رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الرابع والثلاثون
رفع حمزة حاجبيه بخفوت وقال: بس العربية مافيهاش حاجة.
أشارت بهدوء نحو الباب الأمامي: طيب دور، هتخسر إيه؟
صمتٌ ثقيل جعل أنفاسه تتوتر
نظر إليها طويلًا، ثم أشار إلى السيارة بنبرة متماسكة تخفي اضطرابه: العربية قدامك دوري.
فجأة دوّى صوت رولا وهي تلوّح بمرح: أوووه كابتن حمزة عندنا! وأنا بقول المكان منوّر ليه؟
ابتسم بخفة، لكنه لم يُزِح عينيه عن شمس، وقال وهو يختنق بعشق دفين: المكان منوّر باللي فيه.
استدارت شمس محاولة الفرار من اضطرابها: طيب، هروح أقولها...
لكن اوقفتها رولا: استني ياشمس، لقيته! ماهي بعتتني أقولك لقيت الفون في العربية.
تطلعت شمس إليه بأسفٍ مرتبك: آسفة بس هي يعني...
اقترب خطوة، لم يَعُد يخبئ نظراته، كانت عيناه تتشبثان بها كمن وجد الحياة بعد موت: ولا يهمك.
قالها ثم نظر إلى رولا وأردف بابتسامة جانبية: عقبالكم يا بنات.
ضحكت رولا بخفة وقالت بمشاكسة: إنت الأول يا كابتن!
قالتها وتركتهما ومضت على رنين هاتفها، لتبقى شمس في مكانها، تنظر إليه بحيرة وتردد:
قطّب جبينه بخفة، وابتسامة صغيرة تلعب على شفتيه: عايزة تسألي عن حاجة؟
ترددت قليلًا، ثم قالت بصوتٍ خافتٍ لكنه ثابت: الصراحة أيوه. هو انت اللي اتصلت بيا من كام يوم؟
استند على السيارة، وراح يتأمل عينيها بعمقٍ قاتلٍ للصبر: آه أنا.
ثم أضاف بابتسامة غامضة: ولو عايزة إجابة سؤال تاني، هقولك معرفش.
رفعت حاجبها بدهشة: يعني إيه معرفش؟ حضرتك اتصلت وقلت زوج المستقبل! ممكن أفهم يعني إيه الكلمة دي؟
تحرك بخطوات هادئة نحو باب سيارته، فتحه، ثم التفت إليها وهو يلوّح بكفه بابتسامة ثقة: هتشوفيني في الفرح وبالمناسبة، بحب اللون الأرجواني جدًا، هيكون قمر عليكي، واثق في ذوقك بس بلاش روج، ما بحبوش.
راعي أني بغير، مش معنى اني متكلمتش هسمح لا. لما نقرب من بعض هتفهمي حمزة.
اتسعت عيناها، وافترقت شفتاها بدهشة من جرأته، بينماهو استقل السيارة وغادر وقفت تهمس لنفسها
معقول العسل دا يطلع مجنون.
وصلت إليها رولا: واقفة كدا ليه يا شمس؟
التفتت إليها تشير إلى تحرُّك حمزة وقالت: معرفش حسَّاه مش طبيعي.
ابتسمت وسحبت كفَّها: هوَّ بس علشان ميعرفكيش، المهمِّ أنا خارجة نصِّ ساعة لو ماما سألت عليَّا قولي لها فوق في الحمَّام، المهمِّ متعرفش إنِّي خرجت.
وبعدين يا رولا. أنا بقيت بكذب كتير بسببك، كفاية يوم ماقولتي لها جاية تذاكري عندي، وأنا معرفش عنِّك حاجة خمس ساعات، لو سمحتي لازم تقولي لوالدتك إنتي بتروحي فين، مادام مابتعمليش حاجة غلط.
خلاص يا شمس مش عايزة منِّك حاجة؛ أنا كنت هروح لواحدة صاحبتي بس عملت حادثة وماما دايمًا بترفض حتى من غير ماتعرف.
اقتربت وربتت على كتفها: طيب أنا آسفة، روحي ومتتأخريش.
هزَّت رأسها سريعًا وأشارت إلى آخر الشارع: لا هيَّ ساكنة قريب، هاخد عربية ضي تمام؟
أومأت لها بهدوء، قبَّلتها رولا وتحرَّكت سريعًا للخارج وهي تراقبها بعينيها.
بالداخل مازالت البهجة والسعادة تعمُّ المكان. جلست ميرال بجوار رحيل الصامتة: مالك يا رحيل، من وقت ماجيتي وإنتي ساكتة، وبعدين إنتي قولتي هتيجي بعد الضهر إيه اللي أخًَّرك كدا؟
هزَّت رأسها ورسمت ابتسامة: آسفة يا ميرال، نمت وراحت عليَّا نومة، المهمِّ ألف مبروك حبيبتي ليوسف عقبال شمس، يزن احتمال كبير يجي بكرة، ربِّنا يسهِّل ويلحق يخلَّص بكرة.
إن شاء الله حبيبتي، هيَّ إيمان بقت كويسة؟
أه الحمد لله، هتفكِّ الجبس أسبوع كدا، في تلك اللحظة دلفت شمس بمفردها.
نهضت رحيل متَّجهةً إليها تبحث بعينيها عن رولا: حبيبتي فين رولا، مش كانت معاكي؟
ارتبكت تفرك بكفَّيها ثم ابتسمت بتردُّد تشير إلى الأعلى: أه. طلعت فوق، قالت عايز تغيَّر الميكب. ماتقلقيش شوية وتنزل.
يعني هي َّفوق؟
أومأت شمس بعيونٍ متربكة حائرة من شدَّة رحيل بسؤالها، تعلم أنَّ علاقتهما ليست على مايرام.
عدَّة ساعاتٍ مضت الى أن انتهى حفل الحنَّة، صعدت شمس أوَّلًا. وقامت بإزالة مكياجها واتَّجهت إلى فراشها تهمس لنفسها: هتنامي على نفسك يا شموسة، آااه يا رجلي. قالتها بدخول ضي التي أُنير وجهها بالسعادة، حدجت تلك التي تلمس قدميها بتألُّم: مالك يا شمس؟
أشارت إلى أقدامها: رجلي يا ختي، من الصبح وأنا بجري زي مايكون أنا العروسة.
ضحكت واقتربت منها، ثم انحنت تطبع قبلةً على رأسها: يوم فرحك صدَّقيني هنام لحدِّ المغرب.
هبَّت من فوق الفراش تلكمها بشقاوتها الطفوليَّة: أه يا ناكرة الجميل يا كلب البحر.
ارتفعت ضحكاتها إلى أن صمتوا، ثم اعتدلت ضي تنظر إليها: ماتوقَّعتش الليلة هتكون حلوة أوي كدا.
وضعت شمس رأسها على كتف ضي: أنا فرحانة أوي يا ضي، علشان هتكوني مرات أغلى شخص في حياتي.
أغمضت عينيها، فراحت ملامحه في خيالها كحلمٍ جميل، ابتسمت وتنهَّدت، تتمنى لو أنَّ المسافة بينهما تُمحى بلمح البصر.
اعتدلت شمس بعد لحظاتٍ من صمتها تنظر إليها باستغراب: ضي، مالِك ساكتة ليه؟
هزَّت كتفيها بابتسامةٍ واهية، ثم نهضت ببطء، خلعت فستانها بحركةٍ متردِّدة.
تقدَّّمت نحو خزانتها، وضعت الفستان داخلها بعناية، تمرِّر أناملها عليه برقَّةٍ.
ثم توجَّهت إلى الحمَّام، وحين خرجت كانت شمس قد استسلمت للنوم.
جلست ضيّ بجوارها تراقب ملامحها الهادئة، والابتسامة تملأ عيناها، فوجه شمس يشبه يوسف حدَّ الوجع.
اقتربت منها ببطء، وانحنت لتطبع قبلةً رقيقة على وجنتها، تهمس كأنَّها تخاطبه: وصَّلي دي لأخوكي. قولي له وحشني.
تحرَّكت شمس بتململ، وابتسمت بخفوتٍ وهي تهمهم: حاضر...
عادت ضي إلى فراشها المقابل، تتأمَّل السقف بصمتٍ، فمنذ عودة ميرال وشمس، وهي تشارك شمس بغرفتها في زياراتهم المتكرَّرة لجدَّتهم.
سحبت هاتفها من فوق الوسادة، فتحته، فظهر أمامها اسمه، يوسف.
عدَّة مكالماتٍ فائتة.
ارتجف قلبها، وضغطت على زرِّ الاتِّصال.
علي الجانب الآخر، كان يوسف قد غفا منذ دقائق، بعد سهرةٍ طويلة مع أصدقائه.
رنَّ الهاتف، ففتح عينيه نصف فتحةٍ، مدَّ يده بتثاقل وأجاب بصوته المبحوح بالنوم: ألو...
تصلَّب جسدها للحظة، ارتبكت، ثم همست باسمه بخجل: يوسف. نمت؟
اعتدل على ظهره، وصوته بدأ يفيق: يعني.
ضحكت بخفوتٍ وارتبك صوتها وهي تهمس: لقيتك متَّصل بيَّا كتير، الفون كان فوق.
ردَّ بابتسامةٍ تنضح عشقًا: ولا يهمِّك يا حبيبتي، كنت بس عايز أطَّمن. أشوفك عاملة إيه.
مش كويسة...
قالتها بصوتٍ خافتٍ مهزوم، لتتسلَّل شهقةُ بكاءٍ خانتها قبل أن تكمل.
اعتدل يوسف سريعًا وارتجف جسده بالقلق: ضي، فيه إيه، مالِك، مين زعَّلك؟
خرجت منها الكلمة كطعنةٍ ناعمةٍ مبلَّلة بالدموع: إنتَ...
قطَّب جبينه، يحاول التذكُّر، وقال مستنكرًا: أنا! مش فاكر زعَّلتك في إيه، وبعدين إحنا مااتكلِّمناش أصلًا. ممكن أفهم زعلانة منِّي ليه؟ لو قصدِك على الفستان، اخبطي دماغك في الحيطة بقى.
لكنَّها قاطعته بصوتٍ مبحوحٍ موجوعٍ: علشان وحشتني. وعايزة أشوفك، وإنتَ مش موجود.
هل شعر أحدكم يومًا بصراخ القلب حين يعجز اللسان عن الردّ؟
صمت. لكنَّها سمعت أنفاسه المتسارعة من خلال الهاتف، كأنَّها أمواجٌ ترتطم بقوَّة، تريد أن تصل إليها بأيِّ شكل.
دقائق من الصمت الموجع...
ثم أغلقت الهاتف بخفَّةٍ مرتجفة، وارتمت على وسادتها، تضمُّ نفسها بذراعيها كأنَّها تحاول أن تقنع نفسها أنَّها بين يديه.
همست لنفسها لائمةً: إيه يا ضي. اتجنِّنتي؟! أوَّل مرَّة تبقي ضعيفة كده!
تقلَّبت على الفراش كمن يهرب من نارٍ تشتعل تحته، ثم نهضت مرَّةً واحدة.
خرجت من الغرفة بخطواتٍ متردِّدة.
هبطت السلالم بهدوء، حتى دلفت إلى غرفته. وكأنَّ قلبها المتحكِّم الأوَّل.
توقَّفت عند الباب، فتحته لتقابلها رائحته تتسلَّل إليها كأوكسجين الحياة الذي تختنق بدونه.
دخلت تتأمَّل كلَّ تفصيلةٍ في المكان. حتى وقعت عيناها على قميصٍ ملقى فوق الفراش.
اقتربت منه، رفعته ببطءٍ إلى أنفها، وأغمضت عينيها بقوَّة وهي تستنشق عطره، تريد أن تملأ رئتيها به...
جلست على الفراش، تمرِّر أصابعها عليه، تتلمَّسه، وكأنَّها تتلمس جسده.
ابتسمت بخفوتٍ وافترشت الفراش، تضمُّ قميصه إلى صدرها كطفلةٍ وجدت دُميتها بعد بكاءٍ طويل. تدفن رأسها تتنفَّس رائحته إلى أن غفت أخيرًا بين رائحته، ودموعها التي لم تجفّ.
عند يوسف: نظر للهاتف الذي بيده بعد إغلاقها، وشعور جحيمي بداخله، يريد أن يصل إليها بالحال، ولكن عقله تمرَّد عليه: اهدى. متبقاش ضعيف كدا، مش كلِّ حاجة تقولها تجري عليها. الصبح يبقى روح لها.
صمت لدقائق ثم رفع هاتفه يتَّصل بها مرَّةً أخرى، ارتفع رنين الهاتف التي تركته بغرفتها عدَّة مرَّات، حتى استيقظت شمس. نهضت تبحث عنها فرفعته وردَّت بعدما وجدت أخيها: أيوة يا جو؟
صمت للحظات. يشعر بالضيق ظنًّا أنَّها لا تريد محاكاته، فقال: أهلًا شموسة، عاملة إيه حبيبتي؟
مفيش كنت نايمة، صحيت على رنين التليفون، ومعرفش ضي راحت فين.
هيَّ مش عندك؟
لا. ممكن تكون نزلت تحت.
طيب حبيبتي تصبحي على خير.
لو عايزها أنزلَّها.
لا يا شموس، كنت بطَّمن عليكم بس.
فرك وجهه يشعر بالضيق، ثم نهض من فوق فراشه، واتَّجه إلى غرفة بلال، وجده مازال مستيقظًا: يوسف إنتَ لسة صاحي فكَّرتك نمت.
ماجاليش نوم.
-بقولَّك حجزت في شرم زي ماقولت لك ولَّا لأ؟
كان بلال مندمجًا بشاشة جهازه، أومأ له وقال: أيوة. الفندق اللي قولت عليه.
سحب مقعدًا وجلس بمقابلته متأفِّفًا يشعر بالضيق، التفت إليه بلال: مالك فيه حاجة؟
تراجع بجسده ورفع قدمه فوق المقعد المقابل: قلقان من عملية جدُّو، خايف مؤشراته ماتتقبِّلش العميلة.
أغلق جهازه واعتدل ينظر إليه: إنتَ ماشفتش التحاليل، وراجعت على كلِّ حاجة وكلُّه كان تمام؟
رفع يوسف رأسه وأومأ له: بلال العمليات دي صعبة، هوَّ أنا اللي هقولَّك، الكبد مصاب بجزء كبير جدًّا. خايف يكون المرض خرج عن السيطرة في مكان تاني ولسة في أوِّله ومش واضح، إنتَ عارف دا معناه إيه؟
ربت على ساقيه: أنا عارف إنِّ ربِّنا كبير، وفي الأوِّل والآخر دي أعمار يا يوسف، ولو له نصيب يعيش مش محتاج عملية.
يارب يا بلال يارب. أنا خايف أوي عليه، مش متخيِّل نفقده أصلًا، غير إنِّ تيتا ممكن تموت وراه.
ابتسم بلال بحزن: فكَّرتني بتيتا صفية الله يرحمها، كنَّا بنقول هنموت وراها وشوف عشنا كام سنة. الأعمار بيد الله حبيبي. سيبها على ربِّنا، فكَّر بس في فرحك دلوقتي
وبعد كدا كلِّ حاجة هتكون تمام.
تنهَّد ثم اعتدل واقفًا: كمِّل شغلك عطَّلتك، هروح أنام.
قالها وخطا للخارج أوقفه بلال: يوسف. توقَّف واستدار إليه، لينهض من مكانه مقتربًا منه، ينظر لعينيه: ضي. ضيَّق يوسف عيناه منتظرًا بقية حديثه. ابتسم يربت على كتفه: ضي أغلى من روحي، زي ماشمس أغلى من روحك كدا، أوعى تزعَّلها يابن عمِّي هيَّ بتحبَّك أوي، وأنا اكتشفت إنَّك كمان بتحبَّها. مش هضحك عليك، عارف إنَّك زعلان على جدُّو مصطفى.
بس أنا عارف يوسف كويس، أوعى تكسر بخاطر أختي يا يوسف، علشان منزعلش من بعض، إلَّا ضي.
استدار يوسف دون أن يردَّ عليه وغادر الغرفة بصمتٍ مريب، جعل بلال يشعر بالخوف. ليهمس: ياترى ناوي على إيه يابنِ عمِّي؟
صباح اليوم التالي.
استيقظت لتجد نفسها مازالت على فراشه، نهضت من مكانها وتحرَّكت للخارج، بنزول شمس من الدرج: ضي كنتي فين؟ قلقت عليكي.
نمت في أوضة يوسف. فيه حاجة؟
غمزت شمس بشقاوة، تهزُّ رأسها، ثم وضعت الهاتف في يدها: أه فيه. الدوك اتَّصل إمبارح بالليل واتَّصل الصبح. طمِّنيه.
سحبت الهاتف وصعدت إلى غرفتها.
مرَّت عدَّة ساعاتٍ إلى أن وصل إلى الفيلا يبحث عنها، دلَّته شمس على مكان الغرفة التي بها، دلف للداخل. توقَّف ينظر لتلك الواقفة تجمع أغراضها بحقيبة، وعلى وجهها طبقةٌ سوداء، اقترب منها دون أن تشعر به، ثم طوَّقها بين ذراعيه من الخلف: صباح الخير على مراتي الحلوة.
تمتم بها يدفن رأسه بخصلاتها. التفت تنظر إليه: لسة فاكر عليك.
أشار على وجهها: إيه الطين اللي إنتي حطَّاه دا؟
طين! دا طين، دي ماسكات علشان أعجب الباشا.
سحبها بقوَّة لأحضانه: الباشا عاجبه أي حاجة فيكي والله.
رفعت حاجبها وقالت: أه بدليل جيت إمبارح.
كنت نعسان يا بت، مالك فيه إيه، وبعدين لسة دافع لك فاتورة تقطم الضهر، وأنا لسة ببني أوضة فوق السطوح علشان شوية الطين دول، والله لو أعرف كنت عجنتهم من الجنينة.
دفعته وابتعدت بعنادٍ طفولي: إيه. مااستهلش يا دوك ولَّا إيه؟
ابتسم بخفَّة يعبث بخصلات شعرها المتطايرة: أنا ومالي ومال أبويا وأبوكي، والواد بلال والعيلة كلَّها في شنطتك. توصَّليهم لحدِّ باب بيتي.
ضربت الأرض بقدمها غيظًا: بطَّل هزار وقولِّي ماجتش إمبارح ليه؟ أنا بتّ في أوضتك على فكرة.
ضحك وهو يرفع حاجبه بمكر: احمدي ربِّنا إنِّي مجتش، لو كنت جيت كانت هتبقى عملية قلب مفتوح.
يابت بتجريني للرذيلة، وأنا جوايا شخص دكتور محترم.
ضحكت رغمًا عنها، ثم استدارت تكمل جمع ملابسها.
اقترب منها بخطواته الثقيلة وسأل: بتعملي ايه؟
هدوم. طنط ميرال بعتتهالي الصبح علشان أشوف اللي يعجبني، بس كلُّهم واو يا يوسف فقولت فرصة أخدهم.
مدَّ يده ليسحب أحد القطع فانتزعته بسرعة من قبضته: اطلع برَّة، إزاي تدخل هنا كده، عايزة أجهز، فيه حفلة بالليل ولسه ماعملتش ساونا.
ساونا؟!
ارتبكت وهي تهزُّ رأسها: ساونا إيه، قصدي أكمِّل الحاجات اللي ناقصاني.
ابتسم بخبثٍ خافت: تمام، همشي ومش هتشوفي وشِّي غير يوم الفرح.
أحسن برضو.
قالتها بسرعة، لكنَّها لم تتوقع عودته المفاجئة، إذ اجتاز المسافة بخطوةٍ واحدة، جذبها نحوه بقوَّة حتى ارتطمت بصدره.
وخرج صوته خافتًا لكنَّه مهتزٌّ بالغضب: يعني منمتش طول الليل وقلقان ومضَّايق على زعلك، دا يكون ردِّك؟
ارتجفت بين ذراعيه، وأردفت بنبرةٍ موجوعة: يوسف. سيبني بتوجعني.
مكنتش محتاجة غير إنَّك تاخدني في حضنك إمبارح، بس إنتَ ولا همَّك. وجايلي تاني يوم العصر كمان.
تجمَّد للحظة، ثم تراجع بخطوةٍ بطيئةٍ كأنَّه ينتزع نفسه منها عنوة، واستدار يغادر بصمتٍ موجع.
تبعته بعينيها حتى اختفى، تنهَّدت بوجعٍ مكتوم.
بغرفة مصطفى، كان الصمت يعم المكان، لا يُسمع سوى خرير جهاز الأكسجي.
دلفت فريدة بخطواتٍ هادئة، حتى وصلت إلى مالك الجالس بجوار مصطفى: عامل إيه يابني؟
نهض سريعًا بابتسامةٍ لطيفة:
الحمدلله يا طنط فريدة، إزاي حضرتك؟
ابتسمت وهي تجلس مقابله: الحمدلله يا ابني، دايمًا منوَّر المكان.
من يوم المستشفى مشفتكش، إلياس قال لي إنَّك كنت في السويس.
أومأ لها وقال: أه كان فيه مشكلة في الشغل وإلياس بعتني، والحمد لله.
في تلك اللحظة، انفتح الباب، ودلفت غادة تحمل طبقًا من الشوربة بين يديها، تفوح منه الحرارة برائحتها الشهيَّة: أحلى شوربة لأعظم أب في الدنيا.
ابتسم لها مصطفى بحنانٍ متعب: تسلم إيدك حبيبتي. بس ماليش نفس.
أمالت فريدة رأسها نحوه بلهجة عتاب خافتة: هتكسف غادة قدَّام جوزها، ينفع كده؟
نظر إليها بعينيه المرهقتين وقد فهم مقصدها، فابتسم بخفوت.
جلس مالك يسانده كابنٍ لا كزوج ابنته: يلاَّ يا عمُّو، علشان غادة متزعلش وتنكِّد عليَّا.
ضحكت غادة بخفَّة: لا والله، أنا اللي أنكِّد عليك.
ابتسم مصطفى بهدوء وربت على ذراع مالك: غادة جوهرة غالية على أبوها، وعارفة قدِّ إيه غلاوتك عندي، ومستحيل تزعَّلك مش كده يا بنتي؟
متخافش يا بابا، حضرتك عارف بنتك. حضرة الظابط بس بيحبِّ يتدلَّع.
ضحكت فريدة وهي تتناول الصحن منها: قومي يا بنتي، افطري إنتي وجوزك مع أخوكي تحت.
حاضر.
اقتربت غادة تُقبِّل جبين والدها قبلةً محمَّلةً بكلِّ الخوف والحنين: حبيبي، محتاج حاجة؟
لا يا حبيبتي. بس طلَّعيلي فارس وفريدة لمَّا يرجعوا من النادي، نفسي أشوفهم.
عيوني يا بابا، أوَّل مايجوا هطلَّعهم.
غادرت الغرفة بخطواتها الهادئة، ونظرات والدها تلاحقها، لعلَّ النظر إليها يخفِّف من ألم المرض.
هيَّ كويسة، حكت لي، مالك كان شدِّ مع والدته علشان عمُّه، وإنتَ عارف بنت عمُّه رجعت، غادة متعرفش، بس أنا فهمت من كلامها إنَّها زعلان منُّه علشان مبيشركهاش.
كان يستمع إليها بصمت، ثم قال: إلياس عارف إنَّها زعلانة؟
هزَّت رأسها بالنفي وقالت: إسلام بس وميرال، إلياس مفكَّرها زعلانة علشانك، بس لمَّا شوفت مالك مجاش من أسبوع وبيسأل عليك عن طريق إسلام، عرفت فيه بينهم مشكلة واتكلِّمنا بس.
بمنزل طارق.
فتح الباب ودلف وجدها تجلس بالشرفة تنظر بشرودٍ في الفضاء. اقترب منها بهدوء وامتدَّت يده يمسِّدها على خصلاتها، هبَّت كالملسوعة.
اهدي أنا.
أزالت دموعها وأومأت برأسها، تتجاوز وقوفه قائلة: هشوف علي
أمسك كفَّيها وأوقفها: هند من إمبارح وإنتي قافلة على نفسك.
طارق ممكن نأجِّل كلامنا، معنديش طاقة أتكلِّم في حاجة دلوقتي.
سحبها بعدما لفَّ ذراعيه حول جسدها، وانحنى يدفن رأسه بعنقها: هند أنا آسف، سامحيني، مقدرتش أمنع عنِّك آثار الماضي.
انسابت دموعها بغزارة، وارتجف جسدها بالكامل، رفع رأسه ينظر إلى عينيها الباكية بتألُّم. احتوى وجهها وانحنى يقبِّل دموعها وانسابت دموعه رغمًا عنه وهو يردِّد: آسف.
رفعت رأسها إليه وقالت ببكاء: هتعمل إيه؟ أنا مقدرش أتقبَّل واحدة في حياتك، وفي نفس الوقت ابنك مقدرش أمنعك عنُّه. أنا تعبانة يا طارق.
ضمَّها لأحضانه: ألف سلامة عليكي حبيبتي. متقلقيش، وعد منِّي يا هند هفكر في حاجة ترضيكي، أنا مستحيل أستغنى عنِّك. مقدرش أبعد عنِّك يوم واحد.
سبحت بعيونه الباكية: وأنا كمان بحبَّك أوي، واتقبَّلت ماضيك، بس مش ولد يا طارق، دا تقيل عليَّا، علشان كدا بقولَّك سيبني يومين.
بمنزل يزن: دلفت غرفة ابنتها، وجدتها تجلس أمام المرآة تضع بعض الكريمات. تحرَّكت إلى الفراش وجلست عليه تراقبها، استدارت رولا إليها: خير ياماما.
إيه رأيك نتكلِّم شوية زي أي أم وبنتها؟ ألقت مابيدها واستدارت إليها: ماما عايزة إيه؟ أنا تعبانة وماليش نفس أتكلِّم، وبعدين هنزل لبنت عمِّتو، وهبات هناك بما إنِّ الفرح بعد يومين، ولَّا حتحرميني من الفرح كمان؟
توقَّفت رحيل وحاولت السيطرة على نفسها حتى تصل إلى ماتريده: إنتي حبِّيتي حد يا رولا؟
نهضت بتأفُّف: يوووه، أنا قولت لك تعبانة، ولَّا أقولِّك أنا ماشية، وماتخافيش هخلِّي آسر يوصَّلني.
قالتها وتحرَّكت سريعًا من أمامها، بينما ظلَّت رحيل بمكانها، تبعد خصلاتها عن وجهها بغضبٍ تنظر حولها بتيه: ياربِّي إعمل إيه، أقول إيه لأبوها، طيب دي أفهم منها إزاي؟
بمنزل إسحاق: دلف حمزة إلى عمران يسحب من فوقه الغطاء وصاح بغضب: عمران قوم كدا.
نهض من نومه يمسح على وجهه، انحنى يضع الهاتف أمام عينيه: إنتَ بتعمل إيه مع البتِّ دي؟
تراجع عمران بجسده على الفراش وقال: دي بنت كانت بايعة ورامية نفسها عليَّا، الأوَّل شربت المقلب وجيت من هبلي أتخانق مع بابا علشان يخطبهالي، بس عرفت بعد كدا إنَّها مدوَّراها، لا ومن كام يوم جاية بتقولِّي نتجوز عرفي.
هدأ حمزة قليلًا وجلس بجواره على الفراش: عمران البنت دي مش كويسة، ومتجوزة نصِّ شباب الجامعة بفلوس، أنا لمَّا شوفت صورتك معاها اتجنِّنت.
لا متخافش. فهمتها.
نهض من فوق الفراش وغمز إليه: أنا أخو حمزة الجارحي يابني مش عبيط، منكرش الأوَّل شدِّتني، بس لمَّا عرفت حقيقتها بعدت، وطبعًا إسحاق باشا لمَّا هدَّدها علشان تبعد عنِّي. حاولت تتذاكى وجاية تعرض نتجوز عرفي.
توقَّف حمزة بمقابلته وقال: برافو عليك. أنا من وقت ماماما قالت إنَّك معجب بواحدة، بدوَّر علشان أعرف مين دي، بس لمَّا عرفت كنت هتجنِّن.
لكزه عمران وأردف بمزاح: ألف سلامة عليك من الجنان يا عاشق يا ولهان، أخبار شمسك وقمرك إيه؟
دفعه فوق الفراش وتحرَّك للخارج يسبُّه. بينما ارتفعت ضحكات عمران بالداخل.
مضى اليومان سريعًا، كأنَّ الدقائق كانت تعدو لا تمشي، إلى أن جاء اليوم المنتظر، يوم الزفاف.
في الفندق، كانت الغرفة المخصَّصة للعروس تنبض برائحة العطور والورد الأبيض.
جلست أمام المرآة تُنهي زينتها.
دلفت رولا وشمس بخفَّة ومرح، تسبق ضحكاتهما نبرات صوتهما.
رفعت رأسها إليهما مبتسمة، ثم أشارت إلى وجهها وهي تسأل بتردُّد خجول: حلو ولَّا أوفر؟
قرصتها شمس في وجنتيها بحب، ثم طبعت قبلةً سريعة وقالت بمرحها المعتاد: أحلى وأجمل عروسة في الدنيا، يابخت جو بيكي.
قبَّلتها على الهواء وغمزت لرولا التي تنظر إليها من شدَّة الإعجاب.
لم تمر دقائق حتى ارتدت فستانها، فستانًا كأنَّه حكاية تروي عشقهما، يتلألأ مع كلِّ حركة، يلامس الأرض بخفَّة. يكتب حروفهما على بعض نقوشه، ينساب عليها ليجعلها أميرة متوَّجة على عرشها.
توقَّفت شمس تحدِّق فيها بانبهار حقيقي، اقتربت منها والتقطت صورة خاطفة قبل أن تنطق: دي علشان جو.
شهقت ضي بسرعة وهي تلوِّح بيديها: لا لا يا شمس، وحياتي لا، خلِّيها مفاجأة.
رفعت شمس حاجبيها بخبث: ليه، أوعي تكوني غيَّرتي الفستان ده كمان؟
ضحكت بخفَّة وقالت: غيَّرته فعلًا، بس الباشا رجَّعه وقالِّي: “إياكي تغيَّريه، دا معمول ليكي إنتي.
أشارت إلى حروفهما التي تنقش على الفستان.
نظرت إليها شمس بدهشة، ثم ابتسمت بسعادة، وهمست: الدوك طلع عشقان من الدور المية
توردت وجنتيها بخجل، تتنهد بحالمية، فلقد عشقته بجنون. واصبحت الدقيقة بعيدًا عنه كعمرًا فوق عمرها.
مر وقتًا الى اعلان المسؤلة عن مكياجها باالانتهاء. بغرفة يوسف.
توقَّف أمام المرآة، يراقب هيئته كأنه يراقب انتهاء عذابه. ارتعاشة خفيفة تهزُّ أطرافه، يحاول أن يسيطر عليها لكنَّ القلب يخرج من محبسه بخطا مرتعشة، لا يعرف ماذا سيحدث، وكلُّ شيءٍ بدا له الآن عكس مايشعر به. طرقاتٌ خفيفة على الباب، ثمَّ دخول والده:
حبيبي خلَّصت.
ابتسامة باهتة تتصنَّع الصمود بينما العاصفة تلتهم صدره، رفع قنِّينة العطر ونثر قليلاً منه على ياقة بدلته، كأنه يحاول أن يُجمّل وجعًا لا يُرى.
اقترب منه إلياس، ابتسم بحنانٍ أبويٍّ متماسك، ثم مدَّ أنامله يُصلح رابطة عنقه بعنايةٍ، ثم احتواه من كتفيه وقال بصوتٍ خافتٍ متردّد: تعرف شعوري إيه دلوقتي؟
زمَّ يوسف شفتيه وهزَّ رأسه، ثم نظر إلى انعكاس صورته في المرآة وقال بصوتٍ مبحوح: متقلقش يا بابا، أنا عارف إنك خايف مني، بحاول، صدّقني بحاول.
متأكد.
مالك ياحضرة الظابط فيه ايه.
احتضن إلياس وجهه ينظر في عينيه بعمقٍ دامع: أنا النهارده عايز أشوف يوسف اللي ربيته على إنه يكون راجل بحق، فاهم قصدي؟ أوعى يا يوسف تخذلني، وتكسر قلب بنت عمك.
ارتجفت أنفاس يوسف، وضغط شفتيه بقوة كأنه يُكمم ارتعاشة داخله، ثم همس: ايه اللي بتقوله دا يابابا، ضي بقت اغلى من روحي.
تبادل الاثنان نظرات طويلة كأنها وعد مكسور، قاطعهما دخول بلال، بابتسامة خفيفة تخفي شيئًا من الريبة.
ألف مبروك يا يوسف، جاهز؟ هنزل بضي دلوقتي.
أومأ يوسف بصمتٍ، فظل بلال يراقب ملامحه لحظة، ثم قال مترددًا: يوسف، انت تمام؟
ابتسم يوسف ابتسامة قصيرة تُشبه جرحًا
مالك يابني ماانا كويس اهو.
استدار إلياس يسحب بلال من ذراعه إلى الخارج، واردف بصوت يحمل قلقًا أبويًا دفينًا: انت مش مخبي عليا حاجة، مش كده؟
هزَّ بلال رأسه بالنفي: أبدًا يا عمو، هو اليومين دول كان في بيته، وكل ما اتصل يقولي مشغول، وأنا محبتش أضغط عليه.
ضاق ما بين حاجبي إلياس، ثم سأل بنبرةٍ حادةٍ قليلاً: كان بيعمل إيه عند دكتوره؟
اتسعت عينا بلال بدهشةٍ حقيقية: هو راح للدكتور؟ امتى؟ أنا معرفش والله.
ربت إلياس على كتف بلال بتنهيدةٍ ثقيلة، ثم أشار برأسه قائلًا بهدوءٍ متعب: خلي ضي تجهّز.
قالهاثم التفت إلى يوسف، ينظر إليه: جاهز؟ لو جاهز، ادخل لماما، كانت عايزة تيجي بنفسها.
أومأ بصوتٍ واهن: حاضر، هعدي عليها هي وعمتو.
اقترب إلياس منه، قبّل جبينه، وربت على وجنتيه بحنانٍ أبويٍّ: عقبال لما أبارك لك على ابنك يا حبيبي.
ارتجفت شفتا يوسف في محاولةٍ فاشلة لإخفاء ارتباكه، فالتقطها إلياس بعين الأب، فابتسم محاولًا التخفيف: دي بقى الفرحة اللي بجد، شوف إحساسك دلوقتي؟ يوم ما ربنا يرزقك بابن، هتعرف هتحس فرحتك دي كانت نقطة صغيرة من بحرها.
هزةٌ عنيفة أصابت يوسف حتى فقد النطق، كأن الكلمات اخترقت قلبه مباشرة، فسحب قدميه بصعوبة وتحرك نحو الباب دون أن ينطق بشيء...
بغرفة ضي:
دلف بلال بعد طرقٍ خفيف على الباب. توقفت الفتيات عن الضحك حال دخوله، فامتلأت عيناه بسعادةٍ أخويةٍ نادرة وهو يراها في ثوبها الأبيض.
نهضت ضي من مكانها بمساعدة شمس التي رفعت طرحتها بخفة، فاقترب منها بلال بانبهارٍ صادق، ثم انحنى وحملها بين ذراعيه يدور بها بضحكةٍ عالية: ألف مبروووك يا روح قلب أخوكي!
قهقهت ضي وهي تحتضن عنقه بحبٍ صادق، فأنزلها برفقٍ وطبع قبلةً على جبينها: زي القمر يا ضيّ القمر، والله خسارة في الواد الدكتور.
لكزته شمس بسرعة: أنا هنا يا ابن عمي.
ضحك وهو يرفع حاجبيه بمكرٍ: امشي يا بت عند بيتك، شوفتي القمر هينور بيت أخوكي المتخلف.
ردت شمس بحدةٍ مصطنعة وعينها تلمع بالمرح: نعم يا دكتور؟! بيت أخويا منوّر بيه يا حبيبي.
ماشي يا شموسة، نخلص الفرح ونشوف مين اللي بينوّر مين.
تدخلت رولا بخفةٍ وهي تعبث بهاتفها دون أن ترفع نظرها: عقبالك يا بلال
وانتي يابت يارولا.
رفعت رأسها نحوه برفعة حاجبٍ متعالية: نعم ايه يا بت يا رولا؟! أنا مهندسة قد الدنيا يا دكتور.
ضحك بلال وهو يعقد ذراعيه، فبادرت ضي بعناقه.
ربت على ذراعها بحنانٍ وهو يتحرك نحو الباب.
بغرفة ميرال قبل دقائق
دلف للداخل. نهضت سريعًا بعد دخوله تنظر الى هيئته بعيونًا سعيدة ثم همست: الله اكبر. ماشاء الله عليك ياحبيبي بدر منور. لمست وجنتيه وتبسمت
فكرتني بيوم فرحي لما باباك دخلي كدا. بس علشان يقول قوانينه
ضحك بخفة، وضمها بحب: ربنا يخليكوا ليا ياحبيبة قلبي
خرجت من احضانه وطبعت قبلة على وجنتيه
لازم ابوس الخد الناعم دا شوية
ضحك على مشاكسة والدته، دخلت فريدة تتمتم ذكر الله.
بسم الله عليك ياحبيبي.
التفت اليها بابتسامة
تيتا حبيبة قلبي
بكاش يابن الياس، أنا كنت عند عروستك، اوعى بس يغمى عليك، ومتنساش انت اخدت قمر العيلة ياواد.
رفع حاجبه ونطق بسخرية: مالك ياتيتا، انا أمير برضو، تحمد ربنا اني اتنازلت ورضيت بيها
لكزته بحنان تضمه إلى صدرها وانسابت دموعها
ألف مبروك ياحبيبي. ربنا يتمم فرحتكم على خير ياحبيبي
اللهم آمين. طيب ايه. مش هنزل لعروستي، ولا يفكروني هربت.
تحركت تسحبه من ذراعه قائلة: امشي معايا يادكتور، اعتبرني العروسة
توقف يشهق بتصنع: انا عايز ادخل دنيا ياست فريدة مش اخرة
ضحكت بصوت مرتفع مع مراقبة ميرال اليهما باابتسامة سعيدة.
بعد فترة وقف عند أوَّل الدرج. دقائق معدوة حتى أطلَّت العروس، تهبط بخطواتٍ ملكيَّة على درجات الفندق المتحرِّكة، كأنَّها آتيةٌ من عالمٍ آخر.
وقف يتأمَّل نزولها بعينيه الصقريَّتين، لا يرى سواها رغم الحشود والتصفيق الذي دوى في الأرجاء.
وصلت إليه بخطواتٍ بطيئة، قلبها يضرب كطبل حرب داخل صدرها.
رفعت عينيها نحو والدها، فابتسم أرسلان تلك الابتسامة التي كانت تهدئها يومًا
مدّ ذراعيه نحوها، وضمّها بحنانٍ ابوي
حبيبة بابا ألف مبروك يا صغيرتي.
قالها بنبرة تفيض دفئًا ووجعًا في آنٍ واحد، ثم طبع قبلة مطوّلة على جبينها. مبروك يا حبيبة بابا.
الله يبارك فيك يا حبيبي.
ردت بها بصوتٍ مرتجف، كأن الكلمات خرجت من بين دموعٍ خفية.
اقترب إلياس، وعينيه تلمعان بالسعادة
احتوى وجهها: مبروك يا حبيبة عمو.
الله يبارك فيك يا عمو.
قبل جبينها قبلةً خفيفة، تحمل حبًا أبويًّا، ثم ابتسم برقةٍ وانسحب.
التفتت الى يوسف الذي لم يقل شيئًا، فقط ينظر اليها
نظرات اراد أن يحرق المسافة بينهما، قابلت نظراته تلك حتى بعثرت نبضها، وصهرت الزمن في لحظةٍ واحدة.
كان ارسلان يراقب نظراته، فاقترب منه، وربت على كتفه وقال بصوتٍ مبحوحٍ بالامتنان: بالرفاء والبنين يا حبيبي.
شكرًا يا عمو.
قالها بصوتًا دافئًا، لكن عينيه كانت عليها في صمتٍ يعجز الكلام عن تفسيره.
اقترب منها، بخطواتٍ بطيئة يشعر بأن العالم يحتفل بسعادته، رفع يده، ولامس وجهها بأنامله المرتعشة، ثم طبع على جبينها قبلة طويلة
قبلة لم تكن تهنئة، بل اعترافًا، وعدًا، وسجدة حبٍّ على قدره بها
ارتجفت، وانحبست أنفاسها وهي تهمس: يوسف
ابتعد نصف خطوة، كمن يخاف أن يذوب من ارتجافها: نورتي حياتي، يا ضي حياتي.
ابتسمت بعينين دامعتين، وردت بصوتٍ متردد بين الخجل والارتباك: حاسّة هيغمى عليّا، هخرج إزّاي؟
مدّ ذراعه نحوها بثقةٍ صافية: أنا جنبك، متخافيش.
تقدمت، واحتضنت ذراعه كما لو أنه أمانها الأول والأخير.
واثقة فيك أكتر ما بثق في نفسي.
اقترب حتى لامست أنفاسه أذنها، وهمس بهمسًا غارقًا بالعشق: وأنا بحبّك أكتر من أي حاجة في الدنيا.
في تلك اللحظة صدحت الموسيقى، وفتحت القاعة ذراعيها لهما.
سارا معًا بخطواتٍ بطيئة، الضوء يرقص حولهما، والعيون تتبعهم بذهولٍ ودهشة.
كانت تمسك بذراعه كملكةٍ تتوّج في مملكتها، وكان ينظر إليها كما لو لا يوجد غيرها.
سار بخطواتٍ بطيئة، يده تحتضن يدها بثباتٍ ودفء، يشعر بأن أنفاسهما تتناغم مع دقات قلوبهما.
خفَتت الأضواء فجأة، فصار كل ما حولهما عتمة، والاضاءة فقط حولهما
تطايرت فقاعات صغيرة من البريق، وتلألأت البلورات المعلقة في السقف، لتنعكس الاضاءة على وجههما، وجهه الهادئ المحمّل بطمأنينة الرجولة، ووجهها المرتجف بين الخوف والسعادة.
احتضن أناملها التي ارتجفت في كفه، فشدّ عليها برفقٍ كمن يعلن: أنا هنا، ولن أتركك.
رفعت عينيها نحوه بخجلٍ طفوليٍ، وابتسامة صغيرة زينت شفتيها، مما جعلت قلبه يضطرب حدّ الوجع.
لم يكن يرى الحضور، لم يسمع تصفيقهم، كان كل ما يراه هو وجهها، وخجلها، وكل ما يسمعه هو أنفاسها.
ارتفعت الموسيقى تعزف نغمًا هادئًا، نغمة تشبه همس البحر.
ليبدأ برقصتهم الاولى. تحركت بجواره للمكان المخصص وفي كل خطوة، كانت فستانها الأبيض يتمايل بانسيابٍ خفيف، يلتف حولهما كوشاحٍ من السحر، بينما ذراع يوسف يضمها بثقةٍ ودفءٍ لا مثيل له.
اقتربا من مكان الرقص، تعلقت بها الأنظار جميعًا، راقبتهما ميرال التي لم تكن تراهما مجرد عروس، بل قصة مكتوبة بأنفاس العشق.
تابعت ابنها الذي كان يتراقص مع عروسه كملكٍ ظفر بعرشه بعد حربٍ طويلة مع القدر.
كل نظرة منه كانت تحمل وعدًا أبديًا، وكل لمسة منه كانت تحكي قصة العشق المخفي.
توقفت الموسيقى لحظة، وصار الصمت أبلغ من أي نغمة.
ليحملها يدور بها فجأة، مع شهقاتها
يوسف. صاحت بها بخجل مرتبك
انزلها بهدوء وحاوط جسدها يضع جبينه فوق جبينه
بعترف للكل اهو أني بحبك
تناسا كل ماحولهما، لترفع كفيها على وجنتيه
وأنا بعشقك.
هنا دوّت الموسيقى من جديد، وبدأت القاعة تصفق بحرارة، والورد يتساقط من الأعلى كزخّات فرحٍ مقدّس. دار حول وقوفها وعيناه ترسم ملامحها
التفتت نحوه، بنظرات تفيض بالعشق، فابتسم وقال بصوتٍ خافت لا يسمعه غيرها: بلال قالي عايزة دا في فرحك
قالها وهو يشير الى الورود التي تتساقط فوقهما
اقتربت وحاوطت عنقه تتراقص معه
أنا فرحانة اوي، حاسس زيي
تحرك مع الموسيقي ورد
بلاش تعرفي حاسس بأيه.
بعد دقائق اندمج الاثنان، وسط الموسيقى والفرح، كأن القدر بنفسه فتح أبوابه لهما، وأعلن أمام الجميع: هنا يبدأ الحُب الحقيقي.
بعد فترة
نهض بلال واسر وبعض أصدقائه واقتربوا منه، لتنقلب القاعة على موسيقى شعبية محببة وارتفعت الزغاريد في جو من البهحة. وبدأ الجميع يتراقص مع العروسين
دقائق معدودة حتى انتهت تلك الرقصة التي ارهقتهم
ابتعد بها الى مكانهم المخصص، ولكن سحبه بلال مرة اخرى، وبدأو يتراقصون رقص شبابي، حتى خلع جاكيت حلته البيضاء وبدأ يندمج معهم. ليرفعه الشباب للاعلى مع شهقات ضي خوفًا عليه.
كان الجميع يراقب المشهد بسعادةٍ صادقة، تصفيقٌ خافت، ابتساماتٌ دافئة، وضوءٌ ذهبي يتهادى على القاعة
مرت دقائق لتعود الموسيقى الهادئة.
اقترب بلال من شمس بخطواتٍ مليئة بالمشاكسة، يمدّ يده لها بابتسامةٍ ماكرة: يلا يا شموس، عايز أرقص معاكي.
رفعت حاجبها بتحدٍ طفولي، ثم وضعت هاتفها أمام والدتها التي تراقب من بعيد، وأشارت إليه بخفة دمها المعتادة: أنا أطول أصلًا يا دكتور.
قهقه بلال وصفّق بحرارةٍ مصطنعة: أوووه! شموسة وافقت تتكرم وترقص معايا! ده يوم للتاريخ.
ضحكت وهي تضع كفها في كفه، تتحرك بخفةٍ على إيقاعٍ مبهج، ضحكاتها تتلألأ مع أنغام الموسيقى، وصوته يهمس في أذنها بشيءٍ عن يوسف، فتختنق بضحكةٍ عالية وهي تضربه بخفةٍ على كتفه.
لم يلبث أن وصل أسر إليهما، بابتسامته المرحة ونظراته المليئة بالدهاء: الدور عليّا بقى! لازم أرقص مع الصغنن، رُحت أرقص مع العروسة، أخوكي الجِنف رفض.
قهقهت شمس تضع كفها على فمها، تغمز ليوسف بشقاوةٍ واضحة، فلوّح لها بيده قائلاً بصوتٍ عالٍ: خفي يا بت! بيضحكوا عليكي.
انفجرت بالضحك، وازدادت ضحكاتها حين لفّ أسر ذراعه حولها يتمايل بها في خفةٍ مرحة. ونظرات رولا تراقبهما، وصل بلال إليها
قومي نرقص.
تشبثت بكفيه وتحركت اليهم.
لكن خلف كل هذا البهاء، كانت هناك نظراتٌ جحيمية تحاول أن تُطفئ الفرح بنارها. كانت تلك أعين حمزة، وهو يراها تتراقص لاتحضان بلال مرة واسر مرة
في زاوية القاعة، راقب إسحاق المشهد بعينٍ لا تفوّت حركة ابنه.
نهض سريعًا حين رأى حمزة يقف فجأة
مدّ يده نحو دينا وسحبها قائلاً بلهجةٍ مشدودة: تعالي نرقص ابنك مش ناوي على خير.
قالها بابتسامةٍ مشدودة وهو يرى حمزة يصعد بخطواتٍ سريعة نحو المنصّة التي يتراقصون عليها، بينما أسر ما زال يضحك دون أن يشعر نيران حمزة.
وصل حمزة إليهما، وجهه كالصخر، عيناه تشتعلان.
لم يتكلم، فقط أمسك بذراع أسر، وابتسم بتصنع، يبعده برفقٍ ظاهري، بينما الغضب يغلي تحت جلده.
ممكن تسمح لي ارقص مع شمس؟ أو حتى مع رولا عادي.
نطق إسحاق الكلمة الأخيرة وهو يخفي ضحكةً كادت تفلت من فمه على نظرات ابنه المشتعلة.
تحرك أرسلان بخطواتٍ ثابتة حين لمح ما يحدث، نظر إلى إسحاق وقال بصوتٍ منخفضٍ محسوب: ابنك مش ناوي يعدي الليلة وأنا لسه ما اتكلمتش مع إلياس. عمو، فبقول دا فرح، سيبه عادي عمايلك دي هتلفت العيون.
أومأ إسحاق بتفهمٍ وهو يرى حمزة يمسك بشمس ويتمايل معها، ثم مدّ يده نحو دينا وضمها للرقص.
كانت ابتسامته أمام الجميع واسعة، لكن صوته وهو يهمس لها حمل المعنى كله: خلي عيونك على حمزة الليلة طويلة.
عند حمزة
كان يتمايل معها، وكأنه امسك النجوم بيده، بينما هي تتهرب بنظراتها عن أعينه. حمحم محاولًا جذبها للحديث
مش قولت مش عايز روج؟!
رفعت عيناها إليه سريعًا
وبصفتك ايه إن شاءلله. هو انت مجنون!
رفع حاجبها مزهوًا بحديثها، وفجأة سحبها يقربها إليه، بحركة جريئة
حضرتك بتعمل ايه، مش بقول مجنون
انحنى يهمس اليها
مجنون بيكي ياشموس.
ارتجف جسدها حتى فقدت النطق، والنظر إلى عيناه، وقعت عيناها على والدها الذي يراقبها بصمت، حاولت الابتسام كي لا تربكه، فتصنعت الارتياح ورفعت رأسها الى حمزة
انا معرفش تقصد ايه، بس اللي بتعمله دا مينفعش
تمايل وعيناه تخترق عيناها
اه مش فاهمة، بس ترقصي مع دا ودا كويس، على العموم هنتحاسب بعد كدا، دلوقتي مضطر اسكت علشان الفرح بس.
لو سمحت ياكابتن بابا بيبص علينا، كفاية رقص كدا. قالتها وتراجعت لكي تغادر. ولكنه اوقفها عندما
وقعت عيناه على احدهم ليومئ برأسه له. لحظات قليلة لتتغير الموسيقى.
إلى الموسيقى الهادئة التي عمت المكان كأنها تُهمس للقلوب أن تتقارب.
تعرف باسم الرومبا الرومانسية (Romantic Rumba).
وقف أمامها بخطوةٍ، يمد يده ناحيتها بابتسامةٍ خفيفة:
الموسيقى اتغيرت، التفت إلى إلياس واحرجه قائلًا: بعد إذنك ياعمو إلياس، قالها بعد صمت القاعة جميعها
ضغط اسحاق على شفتيه، يهمس
ياصايع ياابن اسحاق
اومأ الياس بعدما وضعه بوضع حرج، ثم اشار إلى يوسف. الذي نهض يسحب كف عروسه حتى لاتنصب الأضواء على ابنته، غمز ارسلان الى اسحاق
ابنك معلم ومنه نتعلم، حاسس الياس هيتعشى بيه، من رأيي اخطفه بعد الرقصة دي.
رفع اسحاق حاجبه: ليه هو قليل ولا ايه، ماتتلم يااخويا، انت واخوك، دا حمزة الجارحي
لطم ارسلان بخفة على وجهه
ياختي عليك ياعمو، اقسم بالله ماهيخليه يكمل الرقصة، اخويا وحفظه، لولا عملت ابنك الصايعة مكنش سمح له اصلًا
اتجه اسحاق الى ابنه يراقبه بعيون فخر وتمتم: ربنا يسعده، بس الموضوع يمشي زي ماخطط له، وبعد كدا مفيش حد هيوقف في طريقه
انت عملت ايه؟!
تنهد وقال ونظراته على ابنه.
قدمت ورق، بحاول اثبت إن شمس برة عيلة راجح، ربنا يسهل، الواد متعلق بيها.
ربت ارسلان على كفيه: إن شاءلله ياعمو، ربنا يقدم اللي فيه الخير
عند حمزة وشمس
مد كفيه إليها، ينظر لداخل عيناها
ياله ياشمس، متخليش الناس تاخد بالها.
نظرت نحوه لحظة، ثم وضعت يدها في يده بخجلٍ
اقترب منها بهدوء، فقط بالقدر الذي يسمح لأنفاسهما أن تلتقي. حاولت الابتعاد، ولكنه بدأ يتحرك ببطء، خطوة للأمام، وأخرى للخلف، وهي تتبعه بتناغمٍ فطري كأنهما تدربا منذ زمن.
تناسا ما حولهما، فقد كانت الرقصة تخطف العقول، والجميع يشاهدهما ضحكت حين كادت تخطئ الخطوة، فابتسم لها وقال بصوتٍ خافت: متخافيش، طول ما انتي معايا.
استدار بها برفقٍ، طار طرف حجابها الناعم على وجهه لحظةً عابرة، حتى خفق القلب بقوة، افاق سريعًا، ثم عادا يتمايلان على الإيقاع، بلا كلمات، بلا تكلّف.
كانت الرقصة بسيطة، لكنها قالت كل شيء لم يجرؤ على قوله.
علم الياس من نظرات حمزة اعجابه بابنته، زفر ببط، شعر مصطفى به، ربت على ساقيه
خليهم يعيشوا حبيبي.
انت بتقول ايه يابابا، مستحيل مش عايز قلب البنت يتكسر، حمزة حربية
حربية!
تسائل بها مصطفى. اومأ له بحزن، والتفت إلى يوسف وقال: كفاية يوسف، هيكون شمس ويوسف كمان، ضي طفلة لسة كمان، الواد كبير عليها، مستحيل لاسباب كتيرة
قاطعتهما فريدة
مفيش حاجة مستحيلة ياالياس قول يانصيب، صراحة الواد حلو وكمان جرئ اوي، عجبني تصرفه، يدل إنه بيحب البنت، عايز يعلن قدام الكل انها تخصه، عايز أكتر من كدا.
ماما بلاش نتكلم في الموضوع دا، علشان مانتوجعش تاني.
انتهت الرقصة، ورغم ذلك، لم يتركا أيديهما فورًا...
اقترب يوسف بخطواتٍ هادئة، ودنا منهما، سحب يد أخته برفق بعدما أومأ لحمزة أن يتراجع قليلًا.
انحنى نحوها يهمس بصوتٍ خافتٍ لكنه حازم: حبيبتي كفاية رقص، الكل واخد باله منك، وياريت متقربيش من حمزة تاني.
اومأت بخضوعٍ وابتسامةٍ: حاضر يا يوسف.
طبع قبلة سريعة على رأسها، ثم غادر بعينيه يتفقد القاعة.
توقف عند ضي يسألها بقلقٍ ظاهر: بلال فين؟
هزّت كتفيها: معرفش، مش باين، ورولا كمان.
لم تكد تُكمل حتى ظهر بلال، يسحب كف رولا بخفةٍ وهو يتجه نحوهما.
مرّت الساعات حتى اقترب الفجر، وبدأت القاعة تفرغ من ضجيجها.
قبل فترة غادر مصطفى بصحبة فريدة وإسلام وملك، وبقي الآخرون حتى انتهى الحفل.
خرجت العروس، تتكئ على ذراعه، تهمس بضحكةٍ واهنة: تعبت، عايزة أقرب سرير وأنام.
ابتسم بسخريةٍ وهو يفتح لها باب السيارة: أيوه، هفردلك كراسي العربية ونامي فيها يا عروسة.
لكزته بخفةٍ ضاحكة، ثم جلست بينما هو استدير ليأخذ مكانه خلف المقود.
انت ماخلّتش حد يوصلنا ليه؟
لا، مش عايز حد معانا.
ليه؟ انت تعبان، مكنش له لزوم تسوق الطريق كله.
مدّ ذراعه يجذبها برقة، واحتضن رأسها وطبع قبلةً دافئة على رأسها وهو يقود بذراعه الأخرى.
خلي ليلتنا لينا يا ضي، بلاش حد يشارك فرحتنا الخاصة، كفاية الفرح كان للناس.
ضحكت بخجلٍ ووضعت ذراعيها حول جسده تستند إليه.
طيب هنروح على المطار ولا البيت؟
البيت، فرحتنا تبدأ في بيتنا.
بعد فترة ترجل من السيارة واستدار يساعدها بالنزول، ارتفعت انفاسها، سحب كفيها، فشعر ببروته ورعشة اصابعها. حاول التخفيف من توترها
طول عمري اسمع إن العروسة بتكون خايفة وتمسك في هدومها امها، إنما انتي ماشاء الله. انا اللي خايف منك، ماليش دعوة عايز امي
توقفت ترمقه بغضب مستحب: لا والله. وهخاف منك ليه، ايكونش تخوف. قالتها وانحنت تخلع حذائها.
توسعت عيناه ينظر اليها بذهول: هتعملي ايه يامجنونة، والله كنت متأكد انك مجنونة
ألقت الحذاء بغضب، فكل أعضائها تنتفض من الخوف، ورغم ذلك اشارت الى قدميها واختنق صوتها
الكعب عالي اوي، ورجلي وجعتني، اعمل ايه حضرتك طويل ماشاء الله. حبيت اكون طولك، بس جه على وجع رجلي
اقترب منها وانحنى يحملها بعدما حمل حذائها
رجلك توجعك وأنا موجود، ينفع كدا، اومال انا دوري ايه
يوسف نزلني بقى.
معلش خليني اذكي على صحتي، بس انتي تقيلة كدا ليه، بيأكلوكي ايه يابت
لكمته بقوة حتى كاد أن يسقط بها
بس يامجنونة، العريس دايما يشيل العروسة
دفنت رأسها بصدرها، تحاول أن تخفي دموعها. انزلها بهدوء، بعدما دلف للداخل، واشار الى الخدم.
روحوا على بيت عمو ارسلان، كدا احنا هنسافر الصبح
تحرك الخدم، بينما دلف للداخل يبحث عنها، كانت تتوقف بالردهة تطوف بعيناها تتفحص المنزل
حلو أوي يايوسف. كان نفسي في الألوان دي
احتضنها من الخلف
عجبك.
اومأت له. مع رعشة خفيفة من أنفاسه، جذب كفيها وصعد الى غرفتهما. توقف على الباب واشار للداخل: سمي الله وادخلي برجلك اليمين، خلي الفرحة ببركة.
اومأت تبتعد عن نظراته، لاتعلم ماذا يحدث لها، رغم عشقها له ولكن هناك قبضة عنيفة كادت ان تزهق روحها
ابتلعت ريقها وتحركت للداخل وهي بين ذراعيه. وقعت عيناها على الفراش المزين، والغرفة التي تحكي قصة العشق من خلال زينتها، تاهت بعيناها تبتعد عن نظراته
اقترب يرفع ذقنها يهمس بصوت ممزوج بالعشق
قبل اربع شهور مكنتش اصدق انك هتكوني في حضني الليلة، ومش أي حضن كمان.
انتفضت مبتعدة وارتجفت شفتيها
عايزة اغير. فين الاوضة
ابتسم على خجلها واشار للخلف
وراكي، اهدي. غيري فستانك علشان نصلي.
اومأت وتحركت سريعا، ولكنه أوقفها
استني. اساعدك في خلع الفستان
لا هخلع انا.
سحب جسدها يقربها اليه، وقام بفتح سحابة فستانها الستوستة من الخلف، اغمضت عيناها مع ارتفاع انفاسها، بعدما شعرت بأنامله تلامس ظهرها، ابتعدت منتفضة، ترفع أطراف فستانها وهي تهمس بخفة: هغيّر...
راقبها وهو يبتسم؛ من يصدق أن هذه الفتاة كانت بين ذراعيه منذ يومين فقط؟
دخل الحمّام، بدّل ثيابه، ثم وقف أمام النافذة يحاول أن يتنفس بعمق. أخرج من جيبه شيئًا، تأمله وهو يهمس لنفسه: أكيد مش هترفض، هي بتحبك.
وقعت عيناه على منامة بيضاء وضعت فوق الفراش، خُصصت لهذه الليلة. مرر أنامله عليها بخفةٍ عند دخولها بإسدالها، وقالت مازحة: أنا جاهزة، يلا ننام، أكيد حضرتك دكتور محترم وهتسمع الكلام.
رفع المنامة بين أصابعه، مبتسمًا بمكر: آه محترم، بدليل دي مش كده؟
اقتربت تنظر لما بين كفّيه وقد قطبت جبينها: ايه دي...
دي اللي هتدخلي بيها اوضة العمليات علشان اعملك عملية قلب مفتوح
شهقت وقالت
علي فكرة صلاتك مش هتنفع، واحترم نفسك قبل ما اتصل بعمو.
مدّ هاتفه نحوها بابتسامة واسعة: اتفضلي يا روحي، عارفة رقمه؟ خمس أصفار، زيرو عشرة أربعة زيرو.
لكمته بخفةٍ وهي تسحب منامتها وتشير له بإصبعها: عيب يا دكتور، عيب!
ضحك وهو يشير إلى السجادة: يلا نصلي، ربنا يهديك.
مرّت دقائق من السكون الممزوج بطمأنينةٍ غريبة. أنهى صلاته ثم التفت إليها، وقال بصوتًا خالٍ من المزاح: غيّري إسدالك، هستناكي، عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.
أومأت بخجل، ودلفت للداخل.
خرجت بعد فترة تفرك كفيها بتوتر. التفت إليها فور أن شعر بوجودها. تقدّم خطوةً بخطوة، كأنّه يحفظ ملامحها بعينيه، يلتقطها لقطةً لقطة. رفع خصلات شعرها المتساقطة على وجهها، وضعها خلف أذنها، ثم رفع ذقنها برفق، وترك نظراته تتوغّل في عينيها.
وقع بصره على قميصها الشفاف، فابتسم وهو يرى اسمه المزخرف على بشرتها من تحته، وقال بصوتٍ دافئ: ضي، مستعدة تكمّلي حياتك معايا؟ من غير كلل ولا ملل؟
تمتم بها بنبرة رجولية هادئة.
رفعت وجهها بابتسامةٍ يغمرها الحياء: أنا بحبك يا يوسف، لسه جاي تسأل؟
اقترب أكثر، طبع قبلةً عميقة على جبينها، وهمس بأنفاسٍ متقطعة: وأنا بعشق كل تفصيلة فيكي، ومش عايز من الدنيا غير إنك تكوني في حضني كل ليلة، تسمعي دقات قلبي وهي بتوجعني.
قالت بعفويةٍ خائفة: $بعد الشر عليك يا حبيبي.
أخذ كفيها بين راحتيه، وقبّل أطراف أصابعها، ثم أخرج من جيبه شيئًا ووضعه بين يديها.
علشان نبدأ حياتنا، لازم من ده.
نظرت إليه بفضولٍ مرتبك: إيه ده يا يوسف؟
فتحت يديها ببطء، قرأت ما كُتب عليه، تجمّد كل شيء حولها. وشعرت بأن الكلمات تنزف بين أصابعها، دموعها انهمرت دون وعي، وصدرها يهتز بأنفاسٍ متقطّعة. رفعت عيناها الدامعة إليه تنظر لعيناه المرتبكة
ولكنه أدار ظهره بخطوةٍ بطيئة وقال بهدوءٍ مميت: منتظر ردّك. يابنت عمي.