رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل السابع والأربعون
قبل شهر وتحديدًا ليلة الخطوبة
خرجت خلفه فوجدته واقفًا أمام البيسين، ظهره مشدود وملامحه لوحة غضبٍ صامت، اقتربت بحذر وتوقَّفت خلفه، تحمحمت محاولةً كسر الصمت. التفت بنصف جسده، طالعها للحظاتٍ بنظرةٍ حادَّة، ثم عاد يحدِّق أمامه دون كلمة.
خطت خطوةً أخرى حتى وقفت بجواره: ممكن أعرف إنتَ زعلان ليه؟ إحنا كنَّا في الأوضة يا يوسف، يعني الباب كان مقفول علينا. وعلى فكرة إنتَ اللي غلطان إنَّك تدخل بالطريقة دي، وبص بلال عمل إيه مع رولا.
ابتسامة لاذعة ارتسمت على شفتيه وهو يهزُّ رأسه ببطء، زفرة حارقة خرجت من صدره ثم قال بصوتٍ منخفضٍ مشحون: باب مقفول؟
استدار هذه المرَّة بكامل جسده، عيناه تقدحان غضبًا مكبوتًا:
صوتك يا مدام كان بيرنّ والكلِّ سامعه.
تراجعت نصف خطوة، لكنَّها تماسكت وقالت بتحدٍّ:
إحنا في فرح يا يوسف، وعادي لمَّا نضحك ونرقص، أكيد مش قصدي.
أومال لو مكان بلال وحدِّ شافني برقص كدا.
ضحك ضحكةً قصيرة بلا روح، واقترب خطوةً وقال بنبرةٍ مكتومة: مش عارف كنت هعمل إيه، بس أكيد مادخلتش من غير ماأخبَّط. خبَّطت بس صوت الفرح والضحك كان مالي المكان، هتسمعوا إزاي؟
دنت منه واحتضنت ذراعه، وقالت بنبرةٍ صادقة: — والله ماقصدت أعلِّي صوتي ولا أضايقك، ولا كنت عارفة إنِّ الصوت عالي، إحنا كنَّا بنات مع بعض حبِّينا نعمل جوِّ حلو لشمس وخصوصًا إنِّنا ماكنَّاش عاملين حسابنا.
رفعت كفَّيها إلى وجهه، تحدِّق في عينيه برجاء: وحياتي عندك ماتزعل، مستحيل أكون قاصدة، أنا عارفة حدودي كويس.
طالعها بصمتٍ لثوانٍ، فارتفعت على أطراف قدميها وطَبعت قبلةً خفيفة بجانب شفتيه: يارب أموت لو كنت قاصدة أزعَّلك، أو أقلِّ منَّك ومن نفسي.
رفع ذراعه وحاوط جسدها، واضعًا رأسه فوق رأسها: بعد الشرِّ عليكي، يمكن أكون اتعصَّبت، وده من ضيقي وغيرتي عليكي قبل أي حاجة، فيه حدود لازم نبقى فاهمينها.
لفَّت ذراعيها حول خصره وقالت بنبرةٍ هادئة: تعرف لو أنا مكانك ماكنتش هسامح.
رفع حاجبه ساخرًا: بتسخَّنيني عليكي يعني؟
ابتسمت بمشاكسة: تؤ، بعرَّفك إنِّي بغير عليك موت.
ابتسم وهو يضمُّ رأسها إلى صدره، ثم طبع قبلةً حنونةً فوق رأسها وقال: طيب، أنا ليَّا مزاج أشوف رقص مراتي الليلة.
شهقت تنظر إليه بشقاوة: قول والمصحف!
ضحك بخفَّة وهو يهزُّ رأسه: بس يا بت يا متخلِّفة، من حلف بغير الله فقد أشرك.
وأنا بحلِّفك إنَّك تنطق بالحق
يا أخويا، بحلِّفك على الرقص يا حبيبي.
ارتفعت ضحكاته وهو يضمُّها إليه: مجنونة، بس بعشقها.
ابتسمت بثقة وهي ترفع رأسها: مقبولة، المهمِّ تعشقني.
وضع جبينه فوق جبينها، وأردف بصوتٍ هادي: — إيه رأيك نخرج نتعشَّى برَّة، عايز أحتفل الليلة احتفال خاص.
ارتفعت دقَّات قلبها، فأومأت برأسها بحماس: موافقة طبعًا.
لمس وجنتيها وعيناه تبحران في عينيها: من غير ماتعرفي هاخدك فين؟
ابتسمت بهدوءٍ مطمئنّ: مش عايزة أعرف، أنا ائتمنتك على روحي وحياتي فطبيعي ماأسألش.
طبع قبلةً سريعةً على ثغرها، ثم أمسك كفَّها متَّجهًا للداخل: طيب أدخل أشوف الدنيا ونخرج، أوقفته: بما إنُّه احتفال خاص، لازم أغيَّر فستاني.
دقَّق النظر في ردائها، ثم تراجع خطوةً قائلًا بإعجاب: حلو الفستان.
اقتربت وعانقت رقبته وهمست: هوَّ حلو، بس المناسبة ماكانتش خاصَّة بينَّا، هنروح نغيَّر إحنا الاتنين علشان احتفالنا يكون كامل.
أومأ مبتسمًا: تمام، روحي وأنا أشوف الضيوف مشيوا ولَّا لأ، ماينفعش أمشي من غيرهم.
ضحكت بخفَّة: لسه بدري يا حبيبي، الساعة لسه تمانية.
ثم أضافت وهي تبتعد: هسبقك.
أومأ لها وتحرَّك.
بشقِّة بلال.
جلس على طرف فراشه يحتوي رأسه بين كفَّيه. وشعور الاختناق يسيطر عليه كلَّما تذكَّر كلماتها، اعتدل سريعًا: إنتَ زعلان ليه، اللي يشوفك يقول غيران.
هبَّ فزعًا من مكانه يهزُّ رأسه بالرفض مايؤول إليه عقله: لا. إنتَ مضَّايق علشان شكلك قدَّام الكلّ، بس دا مش أكتر.
قاطعه رنين هاتفه: أيوة يا يوسف؟
إنتَ فين؟!
روحت في حاجة؟
ماتيجي نخرج، حمزة عايز يحتفل بالخطوبة وعمَّك رافض. أنا كنت ناوي أخرج أنا وضي، بس قلت يمكن لمَّا بابا يشوفنا معاهم يوافق. هات مراتك وتعال.
أغمض عينيه، كَوَّر قبضته بعصبيَّة مكبوتة: يوسف، مفيش حدِّ غريب بلاش كلمة «مراتك» دي.
جاءه صوت يوسف أكثر حدَّة: بلال، انزل بمراتك هيَّ على اسمك دلوقتي، وطول ماهيَّ على اسمك لازم تحترم العقد اللي بينكم، أكيد فاهم قصدي. يلَّا، مستنِّيكم.
أغلق يوسف الهاتف وحدَّق أمامه بشرود، لحظاتُ صمتٍ قطعه صوت والده من خلفه: قالَّك إيه؟
التفت إليه، وأومأ برأسه ببطء: بلال رافض رولا يا بابا، بلاش تضغط عليه لو سمحت.
ربت على كتفه، وقال بصوتٍ خرج هادئًا لكنَّه مثقل: لو شوفت وجع خالك النهاردة كنت حاولت.
تنفّس يوسف بعمق، ثم قال بثبات: بس الجواز مش محاولات يا بابا، ومفيش راجل يقبل على نفسه كده.
ردَّ إلياس سريعًا:
أنا مابفرضش عليه، أنا بحاول أصلَّح اللي اتكسر.
رفع يوسف عينيه إليه، ونبرته حملت وجعًا صريحًا: وتفتكر اللي اتكسر ينفع يتصلَّح؟ الموقف صعب، وأي واحد مكانه مش هيقبل بكده.
هزَّ الياس رأسه ببطء: عارف. بلال راجل ومتأكِّد لو حاول هيتجاوز الموضوع.
شدَّ يوسف على كلماته، قاطعًا: مش في دي يا باشا، كلِّ حاجة ممكن الراجل يسامح فيها إلَّا دي.
ليه، هوَّ كان برضاها؟ ماتعقل كلامك إنتَ كمان.
ابتلع يوسف غضبه وصمت لحظة، ثم زفر بقسوة: حتى ولو يا بابا، أنا كراجل هيكون صعب عليَّ. إزاي هقدر
توقَّف، ثم أكمل بنبرةٍ حاسمة: وبعدين بلال بيحبِّ واحدة تانية. وياريت نحترم اختياره وقراراته، رجاءً يا بابا بلاش نضغط عليه.
أنا اتكلِّمت معاه، وهو قالِّي بيحبِّ واحدة تانية، وجوازه من رولا أنا اللي فرضته عليه.
اتَّسعت عينا إلياس، وخرج صوته مصدومًا: إنتَ بتقول إيه! يعني مش هوَّ اللي طلبها؟
هزَّ يوسف رأسه بالنفي، واستكمل بهدوءٍ متحفِّظ: كنت قايلُّه هكتب عليها أنا، بس هوَّ خاف على زعل ضي.
تجمَّد إلياس لثوانٍ، قبل أن يخرج صوته متحشرجًا: يعني. هوَّ مش متجوِّزها علشان بيحبَّها زي ماكنت متوقِّع؟
هزَّ يوسف رأسه مرَّةً أخرى: لا يا بابا.
قاطعهم صوت ميرال: بتعملوا إيه هنا؟ فكَّرتك لسه واقف مع إسحاق.
التفت إليها إلياس: لا، إسحاق مشي من دقايق. كنت بتكلِّم مع يوسف في موضوع.
اقتربت منهما وقالت: حمزة مُصرّ يخرج هوَّ وشمس، بلاش تضغط عليهم يا إلياس.
تحرَّك للداخل دون رد.
زفر يوسف بغضب، ومسح على وجهه بيده. اقتربت ميرال منه بقلق: فيه إيه يا حبيبي؟
مفيش.
قالها وتحرَّك، فأمسكته من ذراعه: بابا كان عايزك ليه؟
طالعها برفعة حاجبٍ ساخرة: إيه يا ميرو، من إمتى وإنتي حشرية كده؟ بقولِّك إيه روحي شوفي عريس بنتك هيعمل إيه مع حماه.
عريس بنتي وحماه، ماشي يا يوسف.
قالتها بتهديدٍ خفيف وهي تراقبه يبتعد.
بالداخل قبل قليل
كانت شمس تجلس بجوار فريدة على أحد المقاعد، حمحم حمزة واقترب منهما: بقولِّك يا تيتا، ماتقنعي الباشا يرضى علينا الليلة، عايز أخرج مع خطيبتي.
ضحكت فريدة بمشاكسة: طيب ماتقول إنتَ للباشا.
لا، الباشا صعب، وخايف يقلب عليَّا.
ثم أضاف وهو يبتسم: وأنا مستحمل نفسي بالعافية علشان العسل اللي جنبك دي.
التفتت فريدة إلى شمس: عايزين تخرجوا يا حبيبتي؟
نظرت شمس إلى حمزة، ثم عادت ببصرها إلى فريدة: عادي يا تيتا، هنا زي برَّة.
تيتا، سيبك منها دي مكسوفة.
قالها حمزة وهو يشير إليها، لتتورَّد وجنتا شمس مع دخول والدها: إيه يا كابتن الحفلة خلصت ولَّا لسه؟
طالعه حمزة برفعة حاجب: حفلة إيه يا عمُّو، حضرتك بتسمِّي دي حفلة؟
أومال إيه الحفلة عندك يا ابن إسحاق؟
ماقولت لحضرتك، عايز أحتفل بخطيبتي.
ثم اقترب خطوة: حضرتك يوم خطوبتك ماخرجتش مع طنط واحتفلتوا؟
جزَّ إلياس على أسنانه، وحدَّق فيه بصمتٍ قاتل قبل أن يقول: إنتوا مش كاتبين كتابكم.
دخل يوسف ومعه بلال: خلاص يا بابا، نخرج كلِّنا مع بعض.
ابتسم وأضاف: وآسر كمان جه مع بنات عمِّته، خلِّينا نفرَّح شموسة.
قاطعتهم فريدة بحماس: طيب بدل ماتروحوا مكان بعيد، إيه رأيكم جاردن المناسبات. جاهزة وفيها كلِّ حاجة، وكمان ذكرياتكم ترجع.
تمتم إلياس بضيق: أحسن برضه، أنا أصلًا مش عاجبني خروجهم لوحدهم.
مال عمران نحوه وهمس: يا ابني، إنتَ ناسي نفسك إنتَ مين؟ وفي الآخر بتتطِّرد.
ضحك بخبث:
«أنا لو مكانك كنت خطفتها. ».
رمقه بصمتٍ ثقيل، وانزلقت عيناه لا إراديًا نحو شمس الجالسة على بُعدٍ منهما، قبل أن يهمس: موافق، المهمِّ الموضوع يتم. وبعدين عمُّو إلياس مش سهل، وعاجبني خوفه على بنته.
قطع حديثهما صوت يوسف: يلَّا يا حبيبتي، اجهزي علشان نخرج.
ثم التفت إلى والده: ساعتين ونرجع إن شاء الله.
نظر إلياس إلى حمزة نظرةً ثابتة، وقال بنبرةٍ لا تخلو من معنى: أختك أمانة في رقبتك سامعني؟
حكَّ حمزة مؤخَّرة رأسه، واقترب منه بخطوة: هوَّ ليه حضرتك دايمًا بتحسِّسني إنِّي مش متربِّي؟
رفع إلياس حاجبه، وشاكسه بابتسامةٍ جانبية: بحسِّسك، يعني إنتَ مش حاسس؟
لكزته ميرال بخفَّة، وضحكت فريدة: خلاص بقى يا إلياس، سيبهم بلاش تنكِّد عليهم.
التفت إليها إلياس، وقال ساخرًا: حتى مدام فريدة أخدتها في صفَّك؟ ده إنتَ لسه لابس الدبلة من ساعة أومال لمَّا نكتب الكتاب هتعمل إيه؟
ردَّ بمشاكسة: هطلَّعك من البيت.
ارتفعت الضحكات وتسرَّبت السعادة إلى أرجاء المنزل، ثم تقدَّم حمزة نحوه، وتوقَّف أمامه بجديَّة مفاجئة: عايزك تثق بيَّا، أنا بخاف على شمس أكتر من نفسي.
قطّب إلياس حاجبيه وقال: قالوا للكدَّاب احلف.
اتَّسعت عينا حمزة: يعني أنا كدَّاب؟
هزَّ إلياس رأسه بخبث: لا يا حبيبي، أنا اللي كدَّاب. وعدتك مليون مرَّة أبعد عن البنت وبعدت؟
حضرتك بتتريق؟
لوَّح إليه بيده بابتسامةٍ حازمة: يلَّا يا حبيبي، روح احتفل بدل ماأرجع في كلامي.
بعد فترة، تجمَّع الشباب في حديقة الكمبوند التي أنشأها إلياس خصِّيصًا للاحتفالات العائليَّة الخاصَّة، امتدَّت الحديقة على مساحةٍ واسعة مصمَّمة بذوقٍ راقٍ يخلو من التكلُّف؛ ممرَّات حجريَّة ناعمة تتخلَّلها مساحات خضراء مشذَّبة بعناية، وأشجار زينة مصطفَّة تمنح المكان هدوءًا وخصوصيَّة، الإضاءة الدافئة كانت موزَّعة بذكاء، ترسم حدود المكان دون أن تفرض حضورها.
في أحد الجوانب، بدا المطعم كجزءٍ أصيلٍ من الحديقة، بطاولاته الأنيقة المتباعدة وخدمته الهادئة التي تحترم الخصوصيَّة، وعلى مسافةٍ غير بعيدة، انتشرت الملاعب الرياضيَّة، كلٌّ في نطاقه الخاص، تفصل بينها أسوارًا نباتيَّة تمنح التنظيم دون أن تشوِّه المشهد. أمَّا ركن الموسيقى فكان الأكثر هدوءًا؛ منصَّة صغيرة يتوسَّطها بيانو أسود لامع تحيط به مقاعد محدودة، وكأنَّ المكان خُلق ليحتضن النغم لا ليستعرضه.
جلس الجميع حول إحدى الطاولات، بينما انسحب حمزة وهو يتشبَّث بكفِّ شمس، وتوقَّف أمامهم قائلًا: هنقعد قصادكم هنا.
أومأ يوسف بصمت، وجلست ضي إلى جواره، بينما ظلَّت عيناها معلَّقتين بشمس وحمزة، تنهَّدت قائلةً بنبرةٍ خافتة: يعني السهرة وقفت على كده؟
اقترب يوسف وهمس بجوار أذنها: هنعوَّضها إن شاء الله بلاش نزعَّلهم بابا كان مستحيل يوافق غير كده.
أومأت بتفهُّم، ثم قالت: معرفش عمُّو متشدِّد قوي معاهم ليه، هوَّ فيه أحسن من فترة الخطوبة.
توقَّفت لحظة قبل أن تضحك بخفَّة: ياريت الزمن يرجع لورا، كنت اتشرَّطت على الخطوبة.
رغم أنَّها نطقتها بمزاح، إلَّا أنَّ كلماتها وخزت قلبه. عاد بشروده إلى مافعله معها من قبل، فمال عليها وسحبها تحت ذراعيه: يعني أنا مش عاجبك؟
رفعت عينيها إليه، لتلتقي بنظراته التي صارت بالنسبة لها نور الحياة، وقالت بصدقٍ دافئ، وقد ارتسمت ابتسامةً خجولةً على شفتيها: صدَّقني مايهمِّنيش غير وجودك، أنا كنت بهزَّر.
ابتسم، وتقابلت نظراتهما كترانيمٍ صامتة، تحمل ماتعجز الكلمات عن قوله، رفع إبهامه ولمس وجنتها برفقٍ لا يكاد يُرى، فابتعدت برأسها سريعًا وهي تهمس بخجل: يوسف، بتعمل إيه؟
حمحم بخفَّة وتراجع خطوةً للخلف، متصنِّعًا اللامبالاة، وهو ينظر إلى الجمع من حولهما.
بينما كانت رولا تجلس بجوار بلال، تميل بجسدها نحو آسر، تُقرِّب رأسها من أخيها وهي تنظر في هاتفه، تبتسم حينًا وتعبس حينًا آخر، بينما كان بلال غارقًا في شاشة هاتفه، يتصفَّح بلا اكتراث متصنِّعًا الانشغال.
وعلى الجانب الآخر، كانت سدن وآسيا تقفان معًا، تتفحَّصان المكان بفضولٍ واضح؛ نظراتهما تدور في أرجاء الحديقة، تلمع أعينهما بدهشةٍ صامتة، فالمكان يبدو جديدًا عليهما، لأنَّهما تريانه للمرَّة الأولى.
ساد المشهد الهدوء إلى أن هتف يوسف: آسر بتعمل إيه؟
رفع رأسه ينظر إليه: كنت بشوف حاجة، إيه إحنا جايين نقعد؟ دار برأسه في المكان ثم نهض وقال: هشوف حاجة تغيَّر المود. قالها.
وتحرَّك، فركضت خلفه سدن: آسر آسر، إيه البتاع ده؟
توقَّف، وضع كفَّيه في جيبي بنطاله، وحدَّق في تلك المرجوحة الضخمة، قبل أن ترتسم ابتسامة مشاكسة على شفتيه: دي مرجوحة بتطير فوق، والبنات الهبل بيصرخوا.
اتَّسعت عيناها بدهشة: What؟!
يعني إيه؟!
اقترب منها خطوة، ثم أشار إلى أحد العاملين: شغَّلها يا عمِّ محسن.
دارت المرجوحة أمام عينيها، فصفَّقت بلهفة، وتعالت صرختها: واو! آسيا تعالي، أنا كده عرفت هنعمل إيه.
خطت آسيا نحوهما، وتوقَّفت تتابع بعينيها تلك المرجوحة التي ترتفع في السماء، وكأنَّها تتحدَّى الجاذبية.
في تلك اللحظة، نهضت ضي واقتربت منهم: إيه رأيك يا آسر نلفِّف فيها بنات عمِّتك؟ ماجوش هنا من سنين. فاكر لمَّا كنت بتضحك عليهم؟
قهقه وهو يشير إلى سدن: آه فاكر لمَّا الأستاذة جابت لي الشتيمة.
اقتربت منه تعانق ذراعه وتقول برجاء: طب وحياتي قولِّي إيه اللي حصل.
يووووه
نطقها هو وضي في التوقيت ذاته، فارتفعت ضحكاتهما.
لكن ضي صمتت فجأة، إذ تذكَّرت حديث يوسف، ثم أشارت إلى آسر: هشوف يوسف لو ينفع نركب زي الأوَّل.
عند بلال
كان يتحدَّث مع يوسف، بينما كانت رولا تتابع حديث ضي وآسر من بعيد.
دارت عيناها في المكان، إلى أن وقعتا على حمزة.
وضعت كفَّها تحت وجنتها، تراقبهم بشرود.
كان حمزة يتحدَّث مع شمس، وضحكاتهما ترتفع، بينما كانت هي تبتعد بنظراتها عنه بخجلٍ واضح.
شردت رولا في جلستهم وتخيَّلت نفسها مكانهم، ثم انساقت بخيالها بعيدًا، دون أن تشعر بنفسها إلَّا وهي تعانق ذراع بلال الجالس بجوارها.
ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ بريئة زادت من جمالها وهي تتابع شمس وحمزة متناسيةً كلَّ ماحولها.
التفت بلال فجأة، وحدَّق في كفَّيها المتشبِّثتين بذراعه.
لاحظ يوسف توتُّره، فنهض قائلًا: هشوف ضي وأشوف آسر كان رايح يغيَّر المود، وأنا اللي مودي طفش.
أومأ بلال مرتبكًا لم يفهم تمامًا ماقاله يوسف.
كلُّ ماكان يشعر به لمساتها الحانية، ورغم ذلك، كانت نارًا تكويه من الداخل.
دقََّق النظر في وجهها القريب، ثم انزلق بصره إلى شرودها، لتقع عيناه على حمزة وهو يحتضن كفَّ شمس ويتحدَّث بسعادة.
حمحم، وتراجع بجسده خطوةً إلى الخلف.
هنا فقط فاقت رولا من أحلامها، لتنظر بدهشةٍ إلى قرب جسدها منه، بعد أن جذبها ثم ابتعد: آسفة شردت.
لم يردّ عليها، بل أمسك هاتفه وتصنَّع انشغاله به، رمقته بعينٍ لمعت بالدموع، شعر بمراقبتها، فرفع رأسه إليها، تعلَّقت عيناه بعينيها، هزَّة عنيفة أصابت جسده من دموعها التي شعر بأنَّها تنفذ لصدره: بتبصِّي لي كدا ليه؟
سحبت نظرها ولم ترد. وصلت إليها ضي تسحب كفَّها: تعالي نركب الطبق الطاير يا بت، فاكرة زمان، فرصة الليلة نرجع نتشاقى.
هبَّ من مكانه: إنتي اتجنِّنتي، مفكَّرة نفسك طفلة!
بقولَّك إيه، خلِّيك مع صاحبك مالكش دعوة.
قالتها وسحبت كفَّها، توقَّف يوسف أمامهما:
اهدي، إنتي مابقيتيش صغيرة.
خلاص بقى يا حبيبي مش هيحصل حاجة، ماتيجي معانا.
رفع حاجبه ساخرًا، وعيناه تجولان في المكان: نعم يا أختي؟ مش ناقصني غير أتمرجح!
سحبت ضي كفَّ رولا وهي تتمتم بغيظ: خلاص، روح للنكدي اللي شبهك.
قطَّب جبينه بعدم فهم، يتابعها بنظرةٍ مستفهمة.
عند حمزة
علي فكرة، بقالي ساعة بتكلِّم وإنتي ساكتة.
هزَّت كتفيها بلا اكتراث، وعيناها تتَّجهان نحو أخيها المتوقِّف غير بعيد، يراقب تحرُّكات ضي ورولا: أقول إيه؟ مفيش حاجة أحكيها.
تأمَّلها قليلًا، ثم سأل بنبرةٍ أهدأ: شمس، إنتي فرحانة علشان اتخطبنا؟
صمتت، تفرك أصابعها بتوتُّر خفي: خلاص بقى، يعني هكون زعلانة؟
مال بجسده مقتربًا من جلستها، ينظر في عينيها بعمق: طيب، مفيش كلمة حلوة في ليلة حلوة زي دي؟
تورَّدت وجنتاها، وابتعدت برأسها عن قربه: حمزة لو سمحت مينفعش كده.
رفع كفَّها وقبَّله لتسحبه سريعًا، وعيناها تتَّجهان بفزعٍ نحو أخيها الذي التقط المشهد، لم تمضِ لحظات حتى اقترب منهما: مش عايزة تطيري إنتي والكابتن مع المجانين دول؟
ابتسمت شمس، ثم توقَّفت حين رأت ضي يساعدها بلال في الصعود إلى الأرجوحة، فقالت بعينين لامعتين: آه، ياريت نفسي أركبها قوي.
اتَّجه بصر حمزة إلى مايتحدَّثون عنه، ثم نهض مقتربًا منها: نعم! تركبي إيه، اتجنِّنتي؟ لا طبعًا، أنا مش موافق.
ليه؟ دي جميلة.
شمس، مابحبِّش التفاهات دي.
مدَّ يده إليها بحزم: تعالي نتمشَّى شوية، ماخلَّصتش كلامي.
رايحين فين؟
أشار بيده نحو المكان المخصَّص للموسيقى: هنرقص، ولَّا دي ممنوعة؟
ابتسم ابتسامةً خفيفة، وقال بثبات: والله في قوانين إلياس لا يجوز إنَّما في قانوني أسرق سعادتي من الدنيا، بس من غير تجاوز.
أنا بتكلِّم مع حمزة ابن عمِّي إسحاق مش حمزة الحبِّيب.
ضحك بخفَّة: -وإيه الفرق يا دكتور؟
-الفرق كبير يا كابتن.
ثم أشار: يلَّا شوفوا رايحين فين وبلاش رقص، معلش بكرة لمَّا تبقى مراتك اعمل اللي إنتَ عايزه، متنساش لسة موضوع الفرح معلَّق مع بابا، وممكن يجي في أي وقت، وأنا مايرضنيش إنِّ أختي تبقى في حضن راجل.
حضن راجل غريب! أنا كدا يا يوسف؟!
حمزة الصحِّ صح والغلط غلط، بلاش نعمل غلط ونرجع نندم، كفاية إنِّنا مش محافظين في كلِّ حاجة.
خلاص فهمتك، قالها وتحرَّك للمكان المخصَّص بالموسيقى.
بينما اتَّجه يوسف ليجلس في مكانه، منتظرًا بلال الذي كان يساعدهم على الصعود.
صعدت رولا الدرج بخطواتٍ متردِّدة، وماإن وصلت حتى فوجئت به يحملها ويضعها في موضعها برفق: كده أحسن. معلش، ماهو أنا زي يوسف.
شعرت بغصَّة تخنق صدرها، وعلَّقت عيناها بعينيه تتمنَّى لو تنطق بما يجول بخاطرها. لكنَّها صمتت.
بعد قليل
همسات وضحكات خافتة وكلٌّ يعيش لحظته بطريقته.
دون أن يدرك أحدهم أنَّ بعض القلوب كانت على وشك أن تنكشف. ولو بنظرة.
نظرت من خلف الزجاج تتأمَّل النجوم المتلألئة في السماء: السما صافية النهاردة، مع إنِّنا داخلين على الخريف.
ابتسم لها، ورفع فنجانه يرتشف منه بهدوء: يمكن بتحتفل بينا.
أعادت النظر إليه، وتغيَّرت نبرتها قليلًا: ماما قالتلي إنَّك هتسيب شغلك، أنا مش معاك في القرار ده.
شعر بسعادة خفيَّة، كأنَّ اعتراضها اعترافًا غير مباشر بالخوف عليه.
وإنتي رأيك إيه؟
طبعًا مش موافقة، ليه تضيَّع حلمك، ينفع بعد السنين دي كلَّها تتنازل، وعشان إيه؟
أجاب بهدوءٍ صادق: عشانك.
توقَّف لحظة ثم تابع: كنت مستعدّ أعمل أكتر من كده، المهمِّ تكوني معايا، أقعد جنبك زي دلوقتي وأنا مرتاح، مش حاسس إنِّي بسرق. أنا بقيت عامل زي المراهق.
مدَّ كفَّيه وسحب كفَّيها يحدِّق في عينيها: ومستعد أتنازل أكتر من كده، المهمِّ أحسّ إنِّك بتدافعي عن حبِّنا.
سحبت كفَّيها سريعًا، وارتجف جسدها وعجزت عن الرد.
شمس. تمتم باسمها بصوتٍ رجوليٍّ هادئ.
رفعت عينيها إليه.
إنتي حاسَّة باللي أنا حاسس بيه؟
أنزلت نظراتها إلى الأرض: معرفش إنتَ حاسس بإيه بس أنا سعيدة إنِّنا اتخطبنا.
تنهَّد تنهيدةً ثقيلة خرجت من أعماق صدره، وعيناه تتأمَّلان ملامحها كما يتأمَّل فنان لوحته الأخيرة: المهمِّ إنِّك سعيدة، ده كفاية يخلِّيني أكون مالك الأرض وماعليها.
لمعت عيناها ونطقت دون وعي: «هنفضل نحبِّ بعض كده، ولَّا نرجع نندم؟ »
صمت للحظات، يحاول استيعاب ماقالته.
هل نطقت فعلًا بكلمة نحب!
أم أنَّ فرحته خانته، فرسمت له ماتمنَّى سماعه؟
رفع نظره إليها ببطء، وقال بصوتٍ خرج متردِّدًا: إنتي قولتي إيه؟
تلاعبت بفنجانها، ابتسامة خفيفة هاربة ارتسمت على شفتيها، تتجنَّب عينيه: أممم
قطع صمتها سريعًا، كأنَّه يخشى أن تعود الكلمات أدراجها: رجعنا نسكت تاني؟
ثم أضاف بابتسامةٍ جانبية: تعرفي، وإنتي صغيرة كنتي شقية أوي.
رفعت رأسها تنظر إليه، تنتظر تكملة حديثه.
ضحك ضحكةً رجوليَّةً صافية، كأنَّ الذكرى أعادته سنواتٍ للخلف: كنت بحبِّ أضايقك، بس يوسف كان مجنون خوف عليكي.
سكت لحظة ثم تابع: في مرَّة روحتي معيَّطة بسببي.
كانت تستمع إليه بشغفٍ واضح، ملامحها لانت، فاسترسل: كنا بنلعب هناك كده.
قالها وهو يشير إلى مكانٍ ما، يبدو أنَّه تغيَّر كليًّا، تحوَّل الآن بلمساتٍ حديثة وتكنولوجيا متطورة.
كنت بلعب أنا ويوسف تنس، وإنتي كنتي قصيرة أوي، وجيتي عايزة يوسف يركَّبك العجلة.
ضحك وهو يهزُّ رأسه: وأنا كنت مفروس، علشان كان فايز عليَّا بالسكور.
تنفَّس بعمق، وعاد صوته أكثر هدوءًا: كلِّ مرَّة كنت أنا اللي أكسب، بس المرَّة دي دماغي مكنتش مركِّزة.
كنت داخل على امتحانات الثانوية، وبابا كان جايبنا أجازة لمصر علشان عمُّو فاروق كان تعبان.
نظر إليها وكأنَّه يراها كما كانت: يوميها جينا نزوركم، وكانت أوَّل مرَّة أشوفك اليوم ده.
لمَّا سألت بابا بعد رزالتك عليَّا، قالِّي إنِّك كنتي مسافرة برَّة مصر مع والدتك ولسه راجعين.
ابتسم بحنين: أنا أصلًا جيت كذا مرَّة لعمُّو أرسلان، كنت بشوف ضي ورولا، بس إنتي.
هزّ رأسه نفيًا: مكنتيش موجودة.
لاح الحزن في ملامحها، ذكرى قديمة انسحبت إلى عينيها.
تذكَّرت حديث والدتها عن تلك الفترة. فصمتت واكتفت بالاستماع إليه، بينما قلبها يثقل بكلِّ مالم يُقال يومًا.
يومها ربطت شعرك في الكرسي، وإنتي عيَّطي كتير، وبلال ويوسف اتخانقوا معايا وروَّحت زعلان، فضلت سنتين ماجيش عندكم، بعدها جيت مرَّة واحدة بس ماشفتكيش غير من بعيد، كنت نسيت الموقف.
يعني ربطلي شعري في الكرسي، وكمان نستني! صمتت متذكِّرة أوَّل لقاء بينهما:
أيوة صح، دا إنتَ مكنتش فاكرني.
اقترب بجسده منها، حدَّق داخل عينيها بنظرةٍ صادقة، صوته خرج منخفضًا لكنَّه ثابت: بس خطفتيني.
تنفَّس بعمق وأكمل: آه، منكرش إنِّي نسيت، سنين يا شموسة، وبعدين كبرنا.
ابتسم بحنانٍ موجع: بس بعد كده، ماغبتيش عن قلبي ثانية واحدة.
رفع كفَّيه ليعانق كفَّيها، ضغط عليهما كأنَّه يثبِّت وعدًا: وأنا بوعدك، وعد حبيب خطفتي دقَّات قلبه، دايمًا هتكوني شمس حياتي، ودايمًا هكون مصدر سعادتك.
ارتعش صوتها، وخرج الاعتراف أخيرًا بلا مقاومة: حمزة أنا بحبَّك.
لحظة واحدة
وكأنَّ الكون وماعليه توقَّف عند تلك الكلمة. ليرتجف القلب والجسد دون وعي، اندفع نحوها، ورفعها بين ذراعيه يدور بها في سعادةٍ مجنونة، وضحكاته ترتفع بلا تحفُّظ: وأنا بحبككك!
التفت يوسف وبلال على صوته.
ابتسم بلال على جنونه، وسرحت عيناه مباشرةً إلى تلك الجنيَّة التي تستقلُّ الأرجوحة، تطير في السماء، تتشبَّث بأخيها وتضحك بصوتٍ عالٍ. كأنَّها طفلة عادت لستِّ سنوات.
بينما يوسف، لم يرفع عينيه عن أخته.
أنزلها حمزة أخيرًا، واحتوى وجهها بين راحتيه، وأنفاسه متسارعة: أنا بحبِّك أوي يا شمس أوي.
اقترب أكثر: لو دقَّات قلبي خرجت لحبِّك، لأغرقت العالم.
أنزلت كفَّيه بهدوءٍ مرتجف، وتراجعت خطوة، شفتيها ترتعشان: حمزة. مينفعش كده لو سمحت.
أخفضت صوتها: إحنا مش مكتوب كتابنا، وإنتَ سمعت بابا قال إيه.
لم يعاندها، سحب كفَّيها بلطف، ساعدها على الجلوس وجلس مقابلها: باباكي دا أنا بحبُّه أوي على فكرة
ابتسم ثم أردف بصدق: بس أكيد مش أكتر منِّك.
توقّف لحظة، ثم اعتدل بنبرته: المهم بما إنِّك اتكلِّمتي على ماينفعش.
تغيَّر صوته قليلًا: أنا معجبنيش قربك من بلال.
فتحت فمها لتتحدَّث، لكنَّه رفع سبَّابته، وانحنى بجسده مقتربًا، ونظرته حازمة: حتى لو أخوكي يا شمس.
تابع بهدوءٍ قاطع: بلال ابن عمِّك، حطِّي دي في عقلك.
يعني ينفع يتجوِّزك، مش محرَّم عليكي.
سكت حمزة لحظة، ينظر إليها بعينين مليئتينِ بالمزيج بين الغيرة والحب، ثم قال بنبرةٍ أقلَّ حدَّة، كأنَّه يحاول ضبط أعصابه: عارف علاقتكم ببعض، بس أنا رافض القُرب ده.
نظرت إليه بثبات، لم تُجادل ولم تُدافع، فقط أومأت برأسها: تمام حاضر.
اقترب خطوة، وصوته أصبح أهدأ وأكثر صدقًا: شمس، ماتزعليش، أنا مش هقولِّك «أنا راجل بغير» لأنِّ ده شعور طبيعي، بس متخلِّيش الموضوع يخلِّيني أوصل لمرحلة مش كويسة.
تنفَّست شمس بعمق، وقالت بنبرةٍ مستسلمة: حاضر يا حمزة خلاص أنا عرفت إنِّي غلطت، وبابا كمان كلِّمني وقال مينفعش كده.
قبل أن يرد دخل يوسف يبتسم والفرحة تتلألأ في عينيه، ومعه بلال والعامل يحمل كعكةً كبيرةً مزيَّنةً بعناية، كُتب عليها بخطٍّ رقيق: «ألف مبروك للعروسين».
التفتت شمس نحو أخيها، وعيناها تتلألآن بالدهشة والفرح، ركضت نحوه: يوسف!
فتح ذراعيه وضمَّها بقوة، يقبِّل جبينها بحنانٍ أخويٍّ صادق: مبروك يا حبيبتي، ربِّنا يسعدكم ويهنِّيكم.
رفع نظره إلى حمزة مبتسمًا بنصف ابتسامةٍ مازحةٍ ونصفها تحذير: وطبعًا مش هوصِّيك عليها متزعَّلهاش، عشان لو زعَّلتها مش هتشوف ضفرها.
لحظات وتحوَّل المكان بدفءٍ مختلف، لم يكن الاحتفال صاخبًا بقدر ماكان حميميًّا، صُنع خصِّيصًا من قلب أخٍ لأخته. الإضاءة كانت دافئة تتلألأ كنجومٍ صغيرة، وطاولةٌ مزيَّنةٌ بالورود البيضاء والوردية، تتوسَّطها الكعكة بخطٍّ رقيق يحمل اسم شمس، وكأنَّها توقيع محبة لا يُخطئه سوى القلب.
تجمَّعت الفتيات حول شمس في دائرةٍ صغيرة، ضحكاتهنَّ تتعالى بصدق، بلا تكلُّف، يصفِّقن مع الموسيقى ويتمايلن بخفَّة، كلُّ واحدة منهنَّ تحاول أن تخطف لحظةً تعبِّر عن سعادتهم، سحبت سدن شمس في المنتصف وأمسكت كفَّيها تدور بها وهي تضحك بخجلٍ، ووجنتاها احمرَّت بفرحةٍ صافية، بدأت تتمايل معهنَّ وكأنَّها طفلةٌ تُحتفى لأوَّل مرَّة.
اقترب يوسف خطوة، يراقب خجلها بابتسامةِ فخرٍ لا تُخفيها، فرحته لم تكن بخطوبة أخته فقط، بل لأنَّه سبب في هذه اللحظة، في هذا الفرح الصافي الذي يليق بها. ارتفعت الموسيقى، وتعالت الزغاريد والضحكات، واختلطت بأصوات التصفيق، فيما كانت الفتيات يردِّدن الأغنية بحماس، يمددن أيديهنَّ لشمس ويجذبنها للرقص، وكأنهنَّ يقلن لها دون كلمات: النهاردة يومك وفرحتك دي لينا كلِّنا.
اقتربت ضي تسحب يوسف برفق، تتراقصان معًا وسط السعادة التي غمرت وجوه الجميع. دقائق من الصخب الممزوج بالبهجة الصافية، قبل أن يهدأ المكان تدريجيًّا، وتُعزف موسيقى هادئة تمهِّد الجوَّ للحظاتٍ أكثر حميميَّة.
نهض حمزة، بسط كفَّيه نحو شمس: مش هرتاح لمَّا أرقص معاكي.
التفتت ضي إلى يوسف، الذي زمَّ شفتيه بتردُّد. ضغطت ضي على كفِّه تحثُّه على الموافقة: اختمها بقى، خلِّي اليوم ينتهي بسعادة كاملة.
رفع يوسف عينيه نحو أخته التي كانت تنتظر ردِّه، وتراجعت تهزُّ رأسها رافضةً بعد صمتٍ قصير: خلاص بقى يا حمزة إحنا اتكلِّمنا
لكن يوسف قطع حديثها حينما أمسك كفَّ ضي بلطف: يالَّه، همَّا بس اللي هيرقصوا.
ابتسمت ضي تحتضن ذراعه، وتغمز لشمس التي لمعت عيناها بالسعادة. ثم تراجعت إلى مكان جلوس بلال ورولا: يالَّه، أنتوا كمان فرصة لا تعوَّض.
نعمل إيه؟
–سأل بلال بتردُّد.
هتستعبط يا دوك، دا أنتوا مفيش فرح لمَّا كنتوا بترقصوا مع بعض عايزين فرحة البت تبوظ؟
قالت ضي بمزاح، ليردَّ بلال مبتسمًا: نعم يا أختي.
انحنت ضي لتسحب كفَّ أخيها لحظة، متوقَّفةً عن الحركة: هفهِّمك بعدين جوزي هيزهق منِّي، واقف لوحده ودا جنتل وخايفة يزعل.
ضحك بلال بجوارها، وتحرَّك خطوةً للأمام، ثم توقَّفت فجأة: إنتَ جاي ورايا وسايب مراتك إيه الرجَّالة دي؟ لا، ودكتور، دا عايز يتعلِّم ألف باء!
قالتها ضاحكةً ثم تحرَّكت بسرعة نحو يوسف، بينما التفتت إلى رولا، فوجدتها مازالت بمكانها، وابتسامةٌ حزينةٌ تلمع في عينيها. خطا بلال نحوها، ومدَّ يده: اعتبريني زي آسر، وارقصي معايا.
توقَّفت رولا للحظةٍ بصمت، ثم اقتربت منه بعدما جاء آسر وآسيا وسدن وانطلقوا جميعًا في الرقص: رايحين فين؟! سأل آسر بدهشة.
هنرقص، تعال إنتَ كمان.
توقَّف ينظر إلى البنات، وقال بلال مازحًا: كدا عايزين راجل كمان، بس عادي ممكن أرقص مع الاتنين.
ضحك آسر عليه: طيب يا عريس، ارقص مع مراتك الأوَّل، وبعد كدا طول النظر.