
كل شيء تداخل داخل رأسها حتى شعرت أن روحها تُسحق، تُطحن بلا رحمة.
اختنقت. فنهضت فجأة، كمن يهرب من حريق لكن الحريق كان بداخلها.
اندفعت للأسفل، تبحث لا تعرف عمّ تبحث، لكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا.
يجب أن ينتهي هذا، يجب أن ينتهي كل شيء. وقعت عيناها على زجاجة، يدون عليها احذر قابل للاشتعال
توقفت لحظة لحظة واحدة فقط، ثم اقتربت، التقطتها بيد مرتجفة لكن عينيها لم ترتجف. سكبت بعنف بقسوة كأنها تصب وجعها نفسه.
ثم أشعلت. ولم تنظر خلفها.
خرجت من المنزل، والنيران تلتهم كل شيء الذكريات الضحكات الأكاذيب وحتى قلبها الذي تركته هناك يحترق. ارتسمت على شفتيها ابتسامة، ليست فرحًا بل انتقامًا موجعًا منتصرًا ومكسورًا في آنٍ واحد.
وهمست بصوتٍ خرج من بين رماد روحها: حرقت كل أيامك يا يوسف
زي ما حرقتني بالظبط.
رأت الواقفة بالشرفة الدخان يخرج من منزل اخيها، ركضت تصرخ باسم والدتها ووالدها
ماما بيت يوسف بيولع.
هبت ميرال من فوق سجادة صلاتها، تهمس بقلبًا كاد أن يتوقف عن النبض
ابني، ركضت كفتاة تحاول ان تنقذ ماتحاول انقاذه، ولكن قدميها توقفت وهي ترى ضي واقفة أمام المنزل تنظر إليه بإبتسامة، مع وصول إلياس وحمزة يصرخ بالأمن
مطافي بسرعة
استدارت ضي على صوت إلياس وقالت بنبرة باردة
حرقت ابنك زي ماحرقني، مابقاش له ذكريات، كله اتحرق واصبح رماد، وصله دا، قوله ضي حرقتك زي ماحرقتها.
قالتها وتحركت دون ان يغمض جفن، بينما ميرال التي توقفت تنظر للمنزل الذي اصبح كقطعة سوداء من الدخان
حرقت ذكريات ابني، قالتها لتسقط على ركبتيها تنظر للمنزل ببكاء
حرقتي ذكريات ابني يابنت ارسلان.