رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السابع والستون
عند رولا وقفت أمام غرفته
ترددت لثواني، ثم طرقت الباب.
ادخل.
دخلت تبحث عنه بعينيها، فخرج من غرفة الملابس
توقف كلاهما للحظة صمت مشحون ونظرت بكل ما لم يُقال
اقتربت خطوة، وصوتها خرج مترددًا: فيه موضوع عايزة أتكلم معاك فيه.
رد بهدوء جاف: سامعك.
تاهت عيناها في أرجاء الغرفة، تهرب من نظرته وثقلت الكلمات على شفتيها.
مش بتقولي عايزة تتكلمي؟
تنفست بعمق، ثم نظرت إليه أخيرًا: تيجي معايا مشوار مهم؟
قطب جبينه: مشوار إيه؟
ابتلعت ريقها، وقالت بصوت منخفض: نروح للدكتورة، عايزة تتأكد إني منزلتش البيبي. اقتربت منه تنظر إليه برجاء فاض من عينيها
بلال.
ابتعد عنها فجأة، وجلس يمسح وجهه بعنف، يزفر وكأن أنفاسه تضيق به. شعر بفقدان السيطرة على مشاعره، وخاصة نظرة الألم بعينيها، هنا لم يتمنى البقاء معها ولا يملك القدرة على الابتعاد.
اشتياقه كان أقسى من أي مواجهة.
اقتربت منه ببطء اكثر جلست أمامه، ووضعت كفيها على ساقيه، كأنها ترجوه دون كلمات: بلال
رفع عينيه لها أخيرًا، فهمست، بنبرة تحمل رجاء واعتذار معًا: ابعد عن طليق كارما إحنا مالناش دعوة بالناس دي.
طالعها بصمت للحظة، ثم قال بنبرة حادة وهو يثبت عينيه عليها: طليق كارما؟ إيه اللي عرفك بيه؟
ارتبكت رولا، ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن ترد: حد كلمني، قال عايز يقابلني في حاجة تخصك
سكتت لحظة، ثم أكملت بصوت أوطى: وقابلني، وكان عايز يتفق معايا ننتقم منك ونضغط عليك بقضايا علشان تطلق كارما.
اتسعت عينا بلال بصدمة، لتتحول نظراته لغضب عارم: قابلتي راجل غريب يا رولا؟!
هزت رأسها بسرعة، محاولة تبرير موقفها: مكنتش أعرف أنا بس كنت عايزة أفهم مين ده، وإيه اللي معاه يخصك.
هبّ من مكانه كأن شيئًا لسعه، يدور حول نفسه بعصبية، أنفاسه تتسارع كوحش محبوس: هتفضلي لحد إمتى بتمشي ورا دماغك؟! هتفضلي متهورة كده؟! إنتي مبتتعلميش؟!
توقف فجأة، ونظر لها، لكن هذه المرة لم يكن الغضب وحده في عينيه كان هناك خوف.
اقترب خطوة، واردف بصوت منخفض لكنه صار أخطر: افرض عمل فيكي حاجة، إنتي متخيلة كان ممكن يعمل فيكي إيه؟!
اشتعلت نيرانه فجأة، ليقبض على ذراعها بعنف، وكأن الفكرة نفسها تقتله: إنتي إزاي مش خايفة على نفسك؟!
اختنق صوته وهو يكمل: طيب مخفتيش لو جرالك حاجة أنا ممكن أموت فيها؟!
لم تحتمل كلماته، انفجرت باكية، وبدون تفكير ألقت نفسها في حضنه، تتشبث به كأنها تغرق: بعد الشر عليك متقولش كده.
شهقت بين دموعها: بلال؛ أنا كمان هموت لو حصلك حاجة
أغمض عينيه بقوة، كان يقاوم يقاوم بشراسة. لكنه خسر.
التفت ذراعاه حولها ببطء، ثم شدها إليه، يضمها لصدره و اغمض عينيه بانتشاء، كأنه يحاول أن يثبت لنفسه أنها بين يده، فلقد كان اشتياقه أقوى من عقله، أقوى من كبريائه.
ولا يختلف الأمر لديها، وخاصة وهي تشعر بدقات قلبه العنيفة تحت رأسها، ليثور القلب لديهما تهمس اسمه بهمس قاتل، ليقضي على تماسكه، وتتحرك انامله بعبث على جسدها، لكن اللحظة لم تكتمل
دلفت غرام إلى الغرفة وهي تحمل فنجان القهوة، توقفت مكانها، والمشهد أمامها كفيل بإشعال كل شيء.
حمحم بلال سريعًا، مبتعدًا عنها، كأنه أُمسك متلبسًا بشيء.
رمقت غرام رولا بنظرة حادة، ثم قالت بتهكم لاذع: كان ليه من الأول وجع القلب يا بنت يزن؟ كان لازم نقل أدبنا على الكل؟
رفعت رولا رأسها، رغم ارتباكها: أنا قليلة أدب يا طنط غرام؟
ضحكت غرام بسخرية: وأكتر يا حبيبتي وبعدين نسيتوا إنكم مطلقين؟ إيه اللي بتعمليه هنا؟
تنفست رولا بعمق، تحاول التماسك: متفهميش غلط أنا جاية لبلال في موضوع واللي شوفتيه ده بسبب حالة ضي.
رفعت غرام حاجبها بسخرية لاذعة: حالة ضي؟ آه طبعًا.
اشتعلت رولا قليلًا: حضرتك بتتريقي، هو حضرتك دخلتي لقيتينا في حضن بعض!
صفقت غرام بكفيها بتهكم: لا يا حبيبتي لقيتكوا بتسمعوا لبعض سورة البقرة!
ثم نظرت لبلال بحدة: اشرب القهوة يا ابن غرام قبل ما تبرد، واسمع كويس، واقفل الباب كويس كمان علشان صدى الصوت ما يطلعش الشيطان لباقي الأوض.
ثم عادت تنظر لرولا: أجيب لك بيجامة؟ لو حبيتي تريحي شوية؟
كتم بلال ضحكة كادت تفلت منه
فالتفتت له رولا بنظرة حادة.
عجبك تريقة مامتك؟ أنا غلطانة إني جيت أساسًا.
قالتها واندفعت للخارج، خطواتها سريعة كأنها تهرب من نفسها قبل أي شيء.
اقتربت غرام من بلال فور خروجها، وتسائلت بصوت منخفض لكنه ممتلئ بالشك: إنت رجعت رولا لعصمتك؟
نظر لها بلال بصدمة: إيه اللي بتقوليه ده يا ماما؟ هو أنا هرجعها من غير ما أقولك؟
ضيّقت عينيها: وإنت من إمتى بتقول حاجة يا ابن أرسلان؟
سكتت لحظة، ثم أردفت بحدة: أمال كانت في حضنك ليه؟
ابتعد عنها، يحاول إنهاء الحديث: ماما أنا تعبان، وعايز أنام.
أمسكت ذراعه بقوة: إنت ناوي ترجعها بعد اللي عملته؟! بعد ما مسحت بكرامتك الأرض؟!
انفجر فيها: ماما لو سمحتي! إحنا في إيه ولا إيه؟!
نظرت له بثبات: يبقى ناوي ترجعها.
زفر بعصبية: مش مرجعها! ارتحتي؟ ممكن تسبيني أنام؟
لكنها لم تتراجع، لتقول بقسوة: البنت اللي تكسر جوزها دي، ما تنفعش تبقى أم.
نظرت له مباشرة: دي قتلت ابنها، ومتباهية بكده!
انا عارفة انك بتحبها، لكن قبل الحب دا شوف هي عملت ايه، غير خلت العيلة كلها تشيل من بعضها
اشتعل بلال فجأة: ماما كفاية بقى!
أنا ورولا خلاص، ما بقاش بينا غير قرابة!
حدقت فيه: يعني مش هترجعها؟
صرخ بحدة، وكأنه يصرخ في نفسه قبلها: لا!
ثم أكمل بانفعال: ممكن تسبيني أنام، ولا أروح أدور على مكان تاني؟
تراجعت غرام، وهدأ صوتها: خلاص يا حبيبي آسفة متزعلش مني.
أنا مبكرهاش وربنا اعلم كنت سعيدة لما قولت هتتجوزها، رغم اعتراضي على بعض افعالها، بس كفاية يابني، كفاية وجع اختك، انا تعبت ومبقتش قادرة على وجعكم، والتانية طلقها، انا مش عايزاك تكون معاها لمجرد واجب، يكفي انها خربت بيتك.
في الخارج توقفت قبل أن تغادر، حين
شدّها سؤال غرام، فبقيت مكانها رغمًا عنها
استمعت إلى حوارهما لتغرست
كل كلمة في صدرها كطعنة حتى اختنق نفسها، فخرجت منها شهقة مكتومة وضعت يدها على فمها، تحاول منع صوتها، ثم تراجعت خطوة ثم أخرى، قبل أن يلمحها أحد واستدارت ثم ركضت
داخل منزل والدها.
كانت آسيا تجلس في حديقة منزلها ترسم رفعت عينيها على صوت الخطوات المرتبكة، فرأت رولا تمر كالإعصار، نهضت بسرعة، واتجهت خلفها، دلفت للداخل، لتجدها جالسة على الفراش
تضم ساقيها إلى صدرها، وتبكي بصمت موجع، تنهار في صمت حتى لا يسمعها أحد، اقتربت منها بهدوء
رولا؟
رفعت رولا عينيها، التي كانت غارقة بالدموع، ومكسورة بالألم
جلست آسيا بجوارها، ورفعت كفيها تمسد على خصلاتها بحنان. هنا انفجرت رولا قائلة.
بحبه أوي يا آسيا، بحبه أوي
قالتها بصوت مهزوم كأنها تعترف بذنب لا بحب
شدّتها آسيا إلى أحضانها، تربت على ظهرها برفق
طب اهدي، قوليلي إيه اللي حصل
لكن قطع صوتها صراخٌ بالخارج، صراخ مفزع يمزق سكون الليل ركضتا معًا إلى الخارج وتوقفت أقدامهما فجأة
النيران كانت تلتهم منزل يوسف بلا رحمة ألسنة اللهب ترتفع كأنها تصرخ. وصوت ميرال، كان يعلو بانهيار يشق القلوب، خرج الجميع على الصوت.
تحركت رولا ببطء كأنها مسلوبة الإرادة
حتى توقفت أمام ضي التي كانت تقف تنظر إلى النيران تبتسم، ورغم ابتسامتها إلا أن دموعها كانت تنهمر في صمت موجع أقسى من أي صراخ
اقتربت منها رولا، وقالت بصوت مرتجف: ضي مين عمل كده؟
التفتت ضي ببطء
نظرت نحو ميرال التي يحاول إلياس السيطرة عليها، ثم قالت بصوت مرتفع ثابت بشكل مرعب: أنا اللي حرقته.
سقطت الكلمات كالصاعقة
خطت خطوة للأمام باتجاه ميرال وإلياس.
حرقت ذكريات ابنك، زي ما حرقني
الخاين، الغدار.
قالتها ببرود، ثم استدارت، وغادرت. وكأن ما حدث، لا يعنيها
انهارت ميرال على الأرض
حرقتي ذكريات ابني يا بنت أرسلان!
قالتها بصرخة خرجت ممزقة. كأن قلبها هو من يحترق لا المنزل
ساد الصمت خانق على الجميع
حتى انفجرت شمس بالبكاء تتراجع للخلف: أخويا مش خاين!
مش غدار!
مستحيل يعمل كده، مستحيل!
قالتها بانهياار مع كل كلمة كانت تنطقها، ليترنح جسدها بقوة.
ركض حمزة إليها بسرعة، والتقطها قبل أن تسقط حملها بين ذراعيه وهو يهرول بها إلى الداخل مع وصول بلال وغرام وأرسلان
توقف الياس يشير الى ارسلان
شوف شمس، لكن ركض بلال خلف حمزة، حين وجد تيبس جسد ارسلان
بينما شهقت غرام وهي ترى مشهد النيران تلتهم كل شيئا
ركضت نحو ميرال الجاثية على الأرض
لكن إلياس أوقفها بيده لتهدأ
اقتربت ببطء وعينيها ممتلئتان بالصدمة.
ميرال
همست بها غرام بصوت مرتجف، رفعت ميرال عينيها ببطء
كانت عيناها غارقة في الدموع دموع ممزوجة بالحزن والألم حد القسوة
نظرت إليها نظرة طويلة، ثم قالت بصوت مبحوح، مكسور: إنتي دعيتي، وبنتك هي اللي حرقته يا غرام
سقطت الكلمات ثقيلة، كأنها حكم لا عتاب، حتى ارتجفت غرام، واقتربت خطوة: ميرال اسمعيني، مكنش قصدي، والله ما كان قصدي.
يوسف ابني قبل ما يكون ابنك، بس قلبي كان بيتحرق على بنتي، وكنت بقول أي كلام من حرقة قلبي
والله ما أتمناله أذى دا ابن روحي يا ميرال
قالتها غرام بانكسار، علها تحاول إطفاء النيران التي اشتعلت بقلب ميرال
لكن ميرال لم تسمع، أو ربما لم تعد قادرة أن تسمع اوقفها إلياس
ياله حبيبتي بنتك اغمى عليها، ولكنها نهضت من مكانها تنظر الى غرام بدموع اخفت وجنتيها من كثرتها، ثم.
تحركت بخطوات مترنحة، كأنها تسير فوق رماد قلبها متجهة نحو منزل أرسلان، لا ترى أمامها، ولا تشعر بمن حولها
أما إلياس
فقد وقف مكانه، لم يتحرك، لم يتكلم
فقط عيناه كانتا معلقتين بالنيران ورجال الإطفاء يهرولون، الماء يُسكب. اللهب يخفت تدريجيًا، لكن، لا أحد
كان يرى تلك النيران، التي اشتعلت في صدره نيران لا تُطفأ، ولا تنطفئ
اقترب ارسلان يربت على كتفه
انا آسف.
التفت برأسه ينظر اليه بصمت، وقعت عيناه على تحرك ميرال الى منزل ارسلان وليس منزلهما
ميرال راحت لضي، الحقها ياارسلان
استدار ينظر الى تحرك غرام خلف ميرال، كأنها تعلم بما سيصير.
تحرك ارسلان ملتحقًا بها، بينما توقف الياس للحظات ثم ذهب خلفه، يعلم أن زوجته لم تصمت على مافعلته ضي.
دفعت الباب دون استئذان، اندفعت إلى الداخل كالإعصار
وجدتها تجلس في شرفة غرفتها، تنظر للفراغ بشرود قاتل، كأن روحها لم تعد هنا، لقد حرقت اجمل ماعاشت، تريد أن تصرخ بكل مالديها، ولكنها تشعر انها داخل قبر، او أنها لم تقو على الصراخ
اقتربت منها ميرال بخطوات سريعة
ومعها دخلت غرام خلفها بلهفة: ميرال استني، لكنها لم تتوقف
عيناها كانت مشتعلة مليئة باتهام واضح.
وقفت أمام ضي مباشرة، وقالت بصوت مرتجف من شدة الغضب: أنا متأكدة إنك السبب في كل اللي حصل
ارتجف قلب ضي، نهضت ببطء وعينيها تصرخ بالوجع
لو قصدك على حريق البيت، دا علشان ارتاح، ذكرياته بتموتني
لكزتها ميرال بقوة، وعيناها مشتعلة بالألم
ليه يوسف سافر، اه قولي ليه سافر بالطريقة دي
أنا معملتش حاجة
توقفت لحظة
ثم خرجت الكلمات منها كجرح مفتوح: ابنك هو اللي خان وغدر بيا
صفعة قوية دوّى صوتها في المكان.
بدلوف ارسلان وخلفه إلياس
اقتربت غرام تبعدها عن ابنتها
ميرال انتي اتجننتي
صرخت ميرال بجنون، وهي ترتجف: اقطع لسان أي حد يقول على ابني خاين!
اشتعلت غرام، اندفعت نحوها، والغضب يملأ ملامحها: ميرال كفاية بقى، مش شايفة حالتها عاملة إزاي؟!
طالعتها ضي بذهول ومازالت يدها على خدها لكن ألم روحها هنا كان أقوى من مئات الصفعات...
لتستدير ميرال، وتخطو حتى توقفت أمام إلياس
نظرت له بقلب ام يتفتت من غياب فلذة كبدها: ابني مش خاين سامعني؟!
اقتربت خطوة وصوتها ارتفع، لكنه كان مكسور: اللي أسمعه يقول كده، هولّع فيه، ابني عمره ما غدر، ولا خان
ثم أشارت نحو ضي دون أن تنظر لها: ولو عايز تعرف سبب سفر ابنك، اسألها هي.
ساد صمت مختنق من الجميع، وكل الأنظار اتجهت نحو ضي
رفعت عينيها ببطء ونظرت إلى إلياس، تنظر له و في عينيها ألم، خذلان، وانكسار أكبر من أي كلام يقال
ابتلعت دموعها، ثم قالت بصوت خرج بالكاد: يسألني أنا ليه؟
قالتها بضياع وجسد مرتجف، كأن روحها تُنتزع منها ببطء، لم تكن تبكي فقط
كانت تذوب، تنكسر، تتهاوى من الداخل دون صوت
عيناها علقتا ب ميرال، نظرة طويلة، موجعة، كأنها تحاكمها، وتستغيث بها في نفس اللحظة، ثم خرج صوتها
واهن متقطع، لكنه صادق حد الألم
أنا معملتش حاجة غير إني حبيته
كلمة حبيته تحديدًا، خرجت وكأنها جرح مفتوح لا اعتراف، ارتجفت شفتاها. وتجمعت الدموع بعينيها قبل أن تهبط ببطء قاتل، وتابعت بانهيار.
لو الحب جريمة، يبقى أنا مجرمة
انحنى كتفاها قليلًا، كأن الكلمات أثقلت روحها. وتاهت نظراتها بشرود، ثم رفعت عينيها من جديد بانكسارٌ حد الانهيار
ابنك خان قلبي
صمتت تبتلع ذكرياتها معه، صمتًا ثقيل، خانق، يفتت قلبها تريده الان حتى تعاقبه بأشد العقاب، آلان اصبحت متهمة في نظرهم، بجريمة الحب
ارتفعت أنفاسها حتى أصبحت مسموعة، وشعرت بانسحاب روحها، لترتفع.
يدها إلى صدرها، تضغط عليه بقوة، كأنها تحاول منع قلبها من التفتت بين ضلوعها، ارتجف جسدها أكثر، وبرودة غريبة تسللت إلى أطرافها، كانت على وشك السقوط. لكنها تماسكت، بصعوبة وتابعت حديثها
كنت مستعدة أدي له عمري كله
انكسر صوتها واكملت
لكن هو خد مني كل حاجة، ومشي
انهمرت دموعها بغزارة، لم تعد تحاول إخفاءها، واصبح وجهها شاحب، تنظر اليهم
بعينين فارغتين كأنهما استُنزفتا حياتها
حرقني، دمرني.
كلمات رغم انها كلمات سهلة النطق ولكن. كأن كل حرف يُسحب من قلبها مباشرة
عمل كدا ليه، علشان كنت عايزة طفل منه
ارتعشت شفتاها، وتكسرت ملامحها، تقول بجهل نطقته عيناها قبل شفتاها
كان المفروض يفرح بس، كسرني
تاهت نظراتها في الفراغ، لم تعد ترى أحدًا كانت غارقة داخل ذكرياتها معه التي اصبحت اكثر وجع
وفي الاخر مكنتش حبيبته، كنت مجرد وقت بيعديه، او مسكن لوجعه.
ابتسامة باهتة مرت على شفتيها، سريعة، ومؤلمة، تسخر من نفسها، ثم تصلب جسدها قليلًا، وعادت نظراتها أكثر حدة أكثر وعيًا، لتبصق كلمات حارقة
كان في حضني، وبيخطط يمشي
اتسعت عيناها تدور حول نفسها، وكأنها تعيش اللحظة من جديد
من شهرين، وهو بيجهز لكل ده
صمتت لحظة صدرها يعلو ويهبط بعنف
ولما خيرته، اختار يسيبني، كأني ولا حاجة
في تلك اللحظة، كانت ميرال تقف أمامها.
لكنها لم تعد ترى فقط فتاة مكسورة. بعد كلماتها بل كانت ترى بقايا ابنها، في صوتها.
في دموعها، في هذا الحب الذي لم يمت، لانها الان ايقنت لماذا هاجر وترك كل شيئ خلفه، اذ كانت حالة ضي هكذا، فكيف ستكون حالته، وهي تعلم انه يعشقها حد الجنون، رغم كل شيء، تقدمت خطوة، وقلبها يصرخ يتمزق بين أمومتها، وبين الحقيقة التي تُسحق أمامها، يدها ارتفعت قليلًا، تريد احتضانها، تريد أن تربت على قلب ابنها الذي ينهار، رأت في ضي ضياعه، بكاؤه، انهياره، الان هو يصرخ وينكسر بصمت. دموع ضي كانت تحرق قلبها، خطت خطوة خلف الاخرى، ومدت يدها تزيل دموعها، لكنها توقفت وتجمدت، لتتسع عيناها فجأة، كأن صورة يوسف ظهرت أمامها، ينظر لها، يذكرها الوعد.
ارتعش جسدها، وسحبت يدها ببطء
تراجعت خطوة للخلف، ثم أخرى، تهرب، لا من ضي، بل من نفسها، من الوعد الذي قطعته مع ابنها.
فأطبقت على عينيها، دموعها انزلقت بصمت، لكن هذه المرة، كان الصمت أعلى من أي صراخ كانت تريد أن تقول كل شيء، أن تفضح الحقيقة. أن تصرخ ابني مظلوم، ابني ماهو إلا ضحية، لكن الوعد كان كقيدٍ حول عنقها
يخنق صوتها، ويمنعها حتى من الانهيار الكامل أمام احد.
في الخلف وقف إلياس ثابتًا، صامتًا. لكن داخله، كان ينهار بصوتٍ لا يسمعه أحد
بعد سماع كلمات ضي التي اشتعلت بصدره، بعدما تيقن أن ابنه هرب من شيئا، لكن لا يعلمه، ثم غادر بهدوء على عكس انهياره.
هوت ضي أرضًا ببكاءٍ مفزع، وصرخة تمزق روحها: مش أنا السبب يا بابا!، قالتها بصوتًا مرتجفًا، وتابعت بانهيار، كاد يقضي عليها
مش أنا اللي خليته يسافر والله ما عملت له حاجة
ارتعش جسدها، ووضعت يدها على صدرها، تحاول إيقاف ذلك الألم الذي يمزقها من الداخل
ثم صرخت بانهيارٍ كامل: هو اللي غدر! هو اللي خان! هو اللي كسرني يا بابا يوسف هو اللي موتني!
تقطعت أنفاسها، واهتز جسدها مع كل كلمة.
ليه بيتهموني؟! ليه؟! أنا معملتش حاجة، والله ما عملت حاجة!
بدأ صوتها يضعف، يتكسر، يذوب في البكاء، حتى صارت كلماتها أشبه بأنينٍ موجوع.
وقف أرسلان أمامها، وعيناه ممتلئتان بوجعٍ لا يقل عنها، قلبه يصرخ، يتمزق، يرى ابنته تنهار أمامه، ولا يملك إلا أن يمد يده
اقترب منها وجثا أمامها، احتضن وجهها بين كفيه، وقال بصوت خرج مبحوحًا: حبيبتي اهدي، أنا مصدقك، والله مصدقك.
لكنها لم تعد تسمع، تشبثت به كالغريق الذي وجد آخر طوق نجاة. دفنت وجهها في صدره، تبكي بشهقاتٍ عنيفة تهز جسدها بالكامل
بابا أنا تعبانة، تعبانة أوي، قالتها لتتراخى قوتها بين ذراعيه تدريجيًا، و
شهقاتها بدأت تختنق، وأنفاسها تتقطع
حتى سكن جسدها. وارتخت يداها
وسقطت بين ذراعيه بلا حراك.
ضي!
اهتز صوت أرسلان بفزع، ضمها إليه بقوة
ضي ردي عليا حبيبتي!
لكنها لم تُجب فقد خانها قلبها المنهك.
ورفض عقلها اتهامٍ لم ترتكبه فسقطت
هاربة من الألم
وصل بلال على صراخ ارسلان باسم ابنته
حملها ووضعها على فراشها
اغمى عليها، مفيش حاجة تخوف، هتفوق
انحنت غرام تملس على شعرها ببكاء
البنت هضيع مننا ياارسلان، ليه ميرال عملت كدا، مش كفاية اللي يوسف عمله
ماما مش وقته، كل واحد قلبه محروق، رجاء بلاش كلام يضايق
هوت بجوار ابنتها تنظر إليها بحزن: اختك بضيع يابلال، اختك بضيع ومحدش رحمها.
هتبقى كويسة حبيبتي، اهدي لو سمحتي، هي كمان غلطت ياماما، ليه ولعت في البيت، انا عارف انها مضغوطة، لكن اللي عملته مايصحش
مسحت غرام دموعها ورفعت عيناها اليه بقسوة
ويصح اللي يوسف عمله، اه ماترد، لو مش عارف ترد، بص لاختك وشوف وصلها لفين
اتجهت بنظرها الى ارسلان الذي هوى بجسده على المقعد.
قولتها لك زمان، يوسف مش بتاع جواز، دا عنده عقدة من هروب امه زمان، لكن انت عملت ايه، روحت سلمت له بنتك بكل برود، واهو فضل يرسم خطط له، وادي اخرة نتيجة قرارتك ياباشا
هو فكر في ابنه، وانت رميت بنتك لابنه اللي في الاخر باعها
ماما. ايه اللي بتقوليه دا، يوسف مش بياع
دفعته بقوة واخرجته من الغرفة
اطلع برة، روح دافع عنه بعيد عن هنا، خليك كدا لحد مااختك في يوم تموت نفسها بسببه، وقتها عايزة اشوفك هتقول ايه.
صمتت ترمقه بنظرات حادة
انا بقول لمين اصلا، واحد اتجوز من ورانا، وحب واحدة قلت بيه وفي الاخر هيموت عليها
انتي شيفاني كدا ياماما
استدارت تواليه ظهرها
امشي يابلال، روح للبنت اللي انا معرفش عنها حتى اسمها، روح كمل لعبتك معاها
استدارت مرة اخرى
ولا روح لبنت يزن اللي قلة منك قدامنا كلنا.
مضت أيام اخرى والوضع كما هو
ذات يومٍ كانت تجلس في حديقة منزل والدها، رأسها مائل للخلف، تحدّق في السماء
مرّ طيفه أمام عينيها فجأة، ابتسمت دون وعي، ابتسامة خجولة مرتعشة، وهمست باسمه بصوتٍ بالكاد يُسمع
لكن انكسرت لحظتها على وقع خطوات والدتها.
حبيبتي عملت لك العصير اللي بتحبيه.
انتفضت قليلًا، اعتدلت ببطء، ونظرت إلى الكوب بين يدي والدتها، نظرة طويلة، عميقة، مؤلمة.
ثم همست بصوتٍ خافت، مخنوق: يوسف كان بيحبه أوي يا ماما، هنا فاقت لتتجمد الكلمات على شفتيها، وظلت عيناها معلّقتين بالكوب، كأنها ترى فيه بقايا ذكرياته
ارتجفت أنفاسها، وابتلعت غصّة حادة، ثم قالت فجأة، بحدةٍ هشة: مش عايزة أشربه خلاص كرهته.
جلست غرام بجوارها بهدوء، وضعت الكوب على الطاولة دون أن تجبرها، ثم التفتت إليها بنظرة مليئة بالعجز قبل الحنان.
حبيبتي وبعدين معاكي؟ مش قولنا هنقوى، وننسى؟
رفعت ضي عينيها إليها التي تجمعت فيهما الدموع حتى صارتا كبحرٍ على وشك الانفجار
وقالت بصوت خرج مكسورًا، وكأن كل حرف يُنتزع من قلبها: قلبي بيوجعني أوي يا ماما، وجع مش بيسكن
رغم كل اللي عمله أنا أنا هموت وأسمع صوته، أشوفه، حتى أشم ريحته
يوسف مكنش مجرد حد في حياتي
يوسف كان حياتي، كان أنا...
تقطعت أنفاسها، وانهمرت دموعها دون رحمة، تكمل بانهيارٍ كامل: هو ليه عمل فيا كدا؟ ليه قرّبني منه للدرجة دي، وبعدين سيبني؟ ليه رجّعني لنفسي مكسورة بالشكل دا؟!
لم تحتمل غرام رؤيتها هكذا. سحبتها إلى أحضانها بسرعة، تحاول جمع شتاتها بين ذراعيها
لكنها صمتت لأول مرة لا تملك إجابة.
مرّت لحظات، لا يُسمع فيها سوى شهقات ابنتها، نعم عزيزي القارئ ولو كانت ضربات القلب تسمع، لكنا سمعنا صوت قلب أمٍ يتمزق بصمت.
همست غرام بصوتٍ متماسك بصعوبة: حبيبتي كل حاجة في الدنيا نصيب. واللي كان بينكم، يمكن كان جميل بس نصيبه خلص عند كدا
لازم تفوقي يا ضي، مش هينفع تعيشي طول عمرك جوه الوجع دا
ابتعدت قليلًا، أومسكت بوجهها بين يديها، تمسح دموعها بإبهامٍ مرتعش: جربي ترجعي شغلك، تخرجي، تشوفي حياتك يمكن قلبك يهدى شوية
نظرت لها ضي بضعفٍ صادق، كأنها طفلة ضائعة: تفتكري هقدر أنساه؟
هو فيه حد بينسى روحه يا ماما؟
تكسرت ملامح غرام للحظة، لكنها تماسكت، واحتضنت وجهها بحنانٍ أقوى: يمكن مش هتنسيه بسهولة، بس لازم تتعلمي تعيشي من غيره، علشان انتي مش ضعيفة
انتي ضي الشافعي والبنت دي عمرها ما كانت هشة بالشكل دا
توقفت لحظة: وبعدين أنا قلبي مش مطمن. يوسف مش سهل يسيبك كدا، أنا شفت بعيني كان بيحبك إزاي
بس برضه اللي مؤمنة بيه، إن كل حاجة ربنا بيكتبها، بتبقى لسبب.
تنهدت بعمق، وكأنها تُسلم أمرها: يمكن الأيام الجاية، تكون دوا لجرح إحنا مش فاهمينه دلوقتي
سادت لحظة صمت ثقيلة، ثم أضافت بهدوءٍ حازم: بس يا حبيبتي بلاش توصفيه بخاين أو غدار، الكلام دا تقيل، وبيوجع أكتر، ومهما حصل، هو ابن عمك
وأهله مكسورين زيك ويمكن أكتر
أومأت ضي ببطء رغم أن دموعها لم تتوقف، لكنها همست باستسلامٍ موجع: حاضر يا ماما، مش هقول عليه حاجة
ولا حتى هجيب سيرته تاني
بمنزل ادم.
علي طاولة العشاء، كان الجميع يتناولون طعامهم بصمت، الى أن رفع ادم عيناه لابنته
الجميل عمل ايه النهاردة في أول يوم جامعي
رفعت رأسها وقالت باابتسامة
حلو يابابا، يعني مقبول، بس الدنيا زحمة اوي
ابتسم إليها بحنان
زحمة لكن ناسها طيبين، قولي لي اتعرفتي على حد، وايه اخبار الاساتذة
تركت الشوكة والسكين واعتدلت: فيه بنت اسمها رحمة شكلها كيوتي، وليها بنت عم معاها، ساكنين قريب مننا على فكرة.
دا بالنسبة اللي عرفتهم النهاردة، بالنسبة للاساتذة. فيه دكتور صحافة على مااتذكر، شكله كيوتي يابابا، انما فيه دكتور تاني شايف نفسه علينا اوي وكل شوية انا عمران مش فاكرة اسمه ايه، من كتر ماقاله حفظته. ونسيته اهو
ضحك رائد يداعب خصلاتها
الصغنن نسي من أول يوم
قاطعتهم إيلين
حبيبتي أي حاجة تحصل معاكي لازم تيجي وتقوليها، ومتخافيش بابا عارف دكاترة في الجامعة، ومامتك كمان مش قليلة.
زفرت بضيق وقالت: والله يامامي انا محبتش الكلية اصلا، معرفش ليه مصرين، انا كان نفسي ادخل الكلية اللي حلمت بيها
احنا اتكلمنا في الموضوع دا حبيبتي
ماانا مفهمتش يابابا
فرح حبيبتي، جدو ليه قرايب محسوبين على الدولة انهم ارهابين يعني صعب تتقبلي في الكلية
مسدت ايلين على شعرها.
فروحة حبيبت مامي، الكلية عمرها ماكانت مقياس اننا نوصل لحلمنا، يمكن لو دخلتي الكلية دي متعمليش حاجة، ويمكن الكلية اللي دخلتيها تحقق نجاح لسة في علم الغييب، المهم نؤمن ان عند ربنا الافضل، تمام حبيبتي
حاضر يامامي
صمت دام للحظات الى أن قال ادم
رائد جهز نفسك علشان هنزور عمك إلياس بالليل
حاضر يابابا.
مضت عدة شهور الى أن توصل اسحاق الى الدولة والمدينة التي بها يوسف، وقرر السفر اليه بعدما علم بمكانه دون ان يرجع إلياس.
عند يوسف
أنهى عمله بصمتٍ مُرهق، ككل يوم يسُحب من روحه لا من وقته. اتجه إلى مسكنه، دلف إلى الداخل، فاستقبله الظلام. لم يكن ظلامًا عاديًا
بل ظلام وحدةٍ ثقيلة، وبرودةٍ تسكن القلب قبل الجدران.
ألقى مفاتيحه بإهمال، يتردد صوتها في المكان الخالي، كأنها تذكره أنه وحده. هوى بجسده على الأريكة، ممددًا كجسدٍ أنهكه القتال.
أغمض عينيه. ليشعر بأناملها بشعره، ثم انحنت تقبل وجنتيه، ابتسم وهو مازال على وضعه، لكن لم يمنحه عقله لحظته معها، ليفتح عينيه فجأة، واعتدل يمسح على وجهه، دارت عيناه بالمكان، ثم عاد بجسده، وامسك هاتفه، وتوقف للحظة حين وقعت عيناه على التاريخ، فاليوم عيد ميلاد والدته، قام بالاتصال بها. فلقد هاتفها من قبل، مرة واحدة فقط ليطمئنها أنه استقر براحة، ولا يريد العودة ال?ان.
لكن هل يطمئن قلب أمٍ وابنها بعيد عن عينيها؟
ضغط على الاتصال وانتظر الرد
عند ميرال
كانت تجلس بمقابلة شمس، التي تنشغل بدروسها على مسافة لم تكن بعيدة عنها
بينما عينا ميرال تائهتان، تنظر ولا ترى تسمع ولا تدرك.
قطع شرودها رنين الهاتف. تجاهلته في البداية، كأنها فقدت الرغبة حتى في الرد لكن شيئًا بداخلها دفعها لالتقاطه. نظرت للشاشة رقمٌ غير موجود، يبدو انه عن طريق الانترنت، شكت انه يكون ابنها، ترددت ثم فتحت الخط.
السلام عليكم
جاءها صوته
عاملة إيه يا أمي؟
شهقة خرجت منها دون إرادة، وكأن قلبها سبق صوتها
يوسف! حبيبي إنت عامل إيه؟
ابتسم رغم ألمه
أنا كويس إنتي عاملة إيه؟ وشمس؟ طمنيني عليها وبابا؟
أسرعت ترد، تخشى أن يختفي صوته من الهاتف
كلنا كويسين يا حبيبي، طمني عليك إنت
صمت لحظة، ثم خرج صوته مكسورًا رغم محاولته الثبات
كويس بس وحشتوني أوي.
لم تتحمل انفجر بكاؤها
ارجع علشان خاطري يا حبيبي. أغمض عينيه بقوة، يضغط على نفسه
ماما لو سمحتي متخلنيش أندم إني كلمتك، طمنيني عليكي.
بكت أكثر، وكأنها تُجلد بكلماته
أنا مش كويسة من غيرك، وباباك زعلان أوي يا يوسف. سحب نفسًا عميقًا، يحاول ألا ينهار.
ماتخليهوش يزعل مني يا ست الكل، هو بيحبك، وهيسمع كلامك.
وضعت كفها على فمها تكتم نحيبها. هو مابيحبش قدك، أبوك تعبان، بس ساكت.
شعر وكأن الكلمات سكين تُغرس في صدره.
لكنه هرب، غيّر الحديث بسرعة قبل أن ينكسر
كل سنة وإنتي طيبة يا حبيبتي، النهارده عيد ميلادك.
أغمضت عينيها، وكأن الجملة أوجعتها أكثر
من غيرك هيبقى في عيد يا يوسف؟
همس برجاء موجع
ماما ماتصعبيهاش عليا.
ردت بصوت متهدج
طيب إنت فين؟ قولي وأنا أجيلك.
أغمض عينيه، يبتلع غصته
مينفعش، والله لو ينفع مكنتش هتأخر خدي بالك من نفسك.
ارجع وريح قلبي
صمتت لحظة، لتسمع سؤاله
ضي عاملة إيه؟
تجمدت ملامحها، وسُحب بصرها نحو منزل أرسلان
كويسة، بدأت تفوق
قالتها بنبرة متقطعة، ثم لم تستطع كتمان الألم الذي مرت به ضي
كسرتها أوي يا يوسف، ليه تعمل فيها كده؟
أغمض عينيه، والألم يشتعل داخله
أحسن لها، صدقيني يا ماما لازم تعيش مش تفضل معايا وتتعذب.
غلطان يا ابن الياس اللي بيحب مابيتعذبش مع حبيبه.
البنت ماتت من بعدك، مبقتش ضي.
كأن شيئًا انكسر داخله بصوتٍ مسموع. لكنه ابتلع وجعه
بكرة لما تحب هتنسى ياام يوسف.
ضحكت بمرارة
بتضحك على نفسك؟ هتستحمل تشوفها لغيرك؟
رد عليها بصدقٍ موجع
هموت وقتها ياامي، عشان كده بعدت ياامي، مينفعش احرمها من حقها
غبي يايوسف، لانها كانت هترضى، حبيبي البنت بتموت فيك.
وأنا كمان ياماما، بس مش علشان بحبها احرمها، عارف انها كانت هتوافق، وبعد كدا ياام يوسف، ضي تستاهل تعيش، وأنا مستحيل احرمها من أقل حقوقها، وهي مكنتش هتعمل كدا وأنا موجود
سحب نفسًا وطرده
ماما متزعليش، كل واحد بياخد نصيبه، ونصيب ضي من حقها تعيش.
همست بانكسار
وإنت يا حبيبي؟
ابتسم بحزن لا تراه
أنا؟ أنا كويس طول ما هي كويسة، صدقيني ياماما لما بسمع منك انها كويسة أنا برتاح، انا ظلمتها كتير، جوازنا من الأول غلط، ربنا يوفقها ويسعدها، ولو بتحبيني ياامي ماتزعليش منها مهما عملت، انا قدري اتحرم منها خلاص، اللوم مش عليها، دا نصبينا، المهم تكوني على وعدك ياامي، مش عايز حد يعرف حتى بابا
انهارت ميرال أكثر
ماتعملش في نفسك كده، بلاش تموت وإنت عايش.
أغمض عينيه، وصوته أصبح أضعف
ماما بلاش توجعي قلبي، أنا كده مبسوط.
صمت لحظة، ثم قال بصوتٍ حنون
بوسيلي شمس، وبابا بوسيه بوسة كبيرة لحد ما أقدر أكلمه. وبراحة ياميرال على إلياس، قالها وأنهى المكالمة
وقبل أن يُبعد الهاتف، كانت دموعه قد سقطت بصمتٍ قاسٍ، يمسحها سريعًا، يخشى أن يضعف من قلبه الذي يصرخ بداخله.
مسح على وجهه بضعفٍ مرتعش، فتح هاتفه ببطء، وقلب بين صورهما، صورة تلو الأخرى، وكل صورة كانت طعنة مؤلمة في صدره
توقفت أنفاسه عند إحداها ابتسامتها فيها كانت كفيلة بإسقاط كل ما تبقى من صموده.
ثبت عينيه عليها، وكأن الزمن تجمد عند تلك اللحظة
همس بصوتٍ مكسور، يكاد لا يُسمع: وحشتيني أوي، وحشني ضحكك، صوتك، حتى زعلك مني وحشني.
ابتلع غصته بصعوبة، وتابع بصوتٍ مرتجف: أنا مش عارف أعيش من غيرك، كل حاجة بعدك بقت باهتة حتى أنا بقيت نسخة مشوهة مني
سقطت دمعة حارة على الشاشة، فمرر إصبعه فوقها كأنه يمسح على وجهها هي: سامحيني لو الرجوع ينفع، كنت رجعت ألف مرة، بس الوجع اللي جوايا أكبر من أي كلام، أنا بموت بالبُعد عنك، بموت في اليوم ألف مرة
ألقى الهاتف بجواره فجأة، وكأنه لم يعد يحتمل رؤية فقدانها.
أسند رأسه للخلف، وأغمض عينيه بقوة، يحاول الهروب من ذاكرته معها لكنه فشل
صورتها كانت تسكن خلف جفنيه، في أنفاسه، في نبضه
قبض على صدره بقوة، يشعر بأن قلبه يصرخ بها: ليه مش بتنسي؟ ليه مش بتموت جوايا زي ما كل حاجة ماتت؟
انقطع صوته، وتحول إلى همسٍ موجوع: أنا تعبت، تعبت أحارب نفسي علشان أنساكي، تعبت أعيش بنص قلب، بنص روح
رفع يده المرتعشة، وضغط بها على عينيه يريد اقتلاع ذكرياته منها، سحب دفتره.
وبدأ يدون لها كعادته منذ أن تركها
لَمْ تَكُنْ مُجَرَّدَ عابِرةٍ استوطَنَتْ بضعَ سنينَ من عُمري، بل كانتْ هي العُمرَ ذاته.
فكيفَ للمرءِ أن ينسى نَفَسَه؟ أو ينسى كيفَ كانَ يَنبِضُ؟
رَحَلَتْ أنا وبقيتُ روحي عالقة في مَنتصفِ حكايةٍ لم يُكتَب لها القدَرُ نهايةً في قلبي.
أُناجي الصمتَ حين يشتدُّ بي الوجع، وأهمسُ للليلِ الطويل: وكأنَّها ليَ الحياةُ ولا حياةَ لي بَعْدها.
وحقيقةً واحدةً أواجهُ بها العالم: أنّي، رُغم الغياب، ما زِلتُ أحيا على أطلالِ تلكَ الروح، أتنفس ذكراها، وأحيا بظلّها، كأنّني لم أفارقها يومًا
اغلق الدفتر وتعلقت عيناه بصورتها
هعمل ايه فعلا لو ارتبطي، حتى صورتك مبقتش من حقي
مرر انامله على وجهها وابتسامة حزينة.
إنتي مكنتيش بس حبي، إنتي الحياة كلها
سقطت يده ببطء بالهاتف، واستسلم جسده للإنهاك، صامت، مكسور، اغمض عيناه و ما زال ينبض باسمها، حتى غفى دون ارادة.
بعد أسبوع
ترجّل بلال من سيارته، لمح رولا، وهي تتجه لسيارتها دون أن تلتفت.
اقترب منها بهدوء، يضع يديه في جيب بنطاله، وعيناه لا تفارقها
حمد الله على السلامة.
توقفت لحظة، دون أن تنظر إليه
الله يسلمك.
فتحت باب سيارتها، لكنه سبقها واستند على السيارة، يحاصرها بنظراته
سافرتي من غير ما تقولي؟
رفعت عينيها ببرود من خلف نظارتها
وأقولك ليه؟ كنت مسافرة مع أخويا وبنات عمتي.
قطّب جبينه، فقد احرجته نبرتها، فتسائل بخفوت
رولا مالك؟
سحبت نظرها من نظراته
مفيش وسّع كده، متأخرة وعندي شغل.
نظر لها طويلًا، ثم قال بهدوء مؤلم
زعلانة علشان ما سألتش عنك؟
ابتسمت بسخرية خفيفة
وتسأل عني ليه؟ أنا إيه بالنسبة لك أصلاً؟
صمت، ولم يجد رد، هز رأسه بخفوت
آسف.
ابتعد ببطء واتجه نحو منزل إلياس
وقفت تتابعه، وعيناها امتلأت بحزن خافت، ثم همست لنفسها بنبرة مختنقة متقطعة.
خلاص انسيه وكَمّلي. قالتها ثم استقلت سيارتها وغادرت.
بداخل منزل إلياس
جلس حمزة إلى جوار شمس، بينما جلس إلياس قبالتهما، ملامحه جامدة كعادته.
دلف بلال إلى الداخل، ألقى السلام بصوت خافت، ثم جلس في هدوء.
تبادل حمزة نظرة سريعة مع شمس، ثم قال بعد تردد
يا عمو شمس عايزة تقول لحضرتك حاجة.
رفع إلياس بصره إليها، ولانت نبرته قليلًا
قولي يا حبيبتي سامعك.
أخذت شمس نفسًا عميقًا، وتشابكت أصابعها في توتر، ثم قالت: أنا وحمزة قررنا نعمل الفرح وهكمل تعليمي هناك خلاص فاضل سنة واحدة بس غير السنة دي، اكمل امتحانات الترم الاول، وبعد الجواز اكمل الترم التاني، والسنة الجاية أكون مع حمزة.
لم يمر سوى لحظة، حتى تبدلت ملامح إلياس، كأن كلماتها أصابت وترًا حساسًا داخله
لا.
قالها بحزم قاطع، ثم وجّه نظره إلى حمزة
مش وقته خالص يا حمزة.
مال حمزة قليلًا إلى الأمام، وقال بصوتا هادئ لكنه يحمل إصرارًا
اسمعني بس يا عمو يوسف رافض يرجع، وشمس نقطة ضعفه يمكن لما نقرب الفرح، يلين ويرجع علشانها.
ضرب إلياس بيده على ذراع الكرسي
قولت لا!
نهض واقفًا، وصار صوته أقسى
هو لو عايز يرجع هيرجع من غير ما حد يضغط عليه.
انتفضت شمس واقفة، واردفت بصوت مرتجف، بينما لمعت الدموع في عينيها
بابا أنا يوسف وحشني، أنا عايزاه يرجع، حضرتك وعدتني، ليه بتكسر وعدك؟
عدى شهور اهو ومحدش يعرف عنه حاجة
ولا حضرتك مبسوط، انا بتقطع وأخويا بعيد عني.
تجمد إلياس للحظة، وكأن كلماتها أصابته في مقتل، لكنه تماسك سريعًا، وقال بصوت منخفض يحمل حدة مكبوتة
شمس
اقترب منها خطوة، ونظر في عينيها بعمق
أخوكي لو عايز يرجع مش هيستنى فرحك علشان يعمل كده، سيبيه ياخد وقته.
ظلت تنظر إليه برجاء طويل، نظرة مستنجدة، كأنها تتشبث بأي أمل
لكنه انحنى وأخذ مفاتيحه، متجنبًا عينيها.
وقال وهو يتجه نحو الباب.
أنا رايح المطار أجيب عمتك وجدتك، ومش عايز حد يبين قدامهم أي حاجة، يوسف سافر شغل وبس.
ثم التفت إلى حمزة، بنبرة لا تقبل نقاشًا
خلي بالك منها بدل ما تحاول تقنعني، وانت عارف إني مش هغير رأيي.
وقالها وغادر
بمديرية أمن القاهرة
دلف اليه احد العساكر
جاسر باشا، صاحب الكارت دا عايز يقابل حضرتك
قرأ الأسم فنهض متوقفًا يشير إليه
دخله فورًا
دلف ارسلان وابتسامة ممتنة على وجهه
جاسر باشا الألفي.
ابتعد عن مقعده يرحب به بشكل يليق بمكانته
ازيك ياجاسر، عامل ايه
الحمدلله ياباشا، وحضرتك عامل ايه
حضرتي كبرت ياسيدي، يارب تكون كويس والعائلة الكريمة
اه الحمدلله كلنا كويسين، نورت المكتب والله
مبروك الترقية الجديدة ياعم
الله يبارك في حضرتك
هدخل في الموضوع علشان معطلكش
اخرج مظروف صغير ووضعه أمامه
عايز ظابط يكون أمين، يعرف يتعامل مع الراجل دا
امسك المظروف الذي يحتوي على بعض الصور، والاوراق.
اوووه، مين المتعدد الجنسيات دا
دا اللي عايزين نعرفه
ليه هو عمل حاجة ولا إيه
تراجع ارسلان بجسده
دا بيحوم حول اسر ابن يزن، داخل كعميل، حاولت اجيب عنه معلومات، لكن مالقتش غير الاوراق اللي قدامك دي، شكيت، قولت لازم ادخلك في الموضوع
تمام، اديني يومين واجب لك كل مايخصه
خلي بالك لانه محصن نفسه أوي، لازم حد ثقة نعرف نتعامل معاه
اممم. طيب هشوف وارد عليك، بس ليه شكيت يكون وراه حاجة.
لما تشوف السديهات هتعرق، وكمان باقي صوره
لما شوفت الوشم شكيت أنا كمان
بالظبط، يبقى دا مش مجرد رجل اعمال، وليه اسر إلا اذا
صمت ليقاطعه جاسر
تصفية حسابات
اقترب ارسلان بجسده
أنا ممكن اقتله بدم بارد، لكن فيه علامات استفهام، انتوا أولى بيها، ومحبتش ادخل شغلي فيه، أكيد فاهم
اكيد، تمام خلال يومين اكون عرفت كل حاجة
نهض ارسلان يغلق حلته.
دا أنا واثق فيه، بس لازم من الجهات المختصة، أكيد فاهم قصدي.
مضت شهورا اخرى.
بمنزل يزن
كانت تعمل على جهازها، دلفت اليها سدن
مشغولة
لا حبيبتي. مش قوي تعالي
تحركت وجلست أمامها
بقولك عايزة انزل اشتغل معاكي، اهو اتعود، عجبني شغل اسيا
اممم، طيب ياستي كدا كدا اسيا هتسيب مكتب اسر، وهتنزل تدرب في الشركة، استلمي مكانها
هشتغل ايه
ماهي هندسة واشتغلت عادي، لحد ماتخلصي بقى الكلية، وبعد كدا نشوف
تمام هكلم بابا يقول لاسر
ربنا يوفقك حبيبتي.
كانت ايمان تقف بخارج الغرفة تستمع اليهم، وصلت إليها رحيل
واقفة كدا ليه
استدارت مبتسمة
فرحانة اوي، الحمدلله البنات خلاص بدأو يرجعوا لطبيعتهم، ونسيوا السفر، وبقوا يتعاملوا على اساس انهم مسلمين، وفهموا الحلال والحرام، اه مش قوي لكن احسن.
ربتت رحيل على ظهرها بحنان
قولت لك هتعايشوا، كويس انكم رجعتوا
وضعت كفيها على صدرها
قلبي كان هيوقف، مهما اتكلمنا معاهم كان من غير نتيجة
سحبت كفيها واتجهت الى الطاولة
تعالي ارتاحي، والحمدلله، البنات كويسة
دمعت أعين ايمان
الحمدلله، عايزة اقولك لما اسيا جت وقالت عايزة تعيش مع صاحبها عادي وانها كبرت، وخلعت حجابها وقالت تخلف، كنت هموت فيها
المهم انهم اتقبلوا، وشوية شوية هيغيروا من لبسهم.
يارب يارحيل، انا كنت فقدت الامل
بالداخل بعد خروج سدن
استمعت الى رنين هاتفها، رفعته
ايوة
ازيك يابنت خالي وحشتيني
هبت من مكانها
يوسف، انت فين، وحشتنا أوي
أنا كويس، خالو عامل ايه واسر
كلنا كويسين، ليه عملت كدا، ضي تعبانة اوي
رولا علشان معنديش وقت، عايزك تقولي لبلال ياخد باله من شمس، مش عايزها تحس بغيابي، مش عارف اتواصل معاه
بلال عمره ماهيكون مكانك
بس قولي له كدا، وهو هيتصرف
أنا لازم اقفل، عندي شغل
يوسف استنى.
صمت يستمع اليها
يوسف انت فين، والله ضي هتموت من غيرك
شايفك ماموتيش من غير بلال يابنت خالي
احنا غير...
رولا لازم اقفل
قالها واغلق الخط، مستديرا الى داخل المشفى، دلف بخطواته الواثقة من يراه، يزعم انه كان مستقرًا منذ سنوات بتلك المدينة.
يوسف
استدار على الصوت، توقف
تحركت سريعا اليه وابتسامة تشق ثغرها
صباح الخير على ابن بلدي
ابن بلدك
ايوة، المصريين والسوريين اشقاء
اومأ لها ثم خطى بجوارها
لكن حضرتك مش سورية.
ايه. البابا اصله سوري، انا اه معشتش فيها، لكن البابا بياخدنا زيارات
اممم
توقفت أمامه: ايه رأيك نتغدى مع بعض النهاردة
اسف مش فاضي، بعد اذنك يادكتورة
يوه مش قولنا نشيل التكليف، انا اسمي لارين. موصعبة
هو انتي لارين ولا نارين. ضحكت قائلة: التنتين، وممكن تسمع اسم تاني هنا بقى بيقولوا على هنا ايفا
طيب بعد اذنك اتأخرت
اوكيه، هنتظرك على الغدا
لم يرد عليها وتحرك للداخل.
دلف وجد الطاقم الذي يعمل لديه بالغرفة، وهناك وجوه جديدة.
خطا الى مكتبه، ومنه إلى جهازه
غمز احدهم الى الاخر
لماذا هذا يفعل هكذا
لوح برأسه: اتركه وشأنه، انه طبيب قلب مصري، وليس له بأعمالنا.
اوووه صدقًا مصري
موسى، انه ليس كمثل الاخرين، وانه ينتمي لتلك المجموعة
نهض بعد ماالقى سيجاره
اود التعرف عليه
امسك كفيه وتوقف الاخر بمقابلته
انه مصري يارجل
لهذا اعجبني كثيرًا
قالها واتجه الى يوسف المنشغل بعمله.
مرحبًا، لا أعتقد أننا التقينا من قبل. أنا الدكتور موسى، تخصص نساء وتوليد.
تشرفت بمعرفتك يا دكتور موسى. أنا الدكتور يوسف، تخصص قلب.
طالعه موسى متسائلا
تشرفت. هل أنت جديد هنا أم أنني فقط لم ألاحظك من قبل؟
انضممت منذ ثلاث اشهر.
آه، . كيف تجد المكان حتى الآن؟
اجابه يوسف
الأمر جيد الفريق متعاون، وهذا يجعل الأمور أسهل
هز الاخر رأسه
هذا مريح دائمًا. الفريق الداعم يمكن أن يصنع فرقًا كبيرًا في المستشفى.
بالضبط، خاصة عندما تتراكم الحالات.
قالها يوسف. بينما اردف موسى: أتخيل ذلك. تخصص القلب عادة يكون مرهقًا جدًا.
أومأ له: نعم لكن أعتقد أن كل تخصص له صعوباته. والنساء والتوليد أيضًا يبدو مرهقًا.
بالفعل. هو مزيج من الفرح والضغط—أحيانًا في نفس الساعة.
أستطيع أن أرى ذلك. إدخال حياة جديدة إلى العالم هذا شيء مميز.
بالفعل هو كذلك. لكنه يأتي أيضًا مع نصيبه من التحديات.
ضحك يوسف قليلا: الأمر مشابه عندنا، إنقاذ الأرواح من جهة، والقلق الدائم من الطوارئ القادمة من جهة أخرى.
تراجع موسى
حسنًا، يبدو أننا في المكان المناسب إذن.
يبدو ذلك.
سعدت بلقائك يا دكتور يوسف. أنا متأكد أننا سنتقابل كثيرًا.
وأنا أيضًا ي دكتور موسى. أراك لاحقًا.
تحرك موسى وهو يغمز لاخر
لا يوجد صعب عند موسى.
بالفعل، لكن لا تسعد كثيرا. انك قولت له موسى وليس موشيه.
عند رولا
دلفت الى منزل ارسلان
ازي حضرتك ياطنط غرام
ازيك يابنتي عاملة ايه
كويسة، ممكن تنادي بلال، عايزاه في موضوع مهم
طالعتها غرام بتردد ثم اشارت للداخل
ادخلي له هو جوا في مكتبه
لا هستناه هنا
اقتربت غرام تحدقها
انتي زعلتي من اخر كلام بينا، رولا أنا بعتبرك زي ضي
شكرا لحضرتك، فيه موضوع يخص شمس، ممكن تناديه
مالها شمس، حصلها حاجة؟!
قالتها غرام بلهفة، تكورت الدموع بأعين رولا، من لهفة غرام بسؤالها عن شمس، تمنت انها تصبح مكانها، ابتعدت بنظراتها قبل خطواتها وهي تقول: كويسة متخفيش...
جلست على المقعد بالخارج تنظر أمامها بشرود
بداخل المكتب، كان منشغلا بعمله، دلفت والدته
رولا برة وبتقول عايزاك علشان موضوع يخص شمس
برة، ليه مدخلتش، حضرتك زعلتيها
لا يابن ارسلان، هي اللي رفضت
نهض واتجه اليها: قاعدة كدا ليه
رفعت نظرها اليه، ثم نهضت.
يوسف كلمني، بيقولك خلي بالك من شمس
تمام. فيه حاجة تانية
رمقته بشك: كأنك مش متفاجئ يعني
لاني عرفت مكانه، وهسافرله بعد يومين
عرفت مكانه. طيب ماقولتش ليه
هقول ايه، هو انا بشوفك اصلًا، حضرتك مشغولة مع زباينك
مابقولش ليا، كان الاولى ابوه يعرف
عمو إلياس عارف من زمان، هو اللي مش عايز يقول
قصدك ايه؟!
مقصديش حاجة. ليه مادخلتيش، انا مش قولت لك اقطعي مع الراجل اللي كل شوية ينط لك في المكتب دا
رفعت حاجبها ساخرة.
لا متقولش انك غيران منه، هو أنا بدخل في شغلك، ماهو انت لسة بتروح لست كارما
غيرة ايه يامجنونة الراجل دا مش مريح، وبعدين دي غير دي
انا ميهمنيش اصلًا، تروح ولا ماتروحش
رولا هضربك على وشك، مش عايز غباء، هنرجع نعيده تاني
غيرت مجرى الحديث
ضي فين؟!
في مكتبها.
تمام قالتها وتحركت متجهة الى ضي، دلفت اليها
عند ضي
كانت تدندن بخفوت، غارقة في شغلها
ترسم، تعدّل، وتبتسم لنفسها برضا بسيط.
دلفت رولا بهدوء، توقفت خلفها لحظات، تراقبها، ترى انها اصبحت افضل من السابق
سحبت نفسًا ببطء، ثم تقدمت وجلست أمامها
رفعت ضي عينيها بسرعة، ثم رفعت الورقة بابتسامة خفيفة
إيه رأيك في الموديل ده؟ هسميه “البرنسس”.
مطّت رولا شفتها وهي تتأمل التصميم
حلو رقيق زيك.
سكتت لحظة، ثم نطقت بتردد
بقولك عندي فكرة بس مش عارفة طنط إيمان هتوافق ولا لأ.
إيه رأيك آسيا تقدم الموديل ده في حفلة الافتتاح؟ بصراحة مش شايفة حد هيبقى أحسن منها
لم ترد عليها رولا كانت مازالت غارقة بحديث بلال
قطّبت جبينها
مالك يا بنتي؟ ساكتة ليه؟
اردفت رولا بهدوء قاتل:
بلال هيسافر ليوسف، عرف مكانه
سقط القلم من يدها، ورجفة قوية سيطرت على جسدها بالكامل. ابتلعت غصتها
بتقولي لي، مبقاش يهمني
ضي ايه اللي حصل بينك وبين يوسف.
رولا عندي شغل، الشخص اللي بتقولي عليه دا أنا خلاص، حر. قته واصبح رماد، قالتها بغضب
طيب اهدي، أنا بدردش معاكي، أصلي مجربة وجع الحبيب، ويوسف كان بيحبك
القت الورق بعصبية على الارض
مش عايزة اسمع اسمه تاني، سمعتيني كأنه مش موجود في الدنيا
خلاص أنا اسفة، انا بس بقولك علشان اللي عرفته عمو اسحاق عنده دلوقتي، واكيد عمو الياس هو كمان هيروح، ومستحيل يسيبه
صرخت بقوة كأنها ليست تلك التي كانت تدندن منذ قليل.
مش عايزة اعرف عنه حاجة، سمعتيني، الشخص دا محدش يجيب سيرته قدامي، يجي ولا عنه ماجه، ولا بقى فارقلي حتى
نهضت من مكانها بعصبية مفرطة. تجمع الورق الذي سقط على الأرض، لاحظت رولا ارتجاف جسدها. اقتربت منها ولكنها اوقفتها وهي تشير بيدها
ماتقربيش مني، أنا كويسة
قالتها وتحركت للخارج، مع وصول والدها. اقتربت منه كالتي فقدت عقلها، ثم اردفت بكلمات ماجعله يتوقف عاجزًا.
انا مستحيل اكون في مكان واحد مع الشخص اللي قتلني سمعتني، لو رجع تاني أنا همشي من هنا
قالتها ودلفت للداخل
كانت رولا تراقبها: ياترى بعد قصة الحب العظيمة دي يابن خالي ليه ضحيت بدا كله
قاطعها رنين هاتفها
ايوة يامستر معتز
اهلا استاذة رولا، اتأخرتي عن موعدنا
أوبس اسفة، هجيب التصميم لحضرتك حالا. اسفة رجاء التمس لي العذر
قهقه وهو يرد عليها
جميع الأعذار لك سيدتي
خلال نص ساعة هكون عندك
عند بلال بعد فترة.
كان يقلب بأدراجه، وقعت عيناه على احدى السديهات، ضيق عيناه
بتاعة ايه دي، حاول التذكر ولكن خانته ذاكرته، اخرجها ووضعها بالجهاز، وانتظر أن تفتح
دلفت اليه ضي تتطلع إليه بحزن
هتروح له يابلال
فهم ماتعنيه، توقف واقترب يحاوط كتفيها
ضي. عارف انك زعلانة منه، بس دا مش مجرد ابن عم وبس، دا اخويا وتوأم روحي، لازم اقنعه يرجع
انتفضت بعيدا عن أحضانه، رغم اشتياقها القاتل له.
تمام يابلال، روح له، واطمن عليه، لكن افتكر، الشخص دا لو رجع يبقى بتقتلني
قالتها وركضت للخارج، تخطو بخطوات مترنحة، خرج خلفها يبحث عنها، التقطتها عيناه وهي تتجه الى الحديقة الخاصة للكمبوند، تحرك خلفها، وجدها تجلس على احدى الارائك تبكي بصمت، تريد أن يعود، ولكن عقلها يصرخ بعودته
جلس بجوارها، وسحبها لأحضانه
حبيبتي انتي مرتاحة كدا.
اغمضت عيناها، ولم تجب
رفع ذقنها ينظر إليها: انتي فعلا مش عايزه يرجع.
اشار الى قلبها وتابع حديثه
دا مرتاح وهو بعيد
هو اللي باع
هز رأسه بالرفض: يوسف مستحيل يبيع، أنا متأكد انه مخبي حاجة
خليك مخدوع فيه، قطع حديثهم رنين هاتفه
دكتور مدام رولا خرجت مع الشخص اللي قولت نراقبه
خرجت فين
رد الرجل قائلًا: العربية متجهة ناحية المهندسين
هب من مكانه وقال: خليك وراهم وانا جاي
انحنى يقبل جبين اخته
ارجعي الكمبوند، ولما ارجع هنتكلم
انت هترجع ولا هتروح لكارما
كارما مين
ابتسمت وتوقفت أمامه.
نسيت مراتك يادكتور
ارتدى نظارته: مراتي مجننة ابويا، ولازم ألحقها دلوقتي
سلام
راقبت تحركه تهمس
ربنا يريح قلبك يابلال
عند رولا ترجلت من السيارة، تشير الى المبنى
البرج دا تبع حضرتك
اشار إليها بالصعود
اه تبع حضرتي، ماهو دا اللي عايزك تعينيه، لاني كنت مسافر، وخايف بعد التشطيب يجي عليه مخالفات
تمام. بس لحظة اتصل بالمساعد بتاعي
لا لا، مساعد ايه، فيه حد امين معايا فوق. هيساعدك.
توقفت لحظة: اسفة، لازم المساعد الخاص بيا
التهمتها نظراته وذكريات تلك الليلة تضرب عقله، وهي امامه، ابتلع ريقه بصعوبة، لا يريد أن يربكها، ويتركها بتلك السهولة، ابتعد عنها ورفع هاتفه. تحدث مع احدهم وهي منشغلة بهاتفها، نظرت إليه: مسافة السكة وهيكون هنا، بعت له اللوكيشين
طيب هنفضل مستنينه في الشارع، فيه عمال فوق يعني متخافيش
لا اسفة
قاطعهم صراخ أحد الأشخاص.
اسعاف، الراجل وقع من فوق السقالة هيموت، اسعاف ياناس
ركض للداخل وهو يقول: تعالي نشوف الراجل دا بيصرخ ليه
توقفت مترددة، وعيناها على تحركه السريع. استمعت إلى رنين هاتفها، رفعته وجدته بلال، نظرت للهاتف، ثم اغلقته وتحركت خلفه بتردد الى أن دلفت للداخل.