رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والعشرون
استقلَّ إلياس سيارته، وصرخات رانيا ما زالت تتردّد في أذنيه كصدى عويل يجلد أعصابه. ضغط على دواسة الوقود بعنف، يحاول الهرب من غليان داخله الذي يهدّد بالانفجار. مرّت دقائق طويلة، والصمت يلفُّ السيارة إلا من أنفاسه الحارقة التي تصعد من صدره كاللهيب.
رفع هاتفه بيد متشنّجة، واتصل بذلك الرجل بصوت بارد يخفي خلفه بركانًا:
- حطّها في القفص بس أوعى تدخل عليها الكلاب، بس خليهم يلفّوا حواليها. عايزها تعيش الرعب لحظة بلحظة وإياك تكلّمها، اعمل اللي بقولك عليه وبس.
- تحت أمرك يا باشا.
أنهى المكالمة وأسند رأسه للحظة إلى المقود، عروقه تنبض بغضب مكتوم، ثم رفع الهاتف مجددًا واتصل بشريف:
- شريف، عايز منك خدمة مهمّة.
استمع إليه شريف حتى انهى من حديثه، ثم أجاب بحذر:
- تمام هشوف الملف وابعته.
- لا، مش عايزك تبعته عايزك توصّله لراكان البنداري، بمجهول الهويّة.
- حاضر.
أغلق الهاتف، وأدار السيارة نحو منزله. وما إن وصل إلى البوابة، حتى اعترضه أرسلان، توقف أمام السيارة بملامح تحمل اعتذار، اقترب بعد توقف إلياس:
صدّقني أنا مكنتش أعرف هي قالت لي عايزة تتكلم معاها وبس. ورغم كده بعت معاها جابر برضه.
ظل إلياس ينظر أمامه ولم ينبس بكلمة، انحنى ارسلان وقال: -إلياس
اتجه إليه و حدّق في عيني أرسلان نظرة جامدة، باردة، حاملة لوجعًا صامت أشد قسوة من الكلام، ثم تابع سيره كأنما لم يسمع شيئًا، تاركًا خلفه نظرات ارسلان المتأسفة.
مرَّت عدَّة أسابيع، إلى أن استعادت ميرال صحتها مرة اخرى، وعودة أرسلان إلى حياته بالتدريج. قلَّت زياراته إلى قبر صفية، لكن الدعاء والصدقات لم تنقطع يومًا.
بمنزل ارسلان
توقَّف أمام المرآة، يرتِّب هندامه بعناية، سمع طرقًا خفيفًا على الباب، تبعه صوت طفله الخافت:
- حضرتك طلبتني؟
أشار أرسلان بالدخول، فدلف بلال متردِّدًا، يراقب والده حتى انتهى من ترتيب ملابسه، ثمَّ جلس على المقعد في صمت. رفع أرسلان رأسه نحوه فجأة:
- سامعك.
قطَّب بلال جبينه بحيرة:
مش فاهم حضرتك يابابا.
رفع أرسلان حاجبه بسخريَّة:
- ولا. إنتَ هتستهبل، إيه اللي حصل في المدرسة، آخر الزمن تبقى بلطجي؟!
بلع بلال ريقه، يحاول التبرير:
لا مش بلطجي، بس هوَّ اللي ضايقني. وقالِّي tall goof. يرضيك ابنك يتقالُّه ياطويل ياأهبل.
ارتفع حاجب أرسلان أكثر، وهتف بصوتٍ يشتعل غضبًا:
- لا والله. تعمل بلطجي علشان قالَّك كدا؟
- بابا، لو سمحت.
اخرس، آخر الزمن يجيلي استدعاء ولي أمر بسببك إنتَ والحلُّوف التاني.
- ماهو كان بيدافع عنِّي، يابابا.
مش عايز أسمع صوتك، برَّا. محروم أسبوع كامل من كلِّ رفاهياتك.
- تحت أمرك. فيه أي عقاب تاني؟
-برَّا.
قالها أرسلان بعصبية، بدخول غرام، ونظراتها تتنقَّلُ بين زوجها الغاضب وطفلها المشاغب. خرج بلال صامتًا، فاقتربت من زوجها متسائلة:
إيه اللي حصل؟
تنهَّد أرسلان، ساحبًا أنفاسه ببطء، ثم مرَّر كفِّه على وجهه المرهق وقال بصوتٍ مثقل:
- من إمتى الولد دا بقى عدواني كدا
ياغرام؟
رمقته غرام باستغراب:
عدواني إيه ياأرسلان؟ لا طبعًا، أكيد فاهم غلط.
المدرسة متَّصلة بيَّا، عامل مشاكل في الكلاس مع صحابه، وكمان مورَّط يوسف معاه.
أكيد فيه حاجة غلط. ممكن تهدى وتتكلِّم معاه بهدوء، ونفهم منُّه اللي حصل.
تخصَّر أرسلان، وحدَّق فيها بنظراتٍ ضيِّقة:
ولد بيقولُّه ياطويل ياأهبل.
ضحكت غرام بخفَّة، واقتربت منه، ورفعت أناملها ترتِّب أزرار قميصه واردفت بنبرة دلع:
طيب ماهو عنده حق، إزاي يسكت؟
أوَّلًا، ابني مش طويل ولا أهبل ياحضرة المبجَّل.
زمَّ أرسلان شفتيه ساخرًا:
لا والله، دا الواد واخد البجاحة من أمُّه.
لكزته بخفَّة في جنبه، فتراجع متألِّمًا وهو يتأفّّف، فقالت بغضبٍ نطقته عيناها قبل شفتيها:
- أنا بجحة؟! والله عندك حق. ماهو أنا اللي بسكت للأستاذ.
قالتها بنبرةٍ لاذعة، واستدارت للمغادرة، لكن يده كانت أسرع، سحبها بقوَّة حتى ارتطمت بصدره، وذراعيه تطوقانها بحنانٍ غاضب:
- آسف، بهزَّر معاكي.
حدَّقت في عينيه طويلًا، ثم قالت بصوتٍ منخفض:
بتهرب من إيه ياأرسلان؟ فاكر إنِّي مش حاسة بيك وبوجعك، حبيبي، أنا حاسة بيك. المهمِّ ترتاح شوية وتحمد ربِّنا إنَّها ماتت موتة طبيعية. بجد، لو كانت أحلام ليها يد بعد اللي حكيته. كنّّا هنندم العمر كلُّه.
قبَّل جبينها وربت على كتفها بحنان، وقال بصوت هادئ لكنَّه متعب:
الحمد لله. أنا هعدِّي على ماما فريدة شوية.
رمقته غرام بنظرةٍ متسائلة:
لسه إلياس زعلان منَّك؟
أفلت ضحكةً قصيرة وأومأ:
- خلِّيه مقموص شوية. بكرة أصالحه.
هزَّت رأسها بعبوسٍ خفيف:
حرام عليك، والله كلِّ ماأفتكر حالة ميرال يوميها. قلبي يتقطَّع عليها.
توقَّف أرسلان يتأمَّل وجهها، وردّ:
أنا مكنتش أعرف إنِّ الدنيا هتولَّع كدا فكَّرتها بس هتقول شوية كلام تشفي غليلها وخلاص. ماكنتش متخيِّل اللي حصل.
ارتعشت ملامح غرام بالحزن:
يالهوي ياأرسلان، تخيَّل لو كانت موِّتت رانيا؟! الحمد لله إنِّ إلياس لحقها في الوقت المناسب.
سكنت نبرة أرسلان، تساءل:
هيَّ عاملة إيه دلوقتي؟
تنهَّدت غرام براحةٍ بسيطة:
لا، الحمد لله بقت أحسن بكتير. ماما فريدة مسبتهاش لحظة، الستِّ دي أنا بحبَّها جدًّا. وكمان إلياس. حرام مقدرش أنكر وقوفه جنبها.
أومأ أرسلان بتفهُّم، وتحرَّك ناحية الباب وهو يتمتم:
تمام، ممكن أتأخَّر شوية. يبقى اتَّغدي إنتي والولاد.
بمنزل طارق
دلف يزن إلى الداخل بعد أن فتح الباب، تجوَّلت عيناه في المكان بعبوسٍ واضح، سار نحو النوافذ وفتحها ليدخل الهواء، ثمّّ تمتم بضيق: – وبعد هالك ياطارق بقى.
خطا نحو غرفة النوم، وقعت عيناه على بقايا المشروباتِ الملقاة بلا نظام، فاندفع بغيظٍ نحو طارق الذي كان غارقًا في نومٍ ثقيل، وركله بغضب: – قوم ياباشا، يااللي قلبت بيتك خمَّارة. قوم لي كده.
تحرَّكت جفون طارق بصعوبة، واردف بصوت متحشرجًا من أثر النوم: – يزن، سبني، عايز أنام. ليه فتحت الشبابيك؟
لكن يزن لم يمنحه فرصة، سحبه بقوَّة حتى أجلسه على الأريكة، وأشار إلى الفوضى حوله وهو يصيح: – إيه القرف ده، فاكر لمَّا تعمل كده حد هيحترمك؟ إنتَ كده بتأكِّد للناس كلِّ الكلام الوحش اللي بيتقال عنَّك يا حيوان.
رفع طارق رأسه بتعب، وقال بنبرة ممزوجة باليأس: – أنا مش عايز أثبت لحدِّ حاجة. خلِّيهم يقولوا زي ماعايزين، أنا ابن راجح وهفضل ابن راجح. مش هتغيَّر مش هتغيَّر يايزن.
ارتفع الغضب يغلي في صدر يزن، وأنفاسه تتسارع وأردف من بين أسنانه كلماتٍ اخترقت صدره كالرَّصاص: –إنتَ فاشل يالا، ومش فاشل بس، عاجز متخلِّف، ومن واجبي لازم تفوق لنفسك قبل أي حد، مش معنى إنَّك حبِّيت واحدة ومفيش نصيب خلاص تبقى نهاية الدنيا! التجارب دي ياطارق المفروض تقوِّي الراجل. تخلِّيه يحارب ويثبت إنُّه يستاهل.
اقترب أكثر وصوته يرتجف من شدَّة الانفعال: – لكن إنتَ، إنتَ اترفضت مرِّتين والناس كلَّها شايفة إنَّك مابتصونش العِرض، شايفينك غدَّار. وإلياس لو مكانه أي راجل كان هيعمل أكتر من اللي عمله.
أشاح بيده نحو الفوضى: – شوف القرف اللي انت لقيته حل، اتجه إليه مرة أخرى
- الفرص اللي راحت خلاص راحت الفرصة الوحيدة قدَّامك إنَّك تنتصر على نفسك، تدِّي قيمة لطارق. مش لابنِ راجح.
ظلَّ طارق صامتًا، عيناه معلَّقتان بالأرض، بينما يزن التفت إلى ساعته ونهض متَّجهًا نحو الباب: – رحيل بتجهِّز السفرة. قوم خد شاور وفوق، اتغدَّى معنا زي الناس. وافتكر حاجة مهمة، إنتَ عم وخال لو عايز ولاد إخواتك ينكروك كمل في الطريق ده ساعتها همسحك من حياتي فاهم؟
تركه يزن وغادر، فيما ظلَّ طارق وحيدًا، تتردَّد كلمات يزن كصفعةٍ داخل رأسه.
بمنزل إلياس.
دلف إلى غرفته وجدها جالسةً بالشرفة تنظر بشرود، خطا إلى جلوسها ثمَّ انحنى وطبع قبلةً بجوار ثغرها: -وحشتيني.
-وإنتَ كمان. قالتها ومازالت نظراتها كما هي.
جلس على المقعد وأمسك كفَّها يرفعها إلى أن أجلسها على ساقيه، ثم حاوطها بذراعه: -قاعدة لوحدك ليه، أومال أبو لسانين فين؟ مش عادته يعني يقعد يقولِّك إنجازاته.
تراجعت بجسدها عليه وهمست: -أنا اللي مشِّيته، عنده test بكرة.
- طيب انا جعان، مفيش محشي هنا ولَّا هنا، بقيتي تقصَّري مع جوزك ياستِّ ميرال.
رفعت عيناها إليه: -ممكن أطلب منَّك طلب؟
-حبيبتي إنتي تؤمري، مش تطلبي.
-عايزة أروح أزور طنط نعيمة. فتح فاههِ للاعتراض، ولكنَّها قاطعته وهي تضع أناملها على شفتيه: -وحياتي ياإلياس. عايزة أزورها، دايمًا بتتِّصل بيَّا وتطَّمن عليَّا، الستِّ دي طيبة والله أوي.
احتضنها بنظراته وأردف: -بشرط.
ضيَّقت عيناها تنتظر تكملة حديثه، أمال بجسده وهمس إليها: -الشفايف الحلوة دي تكون مكان إيدك الحلوة دي، على فكرة أنا مظلوم معاكي. ونسياني وزعلان وواخد على خاطري.
دفنت رأسها بصدره تخبِّئ ضحكتها: -عارفة. آسفة حبيبي.
-تؤ تؤ. أسفك مش مقبول كدا، لازم تراضيني.
رفعت رأسها تنظر إليه بتساؤل.
-بكرة هاخدك لنعيمة ياستِّي، بس على فكرة أنا مش ناسيها، بس محبِّتش أتكلِّم في الموضوع دا.
لمعت عيناها بالسعادة وقالت: -كنت عارفة إنَّك اللي اشترت لها محلِّ الملابس، وإنتَ اللي بعت لها التجَّار، وكمان نقلت بنتها من كليِّتها لكلية خاصَّة وقولت لتفوقها ودا من الكلية. صح كدا؟
مسح على خصلاتها بحنانٍ وأردف: -حبيبي معرفش بتتكلِّمي على إيه، المهمِّ قومي نتغدَّى، علشان جعان.
أومأت له وأشارت إلى ثيابها: -هغيَّر هدومي وأنزل.
قبلة سريعة على ثغرها ثمَّ نهض من مكانه وتحرك للخارج. بينما هي نهضت لتبديل ثيابها.
دلف غرفة طفلته وجدها تقوم بترتيب كتبها، اقترب إليها بعدما وجدها منشغلة بكتبها
-شمسي.
التفتت إليه سريعًا: -بابي. حضرتك دخلت امتى
جلس على عقبيه يشير إليها بالتقدم وتقبله، انحنت تطبع قبلة على وجنتيه
لثم جبينها وقال
-اجهزي علشان نتغدى
-حاضر. خرج الياس ثم اتجهت تنهي ماتفعله، استمعت إلى طرقات على باب غرفتها، ثم دخول يوسف: -شوشو، ياله علشان نتغدى
اومأت له وقالت ببراءة
-بابا جه وقالي.
ضيق عيناه ينظر إليها بصمت ثم اقترب
-اوعي يكون كان جاي علشان عرف درجة الامتحان
هزت رأسها بالنفي وردت: -لا هو ميعرفش
ابتسم بخبث على برائتها وقال وهو يستدير
-لو عرف هيرميكي في الغابة.
بعد دقائق اجتمع إلياس مع أطفاله على طاولة الطعام.
جلس ينظر إلى يوسف بنظرةِ تفحُّص قبل أن يسأله: – عملت إيه النهاردة في المدرسة؟
رفع يوسف كتفيه بلا مبالاة: – مفيش جديد يابابا، بس حصِّة الساينس كانت رزلة شوية. فقولت البركة في حضرتك.
أمال إلياس رأسه ساخرًا: – يعني كانت رزلة، وماحضرتهاش؟
– حاجة رزلة أحضرها ليه؟! مالي أنا ومال Cell Division الانقسام الخلوي.
وSexual Reproduction التكاثر الجنسي.
وAsexual Reproduction التكاثر اللاجنسي حدِّ قالُّهم هدخل طب؟ أنا لو وصلت مدرِّس تاريخ يبقى يحمدوا ربِّنا.
توقَّف إلياس عن تقليب طعامه، ورفع عينيه إليه بتركيز: – ومين قالَّك إنِّي هتنازل عن الطب؟
– أنا بقول لحضرتك، مش أنا صاحب الشأن. وبعدين حضرتك عمرك ماضغطت عليَّ، يعني حضرتك الغلطان.
أطبق إلياس شفتيه بصمت، كأنَّه يحاول ضبط أعصابه، ثم حوَّل نظره إلى شمس: – تعالي جنبي هنا قاعدة هناك ليه؟
تردَّدت شمس قليلًا وقالت بصوتٍ خافت: – حضرتك هتزعل منِّي عشان الexam grade يوسف قال إنَّك هترميني تاني في الغابة.
التفت إلياس بحدَّة إلى يوسف، لكنَّه تظاهر بالبراءة: – كذَّابة، متصدَّقهاش، وبعدين بابا دا أحنِّ أب في الدنيا، اسقطي وإنتي تعرفي إنُّه مش هيقولِّك حاجة.
في تلك اللحظة وصلت ميرال، سحبت مقعدها وجلست بينهم، طبعَت قبلةً على وجنة شمس: – شموس حبيبة مامي، عاملة إيه؟
– أنا كويسة، بس بابي زعلان من يوسف عشان بيكذب.
– يافتَّانة مش إنتي قولتي بابا شرير؟ قالها يوسف بحنق.
ابتسمت ميرال محاولةً تهدئة الموقف، لكن قاطعها إلياس: أدبًا ليك هتاكل في المطبخ.
توسَّعت عينا ميرال بدهشة: – إلياس! إيه اللي بتقوله دا؟
وقبل أن يجيبهم، دخل أرسلان يضحك: – حماتي بتحبِّني ولَّا إيه؟
هنا هبَّ يوسف مستغلًّا الوضع: -كنت لسة بقول لبابا، عمُّو هيجي يصالحك، بس هوَّ رافض، حتى طلب منِّي آكل أنا وإنتَ في المطبخ.
ضيَّق أرسلان عينيه متسائلًا: -دا بجد ولَّا هزار؟ التفت إلى إلياس الذي يطالع ابنه بصمتٍ مع ضحكات ميرال، فقال بجديَّة: -للدرجة دي لسة زعلان، وبتطلب من ابنك كدا.
-اقعد ياأرسلان. إنتَ صدَّقت.
هتفت بها ميرال ولكنَّه تطلَّع إلى إلياس: -إنتَ قولت كدا ولَّا لأ.
-أه. قصدي لا.
تنحنحت ميرال ثم تمتمت: – دا مقالب يوسف بس. اقعد
ياأرسلان.
أشار إليه إلياس: -هتصدَّق المتخلِّف دا، ماإنتَ عندك عيِّنة منُّه.
جلس أرسلان بجوار يوسف، يداعب خصلاته، وسأله ضاحكًا: – عملت إيه في أبوك تاني؟
– ولا حاجة هوَّ بس اللي عايز يتخانق وخلاص.
ارتفعت الضحكات على الطاولة، حتى ميرال أشارت لأرسلان أن يتناول طعامه: – استنى هجيب طبق ياأرسلان. قالتها ونهضت.
أومأ موافقًا، ثمَّ التفت إلى يوسف يلاطفه: – خفِّ شوية على أبوك، يا عم.
زم شفتيه وهو يبعد بنظراته عن والده:
– والمصحف ماعملت فيه حاجة. أنا بس طلبت منُّه يشرحلي
Asexual Reproduction. ومن ساعتها وهوَّ مش على بعضه.
اتَّسعت عينا أرسلان بدهشة، وأشار ليوسف: – الواد دا بيقول إيه؟!
وصلت ميرال وجلست بهدوء، فأشار إلياس إلى الطعام وعيناه على يوسف: – عمَّك أرسلان شاطر في الساينس، علشان كده هسيبك يومين إنتَ وهوَّ تغرقوا في الساينس بتاعك.
توقَّف يوسف عن المضغ، وحدَّق في والده بريبة: – ليه وحضرتك هتعمل إيه؟
ضحك إلياس بخبث، وعيناه تلتمعانِ بانقلابِ ملامحه وقال: – أجازة يومين.
التفت يوسف بسرعة نحو والدته، لكن ميرال كانت منشغلة بإطعام شمس. فاستدار لوالده بلهفة: – أجازة إزاي يعني؟ الامتحانات على الأبواب!
ربت أرسلان على كتفه بحماس: – وماله ياحبيبي، إن شاءلله تكون على الشبَّاك، إحنا قدَّها.
ابتسم إلياس بانتصارٍ على ارتباك يوسف، وغمز لأرسلان: – يبقى فهِّمه كويس بقى
Cell Division
أصله ناوي يدخل طب.
هبَّ يوسف من مكانه ثائرًا: – أنا هدخل دبلوم صنايع وأكون صايع إن شاء الله.
انفجر أرسلان ضاحكًا وهو يردِّد: – ياويلي عليك ياابنِ إلياس.
ظلَّ إلياس يتابعه بصمت حتى اختفى، ثم التفتت ميرال إليه بعتاب: – مش ملاحظ إنَّك بتضغط عليه
ياإلياس؟ سيبه يختار اللي هوَّ عايزه.
زفر بضيق، وقال بصوتٍ يحمل بعض القلق: – الواد في مرحلة خطيرة ياميرال، مش عايز أشدِّ عليه زيادة بس لازم أكون قاسي شوية، إنتي مش شايفة أفعاله.
تدخَّل أرسلان مبتسمًا: – إلياس صح، بلال برده بيضغط عليَّا في نفس الموضوع.
تناول الجميع طعامهم وسط أحاديث متفرِّقة وضحكاتٍ خافتة.
بعد قليل، صعدت ميرال تحمل طبقًا من الفاكهة. وجدته يؤدِّي تمارينه الريَّاضية بتركيز، فجلست تنتظره حتى انتهى. مسح العرق عن جبينه واقترب منها، يدقق بملامحها ثم أردف بتساؤلًا: – أنتوا مسافرين صحيح؟
هزَّت رأسها نافيةً بابتسامةٍ خفيفة: – بابا كان بيهزَّر معاك المهم تعال اقعد، عايزة أتكلِّم معاك في موضوع مهم.
باليوم التالي ظهرًا.
وصلت إلى الحارة. ترجَّلت من السيارة وسط ترحيب الأهالي وسلاماتهم المتتالية، عيونها تلمع بالسعادة من حرارة الاستقبال وكأنَّها عادت طفلة يعرفها الجميع.
بعد دقائق صعدت درجات المنزل القديم، تستقبلها نعيمة بابتسامةٍ عريضة تحتضنها بحنانٍ أمومي: – الدنيا كلَّها نوَّرت النهاردة. حبيبة قلبي.
– حبيبتي، وحشتيني أوي.
– وإنتي كمان وحشتيني، ياروحي قالتها قبل أن تهرع هند من الداخل، تقفز في حضن ميرال كطفلةٍ وجدت أمَّها بعد غياب: – أبلة ميرال.
– حبيبتي، وحشتيني إنتي كمان.
نظرت نعيمة إلى إلياس الذي وقف على الباب، وأشارت له: – أهلًا بيك يابني، البيت نوَّر هوَّ مش قدِّ المقام، بس.
لم يتركها تكمل، صافحها باحترام ودلف إلى الداخل معها، بينما ميرال تتأمَّل المكان بعينينِ ممتنَّتين: – مبروك ياطنط نعيمة تجديد البيت.
– حبيبتي ياميرو، تسلميلي. الحمد لله، ليه نبخل على نفسنا يابنتي؟
بعد دقائق كانت نعيمة قد أعدَّت مائدةً عامرة، ونادت بحماس: – يلا، أنا مأكِّدة عليكي، لازم تتغدُّوا معايا.
مال إلياس نحو ميرال وهمس: – أنا مش هاكل، خلَّصي عشان نمشي. ورايا شغل.
طالعته ميرال برجاء: – وحياتي ياإلياس بلاش تزعَّلها، هتفكَّر إنَّك قرفان. كل أي حاجة، اجبر بخاطرها.
تنفَّس باستسلام واتَّجه للطاولة، توقَّف أمام الأطباق بعينينِ متَّسعتين: – إيه دا، ياميرال؟
سحبت المقعد له وهي تضحك: – ماتاكلش ياإلياس، اشرب ميَّة بس، المهم اقعد لو سمحت. الناس دي مبتفكَّرش بالطريقة اللي بتفكَّر بيها، اعتبرها حاجة علشان ترضيني.
جلس متذمِّرًا، عيناه لا تفارق الأطباق، حتى جاءت نعيمة حاملةً المزيد وهي تضحك: – سي فود يابني، أنا معرفش إنتَ بتحبِّ إيه، وميرال ماقالتش، فعملت كلِّ حاجة على الله تعجبك. هوَّ إنتَ أي حدِّ برضه. كفاية إنَّك جوز حبيبة قلبي. على فكرة ياميرو، عملت لك المحشي اللي بتحبِّيه. مش نسياكي، لتفتكري إنِّي اهتمِّيت بجوزك بس.
– تسلم إيدِك ياحبيبتي، مكنش فيه لزوم لكلِّ التعب دا.
– اسكتي إنتي، ومالكيش دعوة.
وقعت عينا إلياس على الحمام، فرفع حاجبيه بدهشة: – حمام. معقول. دا حمام فعلًا؟
ضحكت ميرال تهزُّ رأسها: – مش بتقولَّك عملالك كلِّ الأنواع؟
– بتهزَّري ياميرال؟!
لكن نعيمة لم تمهله، فقد عادت تحمل طبقًا آخر ثقيلًا، وضعته أمامه بابتسامةٍ فخورة: – خد يابني، دي الكوارع. أصل الرجالة بتحبَّها.
نظر إلياس للطاولة، ثمَّ لميرال، ثم تنفَّس بعمق وأغمض عيناه محاولًا الحفاظ على التمسك بأعصابه
-ميرال لازم تأكلي جوزك كوارع.
هنا هبَّ واقفًا فجأة، عيناه متَّسعتان وهو يتأمَّل الأطباق الكثيرة: – لا كدا كتير إيه الحاجات دي كلَّها؟!
جذبته ميرال للجلوس بسرعة بعدما لمحت نظرة الحزن بعيني نعيمة، وقالت بابتسامة: – طنط نعيمة، متزعليش من إلياس هوَّ بس أوَّل مرَّة يشمِّ ريحة الأكل بالسمنة البلدي.
تسمَّرت نظراته نحوها بدهشة: – سمن إيه؟
ضغطت ميرال على قدمه بخفَّة، وهمست مبتسمة: – ريحته تجنِّن، مش كدا؟
– أوووي. قالها بنبرة ممزوجة بالاختناق.
رفعت نعيمة قطعة حمام باتِّجاه فمه بحماس: – طيب دوق وقول رأيك.
لكن ميرال سارعت تسحب الطبق من يدها، تكتم ضحكتها من تعابير وجهه: – أنا هأكِّله ياطنط، تعالي اقعدي.
جلست نعيمة، ثمَّ تذكَّرت فجأة: – يوووه. نسيت البط.
– بط؟!
– قالها إلياس وهو يحدِّق بالطعام، والغثيان يتسلَّل إلى ملامحه: ميرال، هوَّ دا حقيقي ولَّا عاملين فيَّا مقلب؟
أسندت ميرال ذقنها إلى كفَّيها، تحدِّق فيه بحبّ رغم نفوره، فقد أسعدها تحمُّله لأجلها: – إلياس، حبيبي، مفيش حد بيموت من الأكل الدسم.
تنهَّد مستسلمًا: – أيوة، عندك حق.
مدَّ يده لأحد الأطباق، لكن نعيمة أسرعت تقول: – لا لا، دا مايتَّاكلش بالشوكة. لازم كدا، قطَّعه وكله كدا.
دفعت اللقمة إلى فمه، فارتفعت ضحكات ميرال: – أيوة ياطنط، والله مغلِّبني في الأكل.
جلست نعيمة بجواره، تقطِّع الطعام أمامه، ثمَّ نظرت لميرال مبتسمة: – جوزِك ضعيف كدا ليه يابنتي؟ هو إنتي مش بتأكِّليه؟
أمال إلياس رأسه ناحية ميرال، وتمتم بنبرةٍ حائرة: – الستِّ دي بتقول إيه، ميرال؟
كبحت ميرال ضحكتها بصعوبة، وهمست له: – بتقول أغذِّيك ياحبيبي. أصلك ضعفان وصعبان عليها.
رفع حاجبيه بدهشة: – صعبان عليها! هوَّ أنا شحَّات؟!
تدخَّلت نعيمة وهي تلكز ميرال بنبرة عتاب: – إنتي مش بتحطِّي أكل لجوزك ليه
يابنتي؟
سكبت أمامه بعض الطعام، ثم أمسكت بطبقٍ آخر، لكن إلياس توقَّف فجأة وقال: – هوَّ فين المطبخ؟
تجعَّد جبينها مستغربة: – ليه يابني. محتاج حاجة؟
ابتسم بمكر: – لا أبدًا. بفكَّر أروح آكل من الحلَّة مباشرة، أصل الأطباق دي صغيرة.
قالها وهو يرمق ميرال التي انفجرت ضحكًا دون أن تستطيع كتمها.
بعد عدَّة ساعات خرجت من الحمَّام تجفِّف خصلاتها بمنشفة صغيرة، استمعت إلى طرقاتٍ على باب الغرفة: -ادخل. دلفت الخادمة تحمل صندوقًا ورقيًّا مزيَّنًا: -إلياس باشا بعت لحضرتك دا.
أومأت لها، فوضعته أمامها، ثمَّ خرجت بهدوء.
مدَّت يدها تفتحه، فتحته، إذ به بطاقة مزيَّنة يدوَّن عليها باللغة الفرنسية
Je t aime أحبِّك.
انتفض قلبها بالسعادة لتخرج ذاك الرداء الأحمر الناعم، رفعته تتفحَّصه بعيونها اللامعة. يبدو أنَّه ذو ماركة عالمية. يتَّسم بملمسه الناعم، مرَّرت أناملها وأفلتت ضحكةً ناعمة: -معقول يكون هوَّ اللي اشتراه؟
ارتفعت ضحكاتها تتمتم: -وأحمر كمان، ياترى ناوي على إيه ياحضرة الظابط؟
تذكَّرت حديثه بالأمس.
ضربت بخفَّة على وجنتيها: -يامصيبتي ليكون بيتكلِّم بجد، ارتفع رنين هاتفها. سحبته وضحكت بعدما وجدت اسمه يُنقش على الشاشة: -ألو.
-عجبِك؟ ضحكت بخبث: -إيه هوَّ دا؟
علم أنَّها تراوده فردَّ عليها بنفس أسلوبها: -دا اللي هجيب بيه يوسف التاني إن شاءالله، لم يتوقَّف على ذلك بل تابع ماجعلها تتصنَّم بجلوسها، تستمع إلى وقاحته، ثمَّ تمتمت سريعًا: -غرام بتسلِّم عليك. قالتها وأغلقت الهاتف، تسبُّه بسرِّها: - وقح.
علي الجانب الآخر.
ضحك باستمتاع، يتذكَّر ليلة الأمس، ولكن قاطعه دخول أرسلان وهو متجهِّم: – خارج رايح للحيوان. معرفش، المدرسة اتَّصلوا بيَّا.
التفت إليه إلياس بتساؤل: – بلال؟!
أومأ أرسلان وهو يمسح على وجهه بتعب: – آه. الواد دا مش عارف أسيطر عليه خالص.
ضحك إلياس بخفَّة: – خلِّيه يربِّيك، تستاهل.
– اسم الله عليك. شوف مين اللي بيتكلِّم.
طيب سيبك من العيال، أنا عايز منَّك طلب.
جلس أرسلان في هدوء، يستمع بانتباهٍ حتى انتهى إلياس من كلامه، ثمَّ سأله: – ودا عايزه لمين؟
رفع إلياس حاجبه ساخرًا: – ليوسف.
ضحك أرسلان بخبث: – لا والله. هوَّ الواد يوسف أوَّل
ماشطح نطح!
ثمَّ مال على مكتبه ببطء، ينظر لإلياس بمكر: – بس ماقولتش الورد بريحة ولَّا ريحته تخنق يوسف، خايف يموت فطيس؟
ضحك إلياس وهو يسحب ذراع أرسلان بقوَّة حتى كاد يسقط على وجهه: – أيوة كده، علشان تتعلِّم تميِّز ريحة الورد. وياريته بلدي، أحمر كمان. وخلِّي بالك من الشوك.
تجمَّد أرسلان لبرهة وهو يحدِّق فيه بذهول: – هوَّ فين الحج اللي كان قاعد هنا؟!
التقط إلياس قلمًا وألقاه عليه ضاحكًا: – جهِّز اللي بقولَّك عليه يلا، من غير فصال.
– طيب ياسيدي، هجهِّز بس مش هيكون في البيت.
– لا، عايزه في البيت.
– تمام. ادِّيني ساعتين. ، وأنا هاخد الولاد عند ماما ونبات كلِّنا هناك.
– ياريت. كلِّمتها الصبح، كانت زعلانة من إسلام. أهو يغيَّر مودها شوية.
تنهَّد أرسلان بحزن وقال: – ماتخافش عليها. وإن شاء الله هاخدها في رمضان ونعمل عمرة أنا وهيَّ.
ربت إلياس على كتفه بابتسامةٍ هادئة: – إن شاء الله ياحبيبي. يلَّا أنا عندي شغل عايز أخلَّصه، لازم أعدِّي على طارق، يزن بيشتكي منُّه بقى منطوي أوي.
أومأ أرسلان وهو يتنهَّد: – أنا مش عارف أقولَّك إيه، بس كان الموضوع يتحلّ بطريقة أحسن من كده.
رفض إلياس بنبرةٍ حاسمة: – أرسلان، دول كانوا بيتقابلوا ويتكلِّموا في التليفون. أنا وثقت فيه وهوَّ خان الثقة. أعمل إيه، وأبويا رافض، هرجع أكرَّر المعاناة تاني؟ كده أحسن. الكلِّ ممكن يزعل شوية بس هيفوق. منكرش. غادة متأثِّرة، بس كلُّه هيعدِّي. أنا كنت مراقب من فترة بس محبتش أدَّخل، بس توصل لشقق لو حدِّ شافهم يقول إيه؟
-أيوة بس دي حالات خاصَّة.
-متقنعنيش، الغلط غلط، اللي هيشوفهم مش هيقول كدا، أصلًا كلامهم غلط.
ربت أرسلان على كتفه وقال: -مش عارف أقولَّك إيه، بس طارق صعبان عليَّا.
أنا مش بإيدي حاجة صدَّقني، مش عايز نرجع لنقطة الصفر، مصطفى السيوفي مش مجرَّد شخص ربَّاني، أكيد إنتَ فاهم قصدي؟
-خير إن شاءالله كلُّه هيعدِّي.
-طيب ورانيا
-قضيتها عند راكان البنداري، بتفرج من بعيد اشوفه هيوصل معاها لأيه، وازاي بعد البلاوي دي كلها تخرج.
-هتاخد جزائها متخافش. قالها ارسلان وغادر. بينما جلس إلياس يردد
-هتاخده بس بطريقة إلياس ياارسلان.
استمع الى رنين هاتفه
-ايوة ياماما.
-ممكن تعدي عليا بعد الشغل، محتاجك ضروري
نظر بساعته، ثم نهض من مكانه
-هعدي عليكي دلوقتي، اسف بالليل مش هينفع، خارج مشوار مع ميرال
تبسمت فريدة واردفت: -كل سنة وانتوا مع بعض ياحبيبي، ميرال لسة مكلماني وبتقولي النهاردة عيد جوازكم.
ابتسم ورد: -انا مقولتش حاجة، شكل بنتك طمعانة في هدية ولا ايه
-إنت هديتها ياالياس. هستناك
-تمام.
بمنزل اسحاق
جلس على طاولة الطعام شاردًا، تحدث حمزة: -بابا عمو هنزور عمو ارسلان امتى
لكزته دينا بعدما وجدت صمته: -فيه ايه.
أشارت بعينيها على نجلها وقالت: -حمزة بيسأل هنروح امتى لأرسلان
-بكرة ياحبيبي. قالها ونهض يسحب سجائره
-خليهم يعملولي قهوتي يادينا
-ماأكلتش. داعب خصلات طفله الصغير عمران وقال: -شبعت بالهنا انتوا، التفت إلى حمزة واردف: -لما تاكل حبيبي تعالى علشان تحكي لي ايه اللي حصل معاك.
-حاضر يابابا
بمنزل يزن
كانت ضحكات أطفاله تعبأ المكان، دلفت إليهم رحيل تحمل الفواكه، وضعتها على الطاولة وتسائلت: -ايه الضحك دا كله
رفع أسر ذراعيه بسعادة
-ماما أنا كسبت بابا، ووعدني هيجيب مكنة
-مكنة. رددتها بدهشة
توقف يزن بعدما ترك الجهاز الالكتروني وقال: -كمل مع اختك لعب، عايز مامي في موضوع. قالها وهو يسحبها لخارج الغرفة إلى أن وصل غرفتها
-فيه ايه، بتشدني كدا ليه
-إنتي ليه رحتي لرؤى المستشفى يارحيل.
-اتصلوا بيا يايزن، بعد ما تليفونك كان مقفول. اختك بتستهبل حاولت تقتل البنت الممرضة
ضيق عيناه وتسائل: -ازاي يعني!
أشارت إلى الهاتف وقالت: -كلم الدكتور وافهم منه، أنا ماليش دعوة. قالتها وخرجت.
باليوم التالي تسلَّلت أشعَّة الصباح بخفَّة عبر النافذة، تلاعبت بخصلاتها المبعثرة، فبدأت تتململ في نومها، ترتجف أهدابها قليلًا قبل أن تفتح عيناها قليلًا، لتضع كفَّها على وجهها تحجب الضوء المتسلِّل. هنا شعرت بثقلٍ يلتفُّ حول جسدها، كأنَّها محاصرة بدفءٍ آسر. أزاحت كفيها عن عينيها لتجد ذراعيه يطوِّقانها بإحكام، كمن يأبى أن يتركها حتَّى في المنام.
بدأت تفكُّ أسرها، وتتسلَّل من بين ذراعيه إلى أن نجحت أخيرًا في الإفلات. وقفت لحظة تتأمَّل ملامحه الغافية، ابتسامة صغيرة ارتسمت على شفتيها تنظر لوجهه الساكن. هل هذا هو الذي يهابه الجميع، من يراه يقسم أنَّه طفلًا بريئًا لا يعرف القسوة.
-ملاك حبيبي وهوَّ نايم، حتى حبسني زي المسجون، اقتربت ورفعت أناملها تتحسَّس ملامحه، كأنَّها تنقش تفاصيله، وقلبها يخفق حين عادت بذاكرتها إلى ليلتهم الماضية، فدعت ربَّها في صمتٍ أن يديم عليها تلك السعادة. لم تحتمل قربه دون أن تنحني بطرف شفتيها لتسرق قبلةً خاطفة على وجنته، فشعرت بأنفاسه تتحرَّك، لكنَّه ظلَّ ساكنًا، وكأنَّه يتعمَّد ذلك.
دفنت رأسها في عنقه، تتنشَّق عبيره بشغف، قبلةٌ أخرى، تهمس: -أموت من غيرك، قالتها ثمَّ حاولت مغادرة الفراش. لكن مدَّ ذراعيه فجأةً ليجذبها بقوَّة، فيختلَّ توازنها وتسقط فوق صدره صارخة: – أااه يامحتال! إنتَ صاحي!
ضحك بعينيه قبل صوته، يحاوطها بذراعيه ويقول بشقاوة: – أنا المحتال. ولَّا حضرتك اللي ضحكتي عليَّا ونوِّمتيني من بدري، قبل ماأحقَّق المراد.
اتَّسعت عيناها بدهشة: – مين دا اللي ضحكت عليه ونام بدري؟! تصدَّق بالله أنا اللي غلطانة كان لازم أحطِّ لك منوِّم.
– أهون عليكي بعد أحلامي الورديَّة؟
دفنت وجهها في صدره ضاحكة: -احلام ايه الوردية، انت هتجنني
-يهون عليكي حبيبك يفضل بلا احلام وردية
رفعت عيناها إليه متمتمة:
– أهي طيبة قلبي دي اللي بتودِّيني في داهية.
– مين دي اللي طيبة يابت! إنتي مصدَّقة نفسك بعد اللي عملتيه؟
أطلقت نظرة ماكرة: – إيه رأيك، مش أنفع أكون سوبر ومن؟
قهقه: – سوبر مين ياختي؟! إنتي أخرك تبقي زي الستِّ الشريرة اللي كنتي بتتابعيها وإنتي صغيرة روبنزل دلدلي شعرك.
انهالت عليه بلكماتٍ خفيفة وهي تضحك: – أنا كدا! والله إنَّك ناكر الجميل.
مطَّ شفتيه كأنَّه يتظاهر بالتفكير: – ناكر الجميل؟ لأ، الصراحة مقدرش أقول كدا برضو بعد اللي حصل؟!
طالعته بابتسامة، أزاح خصلاتها عن وجهها، يحدُّق في عينيها بعناقٍ صامت قبل أن يقول: – المهم مكمِّلناش كلامنا إمبارح، وحضرتك ضحكتي عليَّا.
– كلام إيه دا إن شاء الله؟! أوعى يكون اللي في دماغي.
– إنتي مجنونة يابت، هوَّ أنا دخلت دماغك علشان أعرف فيها إيه؟!
– طب وسَّع بقى، وفكَّر في كلامك.
سحبها بقوَّة حتى سقطت فوق الفراش لينقلب الحال ويحاوطها بذراعيه: -يعني بعد دا كلُّه، ومخاويش العيال، طيب بذمِّتك ترضهالي، دا حتى الستِّ بتاعة الحارة بتاعتك مزغَّطاني، سي فود، وحمام، كان ناقص تجبلي جمل
وتقولِّي كله، إنتي قايلة للستِّ دي إيه يابت؟
وضعت كفَّيها على عينيها: -والله ماقولت حاجة، ابعد بقى.
-أبعد. وترجع تقول جوزك عايز تغذية!
أزالت كفَّيها وضحكت بصوتٍ عالي: -الله مايمكن هيَّ خبيرة في الحاجات وشايفة إنَّك محتاج تغذية.
برقت عيناه باتِّساع: -دا إنتي صباحك مش معدِّي. وحياة فريدة عندي ماأنا سايبك.
قهقهت تتراجع بجسدها: -هنادي على ولادك وأقولُّهم أبوهم المحترم عايز إيه.
-أبوهم المحترم، ومالك بتقوليها بفخر كدا. لا أنا هاخد بدالك المهمَّة دي وأعرَّفهم مالكيش دعوة، ولولا حالتك دي والله لأجبهم قدَّامك دلوقتي.
-لا لا. أكيد بتهزَّر، ومش هتعمل اللي في دماغك.
-مالكيش دعوة في اللي دماغي، هوَّ إنتي دخلتيها.
قفزت فجأة من فوق الفراش بعدما دفعته بساقيها، لتسقط صارخة: -آاااه.
اقترب منها ولكن أوقفه رنين هاتفه
-أيوة؟
-رؤى هربت من المستشفى.