قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السادس والخمسون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السادس والخمسون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السادس والخمسون

قبل شهر، وتحديدًا ليلة عيد الأضحى...
لم يذق طعم النوم. بعد أن أنهى زواجه منها، بينما هي غفت بين ذراعيه كطفلةٍ احتمت بأحضان والدها. كانت هادئة، ناعمة، تنام وكأنَّها لم تعرف النوم منذ أيام.

عيناه تجولان على ملامحها كفنَّانٍ يتأمَّل لوحته الأثمن، رفع أنامله برفق يزيح خصلات شعرها عن عينيها، فوقعت عيناه على جرحٍ صغير في شفتيها، مرَّر إصبعه فوقه بحذر، فهاجمته الذكرى، ذكرى غبائه معها في بداية علاقتهما.
أغمض عينيه، وعقله كاد ينفجر.
كيف استطاعت أن تفعل به ذلك، كيف جعلته ضعيفًا إلى هذا الحد؟
ذهبت ذاكرته وتذكَّر تلك الليلة...

كان منشغلًا بعمله على جهازه بحديقة منزله، استمع إلى صوت رحيل: عامل إيه؟
نظر إليها بابتسامة وقال: أنا كويس، حضرتك عاملة إيه؟
سحبت المقعد وجلست بمقابلته: أنا كويسة الحمدلله، بلال أنا طالبة منَّك طلب.
قطب جبينه وقال: أؤمري.
الأوَّل قولِّي انتَ بتحبِّ رولا؟
ارتبك قليلًا، ثم اتَّجه إلى جهازه وكأنَّه يهرب وقال بتقطُّع: رولا زيَّها زي ضي، أكيد بحبَّها وبخاف عليها.

بس مش دا قصدي يا بلال، رولا حكت لي إنَّك كنت بتحبَّها.
دا كان يا طنط أيَّام ماكنَّا ولاد، هيَّ كبرت وأكيد قلبها ارتبط بحدِّ تاني.
وإنتَ؟ صمت وعجز عن الردِّ للحظات ثم قال: حضرتك عايزة توصلي لإيه؟
ولا حاجة حبيبي، المهم كنت عايزة تطلب من رولا تروح للدكتور، أنا طبعًا مقدَّرة تضحيتك، بس قبل الفرح عايزاك تقنعها.
دكتور إيه مش فاهم؟
لا إنتَ فاهم بس خايف تصدَّق.

مش محتاجة دكتور، طرد زفرةً حارقة وقال: الموضوع هيكون صعب عليها، بلاها، غير إنِّي كنت هناك وشفت يا طنط.
شوفت بس متأكِّدتش، البنت كانت مخدَّرة، وزي ماقالت صحيت لقيت نفسها بنصِّ هدومها، أه فيه آثار لكن، هبَّ من مكانه وحاول السيطرة على عاصفة ألمه: رجاءً يا طنط بلاش نرجع نقلِّب في اللي حصل، هتجوِّزها وزي ماتيجي، فترة وكلِّ واحد يروح لحاله.

اقتربت رحيل من وقوفه: طيب حبيبي أنا معاك، افرض البنت مفيهاش حاجة واتجوِّزتها وطلَّقتها وبعد كدا اتجوِّزت تاني وكانت سليمة، صورتك هتكون إيه؟
ججظت عيناه وفقد النطق، ربتت على ذراعه: عمَّك يزن رافض أودِّيها لدكتور خايف على نفسيتها، بس أنا أم ومن حقِّي أطَّمن، وإنتَ الوحيد اللي تقدر تقنعها بكدا.
مش هقدر، صدَّقيني لو أقدر كنت عملتها وقتها، صعب عليها.

نزلت دموع رحيل: عايزة أطَّمن عليها يا بلال، بس خايفة عليها بعد كدا، مفكَّرتش لمَّا يتقفل عليكو باب واحد هيَّ هتحسِّ بإيه؟
مطلوب منِّي إيه؟
تقف جنبها وتحاول تقنعها تروح تكشف.
هحاول يا طنط، بس أنا من جوَّايا رافض.

باليوم التالي.
ذهبت اليه المشفى، طرقت الباب ودلفت
رفع عينيه من فوق شاشة الجهاز: رولا، خير، في إيه؟
خطت نحوه ببطء، وابتلعت ريقها بصعوبة، كأنَّ الكلمات ثقيلة على لسانها: مش عايزة الفرح يا بلال، انت ليه مصر انك تعمل فرح، واحنا عارفين دا مش جواز حقيقي.

شعر بقبضةٍ تعتصر قلبه، حاول أن يتمالك نفسه رغم العاصفة التي اشتعلت داخله، استدار إلى الجهاز مرَّةً أخرى، وكأنَّه يهرب من عينيها: قلتلك إمبارح، ليه مصرَّة كلِّ شوية أكرَّرها؟
اقتربت أكثر، حتى صارت أمامه مباشرة، وانحنت تستند على المكتب، وقالت بصوت متقطِّع لكنَّه ثابت: وأنا مش موافقة.
رفع رأسه فجأة، فاصطدمت عيناه بعينيها القريبتين، وجهها كان شاحبًا، ولونها تغيَّر هل من الخوف أم من القرار؟ لم يعرف.

لكنَّه في تلك اللحظة فقط أدرك أنَّ هذه الفتاة قادرة أن تهدمه بجملةٍ واحدة؛ كما كانت قادرة لاحقًا أن تبنيه من جديد.
في تلك اللحظة شعر لأوَّل مرَّة بالخوف الحقيقي.
ليس خوف الفقد، بل خوف أنَّه يحبُّها أكثر ممَّا ينبغي، أكثر ممَّا يحتمل.
أكثر ممَّا سيُنقذه لو بقت، أو يدمِّره لو رحلت.

تراجع مبتعدًا عن أنفاسها التي لفحت وجهه، وحاول الثبات أمامها: رولا. لازم تفكَّري في باباكي وأخوكي، ابعدي كلِّ حاجة دلوقتي، ابعدي شخصية رولا العنادية، وافتكري باباكي اللي كان هيموت.

جلست على المقعد المقابل له: بلال، مش هقدر، صدَّقني مش هقدر، كفاية أتجوِّزتك لمجرَّد إنِّي أنقذ نفسي، أنا تعبانة.
قالتها وانسابت دموعها بصمت.
صمتٌ موجع التهم روحه وهو يرى انهيارها، سحب نفسًا عميقًا وزفره، ثم مال بجسده يستند إلى المكتب، وعيناه معلَّقتان بعينيها الباكيتين اللتين تحرقان كلَّ حواسه: طيب عندي حل، كنت عايز أقولِّك عليه من فترة، بس...

صمت فجأة، وضع كفَّيه على وجهه يمسحه بعجز، وكأنَّ الكلمات خانته.
لحظة واحدة كانت كفيلة بإحراقه حين مدَّت كفَّيها ولمست يديه تزيحها عن وجهه: سكتِّ ليه؟ كمِّل.
نظر إلى يدها المتشبِّثة بكفَّيه، ثم إلى عينيها المرتجفتين، فسحب يديه ببطء وقال: تكشفي يا رولا، لازم تكشفي وتتأكِّدي من اللي حصل.
ارتفعت أنفاسها وهي تنظر إليه بذهول: تقصد إيه؟

غضب من نفسه، ومن المأزق الذي وضعها فيه، لاحظ ارتجاف جسدها، فنهض من مكانه واتَّجه إليها، ثم جلس أمامها على عقبيه، وأمسك بكفَّيها: عارف الموضوع صعب، بس ده الحلِّ الوحيد اللي يخلِّيني أوقف الجواز، أوعدك لو...
انهارت دموعها، تنظر إليه بتيه، وشعرت وكأنَّ الأرض تدور بها: أفضح نفسي؟
هزَّ رأسه سريعًا وقال: هنروح مستشفى محدش يعرفنا فيها، وكمان هقول إنِّك مراتي، أنا هتصرَّف، المهم أتأكِّد.

تتأكِّد، طيب وحالتي مفكَّرتش فيها؟!
نهض من مكانه وأدار ظهره، وتمتم بصوت خرج مكسورًا: خلاص نكمِّل الجواز زي ماقلت لك، سنة تستحمليها، غير كده مينفعش أخذل باباكي ولا حد.

التفت إليها سريعًا وقال: على فكرة حتى لو أنا ماكنتش اتكلِّمت، يوسف كان هيكتب عليكي، يرضيكي توجعي ضيّ كده؟ محدِّش منِّنا ينفع يسيبك في الحالة دي، وإحنا مش عارفين إيه اللي حصل، آه حالتك وقتها كانت بتدلِّ على...
كوَّر قبضته، وعجز عن إكمال حديثه.
نهضت تمسح دموعها وقالت بصوتٍ متماسك رغم ارتجافه: موافقة، بس عندي شرط.
التفت إليها.
محدِّش يعرف حتى يوسف. في كلِّ الأحوال مش عايزة حدِّ يعرف أي حاجة.
موافق.

اقتربت خطوة، ونظرت داخل عينيه: ولو طلعت سليمة، مش هتكمِّل الجواز؟
نظر داخل عينيها بثباتٍ موجع: هعمل اللي إنتي عايزاه يا رولا، لو دا يريَّحك.
قاطعهما طرقٌ خفيف على الباب: مساء الخير يا دكتور.
تعالي يا كارما.
اقتربت توزِّع نظراتها بينهما، ثم قالت
ازيك
اومأت رولا دون حديث
فتح جهازه وأشار لكارما: نزِّلي كلِّ اللي اشتغلتي عليه هنا، وبكرة أشوفهم ونكلم الصيدلية
حضرتك مش هترجع النهاردة؟

نزع البالطو الأبيض وهزَّ رأسه: لا.
اقترب من رولا وسحب كفَّها برفق: يلَّا.
كانت رولا تنظر إلى كارما بهدوءٍ غامض، ثم تحرَّكت معه. استقلَّت السيارة بجواره، ومع ارتفاع رنين هاتفها: أيوه يا ماما.
حبيبتي إنتي فين؟ أوعي تكوني كلِّمتي بلال في حاجة، بلال كويس يا بنتي، بلاش عندك يضيَّعك.
ماما لازم أقفل.
صاحت رحيل بقلق: رولا هزعل منِّك لو عملتي اللي في بالك، صدَّقيني هتندمي.
أغلقت الهاتف ونظرت إليه: هنروح فين؟

صمت، ولم يرد.
هتفت بضجرٍ ممزوجٍ بالخوف: ممكن أعرف مابتردِّش ليه؟
لدكتورة نسا، هنروح مركز، بلاش مستشفى.
لا، مستشفى أحسن وأضمن، وفيها دكاترة كتير، يعني لو ماعجبناش واحد ممكن نشوف التاني.
هنروح لدكتورة، مش دكتور.
بعد فترة توقفت السيارة، قبضت على ردائها، وارتعشت يدها، نظرت إلى اللافتة الكبيرة التي كُتب عليها: أستاذة النساء والتوليد.
استدار إليها، يتألَّم قلبه على حالتها: رولا، بصِّيلي.

رفَّت أهدابها وقالت بصوتٍ مرتعش: أنا خايفة، ماما طلبت منِّي قبل كده بس ماقدرتش، يلَّا نروح، مش عايزة، أنا موافقة...
قالتها وجسدها كلُّه يرتجف.
تمام، اهدي، خلاص انسي، هنرجع.
انفجرت في البكاء بنشيجٍ مكتوم: أنا ليه بيحصل معايا كده. ليه؟!
قالتها بانهيار وهي تضرب وجهها بكفَّيها، فسحبها سريعًا إلى أحضانه: أنا آسف، سامحيني، خلاص انسي، انسي.

ظلَّ يهدهدها كطفلٍ صغير، بصوته الحاني وكلماته الدافئة، حتى هدأت تمامًا.
خرجت من بين ذراعيه تمسح دموعها، فرفع زجاجة المياه نحوها: اشربي.
هزَّت رأسها بالرفض، ثم رفعت عينيها إليه تنظر في عينيه الحانيتين، وكأنَّها تبحث فيهما عن أمانٍ ضائع.
لأ، هكشف.
قالتها فجأة، ثم ترجَّلت من السيارة دون أن تنتظر ردَّه.

فتح باب سيارته بعدها بثوانٍ، ونزل يجرُّ قدميه بصعوبة، كأنَّ كلَّ خطوة تقرِّبه من حكمٍ مؤجَّل، لا يعرف إن كان خلاصه أم إعدامه.
كان يسير خلفها، يراقب ظهرها المرتجف، ويدعو في سريرته بصوتٍ لا يسمعه سواه: يارب متوجعش قلبي أكتر من كده، حتى لو مش هتجوِّزها، المهم ماأشوفش كسرتها.
دخلت المصعد دون أن تنظر إليه.

لحق بها، وقف إلى جوارها، يختلس النظر لملامحها المنهكة، شفتيها المضغوطتين، ويديها المتشابكتين بقوَّة كأنَّها تمسك نفسها من الانهيار.
صعد المصعد ببطءٍ قاتل.
لا صوت إلَّا دقَّات قلبه.
دلفا إلى العيادة بعد دقائق.
جلست أمام الطبيبة، جسدها يرتعش رغم محاولتها التماسك، عيناها معلَّقتان به كأنَّها تستمدُّ منه شجاعةً لا تملكها.
قال أخيرًا بصوتٍ خرج كالنَّار من صدره: متجوِّزين بقالنا فترة وعايز...

قاطعته رولا سريعًا، كأنَّها تخشى أن ينطق بما لا تتحمَّله: عايزة أعرف الحمل اتأخَّر ليه.
ابتسمت الطبيبة ابتسامةً عملية معتادة: بقالكم قدِّ إيه؟
خمس شهور.
تمام، خلِّينا نطمِّن الأوَّل بالسونار.
استلقت رولا على السرير، وضعت الطبيبة السائل وبدأت تحرِّك الجهاز ببطء.

كانت عيناها على الشاشة، بينما جسد رولا متيبِّس، أنفاسها غير منتظمة، وقلبها يدقُّ بعنفٍ كأنَّه يطرق بابًا مغلقًا، مرَّت ثوانٍ ثقيلة. ثم قالت الطبيبة بهدوء: الرحم طبيعي والمبايض كويسة، ومفيش أي علامات لحمل.
همست رولا بصوتٍ متحشرج: يعني إيه؟

نظرت لها الطبيبة نظرة متفحِّصة، ثم قالت بحذرٍ مهني: مبدئيًا كدا دا مش تأخُّر ولا حاجة، ولو تأخُّر زي ماإنتي واهمة نفسك فتأخُّر الحمل له أسباب كتير، بس في حالتك محتاجين كشف سريري بسيط علشان نطمِّن أكتر.
تبادلت رولا النظرات معه.
الخوف في عينيها كان واضحًا حدَّ الألم. أومأ لها وعيناه ترسل إليها الطمأنينة، نظرت للطبيبة وأومأت بصمت.

نهض من مكانه سريعًا، وقال: هستنَّاكي برَّة لمَّا تخلصي. قالها وخرج وهو لا يكاد يشعر بقدميه.
جلس على المقعد، رأسه بين كفَّيه، وقلبه يخبط صدره كأنَّه يريد الهرب، يشعر بنيرانٍ تكوي أحشائه، داخل الغرفة سكونٌ ثقيل، أنفاس رولا وحدها تُسمع.
مرَّت دقائق. إلى أن سألت الطبيبة رولا: أنا محتاجة أسألك سؤال مباشر...
إنتوا متجوِّزين بقالكم خمس شهور؟

أيوه. قالتها رولا سريعًا، ابتلعت الطبيبة ريقها وقالت بوضوحٍ قاطع: لأن بالكشف، غشاء البكارة سليم. مفيش أي دليل طبِّي على حدوث علاقة زوجية كاملة.
شهقت رولا، ثم، ضحكة أفلتت منها دون وعي.
ضحكة هستيريَّة مختلطة بالدموع.
رفعت رأسها فجأة، ونظرت إلى الطبيبة برجاء: ممكن، ماتقوليش قدَّامه؟
طالعتها الطبيبة بريبة: ليه؟
الموضوع ده حياة أو موت.

قالت بسرعة، كأنَّها تخشى أن تتراجع: قولي أي حاجة عن تأخير الحمل، المهمِّ ماتقوليش حاجة عن إنِّي فيرجين.
هوَّ جوزك تعبان وإنتي بتحاولي تساعديه؟
ضحكت رولا ضحكة خفيفة، أنارت قلبها قبل وجهها: لا، بس أسرار عائليَّة.
تنهَّدت الطبيبة: ضميري المهني.
قاطعتها برجاءٍ مكسور: حضرتك مش هتكذبي، قولي بس مفيش موانع للحمل وخلاص.
صمتت الطبيبة لحظات تتأمَّل ارتجاف يديها، ثم نهضت ببطء وخرجت.

عدَّلت رولا ثيابها وهي تهمس لنفسها كمن يطمئن قلبه: أنا سليمة، أنا سليمة...
خرجت وجلست أمام الطبيبة، نظراتها معلَّقة بوجهها. ثم فُتح الباب.
دخل بعدما استدعته الطبيبة، وقف أمام الطبيبة، جسده مشدود، ينتظر الحكم وكأنَّه أمام قاضٍ.
رفعت الطبيبة عينيها إليه، وصوتها هذه المرَّة لم يكن آليًّا، بل مشوبًا بدهشةٍ حقيقية.

قالت الطبيبة بصوتٍ مهني متَّزن: اللي قدَّامي مفيش موانع واضحة للحمل، ممكن سفرك وبُعدكم عن بعض هوَّ اللي مأخَّر الموضوع.
أخرجت ورقة ودوَّنت رقمًا: وده طبيب ذكورة شاطر، الأفضل تكشف عنده.
طبيب ذكورة؟
تمتم بها باستغراب، ونقل بصره ببطء إلى رولا التي تصنَّعت الحزن وخفضت عينيها. كانت حالته لا تستدعيه أن يركِّز بكلماتها.
لم يسأل. أومأ لها وخرج، خرجت خلفه.
كان يتحرَّك بجوارها كمن سُلبت روحه.

وصلا إلى السيارة. رفع نظره إليها أخيرًا: نرجع البيت، ولَّا؟
قالت بهدوءٍ ناعم: ممكن تاخدني على النيل شوية؟
استقلَّ السيارة دون تعليق، وهو يلقي الورقة بدرج السيارة، وقام بتشغيل المحرِّك.
سحبت رولا الورقة من درج السيارة دون أن يلاحظ، ثم فتحت النافذة
وتركتها تطير في الهواء.
كأنَّها تتخلَّص من الحقيقة نفسها. استدار برأسه إليها، كانت تضع رأسها على زجاج النافذة تنظر للخارجِ بهدوء، حمحم وقال: رولا.

التفتت إليه ونظرت لعينيه الحزينة، تصنَّعت الحزن وقالت: أتمنّّى مانتكلِّمش في حاجة، أنا أستاهل اللي حصل، لازم أدفع تمن أخطائي.
أومأ دون حديث.
عودة للحاضر.

عارفة لو كنتي قولتي الحقيقة من الأوِّل، مكنتش دي حياتنا.
كنت خايفة تسبني، خوفت أوي أخسرك، حبِّيتك يا بلال، ولمَّا سمعتك بتقول ليوسف كده اتمنِّيت أموت.
جذب رأسها إلى حضنه سريعًا: بعد الشرِّ عليكي، أنا اللي مت وقت ماحسِّيت إنِّك انتحرتي علشان نتجوِّز.
رفعت رأسها تنظر إليه: لأنَّك غبي يا حبيبي، ومحسِّتش بقلبي يوم كتب كتابنا.
احتضن وجهها وطاف بعينيه على ملامحها: غبي ومتخلِّف كمان، أنا آسف.

لمست جانب وجهه، وهمست بخفوت: أنا بحبَّك أوي.
أغمض عينيه يتذوَّق حلاوة نطقها؛ من يخبرنا أنَّ اعتراف الحبيب لحبيبه هو عودة الروح للجسد؟
مرَّرت أناملها على وجهه بسعادة، ففتح عينيه يغوص في عالمه الخاص معها، عالمٌ لا يملُّ ولا يكلُّ مهما ارتوى.
مرَّت دقائق ناعمة شعرا بها كأنَّها ثوانٍ قليلة، دفنت رأسها في صدره تستمع إلى أجمل معزوفة. دقَّات قلبه التي تصرخ بعشقها مع ارتفاع وانخفاض صدره.

حاوط جسدها بذراعيه ومرَّر يده على خصلاتها: الليلة أجمل ليلة في حياتي كلَّها، أوَّل مرَّة أحسِّ بالسعادة دي، حاسس إنِّي ماسك النجوم كلَّها.
رفعت رأسها إليه، وعيناها تنطقان بالفرح: وأنا كمان، سعيدة أوي.
أمال بجسده يداعب أنفه بأنفها: إنتي تسكتي خالص دلوقتي، بقى تفضحيني عند الدكتورة كده. طيب دلوقتي لو اتقابلنا مثلًا تقول علينا إيه؟

قهقهت بصوتٍ مرتفع، وضعت كفَّيها على وجهه: أنا مكنتش أعرف إنَّها هتقول كده أصلًا!
لا والله! أومال كنتي مستنية منها إيه؟ يالهوي على فضيحتك يا بلال، آخرك دكتور ذكورة! ودِّتيني يا بت لدكتورة ذكورة! دي إنتي جبروت، وحياة رحمة أبويا اللي نايم تحت ده لأعرَّفك يعني إيه دكتور ذكورة لو ماهديتش حيلك!

لكزته وهي تدفن رأسها بذراعه: بس بقى، بتكسف.
شوف إزاي! أيوة طبعًا بتتكسف، وأنا المفروض أصدَّق؟
نطَّت جالسة: نعم، عايز إيه؟ ماقولتلك مكنتش أعرف الموضوع هيقلب كده.
نظر لشعرها اللذي انساب على وجهها بعشوائية، ولجسدها اللي ظهر بعضه أمام عينيه؛ كانت كلوحةً فنيةً عمره ماملَّ يتأمَّلها.
رفعت أصابعها أمام عينيه: روحت فين؟
لدكتور الذكورة يا أختي!
ارتفعت ضحكاتها: دول وحشين وكذَّابين يا حبيبي!

يا بت مش عايز أسمع صوتك، أنا هنزل أصلِّي العيد، وإنتي نامي واشبعي نوم، بالليل هنهرب من مصر كلَّها.
شهقت واعتدلت تسحب الغطاء: هنروح فين؟ إنت ناسي الدكتوراه بعد تلات أيام!
مش مهم، المهمِّ عايز ألفِّ الدنيا معاكي.
ياسلام! والدنيا هتلفَّها في يومين؟ لا يا حبيبي، خلَّص رسالتك وبعد كده نلفِّ براحتنا.
قرص وجنتيها وابتسم: برضه نامي واشبعي نوم.

وضعت رأسها في أحضانه: تمام، لسه ساعة على الصلاة، خلِّيك شوية لمَّا أنام.
قرَّبها لصدره، وسحب الغطاء يدثِّرها كويس، وقلبه يعزف بالسعادة. خلَّل أنامله في شعرها، ثم انحنى يدفن وجهه فيه مغمض العينين: أجمل ريحة، طول عمري بدعي ربِّنا أنام وأصحى عليها.
اعمل حسابك هغيَّرها، لازم أغيَّر كلِّ حاجة.
قالتها وهي في أحضانه، فابتسم وداعب وجنتيها: لا يا حبيبي، بحبِّ كلِّ حاجة فيكي كده.

نظرت له بجديَّة خفيفة: بلال، أنا عايزة حياة جديدة من كلُّه.
تؤ، حبِّي مش جديد علشان أغيَّر حاجة. أنا حبِّيتك كده وعايزك كده.
أغمضت عينيها وغابت في النوم، ظلَّ يراقب ملامحها الهادية يعشقها حدَّ الجنون، حدَّ الهوس. نظر لشفتيها وتمنَّى تختفي الدنيا كلَّها من حواليه ومايفضلش غيرها.
استمع لتكبيرات العيد، وضع رأسها بهدوءٍ حذر، ثم انسحب من جوارها في صمت.

دخل الحمَّام دقائق، وخرج مرتديًا زيَّه: ترنج أبيض رياضي، صفَّف خصلاته، وضع عطره المميَّز، وخرج من الغرفة بهدوء.
استنشقت رائحته، ابتسمت وهي تجذب وسادته تحتضنها، تهمس بين النوم واليقظة: بحبَّك...

بمكتب إلياس.
أنهى اتِّصاله ثم نقر على مكتبه: وبعدين بقى، كان ناقصني بنت عيشة، زمَّ شفتيه ينظر بشرود وتذكَّر ماحدث منذ يومين: إيه اللي عملتيه دا؟ اتجنِّنتي تضربي الشغَّالة!
أه وأموِّتها كمان، دي بنت محتاجة تتربَّى، كنت منتظر منٍّي إيه وهيَّ عمَّال تتحسِّس بجوزي وتقوله بحبَّك.
جحظت أعين الياس يرمق يوسف، الذي يدور بالغرفة يمسح على وجهه: دي عيِّلة يا ضي، وأنا كنت هتعامل معاها.

مش هردِّ عليك، علشان لو ردِّيت هزعَّلك، التفتت إلى إلياس: البنت دي لو قعدت دقيقة واحدة في البيت هموِّتها.
أكيد اتجنِّنتي!
رمقته بغضب وصاحت: أه، إيه كان عجبك تلزيقها.
ضي احترمي نفسك.
اقتربت منه وعيناها نيرانًا تريد إحراقه: أنا محترمة يا دكتور، لو حضرتك شايف اللي حصل عادي فهو غير مقبول عندي؛ إنتَ جوزي مش صاحبي علشان أشوف بنت قذرة تتحرَّش بجوزي وأسكت، لا وكمان زعلان.
ضي اطلعي أوضتك وأنا هتصرَّف.

مفيش تصرُّف يا عمُّو، فيه قرار واحد البنت تخرج برَّة.
مش بقول اتجنِّنتي، عايزة تقطعي عيش الست؟!
أنا ماقولتش كدا، عمُّو هيتصرَّف، المهمِّ يبعد البنت دي من هنا لو خايفين عليها.
قالتها وتحرَّكت تدفعه بذراعها الى أن صعدت للأعلى. خرج يوسف خلفها. بعد قليل دلفت عيشة والدة زهرة، تنظر إلى الأرض بخجل، أشار إليها إلياس بعدما أطفأ سيجارته: تعالي يا عيشة.
نعم يا باشا، قالتها واقتربت منه.

نهض من مكانه ووقف أمامها في اللحظة التي دخلت فيها زهرة. دلفت للداخل وتوقَّفت، بينما عينا إلياس تخترقان وقفتها: أنا مش هقولِّك غلطِّي، لأنِّك إنتِ الغلط نفسه، واحمدي ربِّنا إنِّك لسه صغيرة.
فركت كفَّيها وجسدها ينتفض، هزَّت رأسها بخوف: مكنش قصدي اللي مدام ضي فهمته، أنا قصدي إنِّي بحبُّه زي أخويا.
زمَّ شفتيه وأشار إلى والدتها بحدَّة: حجزت لها في بيت الطالبات، بنتك مبقاش ليها مكان في بيتي.

ركضت نحوه تسحب كفَّيه، تحاول أن تقبِّلهم، فرفع يديه بغضب: خدي البنت دي من قدَّامي، واحمدي ربِّنا إنِّي دخلت في الوقت المناسب.
شكرًا يا باشا، وياريت تفهِّم الدكتور إنَّها لسه صغيرة وطايشة.
الدكتور نسي الموضوع يا عيشة، بدليل إنِّي سامحتها. تروح تعتذر لمدام ضي، وبعد كده مش عايز ألمحها في الكمبوند كلُّه.
أومأت برأسها بطاعة، وخرجت تسحب ابنتها التي ارتفع بكاءها.
دخلت ميرال: أتمنَّى ضي ماتخربش الدنيا.

ميرال، إنتِ آخر واحدة تقولي كده.
تنهَّدت بخفَّة: عارفة، بس يوسف مالوش ذنب.
تهكَّم على كلماتها: طول عمرك عاقلة يا أمِّ يوسف.
بتتريق يا إلياس؟
نظر لها بجديَّة مفاجئة: لو مكانها، كنتِ هتعملي إيه؟
جزَّت على شفتيها وهي ترمقه: كنت زماني أخدت إعدام يا حبيبي.
أفلت ضحكة يسحبها الى أن جلست بجواره وحاوطها بذراعيه يجذبها إليه: من زمان مشفتش جنانك.
رفعت رأسها تنظر إلى قربه: مين اللي جنِّن مين يا حضرة الظابط؟

أمال برأسه منها وقال بخفوت: أنا اللي جنِّنتك يا ميرو.
ابتسمت ووضعت رأسها على كتفه: الأيام بقت تعدِّي فينا يا إلياس وبتجري.
ضمَّها إليه بحنان: الحياة أقدار يا أستاذة الإعلام.
تهكَّمت وهي تحتضن كفَّيه: إعلام إيه بس، دا أنا نسيت إزاي الواحد يقول حوار.
اعتدل ينظر إليها: أه صحيح فكَّرتيني، النهاردة شايف الملحق بتاع يوسف بيجهز، إنتي ناوية تعملي حاجة فيه ولَّا إيه؟

قطبت جبينها متسائلة: ملحق يوسف، وأنا هستخدمه في ايه؟!
مش كنتي بتقولي عايزة تعملي مكتبة هناك وتجمَّعي المقالات؟
هزَّت رأسها بالنفي وقالت: في بيتنا مش عند يوسف.
شرد الياس وتساءل: غريبة، أومال ليه المسؤول قال المدام اللي طلبت.
مايمكن ضي.
ضي! تمتم بها باستغراب ثم قال: وضي هتعمل إيه بالملحق، ضي شغَّالة، دا تجهيزات لمكتب. زفر وهو يمسح على وجهه: خلاص هسأل يوسف، يمكن هوَّ اللي بيحضَّر حاجة.

نهضت ومدَّت يدها: طيب ياله هتفضل قاعد، الوقت اتأخَّر، وهتقوم بدري للصلاة.
أومأ يعانق كفَّها ثم صعدا للأعلى.

بغرفة يوسف قبل ساعات.
ظلّ جالسًا في شرفة غرفته على أملٍ واهن أن تأتي؛ فمنذ ماحصل وهي اتَّخذت غرفتها القديمة ملجأً بعيدًا عنه، كأنَّها تعاقبه بصمتها بعد غضبه ممَّا فعلته بزهرة، شعر لأوَّل مرَّة أنَّ صوته العالي كان أقسى من قلبه.
سحب علبة سجائره، أشعل واحدة تلو الأخرى، لا ليستمتع، بل ليخنق ذلك الفراغ الذي تركه غيابها بجواره.
نفث دخانها باضطِّراب، وفي كلِّ نفسٍ كان يشعر بتوقُّف نبضه.

توقَّف قلبه عند فكرة أنَّه يعاقبها بتلك الطريقة، بالبعد.
كيف لرجلٍ يحبُّ امرأة حدَّ الجنون أن يختار الهروب بدل الاحتواء؟
أمال جسده على ظهر المقعد، يحدِّق في السماء المكتظَّة بالنجوم، وكأنَّ كلَّ نجمةٍ تذكِّره بها. بضحكتها، بغيرتها، بطريقة نظرها له حين تخاف أن تخسره.
اجتاحته الذكريات كطوفان. جنونهما معًا، تعلُّقها المرَضي به، وتعلُّقه الجنوني غير المتوقَّع بها، صفع القلبُ العقل.

نهض فجأة، اتَّجه إلى غرفتها.
وجدها جالسة على فراشها، ذقنها فوق ركبتيها، صغيرة. منكسرة. ليست تلك القوية التي تتظاهر بها دائمًا.
وحين دخل، اعتدلت سريعًا وتصنَّعت الانشغال بهاتفها، لكن أصابعها المرتعشة فضحتها، وعيناها كانتا غارقتينِ في حزنٍ لا يليق بها.
اقترب منها دون كلمة، وانحنى يحملها بين ذراعيه. اعترضت وهي تدفعه بكفَّيها بضعف: ابعد، مش أنا مجنونة، ابعد عن المجنونة!

لكنَّه حادثها بصوتٍ أهدأ من غضبها، فقط ضمَّها الى قلبه، وهو يهمس لها: اسمعي قلبي يا ضي.
لحظات قليلة كانت كفيلة بأن تنهار كلُّ مقاومتها، وتدفن رأسها في صدره، تبكي بلا صوت، كطفلةٍ وجدت ملجأها.
تحرَّك بها إلى غرفتهما، وضعها على الفراش بحذر، كأنَّها شيءٌ ثمين يخاف أن ينكسر، وجلس أمامها يحاصر عينيها بنظراته: تباتي برَّة الأوضة يا ضي؟ حصَّلت تعملي كده وفي يوم زي ده؟

نطقت بصوتٍ مكسور: مش إنتَ اللي عايز كده؟ ورغم اللي حصل ولا اهتمِّيت.
مرَّر أنامله على وجهها، يمسح دموعها: متعمليهاش تاني علشان مزعلش منِّك بجد، صدَّقيني لو زعلت منِّك مش هيكون كويس لينا إحنا الاتنين.
ابتلعت غصَّتها، وقالت بصوتٍ مختنق: زعلانة منَّك يا يوسف...
كلمة بسيطة، لكنَّها حملت كلَّ خوفها: زعلانة أوي وموجوعة.
تنهَّد، اقترب منها أكثر: طيِّب ممكن ننام ونتكلِّم بعدين، لو يوسف يهمِّك فعلًا.

رفعت عينيها المتورِّمتين إليه، وفيهما خليطًا من الغيرة والحب: يوسف، البنت لمستك قدَّامي، كنت مستنِّي منِّي إيه؟
عارفة إنِّي غلطت واتسرَّعت، بس أنا اتجنِّنت من فكرة إنَّها تقرَّب منَّك كده...
ضمَّ رأسها إلى صدره بقوَّة هذه المرَّة، ليس ليهدِّئها فقط، بل ليطمئن نفسه أنَّه يخاف أن يضيع منها.
نظر إليها بحنان، نظرات عاشقٍ حدَّ الوجع.

وفي تلك اللحظة، لم يكونا متخاصمين، كانا فقط عاشقينِ يخافان الخسارة أكثر ممَّا يحتمل القلب. مرَّر أنامله على وجنتيها:
أنا اتفاجئت صدَّقيني، بس إحنا أكبر من اللي إنتِ عملتيه، مينفعش تنزلي للمستوى ده، تتخانقي مع الشغَّالة! للدرجة دي شايفاني منحط كده؟
رفعت رأسها ببطء، تنظر إليه وقلبها يصرخ بوجع، هزَّت رأسها نفيًا، ولمعت عيناها بدموعٍ متردِّدة: غِرت، آه غِرت، عارفة إنِّي غلطت، بس أعمل إيه؟

إنتَ السبب يا يوسف، دايمًا بحسِّ إنِّ سعادتي ناقصة، جوَّايا وجع ومش عارفة له سبب، دايمًا حاسَّة إنِّ في حاجة مش حلوة هتحصل، كأنِّ انفصالنا جايز.
ضمَّها إلى صدره بقوَّة، لا ليواسيها فقط، بل ليحتمي بها من نفسه، شعر بانهياره يسبق دموعها، فذلك الإحساس الغامض الذي يسكنها كان يسكنه هو أيضًا، لكنَّه أكثر دراية بحدَّته وخطورته.

حاول أن يسيطر على ارتجافةِ صوته، وقال: ضي، إنتِ نبض يوسف، حافظي عليه، بلاش تفكَّري في حاجة توجعنا، لأنِّي ضعيف قدَّامك أكتر ماتتخيَّلي.
أخرجت رأسها من حضنه، ونظرت إليه بعينينِ غارقتينِ في خوفٍ طفولي: وإنتَ حياتي وروحي، مش بس نبضي، بس معرفش ليه دايمًا بحس إنِّ سعادتي مسروقة، كأنِّي مش مسموحلي أفرح وأنا جوَّا حضنك.

أسند جبينه على جبينها، وأنفاسه خرجت متقطِّعة كأنَّها اعتراف: طيب مش هنَّام، وحشتيني أوي، من أوَّل الليل وإنتِ زعلانة وبعيدة عنِّي، وعايز أصالحك.
ابتسمت رغم دموعها، تمرِّر أناملها على خدَّيه: هتعرف تصالحني؟ أنا واخدة على خاطري أوي منَّك.
ابتسم بعشقٍ موجوع: أؤمري، حتى لو طلبتي روحي.
سكتت لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ كأنَّه حلم: توافق بقى يكون عندنا بيبي يا يوسف؟

في تلك اللحظة، شعر وكأنَّ قلبه سقط من مكانه. لم ينكسر فقط، بل تهشَّم داخليًا، جمرة حارقة اعتصرت صدره، وذكريات موجعة مرَّت في رأسه كالسكاكين.
هزَّ رأسه ببطء: مش بإيدي حاجة...
خرجت الكلمة منه كأنَّها نزيف، لكنَّها لم تصل إليها، كلُّ مارأته في عينيه كان حزنًا، ففسَّرته رفضًا.
ليه يا يوسف، ليه الحاجة اللي هتسعدنا رافضها؟

اقترب منها أكثر، وقال بصوتٍ منكسر: ضي حبيبتي، وقت ماربِّنا يريد هيرزقنا، والله مافي حاجة نفسي فيها أكتر من طفل منِّك.
يعني إنتَ موافق؟
موافق، أيوه موافق.
قالها، وكلُّ حرفٍ منها كان يحرقه من الداخل، كأنَّ الحقيقة تلتهمه ببطء وهو يختار أن يكذب لينقذ فرحتها.
نهضت فجأة، وابتسامة طفوليَّة شقَّت وجهها: هغيَّر هدومي، أكيد مش هنام بالبيجاما!

أومأ لها بصمت، وعيناه وحدها كانت تنطق بالألم الذي يعجز لسانه عن قوله.
مرَّت دقائق وخرجت بثيابها التي تخطف القلب قبل العقل، راقب خطواتها واقترابها بدلال، فألقى سيجارته ونهض من مكانه.
شمَّت الرائحة وحدقته بامتعاض: مش قولنا هنبطلَّها. ليه رجعت لها تاني؟ وأنا بقول الريحة دي إيه.
ابتسم ابتسامة مكسورة، وسحبها إلى صدره: إشش، سجاير إيه بس اللي هنتكلِّم فيها دلوقتي.

وغاص بها في عالمه الخاص، عالمُ رجلٍ يعشق امرأة لدرجة أنَّه يفضِّل أن يعيش بالألم سرًّا، على أن يراها لحظة واحدة منكسرة بالحقيقة.
بعد عدَّة ساعات.
فتح عيناه على رنين المنبِّه، سحبه وأغلقه بتكاسل، ثم استدار للقابعة بين أحضانه. أزاح خصلات شعرها عن وجهها برفق، ورفع رأسها فوق الوسادة كأنَّها أغلى مايملك.

تململت بنومها تهمس اسمه بصوتٍ واهن، فمال عليها وقبَّل وجنتيها قبلةً دافئة: نامي يا روحي، أنا هقوم أجهز لصلاة العيد.
سحبت كفَّيه من على وجنتيها ووضعت رأسها فوق صدره، كأنَّها ترفض أن يبتعد حتى وهو مستيقظ.
لسه بدري، خلِّيك شوية.
ابتسم وهو يداعب خصلاتها بأصابعه بحنانٍ بالغ، صوته خرج منخفضًا مشبعًا بالحب: باقي نصِّ ساعة يا حبيبتي، يادوب، نامي براحتك.

فتحت عيناها ببطء، تتلفَّت حولها وكأنَّها تستعيد وعيها بالعالم من جديد: هوَّ الفجر أذَّن؟
نزل من فوق الفراش وهو يضحك بخفَّة، يلتفت لها بمزاحٍ لطيف: لا لسه، أنا رايح أصلِّي العيد، وبعدين الفجر.
اعتدلت تجلس، تجمع خصلاتها بإهمال: بتتريق.
أومال إيه؟ بقولك رايح أصلِّي العيد، ماحسِّتيش بيَّا لمَّا قومت للفجر؟
هزَّت رأسها بنفيٍ ناعم: نمت، كنت تعبانة. وبعدين إحنا نايمين متأخَّر.

اقترب منها من جديد، وقال بصوتٍ هادئ: طيب مادام صحيتي، قومي صلِّي وبعدين نامي.
نزلت من السرير واتَّجهت نحوه بخطواتٍ بطيئة، وقفت أمامه مباشرة: لا، هاجي أصلِّي معاك، نرجَّع أيام زمان، من زمان ماصلِّيناش العيد مع بعض.
ضمَّها إلى صدره تلقائيًا، كأنَّه كان ينتظر هذه الجملة تحديدًا: كنت خايف أصحِّيكي تقولي عايزة تنامي.
حاوطت خصره بذراعيها، وأمالت رأسها على صدره: أيام زمان وحشتني أوي يا جو...

ابتسم بحنينٍ واضح، ومسح على ظهرها بحركةٍ دافئة: إيه رأيك نهرب النهاردة؟ نروح أي مكان.
رفعت رأسها، ومازالت تحيط خصره، وعيناها تلمعان: ماشي، موافقة.
بعد فترة، خرجت تنتظره خارج المسجد، خرج يبحث عنها مع رنين هاتفه، وماإن لمحها حتى اتَّجه إليها. وصل إليها فاحتضنت ذراعه وتحرَّكت بجواره: تيجي نتمشَّى شوية على الكورنيش؟ الجوِّ حلو وهتلاقي الدنيا هادية.
حاوط خصرها وقال مبتسمًا: إنتِ تؤمري يا روحي.

رفعت عينيها ترمقه: بتصالحني يعني؟
نظر أمامه وهو يخطو بجوارها: أنا مقدَّر غيرتك، بس اللي عملتيه مش صح، وكمان تزعلِي وتنامي بعيد عنِّي. اتفاجأت، أوَّل مرَّة تبعدي عنِّي علشان حاجة تافهة كدا.
توقَّفت ونظرت إليه بحدَّة خفيفة: إنتَ شايف اللي حصل ده تافه؟ يوسف، البنت كانت بتتفرَّج علينا!

توقَّف هو الآخر، يرمقها بصمتٍ للحظات، ثم قال بهدوء: الغلط هنا غلطنا إحنا، دي عيِّلة، وإنتي بتقولي كانت بتراقبنا، ممكن رسمت أوهام في دماغها، إحنا نتكلِّم بعقل، مش نهجم ونضرب زي قطَّاعين الطرق.
تنفَّست بغيظ: تعرف، أنا كنت هطردها من أوَّل ماعرفت إنَّها بتراقبنا، بس جدِّتها ماتت، وعشان كدا ماشفتهاش غير وهيَّ بتقولَّك كدا. اتجنِّنت الصراحة، لا وكمان الحيوانة بتلمسك! ده كويس إنِّي ماقطعتش إيدها.

لكزته في صدره بغضبٍ مكتوم: وإنتَ يا حبيبي إزاي تسيبها تلمسك؟ والله كان نفسي أولَّع فيك إنتَ كمان.
أطلق ضحكةً رجولية، وتوقَّف يغمز لها: طيب ماإنتي مولَّعة في قلبي يا ضيايا.
ابتسمت بدهشةٍ دافئة: ياااه، من زمان ماقلتش دي.
حاوط كتفها وهو يضحك: ماكنتش أعرف إنَّها هتثبت كدا.
نظرت له بمكر: ومالك بتقولها كأنَّك زعلان يا ابن عمِّي؟

توقَّف أمام النيل، حملها بخفَّة ووضعها على أحد الجدران الحجرية، ثم لفَّ ذراعيه حولها: ماكنتش أعرف إنِّك هتخطفِي قلبي كدا يا بنت عمِّي.
حاوطت عنقه، ولمعت عيناها بالسعادة: نصيبنا يا روحي.
بعد فترة عاد الجميع من صلاة العيد...
صباح الخير، كلِّ سنة وإنتوا طيِّبين...
نطقها يوسف وهو يبحث بعينيه عن بلال.
وإنتَ طيِّب يا حبيبي.

قالتها فريدة وهي تبتسم له بمحبَّة، ثم ألقت نظرة سريعة حولها تتفقَّد المكان: أومال فين مراتك؟
نازلة، هوَّ بلال لسه نايم؟
رفع أرسلان هاتفه وهو ينظر إلى شاشته: معرفش، بس هوَّ صلَّى العيد معانا.
قال إلياس وهو يدخل عليهم: فريدة هانم، عيد مبارك.
ابتسمت فريدة بدفء: عليكوا كلُّكوا يا حبيبي يارب.
رمقه إلياس بنظرةٍ مستغربة فجأة: هوَّ إنتَ بجد جايب عجل هنا؟

ضحك أرسلان وهو يضع الهاتف على أذنه: آه، عايزين ندبحه هنا قدَّام الولاد، علشان يتعوِّدوا.
شهق يوسف وهو يفتح عينيه بدهشة: عجل؟!

قصدك عجل اللي هوَّ بقرة حقيقية بتمشي على رجليها؟
قاطعه بلال: لا، بتمشي على بطنها.
قالها بلال بسخرية، فوقف يوسف وضمَّه ضمَّة أخوية: كنت فين يا عم؟ مشفتكش في الصلاة.
حكَّ بلال مؤخِّرة رأسه بإحراج: صحيت متأخَّر شوية...
قاطعه أرسلان بحماس: يلَّا بقى، علشان تمسكوا العجل.
تبادل يوسف وبلال النظرات في اللحظة نفسها، ساد صمتٌ لثانية، ثم انفجرا ضاحكين بصوت عالٍ.

قال يوسف وهو يضحك: عجل إيه يا حج؟ صلِّي على النبي، أنا آخري أشوف قطَّة في الشارع!
لكزه بلال في كتفه: ماتيجي نجرَّب، دي الحاجة الوحيدة اللي لسه مجربنهاش.
هوَّ سجارة علشان تتجرَّب؟ ده حاجة ضخمة كده وبيقول موو!
تعالت ضحكات أرسلان أكثر: هوَّ إيه اللي بيقول موو يلا؟!
العجل، مش بيقول كده؟
لا يا حيلة أبوك، بيقول نو!
نظر إليه يوسف بذهول: نو! ده عجل مستورد ولَّا إيه؟

رمقهم إلياس بمللٍ واضح: ماتتلمُّوا أنتوا الاتنين.
ثم توجَّه إلى أرسلان مباشرة: وإنتَ كمان اتجنِّنت؟ جايب عجل هنا!
رفع أرسلان حاجبه بثقةٍ مستفزَّة: وإنتَ اللي هتدبحه، وابنك هوَّ اللي هيقطَّعه.
ساد صمتٌ لنصف ثانية...
ثم انفجر يوسف وبلال ضاحكينِ من جديد.
قُضيَ نهار يوم العيد بين المزاح وبين التجمُّعات العائلية، بقصر الجارحي.

توقَّف أمام المرآة يصفِّف خصلات شعره، دلف إليه عمران يطلق صفيرًا: أوووه حمزة باشا، ياترى على فين الهروب؟
رفع عطره ونثره وهو يرد: خارج مع شمس، هنروح سينما، وبعد كدا هنتفسَّح.
أممم. اقترب منه واستند على الجدار: فيه واحدة قابلتني من يومين بالجامعة، مش فاكر اسمها بالظبط. أسماء إسراء سارة.
حاجة زي كدا.
استدار إليه يطالعه بتساؤل: مالها يعني؟
بتقول أخت زميلك، معرفش إيه سبب تعارفها، إنَّما دخلتها معجبتنيش.

ارتدى ساعته وقال: دي إسراء أخت صلاح الفيومي.
الواد دا من الفيوم يعني؟
ضحك حمزة وهو يربت على كتفه: لا يا سيدي، لقب العيلة، دا أبوه كان لوا بس متقاعد، واد شايف نفسه، بس على مين.
غمز عمران: هوّّ أهبل ولَّا إيه، ميعرفش إنِّنا تقال أوي.
رمقه حمزة باستخفاف، ثم ارتدى نظَّارته وتحرَّك للخارج، قابله إسحاق: رايح لخطيبتك؟
أه إن شاء الله، وهتأخر.
اعمل حسابك هنسافر بكرة لعمَّك وبنت عمَّك.
حاضر، محتاج حاجة؟

لا حبيبي، خلِّي بالك من نفسك.
غادر حمزة وعينا إسحاق تراقب تحرُّكه، رفع هاتفه: حمزة باشا مش يغيب عن عيونكم، وزي ماقولت أي مشتبه فيه ماترحمهوش.
تحت أمرك يا إسحاق باشا.
إسحاق. تمتمت بها دينا التي استمعت إلى حديثه، اقتربت منه: ماله حمزة، فيه إيه اللي بيحصل؟
مفيش حبيبتي أمان مش أكتر، إنتي ناسية مركزه الحسَّاس؟
دقَّقت النظر إليه: إنتَ مخبِّي عليَّ حاجة؟
ضمَّ رأسها إليه: مفيش حاجة، لو فيه هكون هادي كدا؟

قبَّل جبينها، ثم حاوط جسدها وتحرَّك للخارج.
وصل حمزة بعد قليل الى فيلَّا السيوفي، دلف الى الحديقة بعدما وجد إلياس وأرسلان ومصطفى، ألقى تحيِّة المساء: مساء الخير، كلِّ سنة وأنتم طيِّبين.
ابتسم مصطفى: وإنتَ طيِّب حبيبي.
جدُّو أخبار صحِّتك إيه؟
أنا كويس حبيبي، إنتَ عامل إيه. وباباك عامل إيه؟
الحمد لله، التفت إلى إلياس، وأمال بجسده: مفيش كلِّ سنة وإنتَ طيب لجوز بنتك؟

ضحك أرسلان وقال: هنبدأ بقى المناوشة، لكن قاطعه إلياس: عامل إيه؟ اتاخَّرت يعني، كنت بقول هتيجي من الفجر.
ذُهل من حديثه، فاعتدل قائلًا: كنت منتظر شموسة تصحى براحتها، هوَّ أنا جايلك علشان آجي بدري.
شوف الولا، ضحك مصطفى وأشار إليه: تعال اقعد، وقولِّي إيه أخبار الشغل معاك؟
نظر بساعته وقال: لا. شغل إيه، أنا حمايا بيعدِّ أنفاسي لحدِّ ماربِّنا يأذن، أهو قالِّي بعد العيد نكتب الكتاب.

التفت مصطفى لإلياس: هتكتب كتاب شمس الأيام دي؟
أومأ إلياس وهو يرمق حمزة: شهر كدا ولَّا حاجة، مش دلوقتي.
هوَّ حضرتك مش قولت بعد العيد يا عمُّو، ليه بعَّدته لرمضان؟
ماتتهدِّ يلا، هوَّ رمضان بعد العيد الكبير، ولَّا تخلِّيني أحلف عليك نكتبه في رمضان.
نظر إلى أرسلان: هوَّ رمضان بعيد أوي كدا، أيوة مدام بيقولها بفرحة، لسة قدَّامه بدري.

ارتفعت ضحكات أرسلان ومصطفى على كلماته، حدجه إلياس باستخفاف: مش عارف شهر رمضان إمتى؟ لا مؤمن يا خويا.
تنهَّد مبتعدًا عنه بعدما رأى نزول شمس: حصِّة الدين دي نخصِّص لها وقت يا عمُّو، شمسي ظهرت.
جزَّ على أسنانه، يرمقه بغضب: بلاش هيصة بدل ماأغيَّر رأيي وماتخرجش.
نزل يوسف وضي، وخلفه بلال ورولا، فقاطعه مصطفى: روحوا حبيبي استمتعوا بوقتكم.

مضت الأيام سريعًا، إلى أن أتى يوم مناقشة رسالة الدكتوراه لدى بلال.
استيقظت بحماس، ونهضت بهدوء من جواره متَّجهةً إلى المطبخ، أعدَّت وجبة إفطارهما بعدما شاهدت الكثير من فيديوهات الطهي. لم يستغرق الأمر وقتًا طويلًا، جهَّزت طاولة الطعام، ثم دلفت إليه.
وجدته مايزال نائمًا، فأمالت بجسدها وقبَّلته على وجنتيه: صباح الخير حبيبي، قوم الساعة تمانية.

فتح عينيه بإرهاق، ثم ابتسم بحنان وجذبها إلى أحضانه: صباح الخير يا روحي.
دفنت نفسها بين ذراعيه، لقد اشتاقت إليه حدَّ الجحيم، ثلاثة أيام وهو منهمك في عمله ورسالته، ورغم حزنها من البعد، لم تُظهر له شيئًا لانشغاله، ضمَّها بقوَّة وهو يتنهَّد: ياااه، حاسس إنِّي بقالي كتير مشوفتكيش.

خلاص النهاردة وترتاح، يلَّا جهَّزت الفطار. قوم نفطر علشان تجهز، باباك وعمُّو إلياس اتَّصلوا، بس أنا عملت التليفون سايلنت علشان تنام كويس، حسِّيت بيك سهران طول الليل.
داعب خصلاتها بحنان، ثم رفع رأسها لينظر إليها: وحشتيني أوي، أوي.
اقتربت تطبع قبلة بجوار شفتيه وهمست: وإنتَ أوي، بس خلاص بقى، هكون مرات حضرة الدكتور رسمي نظمي فهمي.
ضحك واعتدل، يسحبها فوق ساقيه: طيب قوليلي أعمل فيكي إيه على الصبح؟

أشارت إلى خدِّها: تبوسني، وبعد كده تفطر، وبعد كده تقولِّي تسلم إيدك يا روحي، وبعد كدا.
بترت حديثها حين احتضن شفتيها في قبلةٍ شغوفة سرق أنفاسها بها، ثم أسند جبينه إلى جبينها: كده كتير على قلب حبيبك على فكرة.
طيب يلَّا يا حبيبي علشان متتأخَّرش.
نهض من فوق الفراش وهو يحملها بين ذراعيه وسط ضحكاتها المرتفعة، واتَّجه بها إلى طاولة الطعام: بلال، ادخل الحمَّام!

وضعها على المقعد وأشار إليها: أدوق عمايل مراتي الأوَّل، وبعدين ناخد شاور، مش فطرنا مع بعض يبقى المفروض ناخد شاور مع بعض.
بلال! قالتها بضجر وهي تشير إلى طبقه: اقعد افطر وقوم اجهز، قال شاور مع بعض! ده مابقاش فيه أدب خالص.
جحظت عيناه وهو ينظر إليها بذهول: بتقولي إيه يا بت؟
وضعت وجنتيها على كفَّيها بدلال: بلال حبيبي، هتتأخَّر.
تذوَّق الطعام، فطالعته تنتظر رأيه: إيه مش عاجبك؟

أومأ دون حديث، فالطعام كان مالحًا، ورغم ذلك ابتسم: تسلم إيدك حبيبتي.
بدأت تأكل، ثم توقَّفت فجأة وسحبت الطبق: إنتَ إزاي بتاكل ده؟ ده مالح أوي!
قالتها بحزن.
سحب كفَّيها وأجلسها فوق ساقيه: كفاية إنِّك حاولتي يا روحي، هاخد شاور لمَّا تحضَّري القهوة.
قالها وهو يقبِّل وجنتيها.

أيَّام أخرى هادئة على الجميع الى أن جاء الصباح الذي زلزل السعادة عند اليعض.
بمنزل كارما.
كانت تقف بالمطبخ تعدُّ وجبة طعامها، استمعت إلى رنين جرس الباب، اتَّجهت إليه، فتحته: إنتَ. جاي وعايز إيه؟!
مش هتقولي لي اتفضل، دا حتى كان بينَّا عيش وملح.
لا مينفعش تدخل، أنا لوحدي.
إيه خايفة من الدكتور؟
أسامة امشي من هنا لو سمحت.

دفع الباب وأغلقه بقدمه، واتَّجه إليها: كنتي بتخونيني معاه مش كدا، كنتي بتخونيني يا كلبة معاه؟
هزَّت رأسها بذهول: إنتَ أكيد مجنون، امشي اطلع برَّة بدل ماأصوَّت وألمِّ عليك العمارة.
مش قبل ماآخد حقِّي منِّك.

ارتجف قلبها بفزع، وهرولت من أمامه تصرخ لعلَّ أحدًا ينجدها من ذاك الوحش، أغلقت الباب وهي تصرخ وتبكي بنفس الوقت، هدر بعنف: هقولُّهم إنِّك اللي اتَّصلتي بيَّا، وإنِّك شمال بدليل متجوزة الدكتور في السرّ.
طرقات قوية على الباب، ثم دفعه بقوَّة، ليدلف أحد رجال أمن إلياس يسحبه بعنف.
صرخ به أسامة: إنتَ اتجنِّنت يلا، مش عارف أنا مين؟!
هنعرف دلوقتي يا أخويا إنتَ مين.

قالها أحد الرجال وهو يسحبه، مع انهيارها بالداخل بالبكاء، ركضت إلى هاتفها وقامت الاتِّصال على ابنة عمَّها، ولكنَّها لم ترد، اتَّجهت إلى بلال وقامت بمهاتفته، كان قد أنهى رسالته للتوّ، مع فرحة عارمة بالعائلة، لم ينتبه لهاتفه لمباركته على النجاح، ضمَّته غرام بسعادة وفخر: ألف مبروك يا حبيبي، عقبال لمَّا أشيل عوضك.

قبَّل كفَّيها، ثم رأسها وابتسم بسعادة: الله يبارك فيكي يا ماما، اتَّجه إلى أرسلان الذي تلقَّاه بين أحضانه ولمعت الدموع بعينيه: فرحتي بيك النهاردة ماتتوصفش، ربِّنا ينجَّحك أكتر وأكتر يا حبيبي.
حبيبي يا بابا، الفضل بعد ربِّنا لحضرتك.
قالها واتَّجه إلى إلياس: عمُّو إلياس.
حبيب عمَّك، كلِّنا فخورين بيك، ربِّنا يوفقك وتحقَّق كلِّ اللي تتمنَّاه.

بحث عنها بقلبه قبل عينيه، إلى أن وقعت عيناه عليها بجوار يوسف وضي، انسحب من بين الجميع واتَّجه إليها، توقَّف أوَّلًا أمام يوسف: بقيت دكتور.
قالها بفرحة عارمة، رمقه يوسف باستخفاف: إيه مكنتش عايز تبقى دكتور، هوَّ إنتَ قليل يا بني ولَّا إيه، أحلى دكتور أعصاب.

ضمَّه وهو يرفعه بسعادة، فانسابت دموع الفرح الصادقة من عينيه، دموعًا لا تعرف حقدًا ولا تحمل ضغينة، كأنَّهما قلبٌ واحدٌ بجسدين.
في تلك اللحظة أدركت ياصديقي، ما أجمل الصداقة حين تُبنى على الصدق، وحين لا تشوبها النفوس المريضة، ولا تفسدها الحسابات الخفيَّة.

فاعلم يا صديقي أنَّ من أعظم مكاسب الدنيا صديقٌ يهوِّن متاعب الحياة. فالصداقة امتحانٌ طويل للنيَّة، من نجح بقي كأنَّه لم يعرف الرحيل يومًا. ومن فشل خرج بصمت، لا يترك وراءه إلَّا فراغًا يشبه الخذلان. ولا يغرنَّك القول المعسول، فليس كلُّ من اقترب صديقًا. ولا كلُّ من ابتسم كان وفيًا
فالصديق الحقيقيّ هو من لا يتغيَّر حين تتغيَّر الظروف، ولا ينسحب حين تتكاثر الأسباب، ولا يخذلك أبدًا.

ماأجمل الصداقة التي لا تحتاج تبريرًا. ولا تقوم على الشك، ولا تخاف من الغدر.
صداقة لا تُقاس بعددِ الأيام. بل بعددِ المرَّات التي سقطَّ فيها، فوجدتَ من يمدُّ لك يده.

ولا تنسى عزيزي أنّّنا في زمن المصالح. حين يصبح البشر أوراقًا مؤقَّتة في حياة بعضهم، يبقى الصديق الوفي استثناءً نادرًا. نعمة لا تُشبه أحدًا. وهدية من الله لا تُعوَّض، تستحق أن تحمُدَ عليها كلُّ العمر.

تحرَّك نحو رولا التي وقفت تنظر إليه بصمت، كأنَّ العالم توقَّف عند ملامحه وحدها. اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، وعيناه تلتهمان تفاصيلها بدقَّات قلبه المتسارعة، حتى وقف أمامها تمامًا، ولم يكن في عينيه سوى اعترافٍ صريحٍ بالعشق.
مبروك، همست بها، وكأنَّها تخشى أن يسمع صوتها أحدٌ سواه.
دنا منها أكثر، حتى امتزجت أنفاسهما، فشعرت باختناقها من قربه لا خوفًا، بل ارتباكًا.

عارفة عايز أعمل إيه دلوقتي؟ قالها بصوتٍ منخفض، محمَّلًا بما لم يُقال.
ارتعش قلبها قبل جسدها، وتراجعت نصف خطوة: بلال، الكلِّ بيبصِّ علينا، لو سمحت بلاش تحرجني كده.
حمحم بخفَّة وتراجع خطوة، بعدما لمح الارتجافة التي فضحتها، توقَّف يراقبهما من بعيد، فاتَّجه نحوه: مبروك يا بلال.
استدار إليه بابتسامةٍ حاول أن تبدو طبيعية: الله يبارك فيك يا عمُّو، وعقبال آسر إن شاء الله.

ربت على كتفه بحنانٍ أبوي: حبيبي، ثم أدار نظره إلى ابنته: مبروك يا حبيبتي لجوزك.
هزَّت رأسها بصمت، تفرك كفَّيها بتوتُّر، كأنَّ الكلمات أثقل من أن تُقال، تحرَّك بلال مع يزن بضع خطواتٍ بعيدًا عنها.
دلوقتي كلُّه خلص، وزي ماوعدتك أهو.
كنت عارف إنَّك قدِّ الثقة، عملت إيه مع البنت؟

فرك جبينه، وكأنَّ السؤال أعاده لواقع لم يرغب في تذكُّره: هتسافر الأسبوع الجاي، عمُّو إلياس قالِّي الموضوع انتهى، ولمَّا أرجع من السفر هروح لها وأطلَّقها.
توقَّف لحظة، ينظر إليه بتمعُّن: هتقعد كتير؟
يومين بس، عندي حاجات مهمَّة. هنرجع على البيت دلوقتي، تيتا فريدة مستنيَّانا، وجدُّو مصطفى بيقول زي ماعملت ليوسف هعملَّك.
ابتسم يزن ابتسامة هادئة: ربِّنا يسعدك يا حبيبي، خلِّي بالك من رولا.

رفع بلال عينيه بثقة عاشق: في قلبي قبل عينيَّا.
حدَّق فيه طويلًا، ثم قال بنبرةٍ لا تخلو من اختبار: متأكِّد من كده؟

بعد عدَّة ساعاتٍ من احتفال مصطفى وفريدة بنجاحه، دلف إلى غرفته بمنزل السيوفي، وجدها انتهت من زينتها، استدارت بعد دخوله: ماقولتش رايحين فين، البسي وخلاص.
اقترب منها وعيناه على شفتيها المطليَّة بالأحمر: مش قولنا بلاش الروج.
رفعت حاجبها، وأشارت عليه: لو قرَّبت هصرخ بقولَّك أهو، مبخرجش غير بيه، ولو مش عاجبك بلاها.

لا يا روحي عجبني طبعًا، يالَّه بينا.
التفتت تحمل حقبيتها، لم تنتبه لنظراته، لحظة واحدة وهي تلتفت، يلفُّ ذراعيه حول جسدها، يحتضن ثغرها في لحظةٍ خاطفة، لحظات معدودة، يتراجع للخلف، ثم سحبها من كفَّها: قال لو مش عجبك، شكلك عايزة تتربِّي تاني يا روليتا.
حاولت الافلات من كفِّه، ولكنَّه توقَّف فجأة: كلمة واحدة، هنزلُّهم تحت وأقولُّهم باركوا للعروسة اللي ضحكت على جوزها.

ساعات مضت إلى أن وصلا إلى جزيرة في المالديف، هبطت من الطائرة تنظر حولها تستكشف المكان: إحنا فين؟
حاوط جسدها متَّجهًا إلى السيارة التي تنتظرهم بالقرب من المطار: إحنا في يومين عسل يا روحي.
توقَّفت فجأة: يالهوي يا بلال، دي مش شرم؟!
شرم إيه يا غبية، إنتي في المالديف، قال شرم، فرصة جاتلي ببلاش على حساب الواد جو.
شهقت تنظر إليه بذهول: يوسف عارف إنِّ إحنا.
هتسكتي ولَّا أسكِّتك بطريقتي؟

دلف إلى المكتب بخطواتٍ سريعة.
فيه إيه؟ قولت عايزني ضروري.
رفع إلياس رأسه بحدَّة، وعيناه تقدحان شررًا: بلال فين؟ بتِّصل بيه ومش بيرد.
أكيد في بيته، إنتَ عارف الفترة اللي فاتت كان مضغوط، ويمكن راح نام.
هزَّ إلياس رأسه نفيًا بعصبية: مش في البيت، وتليفونه هناك، ابنك في مكان مش عايزني أعرفه.
تجمَّد أرسلان مكانه: يعني إيه؟

اقترب إلياس منه خطوة، وهتف بغضب: البنت اللي متجوِّزها، طليقها الغبي هجم عليها وحاول يغتصبها. لولا إنِّي مراقب بيتها كان زمانه عمل مصيبة.
جحظت عينا أرسلان وكأنَّ الأرض سُحبت من تحت قدميه: إيه، إنتَ بتقول إيه؟!
لازم يطلَّقها فورًا، قبل ماالحيوان ده يلبِّس البنت تهمة إنَّها اللي اتَّصلت بيه.
مايمكن يا إلياس...

قاطعه بعنف: إنتَ اتجنِّنت يا أرسلان، البنت مالهاش ذنب في حاجة! هوَّ اللي مجنون، ومعاه حصانة علشان عضو مجلس شعب.
ابتلع أرسلان ريقه بصعوبة: تمام، هتصرَّف.
قالها وخرج متَّجهًا إلى منزل يوسف.
بمنزل يوسف.
دلف إلى الداخل، كان يوسف يجلس بالخارج يتحدَّث في الهاتف: تمام، رحلة سعيدة، هقفل أبوك جاي عليَّا.
وصل أرسلان إليه وتساءل: بلال فين يا يوسف؟
معرفش، مشفتوش من وقت الفطار.

حاول أرسلان الاتِّصال ببلال مرَّةً أخرى، ثم التفت إلى ضي: كلِّميه، يمكن يردِّ عليكي.
حاضر، قالتها ورفعت هاتفها بقلق.
جلس يوسف ووضع ساقيه فوق المنضدة، يتابع هاتفه ببرودٍ مستفز.
إنتَ يا بارد، نزِّل رجلك وشوف لي الحيوان ده فين، ده لو ماكنتش تعرف.
اعتدل يوسف ينظر إليه بسخرية: هوَّ أنا مراته؟ ماتروحوا تسألوا مراته.
اقترب منه أرسلان بسرعة، وكاد يصفعه، لكنَّه أمسكه من ملابسه بعنف: إنتَ مخبِّي عليَّا إيه؟!

هوَّ أنا بطلَّع صدقة علشان أخبِّي عليك؟
ياريت ابنك ينفع نتصدَّق بيه، ده راس العجل ليها فايدة عنُّه.
مابيردِّش، قالتها ضي بقلق.
نهض يوسف وتنهَّد بصوتٍ مسموع: شوف إلياس، ده معاه خريطة العيلة، وهتلاقيه عارف لون هدومه الداخلية كمان.
ضي، خلِّيه يمشي من قدَّامي. قالها أرسلان وهو يحاول أن يتمالك أعصابه.
هوَّ أنا قدَّامك أصلًا؟ كبرت ومبقتش تشوف، أنا جنبك على فكرة، مش قدَّامك.

سبَّه أرسلان بغضب وغادر المكان. التفتت ضي إلى يوسف بعينينِ مليئتينِ بالشك: إنتَ تعرف مكانه؟
سحبها يوسف إلى أحضانه وجلس، قال: في المالديف، عايز يحتفل مع رولا، وكمان هيعمل حفلة مخصوص علشان يفرَّحها.
اعتدلت ضي فجأة، عيناها لمعتا بسعادةٍ صافية: يعني بلال تمِّم جوازه منها؟
ابتسم يوسف ابتسامة خفيفة: ماقالِّيش بالظبط، بس شكله كده.
ماتيجي إحنا كمان نغطس معاهم؟
تقصدي إيه. نسافر؟

ضحكت وهي تميل نحوه: وليه لأ يا يوسف؟
تنهَّد وهو يضمُّها أقرب: إحنا الاتنين صعب يا ضي، لمَّا يرجع نبقى نسافر، ده حتى ماأخدش تليفونه علشان إلياس وأرسلان مايوصلوش ليه.
مطَّت شفتيها بطفولة: أووف، كان نفسي نسافر معاهم.
ربت على يدها بحنان: أوعدك، أوَّل مايرجع هنسافر.

عند حمزة.
في الجوّ وبعضًا من جنود فرقته بتدريباته.
اصطفَّت الطائرات واحدة تلوَ الأخرى في السماء، داخل قمرة القيادة كان يتابع الشاشات بدقَّة: حافظوا على الارتفاع والمسافة.
جاءه الرد سريعًا: تمام يا كابتن، وقال الآخر: ثابتين.
مالت طائرته قليلًا، وبدأت المناورة.
يمين حاد، استعدوا للالتفاف، محدِّش يكسر التشكيل.
تسارعت دقَّات قلب أحد الطيَّارين: يا كابتن، المسافة بتقلّ!

هتف بصوتٍ ثابتٍ كالصخر: ثبِّت السرعة، ومتراقبش اللي جنبك، راقبني أنا.
نفَّذ الأمر، وعادت الطائرة إلى موقعها.
كويس، دلوقتي محاكاة فقد اتِّصال. طيارة ثلاثة، إنتَ خارج الشبكة.
ساد الصمت ثانيتين.
استخدم الإجراءات البديلة، وارجع للتشكيل من اليمين.
بعد لحظاتٍ عاد الصوت: رجعت يا فندم.
ابتسم حمزة بثقة: كده تمام، التدريب مش علشان نطلع أبطال، علشان نرجع سالمين.

ثم أضاف بهدوء: نرجع القاعدة. شغل محترم، برافو يا رجَّالة.
هبط من طائرته وتحرَّك لداخل وحدته، وهناك أعين حقودة تراقبه، اقترب أحد القادة: مش خلَّصت قهوة يا صلاح؟
خلَّصت يا فندم.
اتَّجه إليه أحدهم وجلس: عرفت لك خبر إنَّما إيه.

التفت اليه وتساءل: الباشا بتاعنا، خاطب بنت جدَّها كان تبع الإرهابيين، ومات بحكم الإعدام، وجدِّتها كمان، وخد التقيلة، خالة البنت هتتعدم بعد أسبوعين، لأنَّها قتلت مرات أبوها في السحن.
ذُهل ممَّا استمع إليه، ثم أطلق ضحكاتٍ مرتفعة: والباشا ظابط في الجيش، يا حلاوة ياولاد.

لكزه وقال: لا اتقل وخد الضاربة القاضية، أبوه زوَّر ورق للبنت دي وقال إيه متعرفش جدَّها، وكلُّه كوم وإنِّ البنت دي أبوها كان ظابط أمن دولة وانطرد من شغله علشان طلع مزوَّر شخصية ابن ظابط، علشان يحمي عمُّه.
لا لا، إنتَ تشرب القهوة وتحكي لي بالتفصيل، دا إنتَ يلا ليك نصِّ مالي.

بعد يومين عاد بلال، وصل إلى يوسف الذي انتظره بالمطار: معرفش إيه اللي حصل، بس شكل فيه حاجة حصلت عند كارما.
كارما، إيه اللي حصل؟
معرفش، بابا كلِّ شوية يسأل عليك، وحاسس الموضوع مش سهل.
خلاص هوصَّل رولا البيت وأشوفها.
شوف عمِّي الأوَّل، وبعد كدا اتصرَّف.
تمام، اتَّجه إلى رولا: حبيبتي هوصلِّك البيت، لازم أروح المستشفى حالًا، بقالي يومين غايب.
مفيش مشكلة أنا هعدِّي على ماما وبابا.

وصل إلى كمبوند الشافعي، ترجَّل من السيارة ودلف إلى منزل والده بعدما أوصلها لمنزل يزن، دلف لمكتب والده: بابا. انتفض من مكانه: كنت فين، وإزاي ماتعرَّفنيش؟
فيه إيه؟ أكيد كنت بتفسَّح أنا ومراتي.
مراتك، وياترى يا حبيبي أنهي مراتك فيهم؟
هوَّ إيه اللي حضرتك بتقوله دا، هوَّ أنا متجوِّز كام واحدة.
إنتَ بتقول إيه، نسيت إنَّك متجوِّز البنت التانية.
دا مش جواز يا بابا.

تروح للبنت دي فورًا وتنهي كلِّ حاجة، إيَّاك أسمع اسمها في البيت دا تاني.
ممكن أعرف إيه اللي حصل؟
الواد طليقها يا باشا هجم عليها، ولمَّا مسكناه قال هيَّ اللي اتَّصلت بيه، وهيَّ طبعًا لازم تقول إنَّها متجوِّزة حضرتك علشان تخلص من مصيبتها.
طيِّب ممكن تهدى وأنا هتصرَّف.
تطلَّقها، تسافر ولَّا متسافرش ماليش دعوة.
بمنزل كارما.
رفعت كندا فنجانها: هوَّ الدكتور ماكلِّمكيش؟

هزَّت رأسها متنهِّدة بألم: وهوَّ هيكلِّمني ليه بس، كندا الدكتور مجرَّد واحد مدِّ إيده بالمساعدة.
والله إنِّك عبيطة، فيه ست تسيب راجل زي دا؟
تهكَّمت على كلمات ابنة عمَّها: إنتي هبلة، إنتي ناسية إنُّه متجوز؟
لا مش ناسية، وكمان عارفة إنِّ الراجل له الحق يتجوِّز كذا واحدة.
كندا بطَّلي رغي، دا واحد ساعدنا، وأنا مستحيل أعتبره غير كدا.

كارما هوَّ إنتي بجد عايزة تطلَّقي منُّه، يا بنتي فيه حد يلاقي راجل زي دا ويسيبه، طب ياريت ربِّنا يرزقني بربعه حتى.
كندا، قومي شوفي وراكي إيه، أنا مصدَّعة.
رمقتها بغضب وقالت: خلِّيكي لحدِّ مايجي أشباه أسامة دول يعملوا اللي عملوه، ودلوقتي هتسافري إزاي بعد مالحيوان عملِّك قضية؟
مسحت على وجهها بغضب: كندا كفاية بقى، سبيني في حالي.
بعد فترة وصل إليها بلال.
فتحت الباب. توقَّف أمام الباب للحظات: عاملة إيه؟

لمعت عيناها بالدموع، فهزَّت رأسها تهمس بخفوت: الحمدلله، حمد الله على السلامة. إيه هنتكلِّم على الباب.
تمتم بها بلال وهو يدلف للداخل.
ابتعدت تفسح له المكان، دلف يتجوَّل بالمنزل.
جلس وجلست بمقابلته بصمتٍ موجع: أوَّل مرَّة أدخل بيتك، مش هتشرَّبيني حاجة؟
أعملَّك قهوة.
تمام. دلفت للداخل لدقائق، ارتفع رنين هاتفه، وجدها رولا. وضع الهاتف وهو ينقر على الطاولة، ارتفع رنين الهاتف مرَّةً أخرى: أيوة يا متر.

كلُّه تمام يا دكتور، ورقة الطلاق جاهزة، هتعدِّي عليَّ تمضيها بس.
تمام، عشر دقايق وأكون عندك.
وصلت إليه بالقهوة، وضعتها. أشار إليها بالجلوس، فجلست منتظرة حديثه: عمُّو هيتصرَّف وهيسفَّرك خلال الأسبوع دا، كدا كدا السنة خلصت، وإنتي بتقولي ليكي عمّ برَّة، قعدتك هنا مبقتش تنفع.
بس أسامة عملِّي قضية تشهير.

سيبك منُّه، هنتصرَّف فيها، المهمِّ جهِّزي نفسك على آخر الأسبوع دا، وكمان هعدِّي على المحامي والطلاق هيتم، إنتي كويسة وذكية حاولي تبني حياة بعيدة عن طليقك دا، ويمكن ربِّنا يرزقك بابنِ الحلال.
متشكِّرة أوي يا دكتور، مهما أشكرك.
تشكريني على إيه، المهمِّ خلَّصي دراستك وحطِّي لنفسك طموح توصلي له.
ارتفع رنين جرس الباب، رنينٌ حاد، بسبب ثقل أصابعها عليه.
اتَّجهت الخادمة لفتحه: مين حضرتك؟

عايزة أقابل مدام كارما.
أقولَّها مين؟
ابتلعت غصَّتها. وقلبها يطرق في صدرها بعنف، كأنَّه يريد الهرب قبلها.
تتذكَّر سيارته أسفل المبنى، ليتجمَّد الدم في عروقها، لكن قدميها تحرَّكتا رغمًا عنها.
دفعت الخادمة جانبًا وهمست بصوتٍ مرتعش: أنا هعرَّفها بنفسي.
دلفت إلى الداخل.
عيناها تجوبان المكان بجنون، تبحث عنه، وتدعو ربَّها في سريرتها أن يعميها قبل أن تراه.
كانت متيقِّنة من وجوده...

لكنَّها، بغباء العاشقين كانت تتمنَّى أن تكون مخطئة. آهٍ من قلبها الغبي...
الذي مازال يمنحه الأعذار حتى وهو يذبحه بيديه.
كان يجلس بهدوءٍ قاتل، يرفع فنجان قهوته: بابا هيأمِّن لك كل اللي محتاجاه...
قطع صوته فجأةً صوت الخادمة خلفها: لو سمحتي يا أستاذة، مينفعش كده...
التفت. وليته لم يلتفت لتقع عيناه عليها...
هنا انهار كلُّ شيء داخله دفعةً واحدة.

تجمَّد جسده حتى شعر بانسحاب الهواء من رئتيه. ليشعر بدوران الأرض، كأنَّها تميد به، حتى تمنَّى لو تنشقَّ وتبتلعه الآن...
وقفت أمامه.
شاحبة، منهكة، عيناها تلمعان بدموعٍ محبوسة.
لحظةُ صمتٍ طويلة مؤلمة، نظر إليها، ولم يجد كلمة واحدة تنقذه.
أمَّا هي، فكانت تنظر إليه كمن يرى قبره مفتوحًا أمامه.
هنا انسحبت قوَّتها بالكامل، ورغم ذلك.
لم تبكِ. لم تصرخ. لم تعاتبه.
فقط نظرت إليه...

نظرة واحدة كانت كفيلة تقول: أنا متّ هنا. خرج صوتها أخيرًا...
مكسورًا، مهزومًا، كأنَّ كلَّ حرفٍ يُنتزع من صدرها انتزاعًا: مبروك، يا ابن عمِّي.
كلمات ماهي سوى كلمات ولكنَّها حملت كلَّ الضياع بها، انكسر قلبان، واحد لأنَّه خان، كما زعمت، والثاني لأنَّه أحبَّ أكثر ممَّا
يجب.

الفصل التالي
بعد 14 ساعة و 08 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة