رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السادس والأربعون
بمنزل كارما.
دلفت ابنة عمَّها كِندة إلى الغرفة دون استئذان، تتفحّصها بنظرةٍ عاتبة قبل أن تقول بنبرةٍ مازحة: كارما قومي دا كلُّه نوم؟
اعتدلت كارما بصعوبة تجمع خصلات شعرها المبعثرة، وهمست بصوتٍ مثقل: الساعة كام دلوقتي؟
واحدة الضهر، إيه هتفضلي نايمة كده؟
زفرت كارما ثم ألقت بجسدها مرَّةً أخرى فوق الوسادة: مرهقة أوي، أنا مانمتش غير الفجر.
ابتسمت كِندة بخبثٍ خفيف: أمم، الفرح كان حلو.
أوي أوي، ماإنتي شوفتي.
بصراحة، من زمان ماحضرناش فرح بالجمال ده.
حمحمت كِندة، ثم تطلَّعت إليها بنظرةٍ متفحِّصة: مش غريبة إنُّهم يبعتوا لينا كارت دعوة؟ وكمان مش الدكتور اللي بعته.
اعتدلت كارما فجأة ونظرت إليها بجديَّة: الدعوة اتبعتت لكلِّ اللي في المستشفى، وبما إنِّي اشتغلت هناك قبل كده طبيعي يوصلني كارت.
أمَّا الدكتور. والله معرفش، حتى هوَّ نفسه قالِّي ماكنتش هبعتلك.
هزَّت كِندة رأسها بقلق، وظهر الاضطراب في عينيها: يمكن علشان مشاكل أسامة، خصوصًا بعد ماخرج من السجن. أنا بقيت مابعرفش أنام، خايفة يعمل حاجة.
نهضت كارما من فوق الفراش، واقتربت منها وربتت على كتفها: متخافيش ياحبيبتي، الفريق الأمني على أعلى مستوى، وبعدين حاسَّة إنِّ السجن هيأدِّبه.
تنهَّدت كِندة بعمق: يارب، نفسي نرجع زي الأول، شوفتي كنَّا إزاي في الفرح؟
ابتسمت كارما ومرَّ شريط الذكريات أمام عينيها، وتذكَّرت رقصها: أوَّل مرَّة أرقص من غير خوف، ومن غير قيود.
أوَّل مرَّة أحسِّ إنِّي عايشة مش بحلم. رغم إنِّ مفيش أي علاقة بينَّا وبينهم، بس بجد اتبسطت أوي، كأنِّي أعرفهم من زمان.
مطَّت كِندة شفتيها بتردُّد: بس معرفش ليه العروسة كانت زعلانة.
يعني مارقصتش زي أي عروسة.
اتَّجهت كارما نحو الحمَّام وهي تقول بهدوء: يمكن كانت مكسوفة عادي.
وبعدين ماتنكريش البنت حلوة أوي، وقمراية.
اقتربت منها كِندة خطوة: حلوة آه ماقولتش حاجة، بس حاسَّة إنِّ في سر.
محسِّتش بفرحتها، وكمان رقصها مع الدكتور لو ركِّزتي، مش هتقولي اتنين بيحبُّوا بعض.
التفتت كارما إليها بسخريةٍ خفيفة: كِندة، إنتي عرفتي الحاجات دي منين، وإيه اللي خلَّاكي تحكمي كده؟
اهدي يا ماما مش كلِّ البنات منفتحين.
البنت كانت مكسوفة وده طبيعي.
يمكن...
المهم، خدي شاور وأنا هخلِّيهم يجهِّزوا الفطار.
ابتسمت كارما أخيرًا: تمام يا قلبي.
بمنزل بلال.
تململت في نومها، ثم فتحت عينيها بصعوبة لتجد نفسها فوق الفراش.
تدفَّقت أحداث الأمس إلى ذاكرتها دفعةً واحدة، فاعتدلت سريعًا تتلفَّت حولها باضطراب.
اتَّجهت بنظرها إلى المكان الذي كانت تجلس فيه.
نهضت بعصبيَّة واتَّجهت إلى الخارج، لتجده غافيًا فوق المقعد لا يزال يرتدي ملابس زفافه.
توقَّفت للحظات تراقب ملامحه الساكنة.
خفَتَ الغضب في عينيها وحلَّت مكانه لمعةٌ دافئة، سعادةٌ مباغتة لبرهةٍ قصيرة، نومه الطفولي أربكها.
اقتربت بخطواتٍ حذرة حتى لا توقظه.
شعر بوجودها، بإيقاع أنفاسها القريبة، لكنَّه تظاهر بالنوم.
انحنت قليلًا تتأمَّل ملامحه الرجوليَّة بنظرةٍ حانية، كأنَّها تحفظ تفاصيل وجهه.
امتدَّت يدها لا إراديًا نحو خدِّه
لكنَّها تراجعت فجأة وكأنَّها لُسعت.
استدارت بسرعة، ودلفت إلى غرفتها، أغلقت الباب خلفها بقوَّةٍ مكتومة.
استندت بظهرها إليه، أنفاسها متسارعة، وصوتها خرج مرتجفًا: - اهدي...
اقنعي نفسك إنُّه بلال ابن عمِّك، وصديقك المقرَّب. مينفعش غير كده.
انسلَّت دمعة ساخنة على خدِّها، وهمست بمرارة: مش ده اللي كنتي بتعيِّبي عليه. دلوقتي هتموتي عليه!
ارتجف جسدها مع المشاهد التي اقتحمت ذاكرتها دون رحمة.
انزلقت ببطء إلى الأرضية وكأنَّ ساقيها خانتاها، بينما الذكريات تضربها بقسوة.
احتضنت رأسها بكلتا يديها تضغط عليه بعنف: كفاية بقى اخرج من دماغي، إنتَ ولا حاجة.
أمَّا بالخارج.
اعتدل بلال فور إغلاقها الباب.
زفر أنفاسه الثقيلة، ومسح على وجهه بكفَّيه يتمتم باستغفارٍ خافت.
نهض بتثاقل، وحرَّك عنقه المتصلِّب من نومه وهو جالس.
دلف إلى المرحاض لدقائق، ثم خرج وقد بدا أكثر يقظة.
توقَّف أمام باب غرفتها، تردَّد للحظة...
ثم رفع يده وطرق الباب.
نهضت من جلستها وفتحت الباب دون أن تنظر إليه، ثم استدارت لتتحرَّك إلى الداخل.
دلف خلفها، راقب وقوفها الصامت، توليه ظهرها بعنادٍ واضح.
حمحم محاولًا كسر الجمود: صباح الخير.
لم ترد، وبقيت كما هي
ابتسم بسخريَّة خفيفة: أمم، إحنا متخاصمين!
طيب ردِّي الصباح على الأقل.
استدارت إليه فجأة، ترمقه بنظرةٍ مشتعلةٍ بالغضب: عايزة أأكد لك حاجة يا دكتور.
آه، أنا عارفة إنِّي غلطت، وغلطتي كبيرة كمان...
بس ده مايدِّيكش الحق إنَّك تعاملني على إنِّي بنت من بنات الليل!
تغيَّرت ملامحه في لحظة، وصاح بخشونة: اخرسي يا بت!
إيه اللي بتقوليه على الصبح ده؟!
انسابت دموعها بغزارة، وأشارت إليه بإصبعٍ مرتجفٍ وغضبٍ حارق: إيه! مش أنا اللي الكلِّ شافني عريانة؟!
وصل إليها بخطوةٍ واحدة، قبض على فكَّيها بقوَّةٍ مؤلمة، حتى شعرت أنَّ عظامها ستتهشَّم: كلمة كمان...
وهندِّمك على اليوم اللي كلِّمتيني فيه.
اقترب بوجهه منها، ونبرته تقطر غضبًا: إنتي عارفة كويس إنِّي مقصدش الكلام الغبي اللي بتقوليه.
بس تنكري إنِّك واحدة غبية ومتخلِّفة. تنكري إنِّي حذَّرتك من غرورك مليون مرَّة؟
استخدمتيني علشان هدفك المتخلِّف. وياما قلتلك اللي إنتي ماشية فيه ده غلط!
ترك فكَّيها بعنف، وصاح: قولتي إيه؟
ردِّي عليَّ!
قولتي إيه؟!
مالكش دعوة، لمَّا آجي أشتكي لك، يبقى اكسر دماغي.
ضحك بمرارة، وأشار بيده حوله: شوفتي وصَّلتينَا لفين.
شوفتي عملتي إيه فينا كلِّنا؟!
بكت بنشيجٍ مرتفع، فتراجع عنها دافعًا إيَّاها، وأكمل حديثه القاسي دون رحمة: فيه حد يأمِّن لواحدة مسجونة!
فيه واحدة عايزة تثبت إنِّ أمَّها ست مش كويسة؟
بس أقول إيه، ماهو لازم الأستاذة تعرَّفني إنَّها شاطرة وذكية!
اقترب خطوة، وانحنى قليلًا يحدِّق في عينيها ببرودٍ قاسٍ: إيه يا أستاذة، صوتك فين؟
روحتي قولتي لأبوكي إيه؟
هروح وأرجع مع بلال يا بابا...
أظنّ ده راجل إنتَ واثق فيه، صح؟
ضحك ضحكةً قصيرة بلا مرح: وطبعًا الراجل ماكانش يقدر يقول لأ...
ماإنتي حطِّيتيني في اللعبة القذرة بتاعتك.
قاطعته بصراخٍ ممزَّق: أنا ماكنتش بلعب ألعاب قذرة!
أنا واحدة اتدَّبحت، انتقام للماضي.
هزَّ رأسه ساخرًا: برضه، لسه هترجعي تعيشي دور الضحيَّة؟!
اقترب أكثر، نبرته أشدّ: طيب يا ستِّ المظلومة. ليه روحتي في الوقت اللي كنت فيه مشغول. ليه ماقولتيليش زي كلِّ مرَّة مع إنِّي محذَّرك، وقولت لك ممنوع تتحرَّكي من غير علمي.
خطا خطوةً أخرى، حتى اختلطت أنفاسهما: أقولِّك ليه...
علشان كنتي متأكدة إنِّي همنعك.
كنتي عايزة تثبتي إنِّك الوحيدة اللي بتفهمي.
ارتعش صوتها، لكن عينيها تماسكتا: بلال، كفاية بقى.
أنا اتعاقبت بما فيه الكفاية.
ضرب صدره بقبضته بعنف، وتحشرج صوته: أنا اللي دفعت تمن أغلاطك يا أستاذة، محدِّش اتعاقب قدِّي.
قالت بوجع: بلال لو سمحت، محدِّش قالَّك تعمل بطل.
طلَّقني وارجع لحياتك.
في لحظة، سحبها من خصلات شعرها وقرَّبها إليه، وهمس بأنفاسٍ كادت تحرقها: لو مكتبتش عليكي كان يوسف هيعملها، ووقتها الكلِّ هيعرف يا غبية، وأنا ماقدرش أشوف حد يبصِّ لك على إنِّك واحدة مش كويسة، غير إنِّ أخوكي هيحسّ بالعار، وأختي بيتها هيدمَّر، محدِّش هيقدر يقول لا، فهمتي أنا عملت كدا ليه؟ ودلوقتي لو سمعت الكلمة دي تاني...
هفصل راسك عن رقبتك.
توقَّف لحظة، ثم أردف بوحشيَّةٍ باردة: أنا اتجوِّزتك علشان العيلة كلَّها، أبوكي مالوش ذنب، مامتك مالهاش ذنب، أخوكي اللي ماصدَّقنا نسي موضوع وكيل النيابة، كلِّ دا كان لازم أعمل راجل زي ماحضرتك قولتي، إنَّما
مش علشانك إنتي.
سنة، سنة وبعدها أشوف هعمل معاكي إيه.
ابتعد خطوة، وحدَّق فيها بحدَّة: - ودلوقتي هقول كلمتين
تحطِّيهم في دماغك، تحفظيهم زي اسمك.
انخفض صوته ولكن قال بنبرةٍ أخطر: أنا جوزك. عارفة يعني إيه الكلمة دي؟
ادخلي اقرأي عن معناها...
مادام إنتي ذكية وحلوة كده.
اقترب مرَّةً أخيرة: غلطة واحدة مش مسموح.
تفكَّري في أي حاجة من غير ماأعرف هنسِّيكي اسمك.
صاحت متحدِّية: لا، ماسمعتش.
وورِّيني بقى هتعمل إيه.
جزَّ على أسنانه، وكوَّر قبضته، والغضب يتفجَّر في عروقه: طيب، هشوف.
استدار فجأةً، وكأنَّ شيئًا لم يكن: أنا جعان وعايز أفطر، ماما جايبة أكل.
ثم التفت إليها بابتسامةٍ جارحة: شوفي هتفطَّريني إيه يا عروسة، ولَّا أقول يا مراتي؟
دفعته بقبضة يدها الصغيرة، إلَّا أنَّه احتجزها بين كفَّيه، وسحبها بقوَّة حتى أصبحت بأحضانه: أنا لسة قايل إيه؟ أنا جوزك، فيه واحدة بنت ناس متربيَّة تمدِّ إيدها على جوزها يوم الصباحيَّة!
ركلته بقوَّة وتراجعت تتنفَّس بصعوبة، فقربه يجعلها تنهار: ماشي يااا. صمتت ثم قالت وهي تغرس عيناها بعينيه: يا جوزي يا حبيبي يا منقذي.
ارتفعت ضحكاته وتراجع للخارج: لا. إنتي كدا خطر، وأنا لسة في عزِّ شبابي.
تنهَّدت بهدوء بعد خروجه، ثم جلست على طرف الفراش تراجع حديثه.
قبضت على مفرش السرير كلَّما تذكَّرت حديثه، استمعت إلى صوته: رولا. إيه هنفطر المغرب؟
تأفَّفت ونهضت من مكانها، توقَّفت للحظات وخرجت، وجدته يؤدِّي فريضته، دلفت للمطبخ تنظر في الأطعمة، شهقت قائلة: ودا هيفطر سي فود وحمام! يخربيتك يا أخي، أنا عارفة عايز تغيظني وبس.
انتفضت على صوته: اتجنِّنتي بتكلِّمي نفسك؟
استدارت تشير إلى الطعام: هتفطر بالأكل دا! أكيد بتهزَّر ياأمَّا طفس؟
اقترب منها يكبح ضحكةً على مظهرها المذهول، وحاوط جسدها بينه وبين الجدار: عريس بقى ولازم يتغذَّى كويس.
ضحكت تدفعه: طب وسَّع يا عم العريس.
أوسَّع، ماتعدِّي أنا ماسك فيكي؟
بلال وسَّع بقى مش جعان؟
تراجع ينظر للطعام، ثم ضحك: والله أمِّي لو عرفت الجوازة فاشوش لترميني من الشبَّاك.
رفعت حاجبها ساخرة: كنت عايز تتجوِّز يا دكتور، مستعجل؟
التقط ثمرة فاكهة: وليه لأ، إيه مش راجل ولَّا إيه؟
وضعت الطبق بصوتٍ مرتفع، حتى فزع ينظر إليها: بالراحة دماغي!
فتحت الثلَّاجة تنظر لمحتواياتها، ثم تأفَّفت: مفيش حاجة بحبَّها هنا.
اقترب منها ووقف خلفها ينظر لمحتويات الثلَّاجة: أمم. مربَّى الأستاذة مابتحبَّهاش، جبنة الأستاذة مابتحبَّهاش، لانشون الأستاذة بتقرف منُّه. انحنى يسحب علبة وقام بفتحها: قشطة، وطبعًا هتقول نو الكوليسترول.
ورغم ذلك تراجع ووضعها على الرخامة.
استدارت إليه: هتاكل قشطة؟
أومأ لها ورفع شرائح الجبن: دول كويسين، يالَّه تعالي.
بس أنا مبحبِّش الحاجات دي.
مش مهم، المهمّ أنا بحبُّهم يبقى لازم تحبِّيهم.
تحرَّكت خلفه: ليه إن شاءلله، هتأكِّلني غصب عنِّي؟
توقَّف فجأةً حتى اصطدمت به، فقال: الله مش جوزك، لازم تتعوِّدي على عوايده.
دفعته بغضب وتحرَّكت إلى طاولة الطعام تضع مابيدها: تصدَّقي السي فود أحسن، إيه رأيك نجرَّبه؟
اقعد كل، قال سي فود.
ضحك وهو يجذب المقعد: يا عيني على عريس من غير فطار العريس.
ليه هوَّ فطار العريس بيكون إيه إن شاءلله؟!
لمَّا أتجوِّز هقولِّك.
سحبت المقعد وجلست بمقابلته تنظر إليه وهو يضع القشطة فوق الخبز ثم قالت: أنا لحدِّ دلوقتي مش مصدَّقة اللي حصل.
رفع عيناه إليها للحظة، ثم نظر لما يفعله: للأسف دا لازم تصدَّقي.
صمتت لفترةٍ قليلة، ثم مدَّ يده وناولها التوست بالقشطة قائلًا: طعمها حلو ومش هتتخني عليها، وبعدين دي ربعاية.
ابتسمت وأخذتها منه: ميرسي، تعرف ماأكلتش من إمبارح الصبح، ورغم كدا مش جعانة.
طيب كلي وأنا هفتح نفسك.
مصدَّق نفسك.
لا. واثق في نفسي.
بلال، إنتَ عمرك حبِّيت؟
رفع رأسه إليها سريعًا، كأنَّ سؤالها اصطدم به دون إنذار. طالعها بصمتٍ موجوع وتعلَّقت عيناه بعينيها لثوانٍ ثقيلة، ثم سحب نظره سريعًا كمن يخشى انكشافه، وعاد يفرد القشطة بعصبيَّةٍ مفتعلة: بتسألي ليه؟
انحنت بجسدها للأمام، وقالت بنبرةٍ حاولت تبدو هادئة رغم ارتعاشها: مش مراتك ومن حقِّي أسأل؟
توقَّفت يده لحظة، شدَّ فكِّه، ثم ابتسم ابتسامةً جانبية باهتة لا تصل لعينيه: ونِعِم الزوجة الصالحة يا أختي.
هتفضل تعاملني لحدِّ إمتى كده؟
أنا آسف، عارف إنِّي اتعصَّبت عليكي، متزعليش منِّي.
انسى، يعني جت عليك إنتَ كمان.
تعرف بابا مخاصمني؟
حقُّه.
عندك حق، المهمّ إنَّك ماجاوبتش على سؤالي.
قطَّب جبينه متسائلًا: عن إيه؟
رفعت رأسها تنظر إليه مباشرة، بنبرةٍ جادَّة هذه المرَّة: والله على فكرة أنا بتكلِّم بجد، عادي اعتبرني زي الأوَّل، فاكر لمَّا كنت بتحكي لي كلِّ حاجة؟
مدَّ يده إلى الخبز وأشار إليها: كُلي ده الأوَّل.
هتحكي؟
توقَّفت يداه في الهواء، نظر إليها بصمتٍ لثوانٍ بدت أطول ممَّا هي عليه، ثم قال: ليه مصرَّة يا رولا، عمرك ماسألتيني قبل كده، مش غريبة؟
تلاعبت بالطعام أمامها وصمتت، ثم هزَّت كتفيها بلا مبالاة مصطنعة.
طيب خلَّصي أكلك، هقوم أعمل قهوة. عارف إنِّك مابتعرفيش تعمليها.
نظرت إلى الطبق، ثم إليه: إنتَ مافطرتش؟
تحرَّك نحو المطبخ وهو يجيب دون أن يلتفت: مابفطرش، بشرب قهوة بس.
وضعت الخبز جانبًا وقالت بهدوءٍ عنيد: وأنا كمان مش عايزة.
التفت إليها فجأة فوجدها قد نهضت من مكانها. استدار بكامل جسده نحوها: إزاي يعني، مش كنتي بتقولي ماأكلتيش؟
كنت، بس دلوقتي ماليش نفس. اعمل قهوتك، وأنا هدخل آخد شاور لحدِّ ماتخلص.
استني عندك.
توقَّفت متأفِّفة، تعرف تلك النبرة، وتعرف مابعدها: نعم؟
أشار إلى الطعام بصرامة: افطري الأوَّل.
رفعت حاجبها بسخريَّة واضحة: اللي هوَّ يعني أنا طفلة وهتأكِّلني غصب عنِّي؟
اقتربت منه خطوة، ونبرتها اختلط فيها العتاب بالاختناق: بلال، أنا عارفة إنَّك ضحِّيت، وعارفة إنَّك دفعت غالي زي مابتقول، بس التحكُّم ده مابحبُّوش.
أنهت جملتها ودلفت إلى الداخل دون أن تنتظر ردًّا.
ركل المقعد بغيظٍ من استفزازها، صدره يعلو ويهبط، ثم دلف إلى المطبخ بعد لحظات.
بمنزل يزن.
جلس الجميع يتناولون الإفطار في جوٍّ من المحبَّة والألفة، ترأَّس يزن طاولة الطعام وبجواره رحيل، وعلى الجانب الآخر آسر، يقابلهما كريم وزوجته إيمان، وابنتاهما التوأم آسيا وسدن.
كانت عينا يزن معلَّقتين بمقعد ابنته الفارغ، شرودٌ لم يغب عن عين كريم، فتنحنح قائلًا: أوَّل يوم هيكون صعب بعد كده هتتعوِّد، وبعدين دي بينك وبينها خطوتين.
ابتسمت إيمان وأضافت وهي تهزُّ رأسها: هوَّ يزن كده، فاكر بعد فرحنا؟ كلِّ ساعة يتِّصل، شوية وهتلاقيه بينطِّ لهم هناك، وبعدها هيتعوِّد.
ارتسمت ابتسامة باهتة على شفتيه، ولمعت عيناه بدموع وجعٍ حاول كتمها: بكرة. هتتعوِّد.
قاطعت رحيل الحديث وهي تلتفت للبنات: إيه يا إيمان، البنات مابياكلوش ليه؟
أجابتها آسيا ببساطة: أنطي رحيل، إحنا مابنفطرش. كابتشينو وخلاص.
عقدت رحيل حاجبيها بحنان: حبيبتي، غلط على الصبح.
ضحكت سدن بخفَّة: عصر السرعة حتى في الكوفي يا أنطي، المهم بقى أنا عايزة أشوف مصر يا بابي، حضرتك وعدتنا.
تراجعت آسيا بظهرها إلى المقعد وقالت بحماس: نوووه. أنا عايزة أشوف
The Egyptian Museum.
نظر كريم إلى ساعته ثم قال: مش النهاردة يا حبيبتي.
ثم اتَّجه بنظره إلى يزن: إيه رأيك، فاضي نروح نشوف الموقع ولَّا إيه؟
التفت يزن إلى رحيل: اتَّصلتي برولا. اطمِّنتي عليها؟
شوية، ممكن تكون نايمة.
تقدَّمت سدن بحماس: خالو، ممكن أروح معاكم؟ بابي قال هنشوف مصر كلَّها.
توقَّف كريم بعد أن أنهى طعامه: حبيبتي النهاردة مشغولين، بكرة أو بعده.
انحنت رحيل نحوها بابتسامة: خلَّصي فطارك، وننزل مع بعض نشوف الحلوين عايزين يشوفوا إيه.
ثم رفعت عينيها إلى نجلها: آسر، هتنزل الشغل؟
رفع عينيه من فوق هاتفه: لا يا ماما، عندي شوية حاجات هعملها من البيت.
تمام يا حبيبي.
ثم التفتت إيمان إلى بناتها: يلَّا، اجهزوا هننزل بعد ساعتين.
أوكيه.
أوكيه مام. قالتها سدن، بينما توقَّفت آسيا تنظر إلى آسر: هيَّ رولا هتيجي هنا النهاردة؟
رفع عينيه وابتسم: مينفعش، عندنا العريس والعروسة مابيخرجوش أوَّل يوم.
أوبس!
جلست سدن بجواره بفضول: آسر، عايزة أركب Boat فاضي؟
نظرت إليها آسيا بملل: أنا هخرج الجاردن، وإنتي شوفي هتعملي إيه...
boat، horse.
قالتها وخرجت، فتابعها بنظرةٍ صامتة، لكنَّه التفت على صوت سدن: مابتردِّش ليه؟
أوكيه يا سدن بالليل، دلوقتي مينفعش. أكون خلَّصت شغل.
أوكيه، خلاص هخرج مع مامي ومامتك.
أومأ لها، فصعدت إلى الأعلى.
بعد فترة.
جلست ممدَّدة بالحديقة تستمع إلى الموسيقى، ترفع خصلاتها بقلمها، وتنظر للقطَّة وهي ترسمها، رفعت كوبها ترتشف منه.
شعر بالإرهاق فنهض من مكانه متَّجهًا إلى النافذة، وقعت عيناه على تلك الجنيَّة الصغيرة، نزعت قلمها تهزُّ رأسها لتتطاير خصلاتها، وانحنت على ألوانها لتغطِّي خصلاتها وجهها، لمعت ابتسامة وهو يرى جمالها، اتَّجه أحدهم إليها: إحنا هنخرج حبيبتي، هتفضلي لوحدك؟
Yes.
حبيبتي نتكلِّم عربي، اتَّفقنا على كدا.
أوكيه، أنا مش هروح معاكم، مبحبِّش الزحمة. أنا هنا مع لافي كاتي. قالتها وهي تحمل قطَّتها.
تمام. مش هنتأخَّر.
أوكيه.
دقائق حتى شعرت بالملل، فنهضت مع ارتفاعها للموسيقى تتراقص
علي أغنية حافية القدمين.
قطع مراقبته لها رنين هاتفه: أيوه يا يوسف.
ماتيجي نروح لبلال شوية، وحشني وعايز أرذِّل عليه.
ضحك وهو مايزال يراقبها تتراقص، ثم رد: تمام، خمس دقايق وهعدِّي عليك، بس مش المفروض نتِّصل الأوِّل؟
لا، زمانهم صحيوا، اجهز يلَّا.
خرجت ضي من الحمَّام على كلماته، منشفتها تلفُّ جسدها وشعرها مايزال رطبًا: إنتَ صحيح هتروح لبلال؟
سحبها إلى أحضانه، دافنًا وجهه في شعرها الندي: نعيمًا يا روحي.
حاوطت خصره وأغمضت عينيها: يوسف، أنا فرحانة أوي.
رفع رأسه، واحتضن وجهها بين كفَّيه: إن شاء الله أيامنا كلَّها تبقى فرح.
ثم أضاف بجديَّة خفيفة: المهمّ هنزل أشوف بلال، مينفعش ماأسألش عنُّه، وأشوف كلِّم رولا ولَّا لأ.
تغيَّرت نبرتها: ليه، هوَّ ناوي يكلِّمها في إيه؟!
في طبيعة علاقتهم.
نزعت المنشفة عن كتفيها. وقالت بنبرةٍ حاسمة: ماتخافش، هيَّ عارفة كلِّ حاجة. قولُّه مالوش لزوم يقولَّها حاجة. بلاش تحسِّسوها إنَّها رخيصة أوي.
تجمَّد للحظة، ثم قال بنبرةٍ معترضة: إيه اللي بتقوليه ده يا ضي؟! مش ده قصدي، أنا قصدي حاجة تانية خالص.
قطَّبت جبينها وتساءلت: مش فاهمة.
اتَّجه إلى الحمَّام دون أن يضيف كلمة.
بمنزل إسحاق الجارحي.
انتفض من فوق فراشه كأنَّ الخبر أيقظه من حلم، وتوقَّف أمام والدته بعينين لا تصدِّقان: يعني، مابتهزَّروش صح، عمُّو إلياس وافق بجد؟!
ضحكت دينا ولمعت عينيها بالفرحة، ونظرت إلى عمران: غنِّيله علشان يصدَّق.
ارتجفت شفتاه وهو يضحك، فاندفع يقبِّل كفَّيها بحرارة: ماما، إنتي أحسن أمِّ في الدنيا، ربِّنا يخلِّيكي ليَّا.
ابتسمت وهي تمسح على رأسه: ألف مبروك يا حبيبي.
وأبوك أوحش أب في الدنيا يا كابتن.
قالها إسحاق الذي دلف للتو.
التفت إلى والده وضحك بصوتٍ خرج من قلبه: عملتها يا إسحاق!
اقترب منه بخطواتٍ سريعة، فضمَّه إسحاق إلى صدره بقوَّة: ألف مبروك يا حبيبي، عمرك ماتشكّ إنَّك عند أبوك أغلى من روحه.
قاطعهم عمران بمزاح: ماخلاص بقى يا إسحاق، إيه جوّ العشق الممنوع ده، أومال هوَّ لمَّا أغلى من روحك. أنا إيه؟
سحبت دينا عمران نحوها واحتضنته: تعال إنتَ يا طويل وأهبل، فرَّحني شوية بدل الدموع دي.
تعالت الضحكات واختلطت بدموع الفرح، حتى امتلأت الغرفة بالدفء. ربت إسحاق على كتف ابنه، وصوته حمل ثقل الأبوَّة: جهِّز نفسك. بالليل نروح نخطبها.
اتَّسعت ابتسامته، وكأنَّه يسمع الجملة لأوَّل مرَّة: اعتبرني جاهز من دلوقتي، أنا مستنِّي اللحظة دي من زمان.
ابتسم إسحاق، وعيناه تبرقان فخرًا: ربِّنا يسعدك يا حبيبي، ويكتب لك اللي يرضي قلبك.
قبَّل كتف والده: ربِّنا مايحرمني منَّك يارب يا بابا.
بمنزل بلال.
وصل يوسف برفقة آسر إلى منزل بلال.
كان الأخير يتسطَّح على فراشه يحدِّق في السقف بشرودٍ ثقيل، كانت مشاهد أمس تتناوب فوق صدره بلا رحمة. قطع شروده رنين الجرس، فنهض على مضض واتَّجه إلى الخارج.
خرجت رولا بملابسها البيتيَّة حتى توقَّف مكانه، عيناه علقتا بها قبل أن ينطق: رايحة فين كده؟
هفتح، ممكن ماما.
قطَّب حاجبيه فورًا: إنتي قولتي ممكن ماما. ادخلي جوَّة لمَّا أشوف مين، وبعد كده ماتخرجيش بالشكل ده وإنتي متعرفيش مين على الباب.
رفعت حاجبيها باستغراب: ماله شكلي يا بلال؟ بيجاما طويلة أهو، وشعري ملموم.
تنفَّس بعمق، يتمتم بنفاد صبر: اللهمَّ طوِّلك يا روح.
تحرَّك ناحية الباب وفتحه، فتوقَّف عاقدًا ذراعيه، ونبرة السخريَّة تسبق ابتسامته: إيه، كنتوا بتحلموا بيَّا؟
دفعه آسر ودلف للداخل بلا تردُّد: وسَّع كده أنا مش جايلك، أنا جاي لأختي اللي بحاول أصدَّق أصلًا إنَّك اتجوِّزتها!
ماإن وصل صوت أخيها لأذنها حتى ركضت نحوه دون تفكير: آسر...
فتح ذراعيه وحملها يلفُّ بها، ضحكته صادقة دافئة: حبيبة قلبي، وحشتيني يا روليتا.
قبَّل وجنتيها ثم قرصها بخفَّة: صباح الجمال على أجمل عروسة. قولي لي، الواد ده عمل حاجة تزعَّلك؟
شهق بلال بتصنُّع: شوف الغبي! بيقول عليَّا واد وأنا أصلاً أكبر منُّه.
قاطعهم دخول يوسف، وهو يُنهي مكالمة هاتفيَّة بالخارج: مبروك يا ببلاوي، بالرفاء والبنين إن شاء الله.
اقترب بلال منه ودفعه بخفَّة محاولًا المزاح، لكنَّ الضيق كان ينهش صدره من وقوف رولا بتلك الملابس الضيِّقة: إنتَ هتستهبل، رفاء وبنين إيه؟
نظر يوسف إلى وقوف آسر، ثم اتَّجه نحوه: رولا عاملة إيه؟
كويسة، وبعدين بلاش تحسِّسني إنِّي كنت بعذِّبها.
ابتسم يوسف بخفوت: بلال، بلاش رولا تعرف موضوع كارما دلوقتي. مهما كانت هتزعل، أي حد هيزعل.
تجمَّد بلال: موضوع إيه! مش فاهم؟
مطَّ يوسف شفتيه ينظر إليه بتقييم، ثم انحنى قليلًا: مش قولت إنَّك بتحبَّها، رجعت في كلامك ولَّا إيه؟
حكَّ بلال رأسه من الخلف بضيق: شوفت بابا عمل إيه. طيِّب الخطوبة وقولت ماشي، ليه يعزمها في الفرح؟
والله، هوَّ عمُّو اللي عزمها؟!
طالعه بشك، ثم تذكَّر شيئًا فجأة: إنتَ اللي عزمتها؟
دفعه يوسف وهو يدخل: هنتكلِّم على الباب؟
ثم التفت بنظره إلى رولا، صوته ألطف: عاملة إيه يا رولا؟
الحمد لله يا يوسف، كويسة، إنتَ عامل إيه. وضي عاملة إيه؟
كويسين، هيَّ هتيجي لك بعد شوية.
قاطعهم صوت بلال بحدَّة خفيفة: مش هتجيبي حاجة للضيوف؟
سحبها آسر وأجلسها بجواره، واضعًا ذراعه حولها بحماية: إحنا مش ضيوف، أنا عايز أقعد معاها، وحشتني.
تأفَّف بلال بتصنُّع: اللي يسمعك يقول غايبة بقالها سنين، دول مش عشر ساعات.
دفنت رولا وجهها في أحضان آسر، تكبح دموعها.
كلُّ ماتمنَّته يحدث، لكن بطعمٍ زائف.
تمنَّت أخاها يأتيها بصباحيَّتها، يتشاجر مع زوجها بهذه الطريقة الطريفة، يملأ البيت ضحكًا وطمأنينة.
لكن الحقيقة كانت أقسى، كلُّ شيءٍ هنا تمثيل، حتى فرحتها.
جلس يوسف وهو يسحب كفَّ بلال: حمزة الجارحي هييجي يطلب إيد شمس النهاردة، هتحضر ولَّا إيه؟
جلس بلال يطالعه بتساؤل: هوَّ عمُّو وافق؟
أومأ يوسف: أيوة، وإن شاء الله هيلبِّسها الدبل، والخطوبة بعد امتحاناتها.
مضت الساعات سريعًا، لا تمرّ، بل تُسحب سحبًا، حتى جاء موعد وصول إسحاق.
دلفت سيارته تشقّ حديقة الكمبوند بوقارٍ يفرض وجوده، كأن المكان نفسه انتبه لضيفٍ ثقيل الحضور. خلفه توقفت سيارة حمزة، ثم عمران، وأخيرًا فاروق الذي قطع المسافة إلى القاهرة خصيصًا، استجابةً لطلب إسحاق لحضور تلك المناسبة التي لا تُفوَّت.
توقفت السيارات تباعًا.
ترجّل إسحاق أولًا، مستقيم القامة، ثابت النظرات، يحمل هيبته كما يحمل اسمه. اتجه نحو دينا التي نزلت بجانبه بابتسامةٍ واثقة، عيناها تتجولان سريعًا على المستقبلين؛ إلياس ويوسف في المقدمة، وبجوارهما أرسلان ويزن، يقفون كصفٍ واحدٍ من الرجولة والحضور.
تحركت دينا بمحاذاة زوجها، خطوتها هادئة، وهيبتهما تسبق وصولهما.
ابتسم إلياس ابتسامة واسعة صافية، وقال بنبرةٍ ودودة تحمل صداقة السنين: الكمبوند نوّر يا إسحاق باشا.
قهقه إسحاق وهو يربّت على كتفه: من قلبك يا إلياس؟
ارتفعت ضحكاتهما، ضحكات رجالٍ يعرفون بعضهم أكثر مما يقولون، لكن عينَي إلياس سرعان ما توقفتا...
تجمدت ابتسامته للحظة، حين وقع بصره على الفارس الذي طلع بهيئته الخاطفة للأنظار، حضوره صامت لكنه صارخ.
أشار إليه وهو يضحك بنبرةٍ ذات معنى: اهلًا اهلًا بفارس الليلة.
انفجر أرسلان ضاحكًا، ولفّ ذراعه حول حمزة بحميميةٍ واضحة: بس يا إلياس، ده هيبقى الغالي، زي ابنك كده عندي دلوقتي.
رفع يوسف حاجبه بمشاكسةٍ بريئة، وقال بجدية طفلٍ يعرف كيف يسرق الضحك: اللي يكذب بيروح النار يا عمو.
تعالت الضحكات، حتى ملأت المكان، واختلطت بالأصوات، حتى بدا الكمبوند وكأنه يحتفل بمناسبة
في تلك اللحظة، خرجت ميرال بجوار فريدة.
حضورهما أضاف للمشهد نعومةً وسط كلمات الرجال. ابتسمت ميرال واتجهت فريدة بنظراتها قائلة: نورتنا يا إسحاق باشا
رد بابتسامةٍ لبقة: مدام فريدة، إنتِ النور والله.
التفتت فريدة نحو فاروق: أهلًا فاروق باشا، منورين آل الشافعي.
أومأ فاروق باحترام: منوّرة بأهلها يا مدام فريدة.
حيّت ميرال دينا بحرارة، ثم تحركت النسوة إلى الداخل، أصواتهن تخفت تدريجيًا، بينما بقي الرجال في الخارج.
توقف إلياس أمام حمزة، نظر إليه بنظرةٍ فاحصة تحمل ما لا يُقال: منور يا كابتن.
ابتسم حمزة بثقةٍ مستفزة وهو يرد: أكيد منوّر، مش شمسي هنا، لازم أنوّر.
جزّ إلياس على أسنانه، كأن الكلمة أصابته في موضعٍ حساس. بينما انفجر أرسلان ضاحكًا، وسحب حمزة للداخل قبل أن تتصاعد الشرارة.
استدار إلياس للدخول، لكن توقف حين لمح يزن يتحرك بجوار طارق، بعدما استقبل آل الجارحي
في حاجة؟
تنحنح يزن: لا، طارق جاله تليفون، اعذره لازم يمشي.
اقترب إلياس خطوة، ونبرته تغيرت، صارت أكثر جدية: مالك يا طارق؟ في حاجة؟
خفض طارق صوته، وعيناه تحملان ثِقَلًا غامضًا:
طارق همس بصوتٍ منخفض
موضوع، هنتكلم فيه بعدين.
تغيرت ملامح إلياس، وارتفع حاجباه متسائلًا: يعني إيه؟ فيه حاجة حصلت يعني؟
ابتسم طارق بابتسامة نصفها مزاح ونصفها تحذير: اهتم بضيوفك يا إلياس، ونتكلم بعدين. ياله، مبروك لشمس مقدمًا.
رد إلياس بليونة، لكنه لا يخفى عليه القلق: الله يبارك فيك. لو احتجت أي حاجة، عرفني.
أومأ برأسه، ثم غادر المكان سريعًا
دقق إلياس نظره نحو يزن، لا يستطيع إخفاء انزعاجه: ماله طارق؟ ما ينفعش يمشي في مناسبة زي دي، ناسي إنه خال العروسة. لازم يكون موجود.
هز يزن رأسه بهدوء: إلياس، متحكمش على ظروفه، مادام متعرفش...
قالها بوصول مالك وغادة، بابتسامة ودفء: عامل إيه حبيبي؟
ابتسم إلياس، وعيناه تتلألأ بالمحبة: إزيك يا دودّي، ليه متجيش بيت أخوكي غير في مناسبة
تنحنح مالك، وهو يرفع الصغيرة بين ذراعيه بحذر وحنان: معلش يا إلياس، فريدة بقالها كام يوم تعبانة ودايخين بيها.
ضم إلياس الصغيرة إلى صدره بحنية: ألف سلامة على حبيبة خالو.
التفت إلياس إلى مالك بنظرة قلقة: مالها؟
أجاب مالك بجدية: مش عارفين بالظبط، كل دكتور بموضوع. حرارة دايمًا وعياط.
قبل الصغيرة برقة، وتحرك بها إلى الداخل، بجوارهم: لا، الحرارة ما تسكتش عليها. المهم، الدكتور قال إيه؟
ردت غادة بحذر: عملنا تحاليل ولسه النتيجة.
ابتسم إلياس بتفاؤل: إن شاء الله خير يا حبيبتي، ماما جوا، ادخلي.
ثم التفت بنظره إلى مالك، غير مصدق: - إزاي معرفش تعب البنت؟
أجاب مالك، بصوت خافت لكنه واضح: انت ناسي امبارح كان فرح بلال، وانشغلنا بيه. المهم، فيه حاجة ولا إيه.
كلمهم يشوفوا إيه حكاية طارق، حاسس إنه فيه حاجة مخبيه.
هز مالك رأسه موافقًا: تمام، الضيوف يمشوا وأشوف الموضوع.
بعد فترة، جلس إسحاق، ينظر إليهم جميعًا بنظراتٍ عميقة، تحمل مزيج الهيبة والدفء: إحنا مش جايين نخطب يا إلياس، لأن المرحلة دي عديناها. وبما إنك موافق، إن شاء الله النهاردة نلبس الدبل. وبعد الامتحانات، نعمل خطوبة مع كتب الكتاب.
ارتسمت الابتسامات على وجوه الجميع، لكن في الأعين بريق الترقب، وكأن كل لحظة تحمل وعدًا بسعادة أكبر، الى ان قال الياس.
آسف يا إسحاق باشا، الموضوع هيكون مجرد خطوبة بس، أما كتب الكتاب فهو قبل الفرح.
هب حمزة من مكانه، مستغرب: إزاي يعني خطوبة بس؟ مش المفروض كتب الكتاب في الخطوبة؟
غيرت القوانين، يا بن إسحاق.
رفع حاجبه متعجب: براحتك، لازم قراراتك تتحترم؟ ده مش واضح، يا الياس!
نهض الياس بحزم، صوته صار أشد: بما إن قراراتي تتحترم، المقابلة يوم الجمعة الساعة 8 للساعة 10. ممنوع الخروج مع بعضكم لوحدكم، وتقعدوا معاها قدامنا.
ابتسم حمزة بحيرة: طيب ينفع أجيب أكلي معايا ولا هتأكلونا؟
ارتفعت ضحكات الجميع، لكنه نظر لوالده بعينين صارختين: دي خطوبة ولا نظام تفتيش؟
أومأ له إسحاق ليهدأ، بصوت متوتر: إيه اللي بتقوله دا يا الياس؟
آسف يا إسحاق، اللي أوله شرط وآخره نور! أنا قلت بلاش الخطوبة دلوقتي، لكن حضرتك أصريت! بنتي لسة قدامها أربع سنين، ومتنساش ابنك مستعجل. مش عايز نتسرع، أعمل إيه لو اختلفوا بعد كده؟ بنتي تبقى مطلقة وهي لسة صغيرة!
قطب إسحاق حاجبه بغضب: إيه الكلام دا؟ إحنا مش جايين نختطف حد!
جيتكم على راسي من فوق، يا فاروق باشا، بس من حقي أشوف مصلحة بنتي فين! دا مايزعلش!
قطع الحديث أرسلان بحدة: استهدوا بالله يا جماعة! ونقرأ الفاتحة، وربنا يسهل الأمور.
غمز إلى حمزة، صوته مشدود: اقرأ الفاتحة بضمير، يا كابتن.
نظر حمزة إلى الياس بعينين محتقنتين: حضرتك لو مش واثق يبقى بلاش الموضوع دلوقتي...
رد الياس، صوته صار مرتفعًا ومشحونًا بالغضب والقلق: أنا لو مش واثق فيك، مكناش قعدتك معايا! والدك يعرف دا كويس! بنتي أغلى حاجة في حياتي، وشوفت كتير في حياتي، يا بني! بلاش نتعب بعض. شرطي واضح: مفيش جواز غير لما تخلص تعليمها. ممكن نشوف كتب الكتاب بعد سنة، دلوقتي، اعذرني، هيكون صعب!
رفع فاروق يديه، محاولًا تهدئة الجو: خلاص يا الياس، حقك ومنقدرش نراجعك...
أرسلان أنهى الجو بنبرة صارمة: اقرأوا الفاتحة يا جماعة! وإن شاء الله ربنا يسعدهم.
طيب حفلة الخطوبة ايه رأيك نعملها يوم الجمعة
معنديش مانع
طيب ياعمو، بعد إذن بابا وعمو طبعًا، بما اننا قرأنا الفاتحة، البسها الدبلة، وإن شاء نعمل الخطوبة في موعدها، المهم بيبقى بينا رابط
صمت الياس والتفت الى ارسلان الذي اومأ له، ربت يزن على ساق إلياس
فرحهم بقى ياالياس، وعلشان خاطر حمزة وافق
دا علشان خاطره بالذات مش موافق
انا معرفش حضرتك بتعاملني كأني عدوك ليه
قاطعه اسحاق.
لانك هتاخد الاغلى على قلبه وتحرمه
ربنا يحفظهم ياالياس، ياله نفرح الولاد الخطوبة يوم الجمعة، لكن النهارده ماتكسرش بخاطرهم
لا طبعا وانا مارضنيش. انا بهزر وهو عارف
التفت اليه
انت غالي عندي اوي، وربنا اعلم انك زي ولاد العيلة
طيب فين العروسة، ولا مش ناوي اشوفها
اتجه ليوسف
هات اختك حبيبي وخلي الكل يحضر.
بالاعلى
كانت تدور بالغرفة. ذهابا وايابا
ياترى عملوا ايه تحت
يابنتي دوختيني اقعدي ربنا يهديكي
تفتكري بابا هيتخانق معاه ياضي
بقولك ايه، انا صعدت.
قاطعهم طرقات على الباب ثم دخول يوسف. توقف لدى الباب يعقد ذراعيه
دون ردة فعل. اقتربت منه ضي ظنا ان صار شيئا
ايه اللي حصل.
اقترب من اخته، ومشاهد سريعة من الماضي، وهو يراها لاول مرة تتشبث بملابس والدته، ثم اقترابها منه، حتى اصبحت انفاسه، براىتها عفويتها، طفولتها، ظل يتعمق بالنظر اليها بصمت
يوسف مالك، هو ايه اللي حصل
احتضن وجهها وامال يطبع قبلة مطولة على جبينها
تعرفي انك اغلى من يوسف نفسه
انسلت دمعة غائرة على خديها، ازالها سريعا فقالت
وانت اخويا حبيبي، وحياتي وقوتي وكل حاجة في دنيتي
ضمها بحنان، وفرت دمعة.
طيب انا بعيط ليه، دا لسة خطوبة، اومال لما تتجوزي، هعمل ايه
اقتربت ضي بعد تأثرها بمشهدهما، تعلم كم عانى الاثنين، دفعت شمس بمزاح
وسعي ياختي، هتاخدي الراجل اللي طلعت بيه بالدنيا، روحي شوفي الكابتن بتاعك وسبيلي دكتوري القمر
ابتسم يوسف بحنان وقبل جبينها
اجهزوا، علشان هتنزل هيلبسوا الدبل
النهارده، قالتها ضي بذهول
ايوة. الكابتن حالف مش هيروح غير لما تلبس دبلته.
لمعت عيناها بالسعادة. تحرك يوسف للخارج، ركضت خلفه ضي
كلم طيب بلال، خليه يجيب رولا ويجي، بما انهم مخروجش
اومأ وتحرك للاسفل، بينما هي استدارت الى شمس
ياله بقى، نكمل لبس، مكناش مهتمين، لكن دلوقتي هنشوف الكابتن الحبيب
ضي انا سعيدة اوي، وخايفة فرحتي دي تتسرق، مش عايزة حاجة تحصل تسرق مني فرحتي
احتضنت ضي وجهها
إن شاءلله حبيبتي كله هيكون تمام، طول مافيه حد بيبحبك زي حمزة، ماتخافيش
انا بحبه اوي ياضي.
ضمتها بحنان. بدخول ميرال
ياله حبيبتي. البسي حجابك، وانزلي بابا عايزك.
بعد فترة، نزلت درجات السلم وقلبها ينتفض كأنه يريد الخروج من صدرها، فرفعت كل العيون صوبها، فتعثرت خطواتها للحظة، كما لو أن الأرض اختفت تحت قدميها. نهض يوسف بسرعة واقترب منها، بسط كفيه مبتسمًا، صوته دافئ: أحلى عروسة دي ولا إيه؟
تعلقت ضي بذراعه بشقاوة، عيناها تلمعان بالمرح والفتنة: لاحظ إنّي بغير، ومن أول الليلة وانت لسانك طويل. افتكر بس كلامك.
غمز لها بمرح، ثم تحرك للداخل وهو يهمس بالقرب من أذنها: فاكر كل كلمة، بس يا رب انتي ما تنسيش.
تسارعت دقات قلبها، وابتسمت بخجل ممزوج بالشوق، كأن كل الهمسات الصغيرة تحرق داخلها نيرانًا لطيفة.
بمنزل بلال
كانت تقف بشرفة غرفتها تنظر الى القمر الذي انار السماء، دلف للداخل ينادي عليها
يوسف اتصل وبيقول شمس هتلبس الدبلة، لو عايزة تروحي
تحركت متجهة اليه
اه. زهقت، لو ينفع نروح شوية
اومأ لها واستدار
طيب اجهزي، وانا كمان هجهز
بلال، توقف ولم يستدير. اقتربت منه
ممكن نخرج أي مكان بعد الخطوبة، عايزة اشم شوية هوا، حاسة اني بتخنق
التفت اليها سريعًا ونظر لعيناها الحزينة
لو عايزة ننزل شرم ولا اي مكان براحتك.
لا. بس عايزة اخرج، مش متعودة على الحبسة دي
زم شفتيه بسخرية واستدار
حبسة، طيب يارولا. اجهزي.
بعد فترة، اجتمعت الفتيات بمنزل إلياس ليصنعن جوًّا من البهجة، فور علمهن بالخطوبة.
توقفت ببراءتها بجوار والدها ووالدتها، كأنها ما زالت تحاول استيعاب ما يحدث.
ضمتها دينا بحنان، وابتسامة الفرح تملأ ملامحها: الحلوة دي هتكون مرات ابني.
توردت وجنتاها، وراحت تفرك كفيها بخجل طفولي.
حاوط أرسلان كتفها بفخر: دي نوّارة عيلة الشافعي يا مدام دينا، خلي بالكم، انتوا كده أخدتوا الشمس كلها.
كان يتطلع إليها باشتياق يحرقه؛ رغم أن ساعات فقط فصلته عن رؤيتها، إلا أنه شعر كأنها أعوام كاملة.
أخرج علبة المجوهرات واقترب منها، لكن إلياس توقف بينهما فجأة: رايح فين؟
إيه؟ هلبّس عروستي الدبلة.
سحب إلياس العلبة من يده بحزم أبوي: لا يا حبيبي، أنا اللي هلبسها. ارجع مكانك، طول ما فيش كتب كتاب، ما تلمسهاش.
إيه ده بقى؟ إحنا هنلعب؟
ولد! احترم نفسك، لو مش عاجبك، روح.
التفت أرسلان لوالده الذي علت ضحكاته: فرحان أوي كده؟ على فكرة ده ظلم!
ربتت فريدة على كتفه بحنان: خلاص هانت، انت كنت فين وبقيت فين. ربنا يسعدكم يا حبيبي.
اللهم آمين يا رب العالمين.
رددها الجميع.
اقترب يوسف من والده: خليه يلبسها الدبلة يا بابا، علشان خاطري، بلاش تكسر فرحته.
نظر إليه إلياس متفحصًا: ومن إمتى وانت عاطفي كده يا أخويا؟ هي بنت أرسلان لعبت في عدّاد العقل؟
ابتسم يوسف وهو يوزع نظره على الجميع حتى لا يلفت الانتباه: بلاش نتكلم في الموضوع ده يا حج، خلّي العريس يلبّس عروسته قدامك، بدل ما يعمل حاجة من وراك.
اخرس يا له، جيل مهبّب.
نظر إلياس إلى حمزة، ثم قال: تعالى لبّس الدبلة، وافتكر إن ده واجب.
اقترب منه أرسلان مبتسمًا: المهم الواجب يتحل بضمير يا عمو إلياس.
توقف أمامها، يتأمل جمالها البريء بعينين عاشقتين، والجميع يراقبهما بسعادة.
إيدِك يا شمس.
تمتم بها يوسف وهو يشير إليها أن ترفع كفيها.
أمسك يدها المرتجفة، وابتسم، ودقات قلبه تقرع صدره كالطبول. وضع الدبلة في إصبعها، فسحبت يدها سريعًا بخجل.
رفع دبلته إليها على الفور، منقذًا إياها من إحراجها: هلبسها أنا، علشان عمو إلياس ما يعدّهاش عليّ جمايل.
ربت إلياس على كتفه ثم ضمه بقوة: ألف مبروك، ربنا يسعدكم يا رب.
اتجه أرسلان إلى والده الذي احتضنه بحب أبوي عميق: حبيبي، مبروك، وعقبال الليلة الكبيرة.
أيوه يا حج، وحياتك تدعي لي الأيام تعدي هوى.
ضحك الجميع.
كده مبروك للعروسين.
بالخارج، توقف بلال أمام باب المنزل، ثم مد يده إلى رولا: إحنا عرسان، مينفعش كل واحد يدخل لوحده كده.
أمسكت يده، وارتعشت للمرة الأولى من دفء كفه. رفعت رأسها تنظر إلى قربه، تهمس داخلها بدهشة: معقول الشخص ده، يعمل فيّا كده؟
رمقها بطرف عينه مبتسمًا: إيه مالِك؟
مفيش...
رفعت عينيها إليه، ثم قالت بهدوء موجع: بلال، لو ما حصلش اللي حصل ده، كان ممكن يبقى بينا ارتباط.
اشتعلت نيران في صدره، نار حارقة لم يعرف لها تفسيرًا، فخطا للأمام دون أن يجيبها.
رولا، خلي بالك من تصرفاتك لو سمحتي، مش عايز حد يشك في حاجة.
حاضر...
توقفت كلماتها مع دخول سدن وآسيا.
الله! العروسة جت!
قالتها سدن وهي تركض إليها بشقاوة.
ضمتها رولا بحب: حمد الله على السلامة، ما عرفتش أتكلم معاكم يوم الفرح.
قرصت سدن وجنتيها: مش مهم.
وصلت آسيا إليهم، ونظرت إلى بلال بابتسامة هادئة: مبروك يا عريس.
الله يبارك فيكي، ممكن ندخل بس؟ علشان وقفتنا كده مش حلوة.
خطت رولا بجواره، ومع اقتراب الجمع احتضنت ذراعه، وارتسمت على وجهها ابتسامة لامعة، كأنها عروس في ليلة زفافها.
رفع بلال صوته بإلقاء تحية المساء، فالتفتت الرؤوس إليهما.
ينفع يعني تخطبوا لعروستي وأنا مش موجود؟
ضغطت شمس على شفتيها بخجل. ابتسم حمزة مقتربًا، ثم جذبها لتقف جواره: عمو إلياس، مش المفروض يطلبوها مني الأول؟
ارتفعت الضحكات، ودفنت شمس رأسها في كتفه بعدما شعرت بكل الأنظار عليها.
أما حمزة، فتسللت الغيرة إلى داخله رغم ابتسامته: ده إيه بقى إن شاء الله؟
رفع إلياس نظره إلى ضي: خدي بنت عمك يا حبيبتي واطلعوا فوق.
جلس يزن يراقب ابنته بنظرة أبٍ اشتاق لفلذة كبده، وعندما وقعت عيناه على تشابك كفي بلال ورولا، همس بدعاء صامت: يا رب قرّب بينهم، واجعل بينهم الألفة والمحبة.
اقتربت رحيل من ابنتها، واحتضنتها محاولة إخفاء دموعها، بعدما شعرت أن فرحتها بابنتها تُسرق منها في صمت.
بعد فترة، اجتمعت الفتيات في إحدى الغرف، وارتفع صوت الموسيقى، وبدأت الضحكات والرقص.
أنا مش مصدقة إني اتخطبت لحمزة!
قالتها شمس بفرح طفولي.
لكزتها ضي ضاحكة: مالك يا بت؟ اهدي يا عبيطة، متبقيش مدلوقة! اتعلمي من أبوكي ولا من أخوكي البارد شوية.
ضحكت رولا على كلماتها، ثم اتجهت الأنظار إلى شمس التي كانت تتراقص فوق المنضدة.
رفعت ضي حاجبها بدهشة: أموت وأعرف البت دي اتعلمت الرقص فين! أنا جنبها صفر على الشمال.
نهضت رولا واقتربت منها، قرصت وجنتيها بمشاكسة: لا ده إحنا كنا خاربينها كل أجازة، رقص وبس.
لا والله؟ ده احنا ما كناش عايشين معاكي!
ثم التفتت إلى شمس: إيه رأيك نشوف إمكانيات مرات أخويا؟
علم يا معلمي!
ضحكن جميعًا، وقامت رولا بلف شال خفيف حول خصرها، وسط تصفيق وصافرات تشجيع.
يلا يا لوسي، وحشني رقصك!
بدأت تتمايل مع الموسيقى، وتعالت الضحكات أكثر.
بالخارج، استمع يوسف لضحكات ضي المرتفعة، فاتجه إلى والدته: ادخلي لها لمّي نفسها، البيت كله سامع صوتها.
مراتك غلاباوية، وأنا خلقي ضيق ادخلها انت، مفيش غير بنات العيلة.
لا، ما ينفعش شكلهم بيرقصوا.
لكن الضحكات ارتفعت أكثر، فجزّ على أسنانه، خاصة مع وصول بلال الذي توقف متسائلًا: هو فيه إيه؟
فيه إن أختك هطلّقها الليلة، قليلة الرباية دي.
قالها وتحرك للداخل بخطوات غاضبة.
دلف بلال خلفه على وقع أصوات ضحكات البنات المبهجة: الله يا لوسي! إيه ده يا بت؟ أنا نويت أشغّلك في شارع محمد علي!
توقف يوسف بعينين متسعتين، بينما استدار بلال ينظر إليه بصدمة: لوسي وشارع محمد علي؟
هزّ رأسه ساخرًا: ونِعم التربية والله!
سحب يوسف من جاكيته ودلف للداخل بحزم: وأنا هلمّ النقطة.
ارتجف جسدها فجأة، لم تشعر سوى بدوار يلاحقها، لترنّ خطواتها وتهوي من فوق المنضدة، لكن ذراعيه كانتا أسرع.
وقعت بين أحضانه مغمضة العينين، أنفاسها متلاحقة.
ينفع كده؟ إيه اللي إنتِ عملاه ده؟
قالها بحدّة وهو يثبتها.
بلال، إحنا في أوضة ومقفولين على نفسنا.
ضي مالكيش دعوة، هي ليها لسان وتعرف ترد.
ثم عاد إليها بنبرة أشد: إيه لزوم تطلعي فوق وترقصي بالطريقة دي؟ يعني مش هتعرفي تفرحي غير كده؟
بلال، ممكن تهدى شوية؟
ضي، يلا، أنا مروح، قالها يوسف، ثم تلفّت حوله بضيق: ولا لسه فيه عروض؟ إيه الصوت العالي ده؟ مش عارفين إن فيه رجالة بره؟
يوسف، إحنا كنا بنفرّح شمس.
تفرّحي شمس بالضحك بالشكل ده؟ إيه، مفيش احترام ولا أدب خالص؟
قالها وتحرك للخارج دون أن ينتظر ردًا.
ابتعدت رولا عن أحضانه ببطء، غادرت الغرفة بصمت، وكأن الكلمات خذلتها.
إيه ده كله؟ علشان رقصنا؟ نوو، ده خنقة أوي!
قالتها سدن وهي تجمع خصلاتها وتنظر لأختها: شوفتي المصريين!
جلست ضي على الفراش بحزن، ملامحها منطفئة.
اقتربت منها ضي، جلست جوارها، ومررت يدها على خصلاتها بحنان: حبيبتي، افرحي، مالكيش دعوة بيهم.
تنهدت: أخوكي وانتي عرفاه أكتر مني، الجو هيعصف لو عدّى ليلة من غير خناقة
بمنزل بلال
دلف للداخل. يدور كالوحش الثائر، كلما تذكر هيئتها بتلك الطريقة، دلفت خلفه بصمت، ثم تحركت الى غرفتها. ولكن اوقفها صوته الغاضب.
ينفع اللي حصل دا، ايه اللي انا شوفته دا
استدارت اليه سريعًا
وانت مالك. هنا مفيش مسرحية، خلاص الاداء كان ممتاز، اولًا انا برقص في بيت عمي في اوضة بنته في مناسبة، ماوقفتش في فرح قدام الكل وترقصت والكل بيبص علي، حتى ماليش علاقة بالفرح
انتي تقصدي ايه، كنتي عايزة ترقصي في فرح كمان
اقتربت حتى اختلطت انفاسهما تنظر الى عيناه بقوة
اه. هرقص في الفرح، هتعمل ايه، ماهو فرح والكل بيرقص فيه.
لم يشعر بنفسه، سوى وهو يسحب خصلاتها من فوق حجابها
اقسم برب العزة اعمليها وأنا ادفنك، ومش هنسى منظرك النهاردة قدام يوسف
سيب شعري يابلال، مالكش دعوة، وبعدين يوسف مش غريب، ماانت شوفتني
دفعها بقوة صارخة فاقدًا اعصابه بالكامل، وتحرك الى غرفته، ورغم ذلك صرخت
انت زيك زي يوسف سمعتني
دار بالداخل وانفاسه كادت ان تخنقه، يهز رأسه بعنف
ماشي يارولا. والله لأندمك على كل اللي عملتيه اصبري علي.
بعد شهر...
كان يجلس بالخارج يعمل على جهازه، بملامح جامدة، ذهنه بما قالته واتهمته به قبل دلوفها الحمام
قاطعه رنين هاتفه، سحبه سريعًا، وبمجرد أن رأى الاسم ابتسم دون وعي: أيوه يا حبيبتي.
لم يأته رد، فقط بكاء مكتوم اخترق أذنه.
توقف جسده كله، ونبرته تغيّرت: مالك في إيه؟
تعبانة أوي...
قالتها بين شهقات متقطعة: حاسّة إن حياتي بتتسرق مني.
طيب، طيب، اهدي شوية.
تنفّس بعمق: إيه رأيك نخرج نتعشّى برّه؟ نقعد ونتكلم، انا كمان مخنوق
جلست على الأرضية الباردة، تنظر حولها بضياع، وكأن الجدران تقترب منها.
بلال، مش قادرة أتنفّس.
توقف عن الحديث فجأة حين استمع إلى صوت ارتطامٍ قوي بالداخل
اعتدل في جلسته، وقلبه قفز من مكانه: وهمس دون وعي
رولا.
أدار الهاتف جانبًا وقال بصوت حاول أن يبدو ثابتًا: طيب، ربع ساعة وهعدّي عليكي.
ثم أضاف سريعًا كي ينهي المكالمة: جهّزي نفسك، هعدي عليكي
أغلق الهاتف واتجه مباشرة نحو باب الحمّام، طرق عليه بخفة أولًا: رولا انتي كويسة؟
لا إجابة.
بالداخل كانت تبكي. فقد انزلقت قدمها وسقطت بقوة على الأرضية، جسدها ارتطم بحافة البانيو، ولم يكن يس ترها شيء. حاولت النهوض، لكن الألم ش قّها نصفين، ومع الحركة اندف عت الدماء بغزارة.
زحفت على الأرض تبكي بشهقات مكتومة، وضعت كفّيها على فمها كي لا يصل صوتها إليه.
مدّت يدها نحو صندوق الإسعافات الأولية زحفًا، لكن ركبتيها المفتوحتين ازداد نز يفهما، والدوار اشتد حتى غامت رؤيتها.
بالخارج، طرق الباب بقوة أكبر: ردّي عليّ! طمّنيني، انتي كويسة؟
لم تستطع الرد.
كل ما خرج منها أنين مكسور، تحاول ابتلاعه.
هنا، وصل الجنون ذروته.
تجمّد في مكانه لحظة، ثم فقد عقله حين التقط أذنه ذلك الأنين المكتوم.
دفع الباب بقدمه مرة، واثنتين، ومع كل دفعة كان بكاؤها يعلو رغم محاولاتها كتمه.
رولا!
انفتح الباب أخيرًا على مصراعيه.
اندفع للداخل، يبحث عنها بجنون، خرج اسمه من عينيها قبل شفتيها.
ليتوقف وتسمّر في مكانه، وأنفاسه انحبست، وعيناه اتسعتا بذعرٍ صامت...
وهو يراها ممددة على الأرض، شاحبة، وجسدها يرتجف، والد ماء تلطّخ البلاط من تحتها.
رولا، نطق اسمها بقلبًا منتفض
ليخرج اسمها منه كأنّه صلاة، كأنّه استغاثة، وهو يشعر بانهيار عالمه في ثانية من الد. ماء التي يراها تحتها، ليفقد عقله بالكامل...