قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السابع والخمسون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السابع والخمسون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السابع والخمسون

هبَّ من مكانه واقترب منها: رولا، إنتي فاهمة غلط.
أومأت كارما بسرعة: مش زي اللي في دماغك.
ابتسامة ساخرة شقَّت ثغر رولا وهي تدنو منه خطوة: معنديش مشكلة يا بلال تتجوِّز ولَّا لأ هيَّ زي غيرها.
ثم التفتت إلى كارما بعينينِ يكسوهما احتقارٌ هادئ: إنتي اللي فاهمة جوازنا غلط. ممكن الدكتور يكون طموحك، لكن مش طموحي، وهوَّ فاهم كلامي كويس.
استدارت تتحرَّك بخطواتٍ سريعة.

كانت مهزوزة من الداخل، لكن كعب حذائها كان يطرق الأرض بعنف، كأنَّها تدقُّ على قلبها المشتعل.
نيرانُ صدرها تريد أن تصهرها قبل أن تنفجَّر.
نظرت كارما إلى بلال بارتباك: هيَّ فهمت إيه؟ الحقها، مكنشِ قصدي.
سحب مفاتيحه بعصبيَّة واندفع خلفها.
كان انهيارًا كاملًا يجرُّه نحو ظلامٍ كثيف لا يرى آخره.
ركض حتى توقَّف أمام سيارتها، يلوِّح بيده: رولا، استني إنتي فهمتي غلط!
لكنَّها لم ترَ فيه سوى خائن.

نظرت إليه نظرة لو تحوَّلت لسلاحٍ لقتلته بلا تردُّد.
اقترب من باب السيارة: رولا
أدارت المحرِّك بعنف، وانطلقت بسرعة جنونية، كأنَّها تهرب منه أو من نفسها.

استقلَّ سيارته وانطلق خلفها، صدره يعلو ويهبط كأنَّ أنفاسه تتلاحق مع الطريق. دقائق قليلة وكان أمام المنزل، ترجَّل مسرعًا. دلف للداخل بخطواتٍ متردِّدة حتى بلغ غرفتها.
فتح الباب وتجمَّد.
كانت جالسة على طرف الفراش، تنظر في نقطةٍ ما، كأنَّها تتعمَّد الصمت ليكون عقابًا. لم تلتفت، ولم تتحرَّك. جلوسها المريب وخز قلبه.

اقترب بخطواتٍ بطيئة، عيناه لا تفارقانها، جلس إلى جوارها متنهِّدًا، كأنَّ النفس ثقيلًا على صدره. طالَعها بنظراتٍ موجوعة، ابتلع ريقه بصعوبة، وعيناه تفترس ملامحها.
ثم قال بصوتٍ خافت، مكسور: عارف إنِّي غلطت بس الجواز مش زي ماإنتي مفكَّرة، دي كانت حالة إنسانية، علشان أنقذها من طليقها. والله مافي بينا حاجة، وكنت رايح أطلَّقها، ولو مش مصدَّقة خدي رقم المحامي وكلِّميه.

لم تنظر إليه، اكتفت بجملةٍ خرجت باردة كالسِّكّين: اطلع برَّة مش عايزة أسمعك، ولا عايزة أشوفك قدَّامي.
مدَّ يده واحتضن وجهها، ليجبرها أن تنظر إليه، تعمَّق بعينيها: واللهِ مافي حد في قلبي غيرك، أوعي تظلميني بالحكم ده ده كان مجرَّد ورقة واتكتبت في قسم الشرطة.
دفعته بغضب، ونهضت من مكانها بعنف، تشير إلى باب الغرفة ويدها ترتجف: اطلع برَّة! مش عايزة أشوفك قدَّامي.
رولا.

صرخت فجأة، وضعت كفَّيها على أذنيها كمن يحاول الهروب من صوته: حقير واطي، مش عايزة أشوفك!
اندفعت نحوه كالمجنونة، راحت تلكمه بقوَّة، ودموعها تنهمر بلا توقُّف، تغرق وجهها وتشوِّه كلماتها: أنا نظرتي فيك كانت صح.
لكزة قوَّية استقرَّت في صدره: أنا غلطانة وبتأسِّف لنفسي إنِّي كمِّلت جوازي منَّك! إنتَ تستاهل واحدة زي اللي اتجوِّزتها أهو لايقين على بعض.

وقف ثابتًا رغم الألم، وحاول أن يتحدَّث: مش هردّ عليكي علشان عاذرك.
ضحكت بسخريَّة موجوعة، اقتربت أكثر: لا والله؟! لا ردّ. لو عندك نخوة ورجولة، رد.
في لحظة واحدة سحبها بقوَّة، ضغط على خصرها وقال بنبرةٍ غليظة، مهدِّدًا، وعيناه تغيَّرت: المرَّة اللي فاتت عدِّيت علشان ظروفك إنَّما هتطاولي بالكلام؟ صدَّقيني هتشوفي واحد تاني.
سكنت فجأة بين يديه لكن عينيها كانتا تحترقانه، لا خوفًا، بل انكسارًا.

ثم دفعته بقوَّة صارخة: لا! ورِّيني الوشِّ التاني. اطلع برَّة، مش عايزة أشوفك قدَّامي!
طالعها للحظات، نظرة طويلة كأنَّها آخر ماتبقَّى له، ثم انسحب إلى الخارج بصمتٍ ثقيل.
ماإن أُغلق الباب حتى ثارت جيوش غضبها، راحت تحطِّم كلَّ ماتطاله يدها، زجاج، أشياء، ذكريات حتى صارت الغرفة ساحة فوضى، متناثرة مثل قلبها.

بينما في الخارج هوى على المقعد، دفن رأسه بين راحتيه، وصوت بكائها بالداخل يخترق أذنيه كعويلٍ جامح، يمزِّق ماتبقَّى من تماسكه.
ثم جاء صوتها، مبحوحًا، قاتلًا: أنا بكرهك أنا بكرهك، سمعتني؟!
انطبقت جفونه بألم، وكأنَّ الكلمات تُلقى عليه حجرًا حجرًا.

دقائق الى أن هوت على الأرضية بعد أن خانها الإرهاق. زحفت حتى استندت إلى الجدار، ترفع رأسها إلى الأعلى بعينينِ غارقتينِ بالدموع، شاهدة على انهيارٍ كامل لا صراخ فيه، ولا قوَّة، فقط وجعٌ عارٍ.

بمنزل يزن، وتحديدًا بغرفة آسيا وسدن، كانت الفتاتان تجمعان ملابسهما، فجأةً استمعا إلى طرقاتٍ على باب الغرفة، فأذنتا بالدخول. وما إن استدارتا حتى ركضت سدن أوَّلًا نحوه بحماس:
‏Anas! Oh my God، I missed you so much!
أنس! ياإلهي، اشتقت لك كثيرًا!

ضمَّها أنس رافعًا إيَّاها عن الأرض وهو يضحك:
‏I missed you too، little one.
وأنا كمان اشتقتُ لك يا صغيرة.

في تلك الأثناء، توقَّفت آسيا مكانها، عقدت ذراعيها أمام صدرها ونظرت إليه بغيظٍ مصطنع:
‏ only Suden missed you I m upset، officially mad at you.
يعني. سدن بس اللي اشتاقت لك؟ أنا زعلانة ومعلنة الخصام رسميًا.

اقترب منها بسرعة، جذبها إلى أحضانه، وانفجرت ضحكاته وهو يقول:
‏Come on، how could I handle Princess Asia being mad at me
تعالي، إزاي أقدر أستحمل إنِّ الأميرة آسيا تكون زعلانة منِّي؟

ثم أشار إلى سدن بابتسامةٍ مرحة:
‏She literally flew at me you saw that. She s like a little dove.
دي حرفيًا طارت عليَّ إنتِ شفتي، صغيرة زي الحمامة.

رفعت آسيا حاجبها بتهكُّم خفيف، قبل أن تبتسم رغمًا عنها.

قاطعهم دخول كريم: حمد الله على سلامتك حبيبي، إحنا هننقل في بيتنا النهاردة، مش بعيد في نفس المكان، وكمان عايز منكم تتكلِّموا عربي بلاش الإنجليزي يا آسيا، عارف إنُّكم صعب تتأقلموا بسرعة، بس دلوقتي كلِّ حياتنا بقت هنا.
التفتت آسيا إلى أنس: إنتَ رجعت خلاص، مش هتسافر تاني؟
التفت إلى والده الذي أومأ برأسه وقال: بابا عايز كدا، وخلاص بقى، مصر جميلة.

تأفَّفت متراجعة إلى الحقيبة، بينما تراجعت سدن: «أنا عايزة أرجع أمريكا أنا محبِّتش مصر. »
قاطعهم كريم: تعال يا أنس، شوف خالك حبيبي قبل ماينزل. اتَّجه إلى آسيا وسدن: هشوف خالو...
جلست آسيا على حافَّة الفراش، عيناها معلَّقتانِ في شرود، لكزتها سدن بمرفقها وهي تطوي آخر قطعة ملابس: «إيه؟! أنس جه، كده مش هنعرف نسافر. ».

همست آسيا دون أن تلتفت: «عارفة، لازم نفكَّر في حاجة تانية. »
سكنت ملامحها، ثم امتدَّت يدها ببطء إلى هاتفها. راحت تتصفَّح، تتوقَّف، تعود، تهمس لنفسها بكلماتٍ مبتورة، كأنَّها تركِّب خيوط لعبةٍ معقَّدة.
انتهت سدن من جمع الملابس، عادت تلكزها بضيق: «آسيا، مالِك، قاعدة كده ليه؟ مخلَّصتيش هدومك ليه؟ ».

نظرت آسيا إلى الحقيبة نظرة عابرة، ثم قالت بهدوءٍ محسوب: «خلَّصي إنتِ، وأنا راجعة. »
شدَّت سدن ذراعها بقلق: «رايحة فين؟! »
ارتسمت ابتسامة خفيفة على شفتي آسيا، ابتسامة لا تشبه البراءة: «في حاجة هجرَّبها »
في مكتب آسر، كان يجمع ملفَّاته بعجلة، يضعها داخل حقيبته وهو يتحدَّث في الهاتف: «أيوه تمام ساعة بالكتير وأكلمك، أوَّل ماأوصل المكتب نتكلِّم. ».

دخلت آسيا، وتوقَّفت قرب الباب، تنتظر.
أنهى المكالمة بعد دقائق، رفع بصره إليها باستغراب: «واقفة كده ليه؟ »
«عايزة أتكلِّم معاك. »
نظر إلى ساعته، ثم عاد ينظر لها بفتور: «لو على المكتب، إنتِ براحتك كده كده مش محتاجك معايا، وجودك زي عدمه. ».

اقتربت، وعقدت ذراعيها بثبات: «مع إنِّي مش فاهمة معنى كلامك، بس شكله مش كويس. لا، هنزل الشغل، وعايزة تعلِّمني كلِّ حاجة بجد. »
قطّب جبينه وقال: «كلامك آخر مرَّة مكنش كده. »
خطت خطوةً أخرى، حتى صارت أمامه مباشرة، ورفعت عينيها لتغوص في مقلتيه: «اتعوِّدت أكون معاك، وحبِّيت الشغل. ».

ظلَّ يحدِّق بها صامتًا، صراعٌ واضح يتخبَّط خلف نظراته، أخيرًا أشار بإصبعه: «ماشي بس بشرط، تغيَّري نظام لبسك. »
ردَّت فورًا، بلا تردُّد: «موافقة. »
زفر ببطء: «كده تمام، جهِّزي نفسك هشوف بابا ونمشي. »
في لحظة خاطفة، اقتربت منه، قبَّلته على وجنته واندفعت خارج الغرفة.

تجمَّد جسده. ودقَّات قلبه تعالت بعنف، ارتجفت أنفاسه، وامتدَّت أصابعه تلقائيًا إلى موضع القبلة. ابتسامة صغيرة شقَّت ثغره ثم انتبه فجأة، وكأنَّ صفعة داخلية أيقظته: «اتجنِّنت يا آسر؟! إزاي تسمح لها تقرَّب منَّك كده؟ دي بنت خالك وإنتَ فرحان! دي متحرِّرة، ولازم توقَّفها عند حدَّها. ».

تنهَّد، يفرك جبينه بعصبية، ودار حول المكتب: «وبعدين بقى أنا كنت بدأت أطلَّعها من قلبي، دي ماتنفعنيش. »
خارج المكتب، كانت آسيا تستند إلى الباب، أذنها لا تزال تلتقط صدى كلماته.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة انتصارٍ باردة.
«هشوف يا حضرة الأفوكاتو هتساعدني إزاي. »
تنفَّست بعمق، وحدَّثت نفسها: «لازم تفكَّري كويس يا آسيا ابن خالك ذكي. اللعبة دي محتاجة ترتيب أدق. ».

بمنزل يوسف.
دوى رنين الهاتف أثناء انشغالها ببعض التصاميم. نهضت ضي عن مكتبها بتكاسل، ابتسامة خفيفة ارتسمت تلقائيًّا على شفتيها قبل أن ترد: «رولا وحشتيني، مش كفاية عسل. »
لكن صمتت حين جاءها صوتها مكسورًا، وشهقاتٍ مرتجفة. بكت رولا وهي تهمس بتقطُّع: «اتجوِّزها يا ضي وكسر قلبي، أخوكي كسرني. أخد حقُّه منِّي. ».

تجمَّدت ضي، لم تفهم. الكلمات التي تمتمت بها: «إنتِ بتتكلِّمي عن إيه! ممكن تبطَّلي عياط وتفهِّميني؟ »
تردَّدت، ثم همست بحروفٍ تحرق القلب قبل الشفاه: «بلال »
شهقت، وأكملت: «اتجوِّز حبيبته، ضحك عليَّ أخوكي ضحك عليَّ. »
انتفضت ضي واقفة، وارتجف قلبها بعنف: «إنتِ تقصدي إيه. بلال متجوِّز؟! لا أكيد فاهمة غلط. ».

«آه ». أنين خرج من صدرها كاللهيب.
تضع كفَّيها على صدرها، وكأنَّ قلبها يتمرَّد عليها: «ياريت أكون فاهمة غلط، ياريت يكون كابوس وأفوق منُّه. »
«رولا فهَّميني بس، إزاي ده حصل؟! »
مسحت دموعها بعنف، وصاحت بغضبٍ ممزوج بالوجع: «وحياة حرقة قلبي لأدوس عليه وحياة حرقة قلبي منُّه لأندِّمه على كلِّ وجع عيِّشني فيه! »
وأغلقت الهاتف.

ألقت به بقوَّة على الأرض، فتهشَّم، وضغطت كفَّيها على أذنيها، تحاول إسكات عقلها الذي يصرخ: روحي له خدي حقِّك.
عند ضي.
أنزلت الهاتف ببطء، تتمتم بذهول: «معقول، بتقول الحقيقة؟! »
قطع شرودها رنين هاتفٍ آخر: «مدام ضي، في شركة وصلت تقابليهم ولَّا نلغي؟ »
نظرت إلى ساعة يدها، وقالت: «لا أنا جاية. ».

أغلقت الهاتف، وجمعت أوراقها بيدٍ ثابتة على غير مابداخلها وخرجت للاجتماع، تحتمي بالعمل من الصدمة.

بقصر الجارحي.
رفع نظره من فوق جهازه مع دخول دينا، تشير للخادمة: «حطِّي القهوة. »
انسحبت الخادمة بهدوء، واقتربت دينا منه: «خلَّصت الشغل ولَّا لسه؟ »
مال بظهره للخلف، وفرك جبينه: «شوية، كده كده خلَّصت المهم. إنتِ خلَّصتي وكلِّمتي غرام؟ »
استندت على حافَّة المكتب وأومأت: «أيوه قالت أرسلان موجود، بس حاسَّة صوتها متغيَّر. ».

قطب جبينه: «تقصدِي إيه؟ »
«معرفش مش زي كلِّ مرَّة، حسِّيت إنَّها عايزة تخلَّص المكالمة وخلاص. »
تنهَّد: «طيب اطلعي اجهزي، حمزة على وصول، وأنا أخلَّص الباقي، خلَّصي إنتِ وشوفي عمران. »
ابتسمت: «ماشي حبيبي، هطلع وأكلِّم عمران وإنتَ حاول متتأخَّرش، نفسي مرَّة نروح لهم بالنهار. »
أومأ مبتسمًا.
انحنت تطبع قبلة على وجنته، ثم غادرت.
عند حمزة.

خرج من غرفته مسرعًا، فأوقفه أحدهم: «القائد عايزك يا كابتن حمزة. »
نظر إلى ساعته بضيق: «وبعدين بقى »
تنهَّد، وتحرَّك للداخل: «أؤمر يا فندم. »
أشار له القائد بالجلوس، جلس على مضض، عينه لا تفارق الساعة.
«مش هعطَّلك. »
أخرج ورقة ودفعها أمامه: «شوف دي. »
تصفّح حمزة الورقة، زفر اختناقًا، وهمس: «وبعدين بقى يا بابا ».

ابتسم القائد بخفَّة: «مش باباك ده اللوا خيري، شايفك مؤهَّل للمركز ده. »
أعاد الورقة بهدوء، وقال باحترام: «مع احترامي يا فندم، أنا مرتاح في وظيفتي. مش حابب أسيب جوّ الطيران. »
«ماهو ده طيران برضه. »
«بس أنا بحبِّ التدريب العملي والمغامرة ماليش في جوِّ النظريات. »
هزَّ القائد رأسه: «تمام يا حمزة، كان مجرَّد اهتمام. ».

«تشكر يا فندم على الثقة. »
مضى ساعتين، إلى أن وصل إلى كمبوند الشافعي، ترجَّل من سيارته أوَّلًا، ثم توقَّف ينتظر والده ووالدته، خرج إلياس وميرال لاستقبالهم.

دلف الجميع للداخل بعد الترحيب بهم، جلست دينا بجوار ميرال وظلَّا يتحدَّثان في مختلف المواضيع الى أن وصلت شمس ملقيةً تحيَّة المساء، رفع عيناه إليها، ولمعت بالسعادة، توقَّف الياس يحتضن كفَّها: تعالي يا بابا جنبي.
ابتسم إسحاق بحنان وهو ينظر إليها: عروستنا الحلوة عاملة إيه؟
تورَّدت وجنتيها تفرك بأناملها وهي تقول: كويسة الحمد لله يا عمُّو، حضرتك عامل إيه؟

الحمد لله حبيبتي، التفتت إلى دينا التي تنظر إليها بصمت: إزي حضرتك يا طنط دينا؟
كويسة حبيبتي، بعد إذن باباكي، تعالي جنبي هنا.
نظرت لوالدها الذي أومأ لها بعينيه، ثم نهضت من مكانها بهدوء وجلست بجوارها.
كلُّ هذا وأعين حمزة لم تتزحزح من عليها.
عاد بنظره لوالده حين قال: شوف الوقت المناسب ونكتب الكتاب، وزي ماقولت الدخلة هتبقى بعد ماتخلَّص.
أومأ إلياس بتفهُّم وقال: على أوَّل الشهر الجاي إن شاء الله.

ليه شهر يا عمُّو، حضرتك قولت بعد أسبوعين.
معلش حبيبي لازم أسافر ببابا الأسبوع الجاي، عنده مراجعة ومعرفش الظروف.
خلاص يا إلياس ترجع بالسلامة ونحدِّد لمَّا ترجع.
قاطعه حمزة: بعد إذن حضراتكم، نحدِّد يوم علشان شغلي، أعمل ترتيباتي.
خلاص حبيبي على 15 ربيع الأوَّل.
إن شاء الله، تمتم بها إسحاق وهو ينظر إلى نجله.
كدا داخلين على شهرين يا عمُّو، مش شهر.

التفت إليه إلياس: مقدرش أقول ميعاد قبل كدا وأنا مش عارف ظروفي.
خلاص يا حمزة مافرقتش. أومأ على مضض قائلًا: خلاص على بركة الله، نهض من مكانه بدخول أرسلان: هاخد شمس ونقعد في الجاردن شوية.
أومأ إلياس وهو ينظر لابنته التي توقَّفت وتحرَّكت بجواره.
بينما نهضت ميرال تشير إلى دينا: نقعد في التراس شوية، ونسبهم براحتهم.
جلس أرسلان متنهِّدًا: مالك واتأخَّرت ليه؟
رولا راحت للبنت وبلال كان هناك.

عاد بجسده للخلف وهو يرمقه بصمتٍ للحظات ثم قال: دا اللي معملتش حسابه.
قصدك البنت اللي اتجوِّزها بلال، تمتم بها إسحاق، طالعه إلياس: عايزين نخرَّج البنت دي برَّة مصر دون أذية، حاولت لكن اسمها على الممنوعين بسبب قضايا طلقيها.
هشوف كدا، مسح أرسلان على وجهه: تفتكر يزن هيقول إيه؟ أكيد بنته هتقولُّه.
سيب يزن عليَّ، المهم خلِّي بلال يطلَّقها.
ماهو كان رايح يطلَّقها، معرفش مين اللي عرَّف رولا؟!

خلاص يا أرسلان مضايقش نفسك وإن شاء الله البنت تتفهَّم الموضوع.
تفتكر يا إلياس رولا هتتفهَّم؟
ربِّنا ييسَّر الموضوع.
حمحم إسحاق: لو بلال ماادخَّلش وعرَّفكم من الأوَّل مكنش وصلتوا لكدا.
النصيب يا إسحاق باشا.
اتَّجه أرسلان إليه: عمُّو عملت إيه في موضوع حمزة؟ آسف انشغلت ونسيت أسألك.
ماله حمزة؟ تساءل بها إلياس.
زميل له في الشغل مشاغب شوية، على غيرة.
ضيَّق إلياس عيناه: مش فاهم تقصد إيه؟

متشغلش بالك، هتصرَّف الموضوع مش صعب، اللوا قال هينقلهم بعيد عن بعض.
ماتتهاونش بالغيرة يا إسحاق ممكن يؤذي حمزة.
والله يا إلياس أنا متابعه، وحاولت أنقله كذا مرَّة، لحدِّ إمبارح نقلوه في التدريس رفض.
حقُّه، دا شغله، وابنك مجتهد ماشاء الله ماوصلش للمكانة دي بسهولة، وخاصَّةً في سنُّه دا.
تنهَّد وهزَّ رأسه: خير إن شاء الله، أنا متابعه، وإن شاء الله ربِّنا يهديهم.

بالخارج، جلس جوارها يحدِّق أمامه بشرودٍ ثقيل، كأنَّ عينيه معلَّقتان على شيءٍ لا يُرى، بينما قلبه يغرق في مالا يُقال.
مالك يا حمزة؟
قالتها بهدوءٍ حذر، كأنَّها تطرق بابًا تخشى أن يُفتح.
التفت إليها ببطء، حدَّق في ملامحها مطوَّلًا قبل أن يبتسم ابتسامةً باهتة لا تشبهه: مفيش يا حبيبتي
ثم أردف وهو يطيل النظر في عينيها: إنتي اللي مالك؟ فيه حزن ساكن عيونك.

هزَّت كتفيها بخفَّةٍ مفتعلة، محاولةً التهرُّب من شعورٍ لا تعرف له اسمًا: معرفش، مخنوقة شوية. يمكن ملل، يمكن علشان انشغال يوسف الأيام دي.
سكتت لحظة، ثم نظرت إليه وكأنَّها تستمدُّ شجاعة اعترافٍ صغير: تصدَّق بقالي يومين مشفتوش، رغم إنِّ البيت جنب البيت.

انقبض صدره، لكنَّه أخفى ارتجافه سريعًا. سحب كفَّيها بين يديه وضمَّهما إلى صدره، كأنَّهما شيءٌ يخشى أن يضيِّعه: حبيبتي هوَّ معذور، متنسيش إنُّه دكتور والدكاترة حياتهم دايمًا كده. فاكرة لمَّا اتكلِّمنا في الموضوع ده قبل كده؟
يمكن
قالتها بشرود، ثم همست بصوتٍ واهن: بس جوَّايا إحساس تاني مش عارفة أفسَّره.

ضمَّ رأسها إلى صدره، وأغمض عينيه بقوَّة، كأنَّ قربها سيفٌ على عنقه: شموسة حمزة بريئة قوي لدرجة خايف عليها منِّي.
ابتعدت قليلًا، رفعت وجهها إليه بعينين تلمعان بصدقٍ موجع: تعرف؟ أنا بحبَّك أوي يا حمزة.
ابتسمت، وبريق عينيها يفضح قلبها قبل لسانها: حسِّيت معاك كلِّ المشاعر، مشاعر الأبوَّة، والأخوَّة، والحبيب.

اهتزَّ قلبه بعنف، رفع ذقنها بأصابعه، وعيناه تفضحان عشقًا يحاول النجاة بنفسه: صدَّقيني أنا خايف عليكي من نفسي.
هزَّت رأسها ببطء، وانسابت دموعها دون استئذان، فتحت كفَّيها له كطفلة تمنح روحها بلا شروط: أوعدني هتخاف على نفسك
ابتسمت وسط دموعها: لأن نفسك بقت ملك لشمس، مش لحمزة.
ابتعد بعينيه فجأة، كأنَّ النظر إليها صار خطرًا حقيقيًّا: شمس اسكتي لو سمحتي.
قالها بصوتٍ مبحوح، يخونه أكثر ممَّا يطيعه.

مدَّت يدها وأدارت وجهه إليها بإصرارٍ ناعم: أوعدني يا حمزة أوعد شمسك تفضل منوَّرة بوجودك.
ارتفعت دقَّات قلبه بعنف، وتجمَّد مكانه، يحدِّق بها بذهولٍ موجع.
ماذا تفعلين بي يا صغيرتي؟
ألم يكفني ألم البُعد عنك؟
لماذا تقتحمين قلبي بكلِّ هذه القسوة، متخفيَّةً في نعومةٍ تزهق روحي؟
كيف أحبُّك بهذا العمق وأنتِ لستِ لي؟
آه زفرة خافتة محمَّلة بعشقٍ مدفون، لو وُزِّع على العالم لكفاه، ولو انفجر في صدره لأحرقه حيًّا.

ابتسم وهو ينظر إليها نظرةً دافئة، وقال بنبرةٍ واثقة: أوعدك هخاف على شمس قبل حمزة.
ثم استطرد بهدوء: المهم قوليلي، ناوية تعملي إيه الأيَّام الجاية؟
تنفَّست بعمق قبل أن تجيب: بابا قالِّي أنزل أتدرَّب في الشركة مع عمُّو أرسلان، آخد خبرة شوية.
عقد حاجبيه متسائلًا: هتدرَّبي إيه؟
هزَّت كتفيها: والله ماعارفة اجتماعات وحاجات كده، وفيه مترجمة في الشركة أتعلِّم منها.

فكَّر قليلًا، ثم قال مبتسمًا: طيب حبيبتي، إيه رأيك أشوفلك شركات متخصِّصة في المجال ده أصلًا؟
رفعت عينيها إليه بتردُّد صادق: تفتكر بابا هيوافق؟ بابا بيخاف عليَّ أوي يا حمزة.
اقترب منها قليلًا، وأردف بنبرةٍ مطمئنة: عارف، وحقُّه إنتِ بريئة أوي.
ثم أضاف وهو يبتسم بمشاكسة خفيفة: بس أنا معاكي، وشموس مش عايزها بريئة أوي كده.
رفعت حاجبها بامتعاضٍ ظاهري: ومين قالك كده يا حبيبي؟ أنا بريئة مع البريء بس.

ضحك بصوتٍ مرتفع، وسحبها تحت ذراعيه بعفوية: هقول إيه بس، مش أبوكي إلياس.
دفعته بخفَّة، ونبرتها تحمل احتجاجًا: وبعدين مالها بنت إلياس يا كابتن بقى؟
ظلَّ يضحك، وصوته يملأ المكان: أحسن بنت في الدنيا كفاية إنَّها وقَّعتني.
ابتسمت وهي تطالعه، ثم سألت بهدوءٍ يخفي فضولًا مؤلمًا: إنتَ عمرك ماحبِّيت يا حمزة؟
ساد الصمت لثوانٍ، وتغيَّرت ملامحه قليلًا.

جلس بجوارها، وأمسك كفَّيها برفق: مرَّة بنت عجبتني أوي، وأنا لسه في الكلية.
تشنجت أصابعها دون وعي: والله، ومين بقى اللي عجبت الكابتن؟
لم ينتبه للغيرة التي سبقت كلماتها، فقد نطقتها عينيها قبل صوتها: كنَّا في حفلة تبع الكلية، وهيَّ كانت بنتِ حد من الموجودين، شدِّتني جدًّا.
ثم التفت إليها فجأة وقال، دون قصد للمقارنة: تعرفي، كانت بريئة زيك.
اشتعل صدرها بنارٍ صامتة، وتمنَّت لو لم تسأله أبدًا.

أطلق تنهيدة ثقيلة وهو يكمل: حاولت أكلِّمها، واتَّفقت مع صديق ليَّا، علشان أكلِّمها، فضل الموضوع كام شهر، بس للأسف الصديق ده أُعجب بيها هوَّ كمان، ولمَّا حسِّيت بنظرات بينهم، بعدت. ومن وقتها قلبي مادقِّش لحد.
رفعت رأسها فجأة، وأردفت بنبرةٍ مشدودة رغم محاولتها التماسك: لا لحظة كده، إنتَ من أوَّل مرَّة شغلتك؟
نظر إليها بعمق، نظرة طويلة، نظرة فهمت غيرتها قبل أن تعترف بها.

ثم قال وهو يبتسم بحنوّ: طيب ماإنتِ من أوَّل مرَّة خطفتيني.
لم تتحمَّل نبرته عنها أكثر، فهبَّت واقفة فجأة: أنا هدخل.
توقَّف سريعًا، وأمسك يدها قبل أن تبتعد: شمس، إنتِ زعلتي؟
ترقرقت الدموع في عينيها، واختنق صوتها وهي تحاول التماسك: لا خلاص، قعدنا كتير.
قالتها واستدارت لتدخل، لكنَّه سحبها نحوه بقوَّة، فاصطدمت بصدره.

شهقت، ورفعت عينيها إليه، بينما مدَّ يده يمسح دموعها بأنامل مرتجفة، ثم انحنى يهمس بالقرب من شفتيها: مفيش واحدة حرَّكت مشاعري زيك وكنت مستعد أخسر كلِّ حاجة علشانك.
انفلتت دمعة عنيدة من عينيها، ورفعت كفَّيها لتضعهما فوق قلبه: بس ده دقّ لغيري.
تجمَّد للحظة، وكأنَّ عقلَه رفض استيعاب ماتفوَّهت به: شمس، إنتِ سألتي وأنا محبِّتش أكذب عليكي دي حكاية عابرة، وكانت من طرف واحد، يعني البنت نفسها ماعرفتش.

هزَّت رأسها بعنف، وانفجرت كلماتها مع دموعها: خلاص بقى ممكن تسكت؟
ارتجف قلبه مع انهيارها المفاجئ، فضمَّها إلى صدره بقوَّة، وكأنَّ حضنه آخر مايملكه.
إيه مش حاسَّة بحبِّي ولَّا إيه؟
في تلك اللحظة، خرج إلياس وإسحاق من الداخل، لكنَّها لم تشعر بهما، كانت تبكي بلا وعي، بكاءً لا تعرف سببه، ولا مصدر وجعه.

حاول تهدئتها، لكن صوته خانَه حين سمع شهقاتها، فاحتضن وجهها بين كفَّيه، وامتلأت عيناه بالدموع للمرَّة الأولى أمامها: شمس بصِّيلي، ماتوجعيش قلبي، وتخلِّيني أندم إنِّي اتكلِّمت معاكي.
نظرت إليه بعينين دامعتين، وصوتها خرج مكسورًا: قلبي وجعني ومش عارفة ليه، آسفة.
مسح على رأسها برفقٍ شديد: سلامة قلبك يا قلب حمزة.

كلُّ ذلك جرى تحت نظرات إلياس وإسحاق، حتى فقد إلياس السيطرة واقترب منهما: مالك يا بابا بتعيَّطي ليه؟
ابتعدت عنه سريعًا، تمسح دموعها على عجل، وهمست بتقطُّع: مفيش يا بابا.
نظر إلياس إلى حمزة بنظرةٍ متسائلة: مفيش يا عمُّو، أنا زعَّلتها وهصالحها.
قاطعتهم بصوتٍ مهتز: مش زعلانة يا حمزة خلاص، أنا كويسة، بعد إذنكم.
ثم ركضت إلى الداخل، تحاول كتم دموعها، بينما ظلَّت عينا حمزة تلاحقها بألمٍ صامت.

اقترب منه إلياس، وصوته جاء هادئًا رغم القلق: مش عايز أدخل بينكم، بس شمس رقيقة جدًّا وأنا متأكِّد إنَّك ماكنتش قاصد تزعَّلها.
هزَّ رأسه بندمٍ واضح: لو كنت أعرف إنَّها هتزعل كده، ماكنتش قولت لها.
نظر إليه إلياس بتركيز: إنتَ قولت لها إيه؟

ساد الصمت بينهما لثوانٍ، كان حمزة خلالها ينظر إلى والده وهو يتحرَّك باتِّجاه سيارته، حتى ابتعد قليلًا.
خفض بصره إلى الأرض، وقال بصوتٍ خافت: سألتني حبِّيت قبل كده قولت لها إنِّي أُعجبت بواحدة بس.
ربت إلياس على كتفه بحنوٍّ أبوي، بينما عيناه تدوران في المكان بقلقٍ خفيّ.
هنا قد أيقن أنَّ ابنته تجاوزت كلَّ مراحل العشق، فحاول أن يرسم ابتسامة خفيفة: كان لازم تتسحب من لسانك يعني؟

رفع حمزة رأسه ناظرًا إليه باستنكار: يعني أكدب؟
هزَّ إلياس رأسه وهو يتنهَّد: لا صادق ولا حاجة يا خويا كنت اكدب، يلَّا الحمد لله يمكن نخلص منَّك بقى.
طالعه حمزة برفعة حاجب، ثم أشار إلى المنزل بنبرةٍ شبه مازحة تخفي توتُّره: ماتخلينيش أطلع لها دلوقتي.
ابتسم إلياس ابتسامة جانبية: لا روح يا أخويا، وأنا هفهِّمها.
تنهَّد حمزة بقلق: بتطردني وهتفهِّمها؟ خايف تعبتي لي الدبلة بسببك والله.

رمقه إلياس بنظرةٍ ذات معنى: لو عايز، كنت عملتها يا ابن إسحاق بس حبَّك للبنت هوَّ اللي ضعَّفني للأسف.
اقترب حمزة خطوة، ونظر داخل مقلتي إلياس بصدقٍ صريح: عمُّو، أنا فعلًا بحبِّ شمس وحضرتك متأكِّد من كده، مش عايز عقلها يرسم لها حاجات مش كويسة.
أومأ إلياس بثقةٍ هادئة: ماتخافش، هكلِّمها.

قاطع حديثهما صوت سيارة إسحاق وهي تتوقَّف، فاتَّجه إليه إلياس على الفور، بينما ظلَّ حمزة واقفًا مكانه، يرفع بصره نحو شرفة شمس.
تعلَّقت عيناه بالمكان، وكأنَّ قلبه سبق نظره إليها. ينتظر
لا يدري هل ستظهر لتطمئنه، اتَّجه الى سيارته بصمتٍ موجع.
بمنزل بلال.

خرجت إلى المطبخ بهدوءٍ متعمَّد، كأنَّ الحزن قرَّر أن يأخذ استراحة قصيرة. فتحت الثلاجة، أخرجت بعض الطعام، وبدأت تُعدُّه دون تردُّد. جلست تتناول طعامها بشهيةٍ لافتة. شهية تتحدَّى الألم، وتستفزُّ الغياب.
من يراها الآن، لن يصدِّق أنَّ صدرها مزدحمًا بالخذلان.

دلف بلال، فتوقَّف لحظة عند العتبة. رآها تأكل بتلذُّذ، ترفع الملعقة بثبات، وكأنَّ شيئًا لم يُكسر بداخلها. رمقها بصمتٍ ثقيل، ثم خطا نحوها، سحب المقعد وجلس مقابلها: ياترى روقتي ولَّا لِسَّه؟
لم ترفع رأسها. سحبت إحدى الثمار، بدأت تقشيرها ببطء تحت نظراته المشدودة. رفعتها إلى فمها وأخذت قضمة هادئة هدوءًا كان كفيلًا بإشعال أعصابه.
من الاحترام لمَّا أكلِّمك تردِّي.

ابتسمت ابتسامة جانبية باردة دون أن تنظر إليه: أنا مش محترمة.
وبعدين. بتقعد ليه؟ هوَّ أنا قولت لك أقعد؟
تجمَّد لثانية. نهض من مكانه وحدجها بنظراتٍ لم تفهم معناها، لكنَّها شعرت بثقلها يخترقها. لم يقل شيئًا، استدار لينسحب، في اللحظة نفسها رنَّ هاتفه: أيوة تمام، بكرة الصبح.
هتلاقيه على اللاب، لا، متشكرنيش.
ماإن أغلق الهاتف حتى هبَّت من مكانها، لحقت به بخطواتٍ سريعة: دلوقتي يا تمشي إنتَ، يا أمشي أنا.

إحنا الاتنين مبقاش ينفع نقعد في مكان واحد.
لم يمهلها فرصة للهرب. بخطوةٍ واحدة كان أمامها، وبحركةٍ خاطفة جذبها بقوَّة حتى صارت حبيسة ذراعيه. أنفاسهما اختلطت، والتوتُّر صار ملموسًا: متنسيش إنِّك مراتي
أنا شرحت لك اللي حصل.
رفعت رأسها ببطء، عيناها تشتعلان، ونظرتها كانت كافية لتكذيب كلَّ مبرَّراته: وأنا مش معتبراك جوزي.
روح لحبيبة القلب.

اقتربت أكثر، ورفعت كفَّيها على صدره تضغط بقوَّة، كأنَّها تريد أن تُخرج قلبه من مكانه: وحياة قلبك الخاين لأحرقك.
قالتها وتراجعت فجأة، كأنَّها خافت من نفسها، جذبت أدوات التجميل بعنف، جلست على المقعد، ورفعت ساقيها بتحدٍّ مصطنع، تخفي به ارتجافها الداخلي.
وفي تلك اللحظة
رنَّ جرس الباب.
تحرَّك بلال ليفتح، بينما بقيت هي في مكانها، تنظر في المرآة، لا ترى وجهها بل ترى امرأة تحترق ببطء.
ضي.

لم تمهله فرصة لاستكمال الكلمة. دفعته بعنف، وأغلقت الباب خلفها بارتطامٍ هزَّ المكان: إنتَ اتجوِّزت على مراتك؟!
التفت بلال ببطء للاتِّجاه الآخر.
كانت رولا جالسة في أريحيَّة مستفزَّة، ترفع قدمها فوق الطاولة، تمسك بزجاجة طلاء الأظافر، تمرِّر الفرشاة بتأنٍٍ وكأنَّها في عالمٍ موازٍ: لا يا بنت عمِّي، المعلومة غلط.

ثم رفعت رأسها، ابتسامة ماكرة تشقُّ ثغرها: تصحيح المعلومة أخوكي المُضحِّي هوَّ اللي متجوِّزني عليها.
وضعت الزجاجة جانبًا، وربتت على المقعد بجوارها: تعالي بس، جايبة نوع إكوادور تحفة. وبكرة شمِّ النسيم، وجوز الاتنين هيأكَّلونا فسيخ.
رمقتها ضي بنظرةٍ مشتعلة، غضبها يكاد ينفجر: فسيخ؟!
وبتتحوِّمي ليه؟

رفعت رولا حاجبها بخفَّة، كأنَّها لم تفهم السؤال، ثم مالت بجسدها للأمام وهمست بنبرةٍ لا تخلو من السم: هوَّ نسيت أقولِّك مش أنا حامل؟
ألقى بلال المنشفة باتِّجاهها دون أن ينظر، وكأنَّ الكلمات ضربته في مقتل، ثم استدار وتحرَّك إلى الداخل بخطواتٍ سريعة.
جلست بجوارها تنظر إليها بصمت:
رولا إنتِ بتعملي إيه؟

رفعت عينيها ببطء، ولمعت عيناها بدموعٍ مؤلمة، دموعًا متراكمة تلمع قبل أن تسقط، كأنَّها استأذنت القلب أوَّلًا: مش أحسن ماأموت من قهرتي
جوزي اتجوِّز عليَّ في شهر عسلي.
ماإن أنهت جملتها حتى خانها الثبات. انسابت دموعها دفعةً واحدة، شهقة مكتومة شقَّت صدرها، فوضعت كفَّيها على فمها تحاول حبس البكاء، لكن الوجع كان أعلى من قدرتها على الصمت.
أنا اتغدر بيَّا، واتخانت.

أخوكي خانِّي، معرفش خان مين فينا. بس لمَّا هوَّ بيحبَّها
كمِّل جوازه منِّي ليه؟
مدَّت ضي يدها، مسَّدت على خصلات شعرها بحنانٍ مرتعش، تحاول أن تمنحها طمأنينة لا تملكها هي نفسها: حبيبتي، مايمكن فهمتي الموضوع غلط؟
هزَّت رولا رأسها نفيًا، أزاحت دموعها بسرعة وكأنَّها تخجل منها، ثم احتمت بصدر ضي، وصوتها خرج مكسورًا: لا أنا روحت لها، وهوَّ قالِّي اتجوِّزها إنقاذ ليها.

تجمَّدت ضي في مكانها، وكرَّرت الكلمة بدهشةٍ ثقيلة: اتجوِّزها إنقاذ؟
ابتعدت رولا، وضغطت كفَّها على صدرها، كأنَّ قلبها يحاول الخروج من بين ضلوعها: أنا موجوعة أوي يا ضي
قلبي مولَّع. عايزة أدخل أموِّته جوَّا.
حبيبتي اهدي
أنا هدخل أكلِّمه.
هزّت رأسها بالرفض، رغم الدموع: لا سيبيه وأنا كفيلة آخد حقِّي منُّه.
يعني إيه؟

تنفَّست بعمق، ثم قالت بنبرةٍ هادئة على غير العادة، هدوءًا مشحونًا بالغضب: ضي، مع احترامي إنُّه أخوكي. بس أنا اللي اتخانت، وأنا اللي اتغدر بيَّا.
ممكن ماتدَّخليش؟
نزعت حجابها، ومرَّرت يدها في شعرها بتعب، ثم قالت بسخريةٍ موجعة: لا كده لازم أشرب قهوتي.
يوسف مش هيرجع دلوقتي. وأنا أصلًا مش عايزة أرجع البيت وهوَّ مش فيه، فهضايقك شوية.
بعد دقائق، خرجت تحمل فنجان قهوتها بخروج بلال وهو يتحدَّث في هاتفه.

توقَّفت أمامه، ورفعت الفنجان نحوه: عملت لك قهوة.
قاطعها صوته الجاف في الهاتف: أنا جاي لك، ماتمشيش
أغلق الهاتف، ثم نظر إلى ضي: قهوة. مش هتروحي ولَّا إيه؟
جوزك جه.
وضعت ضي فناجين القهوة على الطاولة بهدوء متصنَّع: لا إيه بتطردني؟
وبعدين جوزي جه بدري ليه مش عادته؟
توقَّفت لحظة، تطالعه بنظرةٍ فاحصة: هوَّ يوسف كان عارف صح؟
زفر بلال بضيق، ومسح وجهه بكفِّه: بقولِّك إيه يا بت. مش ناقص صداع، روحي اسأليه.

خرج بلال وجده متوقِّفًا متَّكئًا على سيارته، اعتدل أوَّل ماالتقطته عيناه، ارتفعت ضحكاته وهو يطلق صفيرًا: ببلاوي بثوبه الجديد.
عايز إيه يلا؟
تقدَّم بخطواتٍ مستفزَّة، وابتسامةٍ واسعة تسبق كلامه: ماعلينا من الولا عايز آخد درس.
قطَّب جبينه، ونفد صبره: : درس، درس إيه؟
بقولَّك أنا خلقي ضيَّق.

رفع حاجبيه بتصنُّع، ومدَّ صوته بسخرية: ما علينا، مع إنَّك دكتور أعصاب، ولازم أعصابك تكون بوووومب. وتكون قدوة للشباب اللي زيِّي.
لم يتحمَّل، أمسكه من تلابيبه فجأة: بقولك إيه، كفاية مراتك عاملة لي قهوة في البيت، وإنتَ جاي بتحشِّش عندي؟
لم يتراجع، بل زاد استفزازًا: ماعلينا من ألفاظك، اللي لو إلياس سمعها يتبرَّى منَّك.
أنا عايز الوصفة.

لكزه في صدره وهو يجزُّ على أسنانه: ماتروح تلمِّ مراتك مادام مفيش حاجة تعملها.
لوَّح بيده بلا مبالاة: ماعلينا من لمِّ مراتي، أبوها وأخوها ماربُّوهاش، هأربّيها أنا.
المهم إنتَ أخبار صحِّتك إيه؟
عايز أجرَّب، أنهي أحسن، تلاتة وتلاتة ويوم راحة، ولَّا نفضل طول الأسبوع راحة؟
ركله بقوَّة، فتراجع متأوِّهًا، قابضًا على بطنه.
لكن ضحكاته علت رغم الألم، في تلك اللحظة وصل أرسلان: مالك يا ابن إلياس. مش خير؟

استدار إليه، محاولًا كتم ضحكاته: الأستاذ الكبير وصل. وابنه اتقفش من مراتاته النهاردة، غمز لبلال
حلوة مراتاته دي، اوعدني يارب حد يشتمني كدا
وماله يااخويا نشوفلك مراتاتك
اقترب من أرسلان يحدجه بنظرةٍ جادَّة مصطنعة، لكن الضحك فضحه.
رمقه أرسلان ببرود: مالك يا حلوف؟
عايز أعمل جدول زي ابنك. مش أنا دكتور زيه؟ مش عايز ظلم في العيلة دي.
نظر أرسلان إلى بلال باستغراب: الواد ده بيقول إيه؟

اسأله، وياريت تاخده، صدَّعني.
اقترب منه، مسح على ملابس أرسلان وهو يغمز بعينيه: عايز أتجوِّز زيه يا أرسو. مش أنا الأكبر؟
قالها في اللحظة التي وصلت فيها ضي، لتقاطعه فورًا بابتسامةٍ ساخرة: وماله يا حبيبي، . عايزها بيضا ولَّا سودا، رفيعة ولَّا تخينة؟
انفجر بلال ضاحكًا: أنا جيت على أختي علشانك يا حلوف، وإنتَ متستاهلش.
ثم استدار إليها فجأة: جوزك متجوِّز ممرِّضة ودكتورة، وبيفكَّر في الرابعة الحقيه.

لا والله، وإنتَ بقى بتعمل كدا علشان تداري خيانتك لمراتك، قالتها ضي بنفور من اخيها.

اتجوِّزتها!
قالها يوسف بشهقةٍ مصطنعة.
لا يا راجل، وإنتَ مش عارف.
رمقته بغضب: كنت عارف وبتضحك عليَّ.
يعني عارف وهشهق، حدِّ قالِّك هعمل ملوخية.
دفعته تبعده وأشارت بسبَّباتها: أنتوا الاتنين عايزين أو لَّع فيكم دلوقتي.
ماتو. لَّعي فيه هوَّ، وأنا مالي، هوَّ أنا اللي عملت وإسلاماه.
الله مش إنتَ كنت شاهد على العقد؟
جحظت عيناه من تلاعبه: طب يارب أموت لو كلامه صح.
سحبه يضمُّه: بعد الشرِّ عليك، يارب الأعداء.

طالعتهم بنظراتٍ تتَّقد لهيبًا: والله يا يوسف لو كنت بتضحك عليَّ.
إلحق دي بتهدِّدك، رد يا بني، تبقى دكتور طويل وأهبل ومراته بتهدِّده.
كان يوزع نظراته عليهم
هو دا وقت هزار منك له، استدار الى بلال
وانت حاول تصالح مراتك
غمز يوسف
انهي واحدة فيهم ياعمو، لازم توضح
لكزته ضي بغضب
انت فرحان من اللي عمله
سحب كفَّ ضي وجذبها إليه يضمُّها تحت ذراعيه: مالكش دعوة بمراتي، خلِّيك في نفسك.

بطَّل رغي إنتَ وهوَّ، التفت الى ابنه: عملت إيه مع البنت؟
مالحقتش أعمل حاجة، يادوب وصلت لقيت رولا ورايا.
ذُهلت ضي تنظر لوالدها: بابا إنتَ كنت عارف إنِّ بلال متجوِّز؟!
ضي اطلعي حبيبتي، وشوية وأنا جاي.
ابتعدت تدفع كفَّيه: أنا متأكِّدة إنَّك كنت عارف يا يوسف، إزاي تعملوا في البنت كدا، ومادام إنتَ بتحبِّ التانية، ليه تمِّمت جوازك منها؟
صاح بها بلال بغضب:
ضي اسمعي كلام جوزك، أنا على آخر نفسي.

رمقته بغضب، قلبها ينبض بعنف، ثم غادرت المكان، ظلَّ يوسف يراقبها حتى اختفت من أمامه، صدره مثقل بقلقٍ لا يستطيع التعبير عنه، ثم التفت إلى بلال: مين اللي قال لرولا؟
معرفش ربت أرسلان على كتفه.
صمتٌ ثقيل سقط بينهما، قبل أن ينهض أرسلان قائلاً: روح ليزن وفهِّمه قبل مايعرف من برَّة ده ممكن يخرَّب كلِّ حاجة.
أنا حكيت لعمُّو يزن كلِّ حاجة من وقتها.

ظهرت الصدمة على وجه أرسلان، وعيناه اتَّسعتا: من غير ماأعرف يا بلال هوَّ إنتَ ليه بتعمل معايا كده يا ابني؟
غادر وهو متوتِّر، وترك الصمت يلتهم المكان. تنهَّد يوسف، كأنَّ الهواء نفسه ثقيل: احكي لخالو على اللي حصل وإبعد عن رولا سبها لحدِّ ماتهدى، مهما تحاول دلوقتي مش هتسمع، الموقف صعب على اتنينكم.
زفرة حارقة خرجت من صدره، وعيناه تتَّجهان إلى الأرض: للأسف دي مش عايزة تسمع.

بلال حقَّها متنساش إنَّك تمِّمت جوازك منها الموضوع بقى صعب.
رفع رأسه، صوته يرتجف بين الغضب والحيرة: دي بتقولِّي إنَّك بتنتقم منِّي علشان رفضتني؟
ربت على كتفه بحنان، محاولًا تهدئته رغم موجة الألم التي تملأه: مجروحة معلش اتحمِّلها.
هحاول يا يوسف بس هيَّ بدوس أوي، قالها بقلق والوجع ينهش قلبه.
معلش حبيبي، موجوعة. لازم أطلع لأختك دلوقتي شكلها هتقوم القيامة عليَّ.

ابتسم له يوسف ابتسامة متعبة، صعد إلى منزله، بينما جلس بلال في حديقة منزله يحدِّق في الفراغ بلا وعي. رفع هاتفه يضغط أزرار الاتِّصال ببطء: آسف يا كارما معرفتش أكلِّمك.
أنا اللي آسفة يا دكتور، وحزينة على اللي حصل، قالتها بصوتٍ مكسور.
ولا يهمِّك، بكرة إن شاء الله قابليني عند المحامي علشان نخلَّص إجراءات الطلاق.
تمام، قالتها وأغلقت الهاتف.

جلس بلال على المقعد، عيناه تائهتان في الفراغ، قلبهِ مثقل بالخذلان والندم.
بعد لحظاتٍ نهض ببطء ودلف إلى المنزل. نظر إلى باب الغرفة المغلق، دلف بخطواتٍ ثقيلة، طرق الباب ثم دلف للداخل.
خرجت رولا من الحمَّام ترتدي البرنص، صرخت حين وجدته: إنتَ بتعمل إيه هنا؟!
نعم! إنتي ناسية إنِّ دي أوضتي؟
تراجعت خطوة للخلف، تمسَّكت بالروب كأنَّه درعٌ يحميها، وقالت بصوتٍ يرتجف: اطلع برَّة وماتدخلش هنا تاني.

اقترب منها كالمجنون، لكنَّه توقَّف فجأة، صدره يعلو ويهبط بعنف، عيناه مشتعلة بوجعٍ مكبوت. قال بصوتٍ مبحوح: اهدي
ضحكت بسخريَّة موجوعة، دموعها لمعت ولم تسقط.
مرَّر يده على شعره بعصبية، رفعت ذقنها بتحدٍّ جارح، الكلمات خرجت مؤلمة: اطلع برَّة، وانسى موضوع جوازنا دا.

ممكن أعرف إنتي بتعملي كده ليه؟ أنا قلتلك كلِّ اللي حصل.
ضحكت بمرارة، ضحكة مافيهاش ذرِّة فرح، اقتربت منه، عيناها تطلقان لهيبًا حارقًا: زي اللي حصل معايا كده!
تقدَّمت خطوةً أخرى، المسافة بينهما تلاشت: برافو عليك عرفت تتلاعب بينا إحنا الاتنين.
تصلَّبت ملامحه، لكنَّها لم تتوقَّف: أخدت حقَّك منِّي، ردِّيت كرامتك.

دنت أكثر، تعمَّقت في النظر داخل عينيه، كأنَّها تبحث عن نقطة ضعفِ لتغرس فيها السكين: بس إنتَ في نظري من غير كرامة.
كلماتها سقطت كالرصاص، ثم أردفت بسمٍّ أشد: رغم إنِّي رفضتك مرِّتين ورجعت لي، وكنت هتموت عليَّ
اقتربت أكثر وأكثر، حتى لامست خاصَّته عمدًا، نظرة تحدٍّ وقسوة: المفروض تحمد ربِّنا وتتصدَّق علشان نولت الشرف ولمستني، لأنِّي كنت بالنسبالك طموح وحقَّقته لك.

كانت نظراته إليها تصرخ بما تفوَّهت به، غضب، صدمة، وانكسارٌ رجولي. طُعن في الصميم. كيف لها أن تدعس على كرامته ورجولته بتلك الطريقة؟
تراجع للخلف ببطء، هدوءٌ مميت سبق العاصفة، استدار ناحية الباب ثم توقَّف والتفت بنصف جسده: عندك حق كنتي بالنسبالي طموح، ونولت الشرف علشان لمستك.

صوته كان ثابتًا أكثر ممَّا ينبغي، كأنَّه أغلق كلَّ شيء بداخله: شوفي عايزة إيه وأنا أعملهولك من غير تجريح، ولو عايزة تتطلَّقي معنديش مانع.
صفقت بيديها فجأة، ضحكاتها ارتفعت بشكلٍ هستيري، ضحكات مجنونة تخفي وراءها انهيارًا كاملًا: برافو يا دكتور، بان على حقيقتك أخيرًا؛ بان وارجع وبلاش دور الحبيب اللي إنتَ راسمه على مزاجك.
لم يرد.

دلف إلى غرفة الملابس، سحب ملابس النوم بهدوء قاسٍ، وكأنَّ وجودها لم يعد يعني له شيئًا. تركها تفرغ مافي قلبها من سمٍّ وكراهية.
خرج بهدوءٍ مستفز، هدوءًا أشعل جنونها، فالتقطت المزهرية وألقتها نحوه بكلِّ ماتملك من غضبٍ أثناء خروجه من الباب: أنا بكرهك!
أكتر شخص بكرهه في حياتي.
أغلق الباب
بمنزل يوسف.
قصَّ لها ماصار منذ علمه بزواج بلال.
ليه ماقولتليش يا يوسف؟

ضي قولت لك مليون مرَّة دي حاجات متخصنَّاش، وعلى فكرة رولا مش ملاك، هيَّ السبب.
نهضت وجلست بجواره: بس مهما كان دي اتخانت.
رمقها بنظرةٍ غاضبة: بقولِّك ورقة في قسم الشرطة، بلال محبِّش غيرها.
مهما كان يا يوسف، بس اتجوِّز عليها.
هنفضل نتكلِّم على رولا وبلال طول الليل، يعني حتى اليوم اللي رجعت بدري فيه برضو هتدخلي في قصص تانية.

اعتدلت تجلس على ركبتيها وعانقت رقبته: لا طبعًا، بلال ورولا إيه دول، أنا ماصدَّقت حضرتك تيجي قبل إتناشر.
جذبها حتى التصقت بصدره: غصب عنِّي حبيبتي، ضي ممكن تساعديني، مش عايز غير إنِّك تحفِّزيني، أنا لسة ببني اسم يوسف، مهنة الطب مش سهلة.
طبعت قبلة على وجنتيه: حاضر، بس متنسانيش وإنتَ بتبني يوسف.

ابتسم ورفع خصلاتها من فوق عينيها: عندي سفر بكرة لأسوان، عايز أزور مستشفى دكتور مجدي يعقوب، وفيه كام عملية هناك، عايز أحضر كمساعد وأستفاد منهم.
أوووه، مستشفى القلب!
أومال أنا دكتور إيه نسا؟
لكزته بغيرةٍ نطقتها عيناها: وإنتَ مجنون علشان كنت هوافق إنَّك تكون دكتور نسا!
رفع حاجبه يمرِّر أنامله على عنقها: وإنتي بقى كنتي هتمنعيني إزاي، إنتي ناسية جوازنا إزاي؟

جلست على ساقيه وتلاعبت بسترته: لا حبيبي طرقي كتير، أه مكنتش أعرف إنِّي هتجوِّزك أو أحبَّك، لكن كان هناك شوية غيرة صغنَّنين كدا عليك.
ضمَّها وهو يضحك حتى تراجع بظهره على الفراش: أحلى غيرة مجنونة.
استندت على صدره تنظر لعينيه: تعرف افتكرت إيه النهاردة؟
صمت إلى أن قالت: حفلة الباليه، فاكر عملت إيه وقولت إيه يوميها؟
ابتسم وسحبها إلى صدره: ماقولت لك. شخصيِّتك عجباني، عنيدة متمرِّدة، بس بموت فيكي.

داعبت خصلاته بحنان: نفسي فرحتنا تكمل حبيبي، الحاجة الوحيدة اللي محتاجاها يا يوسف.
ضمَّها بقوَّة لأحضانه، وكأنَّ كلماتها بدأت تفتح جرحه مرَّةً أخرى: إن شاء الله حبيبتي، ربِّنا ييسَّر الحال.
وضعت رأسها فوق صدره تحتضنه: عارفة إنَّك بتضَّايق، ومعرفش إنتَ رافض من إيه، خوف من اللي مرِّيت بيه، ولَّا إيه؟

مسد على خصلاتها: ضي أنا مش رافض ولا ممانع، الموضوع محتاج وقت، كأنَّها لا تريد أن تستمع إلى مايؤلمه، اعتدلت ورسمت ابتسامة ظنًّا أنَّه لايريد: وأنا مش هتنازل عنَّك ولا هتنازل عن ولاد منَّك، من أوَّل ماقلبي نطق اسمك وأنا قرَّرت خلاص، إنَّك حياتي يا يوسف، سواء وافقت أو رفضت يبقى عندنا ولاد، هيبقى عندنا، فياريت ترتِّب حياتك على كدا.

اقتربت تضع جبينها فوق جبينه تهمس بخفوت: فيه حد يكره يبقى عنده ولاد من اللي بيحبُّه، مش إنتَ بتحبِّني يا يوسف؟
أنا عايش بنبض قلبك يا ضي.
قبلة مجنونة وضعتها على خاصَّته ليسحبها إلى عالمه.

كان قلبه يضرب جدران صدره كمسجونٍ يطالب بالنجاة، لا بالحريَّة.
العشق الذي يحمله لها لم يكن رفاهية شعور، بل عبئًا ثقيلًا يشبه يدًا تضغط على عنقه كلَّما اقتربت أكثر.
هي لا تعلم أنَّ قربها يذبحه ببطء، وأنَّ صوتها حين تناديه باسمه يشقُّ روحه نصفين؛ نصفٌ يريد أن يضمَّها حتى الذوبان، ونصفٌ يصرخ: ابتعد، إن اقتربت ستحترق.

كان يعشقها بعنفِ الصامتين، أولئك الذين لا يملكون ترف الاعتراف، فيبتلعون حبُّهم حتى يتحوَّل إلى نزيفٍ داخليّ.
يعشقها وهو يحارب نفسه، يخاف من يده إن امتدَّت، ومن قلبه إن خان، ومن عينيه إن باحت بما لا يحقُّ له امتلاكه.
هي ليست مجرَّد أنثى في حياته، هي اختبار قاسٍ لأخلاقه، لوعيه، لقدرته على أن يكون رجلًا لا ذئبًا.
أمَّا هي فكانت بريئة حدَّ الفاجعة.

تلقي كلماتها على قلبه كمن يرمي عود ثقابٍ في مخزن بارود ثم تبتسم.
تمنحه نفسها أمانة، وهو يعرف أنَّ الأمانة إن انكسرت فلن يُغفر له أبدًا.
العشق عنده لم يكن رغبة. كان مسؤولية موجعة. كان حبًّا يختار فيه الحرمان كلَّ يوم، فقط كي تظلَّ هي مضيئة غير مكسورة غير نادمة.
ولو صرخ قلبه الآن لقال: أنا أحبُّك بما يكفي لأبتعد. وأتألَّم بما يكفي لأبقى إن طلبتِ. وأموت ألف مرَّة كي لا تكوني أنتِ الضحية...

صباحٌ جديد أفاقت من نومها تبتسم على نومها بأحضانه بتلك الطريقة، نظرت إلى جسده الذي يحاوط جسدها، كأنَّه يخشى أن تفلت من بين ذراعيه.
مرَّرت أناملها على وجهه تهمس بعشقه.
اعتلت تسحب المنبه الذي ارتفع رنينه ليوقظه.
فتح عيناه بإرهاق، استندت على مرفقيها تسبح بالنظر إليه، إلى أن وقعت عيناه عليها: صباح الخير.
صباح الحب. أمالت تقبِّله ثم قالت: قوم خد شاور وأنا هنزل أعمل الفطار، لازم تفطر قبل ماتسافر.

تسلم إيدك يا قلبي.
بمنزل كارما
كانت تتلاعب بطعامها
وبعدين هتفضلي كدا، مش هنخلص من شعور، بالذنب
حرام عليكي ياكندا، يعني وقف جنبي وبيته اتخرب
زمت شغتيها باعتراض
والله انتي اللي هبلة، دا جوزك يابنتي، شوفتي مرتين يجي علشان يطلقك ويحصل ظروف، دي مش اشارة
رمقتها بنظرة ثابتة
طب وحياتي ياشيخة الدكتور مايتحبش، دا انا وقعت في حبه من الدور الخمسين
شهقت على كلماتها
اتجننتي ايه اللي بتقوليه دا
نهضت ترفع الاطباق.

مش بقول هبلة، ياريته اتجوزني انا، ومكنتش فرطت فيه، ومراته دي هبلة، ؤغم عرفت طبيعة جوازكم الا انها هدمت بيتها، هي اللي اتبطرت، اوعي تحملي، نفسك الذنب
انحنت تغمز لها
بس فكري فيه جوزك، حبيبك وبعد كدا يبقى خليها تصعب عليكي
عند حمزة
كان يجلس ينظر بالسماء الصافية، جلس بجواره وحمحم
بقولك ياحمزة، فيه بنت عجباني اوي، وهموت واوصلها
ضيق عيناه
هو انت مش متجوز
وايه يعني، البنت دي قمر، لا مش قمر دي الشمس وجمالها.

نهض من مكانه
عيب تتغزل في بنت ومفيش بينكم رابط
لا والله، الله يرحم
خطا بعض الخطوات الا انه توقف على كلماته
للاسف عرفت إن جدها مات معدوم لانه كان ممول للارهاب، البنت دي بنام واحلم بيها، بس عرفت من القوانين ممنوعة.

عدَّة أيَّام اخرى إلى جاء اليوم الذي قلب حياتها رأس على عقب بعد ذهابها الى الطبيبة.
التي أخبرتها بعدم جديدٍ بحالتها، ربما يكون المانع عند زوجها، أو أنَّه هو الذي يؤجِّل الحمل.

جلست تحتضن ركبيتها وحديث الطبيبة يصفع عقلها، تحدِّث حالها: للدرجة دي يا يوسف مش عايز ولاد، ياترى بتخطَّط لإيه. استمعت إلى رنين هاتفه مرَّةً أخرى، نهضت بهدوء وتحرَّكت إلى الغرفة، فتحت الباب. لم يكن موجود، استمعت إلى صوت المياه، تحرَّكت إلى الهاتف ورفعته: أيوة.
للأسف يا دكتور البنت انتحرت بعد ماسبتها، وبتمنَّى إنَّك تيجي بكرة تشوفها.
مين معايا؟ تساءلت بها ضي.
مش دا رقم دكتور يوسف الشافعي؟

أيوة أنا مراته.
إحنا من بيت الطالبات، كنت بكلِّمه بخصوص الطالبة زهرة عبد المنعم.
بمنزل بلال.

نهضت سريعًا إلى الحمَّام تخرج مافي جوفها، هوت على الارضية تحتضن أحشاءها، خارت قواها حتى بكت من شدَّة الألم، ظلَّت لفترة إلى أن نهضت بصعوبة وغسلت وجهها، ثم توجَّهت إلى الخارج، هوت على الفراش تنظر إلى ملامحها الشاحبة، عادت برأسها للخلف، فتذكَّرت موعد دورتها الشهرية، بكت بحرقة وهي تحتضن أحشاءها بعدما تيقَّنت بحملها، سحبت الهاتف وهاتفت إحدى الصيدليات لتقطع الشكَّ باليقين. ثوانٍ صامتة، إلى أن ظهر مايؤكِّد حملها.

شهقت متراجعة تهزُّ رأسها بالرفض. بالخارج استمعت إلى دخوله المنزل، ركضت وأغلقت باب الغرفة، حتى لا يشكَّ بأمرها.
أسبوعًا آخر وخاصَّةً قبل عقد قران حمزة وشمس بأيَّامٍ معدودة. دلف إلى منزله، قابلته الخادمة فتساءل: المدام هنا؟
لا يا دكتور، خرجت.

أومأ ودلف إلى غرفته، ألقى بجسده فوق الفراش وقام بفتح تسجيلات الهاتف بعد فصل هاتفه الشحن، رسالة خلف رسالة الى أن هبَّ من مكانه: أستاذة رولا بنفكَّرك بموعد عملية الاجهاض النهاردة الساعة اتنين الضهر.
شعر بدوران الأرض به، انطباق الجدران على صدره، هل ستقتل ابنه قبل العلم به؟!
عند رولا بغرفة العمليات
كانت تتسطح على الفراش تنتظر الطبيب الذي سيؤدي الى انهاء حياتها، دقيقتين الى أن دلفت الطبيبة مبتسمة.

جاهزة. ضاعت بنظراتها وارتفعت دقات قلبها تهز رأسها بالموافقة.

الفصل التالي
بعد 13 ساعة و 56 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة