قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الحادي والستون

عند بلال
ظلَّ يتجوَّل بالسيارة دون هدى، هنا لم يكن غاضبًا فقط بل كان منهارًا من الداخل، منهارًا بطريقة الرجل الذي يشعر أنَّ شيئًا جوهريًا فيه قد انكسر ولن يعود كما كان.
صفَّ السيارة أمام النيل وترجَّل منها، خطا بثقل جسده، وقف أمام النيل يتأمَّل الماء الساكن، لم يراه مياهً بل رآه وكأنَّه.

كان يقف أمام مرآةً سوداء يرى فيها نفسه غارقًا حتى العنق. ومشاهده معها تجري أمام عينيه كشريطٍ سينمائيٍّ سريع، أغمض عيناه يريد أن يمحو تلك الإهانات التي تلقَّاها منها. لم تكن كلماتٍ عابرة، بل كانت طعناتٍ متراكمة، حفرت في صدره فجوة واسعة، حتى أصبح يشعر أنَّ قلبه لم يعد ينبض حبًّا بل نزيفًا.
هو لا يتألَّم لأنَّه أحبَّها.

هو يتألَّم لأنَّه اكتشف متأخِّرًا أنَّه أحبَّها أكثر ممَّا يجب أكثر ممَّا يحتمل أي رجلٍ أن يُهدر كرامته في سبيله.
في داخله كان صراعٌ عنيف. رجل يريد أن يصرخ، أن يحطِّم، أن ينتقم لرجولته المجروحة
وفي الوقت نفسه عاشقًا مكسورًا لا يزال يتشبَّث بها كالغريق بخشبة نجاة.
كان يشعر بشيءٍ أقسى من الغضب
كره نفسه لشعوره بأنَّه أصبح ضعيفًا أمامها، مريضًا بها، عاجزًا عن كرهها رغم كلِّ مافعلته.

رنَّ الهاتف مرَّةً وأخرى، تجاهله في كلِّ مرَّة، وهو يتمنَّى أن يجد شاشته تنير بصورتها وحدها، هنا لم يتجاهله لأنَّه لا يريد الرد
بل لأنَّه لم يعد يحتمل أن يسمع أي صوتٍ في العالم غير صوتها، حتى لو كان يؤذيه.

ارتفعت انفاسه واختنق، حين شعر بقلبه يريدها الآن، يريد أن يلقي نفسه بين ذراعيها، كيف وصل لهذه الحالة بعد كسرتها له، كيف لم تشعر بقلبه الذي يصرخ بها ولها وهي بين ذراعيه، الهذه الدرجة تغلَّلت بداخله كالمرض؟!

صراعٌ بين القلب، ليصفع العقل لأوَّل مرَّة القلب ويتمرَّد عليه، يكفي هذا الحد، يكفي إهدار لرجولتك أيَّها الغبي، ظلَّ لدقائق وصراعه كاد يخنقه إلى أن اتَّجه إلى السيارة مرَّةً أخرى وقادها وتحرَّك بها متَّجهًا إلى منزل كارما، يجب أن يضع حدودًا جديدة لحياته التي أهدرها مثلما أهدر كرامته، وصل أمام المنزل ثم قام بالاتِّصال بها، كانت تغطِّ بنومها، فتحت عيناها وقامت بالردِّ دون أن تنظر.
انزلي أنا تحت.

هبَّت من مكانها تنظر بساعة هاتفها: إيه اللي حصل، ليه جيت في الوقت دا؟!
كارما مش عايز كلام كتير، أنا تحت انزلي
آسفة يا دكتور، مش هقدر الوقت متأخَّر.
يبقى أنا هطلع.
كانت الساعة الثالثة فجرًا، لم يكن يتصرَّف بوعيٍ كامل.

كان مدفوعًا بحالة اختناق داخليّ، بحاجةٍ قهريةٍ لينتزع قلبه الذي يصرخ داخله، لا يريد أن يذهب هناك، لا يريد أن يراها، كيف يتصرَّف ويتحمَّل وجودها ولا يستطع لمسها، إلى الآن يشعر أنَّها مازالت تخصُّه، حتى لو كانت ترفضه...
نبرته الحادَّة لم تكن قسوة.

صعد إلى الأعلى رجلًا محطَّمًا، يتخبَّط بين كرامته الجريحة وقلبه الذي يرفض أن يتوقَّف عن حبِّ من كسرته.
هو في أضعف حالاته وأكثرها صدقًا.
بالأعلى.
استيقظت ابنة عمَّها على صوت حركتها المتوتِّرة: كارما، فيه إيه؟
اتَّجهت كارما إلى خزانتها تسحب أي ثياب تقع تحت يدها: مفيش، الدكتور تحت وشكله هيطلع.
رفعت الأخرى حاجبها بدهشة: دكتور مين، قصدك بلال؟

رمقتها كارما بنظرة تحذير حادَّة: ماينفعش تقولي اسمه كده، ده أكبر منِّك بخمستاشر سنة، نامي يا كندا ربِّنا يهديكي.
اعتدلت كندا مبتسمة بمشاكسة: نوم إيه بس؟ واضح إنِّ اللي جاي محتاج قهوة.
طالعتها كارما بامتعاض، فغمزت لها الأخرى: النظرات دي غيرة؟
بطَّلي هبل ونامي.
رنَّ الجرس.
تقدَّمت كارما بخطواتٍ متردِّدة نحو الباب، نظرت من العين السحريَّة، ثم فتحته.
دخل وهو يتمتم بضيق: أمال لو ماكنتش قايل إنِّي طالع.

تحرَّك للداخل بثقل، ودلفت خلفه بارتباك: إيه اللي حصل؟ عمرك ماجيت في وقت زي ده.
نزع جاكيته وألقى بنفسه على المقعد، يمسح وجهه بإرهاقٍ ظاهر: اعملي قهوة راسي هتنفجر.
تأمَّلته كارما بحزن، ملامحه مرهقة، عيناه زائغتان كمن لم يذق طعم الراحة منذ أيَّام.
قالت بهدوء: إنتَ متخانق مع رولا، صح؟
كارما قهوة.

اقتربت منه لأوَّل مرَّة بشيءٍ من الجرأة المرتجفة: يمكن مش من حقِّي أدخل في حياتك، بس يعلم ربِّنا أنا بعزَّك قد إيه، إنتَ كنت النور الوحيد في أيام سودا عدِّت عليَّا، متزعلش منها هيَّ بتحبَّك. الستِّ لمَّا أمانها يهتز، الدنيا كلَّها بتهتزّ جوَّاها.
فتح عينيه بضيق: كفاية، مالكيش دعوة.
بلعت ريقها بصعوبة: أنا سبب المشاكل دي، إحنا كنَّا متَّفقين على الطلاق، متسمعش كلام حد. ولو حد حاول يضايقني هتصرَّف.

عاد يسند رأسه للخلف وأغمض عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ خافت لكنَّه حاسم: أنا ورولا اتطلَّقنا.
شهقت كارما كأنَّ الكلمات صفعتها: إيه! ليه؟! كده إنتَ بتكسرها دلوقتي أي حد هيقول إنِّ فيه حاجة بينَّا!
اقتربت منه تمسك ذراعه برجاء: لو سمحت امشي، أنا مش عايزة أكون سبب أذى لحد.
قبض على ذراعها بقوَّة، ونظر إليها بنظرةٍ قاسية أربكتها: اسمعيني كويس، أنا ورولا خلاص. وقدَّامك يومين تجهزي علشان نوثِّق جوازنا.

نظرت حولها في صدمة، فتابع بتهكُّم: وبالمناسبة. ده بيتي، مش بتطرديني من بيتي.
تراجعت للخلف تهزُّ رأسها بعنف، الدموع تنساب دون إرادة. لمح خوفها فخفَّ توتُّره قليلًا.
اقترب منها بصوتٍ أقلَّ حدَّة: كارما اسمعيني.
ابتعدت سريعًا تنفض ذراعيها: ماتلمسنيش، البيت بيتك وأنا مش هطردك.
قالتها واندفعت إلى الداخل.

ظلَّ واقفًا مكانه لحظة يزفر بضيق، يشعر بثقل الدنيا فوق صدره لا يعرف كيف وصل به الحال إلى هذه النقطة، ولا لماذا كلَّ شيء من حوله يتحوَّل إلى عقدةٍ أكبر كلَّما حاول حلَّها.

بمنزل يوسف.
ظلَّ منتظرها على أمل أن تاتي، رفع هاتفه مرَّة واثنان لم ترد. تمدَّد بمكانه على الأريكة. غفت جفونه: إنتَ مستحيل تطلَّق بنت عمَّك، سمعتني إيَّاك تعملها يا يوسف.

حاضر يا باشا هعمل اللي حضرتك عايزه، مش الباشا أمر. لازم كلامه يتنفِّذ بالحرف الواحد كأنُّه قرآن نازل من السما.
لم يكد ينهي جملته حتى هوت كفُّ إلياس على وجه ابنه صفعة هزَّت جدران البيت قبل أن تهزَّ قلب يوسف.
شهق يوسف، تتَّسع عيونه بدهشة ودموع الغضب تختنق بعينيه.
صرخت فريدة بصوتها المرتجف وهبَّت من مكانها: إلياس كفاية!
ثم أشارت إلى يوسف: يوسف، اطلع برَّه دلوقتي!

لكنَّه لم يتحرَّك، ظلَّ واقفًا أمام والده كتمثالٍ من الغضب، نظراته تحمل مزيجًا من الوجع والعناد والخذلان. رفع رأسه ببطء وقال بصوتٍ حُشر بين بكاءٍ مكبوت وصرخةِ روح: ماشي من الدنيا كلَّها، ياربِّ تبقوا مبسوطين!

اخترقت كلماته كطعنةٍ في صدر فريدة، ومسمارًا في قلب ميرال التي رمقت إلياس بنظرة وجعٍ أموميّ قبل أن تركض خلفه: يوسف، يوسف استنى يا حبيبي!
لكنَّه لم يستمع، هرول إلى الخارج، خطواته مضَّطربة كأنَّ الأرض تنزلق من تحته.

خرج من البوَّابة الرئيسية دون سيَّارته، مع وصول ضي تدخل بسيَّارتها من الجهة الأخرى.
لمحت ميرال وهي تركض، وصرخاتها تخترق المكان: يوسف!

ترجَّلت ضي بسرعة من سيَّارتها، قلبها انقبض، وشعرت أنَّ شيئًا فادحًا يحدث، اقتربت منه ونادت بصوتٍ مرتعش: يوسف. استنى، اسمعني بس!

التفت نحوها، عيونه محمَّرة، وجهه ممتقعٌ بالدموع والخذلان، ثم صرخ بكلِّ مابقي من غضبٍ في صدره: أنا بكرهك، سمعتيني؟ بكرهك! وابعدي عن حياتي.

كأنَّ الكلمات خرجت بسكينٍ حادٍّ وغُرست في صدرها.
تراجع جسدها خطوةً للخلف، شفتاها ارتجفتا وهمست بخفوتٍ موجع: تمام.

استدارت ببطء، عيناها تائهتانِ لا تريان شيئًا، كأنَّها فقدت القدرة على الحياة.
وشعرت بثقل الهواء من حولها حتى فقدت التنفُّس، ودموعها غطَّت الرؤية.
لم تلحظ تلك السيارة المسرعة القادمة من بعيد، أو ربَّما لم ترغب أن تراها
لحظة واحدة وارتطمت بها بقوَّة، صوت الصدمة دوى كالرعد، وارتفع جسدها للحظة قبل أن يهوي أرضًا، غارقةً في بحرٍ من دمها، ساكنةً كدميةٍ انكسرت أحلامها دفعةً واحدة.
صرخت ميرال: ضييي!

وانهارت تركض نحوها بجنون، سقطت على ركبتيها تحتضنها والدماء تسيل بين أصابعها، تصرخ باسمها كأنَّها تحاول أن تعيد الروح لأنفاسها.

هبَّ من نومه فزعًا، يستغفر ربَّه ويمسح على وجهه، يهمس اسمها، طافت عيناه بالمكان يبحث عنها ولكنَّها غير موجودة، أشرق الصباح بنور ربِّه، نهض من مكانه ينفض شيطانه بكلماتٍ من الإستغفار، لعلَّ اختناقه يزول، ثم اتَّجه إلى الحمَّام دقائق معدودة وخرج يقضي فرض ربِّه، لقد فاتته صلاة الفجر، دقائق وأنهى صلاته، ظلَّ بمكانه لفترةٍ من الوقت، ينظر بهاتفه على عدد المرَّات التي هاتفها بها، ثم نهض متَّجهًا إلى منزل والده.

دلف للداخل، وجد الجميع على طاولة الإفطار: صباح الخير على الجميع، صاحيين بدري.
صباح الخير حبيبي، أه تيتا وجدُّو مسافرين لعمُّو إسلام.
جلس جنب فريدة وقبَّل كفَّيها: متتأخَّريش هناك.
داعبه مصطفى: يعني جدَّك يفضل هناك؟
التفت إليه وحاول إخراج ابتسامة: لا طبعًا، يعني هَّي هتيجي لوحدها يا جدُّو.
ربت على ظهره: ربِّنا يبارك فيك يا حبيبي، أومال فين مراتك؟

عند باباها. تمتم بها بخفوت، ثم سحب بعض الطعام يتهرَّب من نظرات ميرال.
رمقه إلياس: ردِّيت على الدكتور ولَّا لسة؟
رفع رأسه لوالده وصمت قليلًا ثم قال: لسة، هردّ عليه النهاردة.
تردِّ عليه في إيه يا حبيبي؟
محتاجني معاه في ألمانيا.
شهقت ميرال: سفر يا يوسف لا. سمعتني؟
نظر لوالده الذي يتابع حديثه ثم أومأ لها: مفيش سفر يا ماما، دا كان مجرَّد اقتراح من الأستاذ، وخلاص رفضت، بس لسة مابعتلوش.
ماتوجعش قلبي يا حبيبي.

سلامة قلبك يا ستِّ الكلّ.
إنتَ مش وراك مستشفى النهاردة؟
لا. النهاردة إجازة، كنت عايز أخرج أنا وضي، لكن موضوع بلال شقلب الدنيا.
نهضت فريدة تنظر إلى إلياس: لسة مرجعش؟
لا. راح لمراته التانية، بلاش نضغط عليه، سبوه شوية.
والبنت المكسورة دي يا بني، مين يطفِّي نارها؟

نظر إلياس للبعيد وقال: كلُّه هيكون كويس، إن شاء الله خير، المهمّ خلِّي بالك من صحِّتك، وأنا اتكلِّمت مع يزن وأرسلان، وهمَّا شايفين الانفصال أحسن.
اتَّجه بنظره لميرال: خلِّي حد من البنات يجيب تليفوني يا ميرال، يادوب نتحرَّك علشان موعد الطيارة.
لم تنظر إليه، نادت على إحدى الخادمات: هاتي تليفون الباشا من فوق.
كان يتابع بضيق، منذ الأمس وهي لم تتحدَّث معه، نهض من مكانه دون حديث.

بينما ظلَّت هي ويوسف الغائب الحاضر على طاولة الطعام لدقائق. ثم نهضت وهي تربت على كتف ابنها: هودَّع تيتا وأرجع لك.
هزَّ رأسه بصمت.
بعد قليل، كان يتمدَّد على ساق والدته، التي تمسِّد خصلاته بحنان: إمبارح ماردتش أتكلِّم معاك، الوضع مكنش مستحمل، أنا أمَّك اللي بتحبَّك أكتر من روحها، قولِّي
مالك يا حبيبي؟!
تعبان أوي يا ماما.

لم تكن نبرته هذه المرَّة عابرة، لم تكن شكوى جسد، بل صوتُ شيءٍ يتفتَّت داخله، ممَّا جعل قلبها ينتفض بفزعٍ من نبرته، لأوَّل مرَّة يهمس بهذا الوجع، لمست خصلاته بحنان، وهي تمرِّر أناملها بداخلها: احكي لماما يا يوسف، نفسي تحكي لي اللي تاعبك، حبيبي، قلبي وجعني عليك، إنتَ مخبِّي حاجة كبيرة، صح؟
اعتدل من فوق ساقيها، ونظر إليها نظرات تصرخ بالألم: بتحبِّيني يا ماما؟!

سؤال صغير، ولكنَّه وقع على صدرها كالسوط يجلدها دون رحمة، شهقة أخرجتها من أعماق قلبها، وانهيار تام لجسدها مع دموعها التي انسابت تحرق وجنتيها من كلماته: دا سؤال يتسأل لماما يا يوسف؟!
سحب كفَّيها واحتضنها يقبِّلها، ثم رفع عيناه إليها: عايز أسافر بعيد ومحتاج دعواتك.
هزَّة عنيفة أصابت قلبها، حتى شعرت بانسحاب أنفاسها: عايز تبعد عنِّي يا يوسف؟!
سفري هوَّ راحتي يا أمِّ يوسف.

كانت تقف عند الباب، لينهار عالمها بأكمله ممَّا استمعت إليه، استدارت بهدوء دون أن يشعر بها أحد، تحرَّكت بخطواتٍ مترنِّحة ودموعها تفترش طريقها وكأنَّ الهزيمة تصرخ بداخلها: كنت متأكِّدة إنّّك بتخدعني يا بن عمِّي، ياويلك من الستِّ لمَّا يتغدر بيها يا دكتور.
كلمات باردة أخرجتها من روحٍ تمزَّقت، ولكن هل للقلب أن يصمت أمام الهزيمة.

اعتدل ينظر لوالدته: أنا هنا بموت كلِّ يوم يا ماما، بحاول أرضيكي بس أنا تعبان.
بكت ميرال على كلماته: بعد الشرِّ عليك يا حبيبي، ليه يا يوسف، ليه تاعب قلبك وتاعبني يا بني؟
أغمض عيناه وهناك صرخة من جمرة ناريَّة يريد أن يطلقها ولكنَّه لم يقوَ.
لمست وجهه بحنانٍ كالطفل: زعلان علشان ضي عايزة ولاد صح؟
يوسف إنتَ عندك حاجة مانعة الخلفة؟
دموعٌ فقط، دموع رجلٍ انهارت حياته دون أن يفعل شيئًا.

ماما أنا راضي بكلِّ اللي ربِّنا كاتبه، قدري ومقدرش أعترض عليه، لكن مش قادر أوجعها، مش قادر أجبرها تعيش معايا، حقَّها تكون أم. أنا بحبَّها أوي، وبموت أوي من فكرة الانفصال، لكن لازم تعيش سعيدة، حقَّها تعيش سعيدة يا أمِّي.

شهقت ميرال، وانفجر بكاءها بلا سيطرة، بكاء أمٍّ رأت فلذة كبدها يُذبح أمامها وهي لا تملك سكِّينًا لتمنع ولا يدًا لتداوي.
اقتربت منه كأنَّها تخشى أن يضيع من بين يديها، لمست وجهه بأنامل مرتعشة، تتحسَّس ملامحه كما لو كانت تحفظها خوف الفقد.
ماتقولش كده يا حبيبي أكيد ربِّنا له حكمة، أكيد هيعوَّضك.
هزَّ رأسه ببطء، وابتسامة موجوعة مرَّت على شفتيه كطيفٍ عابر: أنا مش زعلان علشاني أنا زعلان علشانها هيَّ.

انقبض قلبها، واحتضنت وجهه بين كفَّيها، تحدِّق في عينيه الحزينتين، كأنَّها تبحث داخله عن بقايا أمل: يوسف الطبِّ اتطوَّر وإن شاء الله أكيد في حل.
انحنى قليلًا وقبَّل كفَّيها، ثم رفع عينيه إليها، وفي نظرته شيء يشبه الاعتذار: ماما، مش عايزك تزعلي. بقالي سنة ومفيش أي تطوُّر، كان نفسي أفرَّحك.
لكن يمكن ربِّنا بيعاقبني علشان كنت جاحد بنعمه قبل كده.
انتفضت من كلماته: يوسف اسمعني.

قاطعها برفقٍ منهك: اسمعيني حضرتك لو سمحتي، أنا قدرتي خلصت يا ماما، أوعديني لو بتحبِّيني، محدش يعرف حاجة.
تجمَّدت الكلمات على شفتيها، وارتجف صوتها: طب ماتقول لضي يمكن تتنازل علشان بتحبَّك.
رفع عينيه فجأة، وفيهما خوف لم تره من قبل: ضي لو عرفت يا ماما يبقى إنتي كتبتي موت ابنك بإيدك، يرضيكي أفضل في نظرها ناقص، وتبقى هيَّ المضحيَّة؟ ضي كلِّ كلامها عن الأطفال، بلاش أكسرها. أنا مش عايز عطف من حد.

سقط الصمت بينهما ثقيلًا، صمتًا يئنُّ من شدَّته.
ميرال تشعر أنَّ قلبها يُعصر بين ضلوعها، ويوسف يجلس أمامها ثابتًا، لكنَّه من الداخل يتهاوى قطعةً قطعة.
في تلك اللحظة
لم يكن ابنها يطلب منها وعدًا.
كان يسلِّمها سرًّا أثقل من قدرتها على الاحتمال. وسكِّينًا خفيًّا ستظلُّ ممسكة به وحدها حتى لا يُجرح به قلبٌ أخرى.

صمتت ميرال بألمٍ يثقل قلبها. احتضن كفَّيها: أوعديني يا أمِّي.
أوعدك حبيبي، وإنتَ كمان أوعدني ماتبعدش عنِّي.
ابتعد وتنهَّد بوجع: لو راضية بألمي مش هبعد عنِّك.

خرج من منزل والده كمن يهرب من نفسه، تتلاحقه أفكاره كظلال ثقيلة لا تتركه. خطوات ثقيلة مثل نبض قلبه، اتجه إلى منزل عمه بلا وعي، كأن قدميه تحفظان الطريق أكثر مما يحفظه عقله. ليلة واحدة وقد اشتاق اليها، حبه اليها جعله يقف بمنتصف الطريق، لا يعلم كيف القرار، دلف للداخل، وجدها جالسة في الحديقة، ملامحها ساكنة، تنظر بنقطة وهمية، اقترب منها، وجلس بجوارها بصمت متوتر.
صباح الخير، ليه نمتي هنا؟

رفعت عينيها إليه ببطء نظرات موجعة، تخترق صدره دون رحمة. تنهد وسحب نفسًا عميقًا كأنه يحاول أن يطرد الاختناق من داخله.
ضي
قاطعته بصوت مبحوح: يوسف أنا تعبانة ومبقتش قادرة أثق فيك.
وضعت كفيها على صدرها، تضغط على موضع قلبها كأنها تحاول تهدئته من الألم.
قلبي وجعني أوي وكل يوم خوفي إنك تختفي من حياتي بيزيد.
بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متكسر: ضي مش إنتِ بتقولي إنك بتحبيني؟

نظرت إليه بعينين دامعتين: بحبك دي قليلة بس حقي أكون أم من الراجل اللي بحبه.
شعر وكأن الكلمات نُزعت كسكاكين من صدرها وغُرست في قلبه مباشرة.
يعني أهم حاجة إنك تكوني أم؟
هزت رأسها برفق، والدموع بدأت تتجمع في عينيها: يوسف حبيبي هو إيه في الحياة غير بيت مليان ضحك من الأطفال؟
احتضنت كفيه بين يديها المرتعشتين، وكأنها تتشبث بحلمها الأخير.

لو سمحت يا يوسف، بلاش تحرمني من أحسن نعمة أنا بنام وبحلم إن يبقى عندنا أطفال. مش نفسك تسمع كلمة بابا؟
رفعت كفيها واحتضنت وجهه، تنظر إليه بحب نقي موجع: هتبقى أحن أب في الدنيا، أنا واثقة بشوف فيك عمو إلياس، شوفته قد إيه حنين معاك ومع شمس تخيل لما يبقى عندنا طفل أو طفلة، يجري عليك ويقولك: بحبك يا بابا.
ورغم ارتجاف صوتها، لكنها ابتسمت وسط دموعها: نفسي في ولد وبنت والولد يكون شبهك أوي.

كانت كلماتها تتساقط عليه كطلقات لا ترحمه. نظر إليها كالغريق الذي لا يعرف كيف يطلب النجدة. عينيه امتلأتا بدموع حارقة حاول حبسها بشدة. ولكنه فشل، فنهض سريعًا بعدما أبعد كفيها، فقد السيطرة على نفسه، وشعر أن الهواء اختفى من حوله واختنق
تحرك مبتعدًا بخطوات مضطربة.
انتفضت واقفة بسرعة، ولحقت به، وقالت بصوت ينهار: يوسف! علشان خاطري بلاش تحرمني أكون أم بلاش توصلني لاختيار صعب.

لم يلتفت. قال بصوت مخنوق: عندي شغل لازم أمشي. اعملي اللي إنتِ عايزاه يا ضي.
تحركت بسرعة لتقف أمامه، وعيناها لمعتا فجأة بفرحة مشتعلة وسط دموعها: هنروح للدكتور صح؟ إنت بتحبني ومش هتفكر تحرمني من كده.
نظر إلى عينيها طويلًا غرق في لمعتهما في سعادتها التي تبنى على وهم يقتله من الداخل.
صمت. صمت ثقيل كالرصاص على صدره، يسحب أنفاسه بصعوبة. همس أخيرًا، بالكاد: لازم أمشي.

ثم استدار وغادر المكان مسرعًا كأنه يهرب من حبها، ومن حلمها، ومن حقيقة يعرف أنه لا يملك الشجاعة ليقولها.

استقل سيارته وانطلق بها خارج البوابة
وقفت تتابع مغادرة سيارته حتى تلاشت في آخر الشارع، وهمست بوجع مكتوم: اهرب يا يوسف. هشوف آخرتها
وصلت والدتها بعد دقائق
يوسف مشي؟ شوفته خارج بالعربية.
أومأت بصمت وجلست على الأريكة كأنها فقدت قدرتها على الوقوف. جلست غرام بجوارها، تتأمل وجهها الشاحب وعينيها المرهقتين.
انتي زعلانة من جوزك؟!
ابتسمت ابتسامة باهتة موجوعة.
مش زعلانة يا ماما بس موجوعة منه.

تجعدت ملامح غرام بقلق.
يعني إيه موجوعة؟
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستدعي شجاعة الكلمات.
رافض الولاد مش عايز يبقى عندنا طفل.
شهقت بعدم تصديق.
لا يوسف عاقل، عمره ما يفكر كده!
أراحت رأسها للخلف، والذكريات تتدفق عليها ليلة زفافهما
للأسف يا ماما يوسف الماضي لسه عايش جواه، ولسه مسيطر عليه.
بس ده مش من حقه يا بنتي حاولي تقربي منه أكتر، فهميه إنك أمانه، حسسيه إنك مش هتكسريه.

انكسرت نبرتها وهي تهمس: تعبت يا ماما اتكلمت كتير. كل مرة أحاول أقرب، ألاقيه بيبعد خطوة. أنا خايفة فجأة ألاقي نفسي لوحدي.
اتسعت عينا غرام
لوحدك إزاي؟!
ارتمت برأسها على صدر أمها، وبكت بحرقة.
دايمًا بيحسسني بكده امبارح شوفت إيميل عن فرصة سفر، ولما سألته قالي مجرد فكرة ورفضها. والنهاردة سمعته بيكلم طنط ميرال وبيقولها إنه عايز يسافر أنا خايفة يا ماما خايفة يسيبني ويمشي.

بفكر أجيب طفل يمكن الطفل يربطه بيا يمكن يخليه يفكر ألف مرة قبل ما يسيبنا.
مسحت والدتها على شعرها بحنان.
بس هو كان عايز يسافر زمان عشان ما كانش عايز يتجوز دلوقتي متجوز وبيحبك. إيه اللي يخليه يهرب؟
شهقت بين دموعها.
معرفش ساعات بحس إنه مستحيل يبعد عني، وساعات بحس إنه عايز يتخلص مني كأني حمل عليه.

وقبل أن ترد ميرال، نطقت غرام بمرارة: مالكم يا ولاد أرسلان؟! واحد اتجوز على مراته والتانية جوزها عايز يهرب منها!
قاطعهما صوت أرسلان خلفهما.
جوز مين اللي يهرب؟
التفتت غرام إليه بعينين تلمعان بالغضب، ونهضت دون أن تعيره اهتمامًا. أمسك بذراعها محاولًا تهدئتها.
إحنا مش صغيرين يا غرام اللي بتعمليه ده غلط.

نفضت يده بعنف، وصاحت لأول مرة بصوت غاضب: والغلط إنك تجبر الواد يتجوز بنت يزن! والغلط إنك تخليه يتجوز على مراته من غير ما أعرف! أنا دوري فين بين ولادي يا أبو ولادي؟!
ابنك فين دلوقتي؟! ابنك بقى متهم في عيون الكل قولتلك قبل كده رولا مش هتنفعه
ارتجف صوتها وهي تكمل بمرارة: مبسوط كده وهي أهانته قدام الناس؟! مبسوط وهي حرمته من ابنه حتى من غير ما يعرف؟!
البنت دي مستحيل تدخل بيتي تاني سامعني؟!

اقتربت منه ودموعها تسقط بحرقة.
لو عايزني ما أزعلش منك رجّع لي ابني يا أرسلان. هو ملوش ذنب. الاتنين متهمين والذنب الوحيد إنه حاول يبقى راجل.

قالتها ودلفت إلى الداخل بخطوات سريعة. وقفت ضي لحظة، ثم اقتربت من والدها بهدوء، وعيناها تحملان مزيجًا من الحرج والتعاطف.
متزعلش منها يا بابا لما عرفت اللي رولا عملته، وحقيقة جواز بلال، اتكسرت. ومن حقها تزعل حضرتك كان لازم تقولها دي ماما قبل أي حاجة.
تنهد أرسلان بعمق، لكنه لوّح بيده متجنبًا الحديث.
سيبك من أمك وقوليلي مال يوسف؟
ترددت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: مالوش بس مش عايز أطفال.

رفع حاجبه ساخرًا، يحاول أن يخفف ثقل الموقف بطريقته المعتادة.
زعلانة ومقموصة علشان مش عايز أطفال؟! ما تجيبي أطفال يا أختي هو هيقتلهم يعني؟! إيه الجنان اللي عندي ده يا رب!
رمقته بضيق طفولي، وهمست: أجيبهم إزاي لوحدي يعني؟
اتسعت عيناه بدهشة، ثم هتف متصنعًا الصدمة: طيب اتكسفي من أبوكي يا بنت أرسلان! إيه الوقاحة دي! لا وكمان أمك زعلانة من رولا تيجي تسمع بنتها بتقول إيه!

ضحكت رغم خجلها، واقتربت تدفن رأسها في صدره كطفلة تبحث عن الأمان.
بس بقى كسفتني.
ضحك وهو يربت على رأسها بحنان دافئ.
مش لايق عليكي الكسوف يا بت دي انتي لو طايلة تبقي معاه في المستشفى مش هتتأخري دقيقة.
ابتعدت قليلًا، تنظر له برفع حاجب مصطنع الغضب.
الله! مش بحب جوزي يعني؟! عايزني أسيبه يتخطف؟
هز رأسه بمبالغة: لا يا أختي إزاي اربطيه جنبك ولا أقولك اعملي له عمل!

ابتسمت بخبث وهي تهمس: مالك يا أرسو غيران من جوزي ولا إيه؟
قلد نبرتها وهو يضحك: غيران؟! هو ده يتغار منه؟! جتك نيلة فيه ده شبه السرنجة!
انفجرت ضي ضاحكة بصوت صافٍ، فظل يتأملها بحنان صامت.
كان قلبه موجوعًا عليها منذ الليلة الماضية حين رأى الخوف يسكن عينيها، رغم محاولاتها التماسك.
اقترب منها فجأة، وجذبها إلى حضنه بقوة أبوية دافئة، وهمس بصوت أكثر جدية: لما بتحبيه أوي كده ينفع تباتي بره بيتك؟

رفعت عينيها إليه بسرعة.
أنا كنت زعلانة علشان بلال حضرتك مشفتش ماما كانت عاملة إزاي.
رفع ذقنها برفق، وأجبرها تنظر في عينيه.
بتكذبي على بابا يا ضي وأنا حافظ عيونك كويس.
متبعديش عن جوزك تاني ومشاكلكم خليها بينكم. ما تطلعش حتى لجدتك جدتك هي اللي حكتلي.

ارتبكت، بينما تابع بصوت يحمل حزمًا ممزوجًا بالحنان: ما ينفعش تفضحي جوزك بالطريقة دي وانتي عارفة يوسف كان عامل إزاي وبقى عامل إزاي. الراجل ده اتغير علشانك وبدل ما تفضلي تضغطي عليه في موضوع الولاد وهو رافض، قربي منه خلي يحبك أكتر خلي يتعلق بيكي زي تعلق الإنسان بالهوا وقتها هو اللي هيتحايل عليكي.

توقفت دمعة عند طرف عينها، بينما أكمل بنبرة أهدأ: صدقيني ما فيش راجل مش نفسه يبقى أب. بس يوسف لسه شايل جرح من الماضي ولسه خايف. وانتي أكتر واحدة فاهمة ده.
أومأت بصمت، ثم همست بصوت مرتعش: أنا بس خايفة يسافر يا بابا
ابتسم وهو يربت على خدها.
يسافر إيه يا مجنونة ارجعي بيتك، وارجعي شغلك، واقتنعي إن كل حاجة نصيب. ولو ليكم نصيب في طفل لا طلبك ولا رفضه هيغيروا المكتوب.

ابتسمت أخيرًا وسط دموعها، واقتربت تقبّل وجنته بحب.
انت أحسن أب في الدنيا.
احتضن وجهها بكفيه، وقال ضاحكًا ليخفف عنها: وانتي أحسن مرات أبو سرنجة في الدنيا.
ضحكت وهي تمسح دموعها، بينما ظل يراقبها بقلب أب يخشى عليها من الحياة.

وصل يوسف إلى مقهى مطل على النيل، أوقف سيارته بعصبية لم يحاول حتى إخفاءها، ثم ترجل بخطوات سريعة.
عيناه تبحثان حتى وجده جالسًا وحده، يحدق في فنجان قهوته كأنه يرى فيه بقايا حياته.
سحب يوسف مقعدًا وجلس أمامه دون مقدمات.
عامل إيه؟
رد بلال بصوت خافت، بلا روح: كويس
مد يوسف يده وسحب فنجان القهوة من بين أصابعه.
كنت فين امبارح؟ اتصلت بيك كتير.
كنت في شقتي.
تجمدت ملامح يوسف.
شقة إيه؟ أوعى تقول الشقة.

أومأ بلال بصمت، وأدار وجهه ناحية النيل، كأنه يهرب من المواجهة.
سكت يوسف لحظة، ثم قال بحدة مكتومة: ليه قولت لعمو إنك طلقتها؟
تنهد بلال.
مفيش كان ضاغط في الموضوع.
ضرب يوسف الطاولة بخفة.
أنا مبقتش فاهمك يا صاحبي.
رفع بلال عينيه، يطالعه بنظرة رجل أنهكه الصراع.
هتصدقني لو قلت لك إني مش عارف أنا عايز إيه؟ كل اللي حاسس بيه خراب من جوايا حاجة مكسورة ومش عايزة تتصلح.
لان صوت يوسف رغم غضبه.

اعذرها يا بلال هي حست إنك غدرت بيها.
أغلق بلال عينيه لحظة.
يوسف ممكن مانفتحش الموضوع ده؟
مد يوسف يده وربت على كفه
طيب المهم. هترجع إمتى؟
جاء الرد قاطعًا: مش راجع.
تصلب يوسف.
يعني إيه مش راجع؟
قررت أعيش بره خلاص. مش هرجع الكمبوند تاني.
إنت اتجننت!
ابتسم بلال بسخرية باهتة.
لأ كده العقل. وعلى فكرة ناوي أوثق جوازي من كارما.
اندفع يوسف للأمام.
لا كده كتير وبتستهبل! بلاش تعالج الغلط بغلط.

أنا من الأول كنت ناوي أعمل كده. خلاص قررت.
وتفتكر أبوك هيوافق؟
دي حياتي ومحدش له يدخل فيها.
أخرج ورقة ودفعها ناحية يوسف.
دي ورقة طلاق بنت خالك ابعتها لها.
نظر يوسف للورقة وكأنها صفعة.
ليه كده يا صاحبي؟
تمتم بلال بصوت مكسور رغم محاولته الثبات: حقها تلاقي الراجل اللي يستاهلها.
هي بتحبك يا بلال! سيبك من كلام الغضب كانت محروقة وقالت كلمتين.
اشتعلت عينا بلال فجأة.

لما مراتك اللي معتبرها حياتك تقل من رجولتك ساعتها تعالى قولي كلمتين!
سكت يوسف لحظة، ثم قال بهدوء موجوع: هتسيب حبك علشان لحظة غضب؟
ابتسم بلال بمرارة.
مش أحسن ما أقل بنفسي؟ لو ترضهالي قوم معايا دلوقتي وخليني أعتذر لها.
لم يجد يوسف ردًا.
بلاش موضوع كارما ده هتظلمها معاك.
بالعكس كارما غلبانة وطيبة. محتاجة حد يحسسها بالأمان.
نظر له يوسف بعمق.
وإنت محتاج إيه؟

صمت بلال لحظة، ثم بصق كلماته كاعتراف: محتاج أرجّع رجولتي اللي بنت خالك داست عليها.
بالجواز؟! بلال بالله عليك.
أخفض بلال صوته: أنا تعبان ومش قادر أتكلم. الموضوع انتهى. وكده كده هي مراتي يمكن ألاقي عندها اللي ضيعته بقالي سنين.
إنت بتجني على تلاتة!
كارما محتاجة أمان وأنا محتاج أعيش بعد ما موت.
تردد يوسف قبل أن يسأل: ورولا؟ مفكرتش فيها؟
ضحك بلال بسخرية جارحة.

لا، متخافش. مش هيفرق معاها. أنا أصلًا مكنتش قد المقام للمدام.
ثم نظر له مباشرة: هتيجي تشهد على العقد؟ ولا أجيب حد تاني؟
بالسرعة دي؟! يعني بدل ما كنت هتطلقها هتتجوزها رسمي؟
نصيب يا ابن عمي ومحدش بيختار نصيبه. وبعدين مش دلوقتي الجواز، عندي مؤتمر طبي اسبوع، ايه مش هتحضر
بتاع شرم
اومأ له بلال
لا. ماليش مزاج، يعني اخر قرار جوازك من كارما.

إن شاءلله، عرف باباك وعمك، علشان ماينصبوش محكمة، انا غلطت اني كملت جوازي من بنت خالك. تمتم بها بوجع
ليه بتقول كدا يابني؟!
هي مش غلطانة، لانها قالت لي قبل كدا، اني مش طموحها، تعرف يااخي اني مقرف اوي
بلال ايه اللي بتقوله دا. انت بس علشان مضايق
اقترب بجسده ونظر ليوسف: صدقني انا مش شايف نفسي غير شخص مقرف وضعيف، ضعف لشهواته ونسي رجولته
اسكت يابلال، بطل كلام احسن.

نهض من مكانه، ثم أضاف وهو يرتدي نظارته: فيه رسالة توصلها لخالك قوله بنته كانت نظيفة ومحدش لمسها. وكانت تعرف من قبل جوازنا.
شهق يوسف، وكأن الأرض سُحبت من تحته.
يعني إيه؟!
سلام يا دكتور عندي شغل. يبقى حاسب على القهوة. توقف واستدار اليه مقتربًا.

قولها. اسف لاني وصلتها للمرحلة دي، انا غلطان لانها كانت صح، ولو يرجع بيا الزمن مش هبص في وشها، لانها تستاهل راجل، لاني انا اللي عملت في نفسي كدا واتنازلت عن رجولتي، قالها
غادر بخطوات ثابتة تخفي انهياره، بينما ظل يوسف جالسًا، ينظر لورقة الطلاق التي بيده. ضغط عليها بغضب
واحدة غبية ومتخلفة. تذكر حديثه ثم همس بصدمة: يعني كانت بتضحك علينا؟ ليه ليه عملت كده؟
قطع أفكاره رنين هاتفه.
نظر إلى الشاشة وجدها ضي.

تردد لحظة، ثم أغلق الهاتف.
نهض ببطء وغادر المكان.

بعد شهر.
ابتعد بلال عن كمبوند الشافعي بالكامل، ورغم ذهاب والده ويوسف إليه إلَّا أنَّه رفض العودة. بينما ظلَّت رولا غارقة بنومها بمهدِّئات، بعدما ارسل اليها ورقة طلاقها، ومكوثه عند غريمتها. إلى أن جاءت تلك الليلة التي انهارت أحلام البعض، وبقي للبعض أملًا رغم الصراع.
بمنزل كارما.
دلفت إليها، وجدتها جالسة على فراشها تنظر بشرود بنقطةٍ وهمية، اقتربت منها: كارما إنتي لسة مجهزتيش؟

رفعت رأسها إليها: أنا مش هخرج.
شهقت كندا واقتربت منها: إنتي مجنونة يا بنتي، يالهوي دا أنا عزمت صحباتي كلُّهم علشان المناسبة دي!
مناسبة، إنتي تقصدي إيه؟
يوه بقى يا كارما، يا حبيبتي عيشي حياتك، اتبسطي. ربِّنا بعتلك راجل زي دا، مفكَّرتيش، مش ممكن يكون عوض.
عوض، أنا خربت بيته، وبتقولي عوض.
لا ياحبيبتي، إنتي مالكيش دعوة بحاجة، مراته اللي غبية، ومقدَّرتش النعمة.
اسكتي يا كندا، إنتي متعرفيش حاجة.

أنا كلِّ اللي أعرفه، ربِّنا بعت لك عوض، المفروض تتمسِّكي بيه، وبعدين هوَّ لو مش شايفك كويسة مكنش طلب منِّك توثَّقوا الجواز عند مأذون، ودلوقتي عازمك على العشا.

بمنزل يزن وخاصَّةً بغرفة رولا.

كانت تجلس بشرفتها تنظر بشرود، شحبت ملامحها وأصحبت جسدًا بلا روح، استمعت إلى هاتفها عدَّة مرَّات، دلفت آسيا تحمل كوبًا من اللبن: مساء الورد يا وردة.
رفعت عيناها إليها: مساء النور.
سحبت آسيا الهاتف تقرأ الاسم المدوَّن: مين كندا اللي بتتِّصل دي، خاصِّية التليفون جايبة الاسم.
مش عايزة أكلِّم حد يا آسيا.
ردِّي يا بنتي يمكن مرات أخوكي السنتيمتر عايزة تضايقني.
سحبت الهاتف لتخلص من ذنِّها: أيوة.

رولا ياريت تسمعيني وماتقفليش، رجاءً مش كلِّ مرَّة تقفلي باب سعادتك.
إنتي عايزة إيه؟
لو لسة باقية على جوزك تعالي على العنوان دا، والله العظيم مفيش بيني وبينه أي حاجة، أقسم لك بالله جوازي منُّه كان لإنقاذي، افهمي متبقيش غبية، جوزك بيحبِّك وبيعاقب نفسه قبل مايعاقبك، ولآخر مرَّة بحاول أفهِّمك، لأنِّك لو مجتيش هنكتب كتابنا عند مأذون، بلال مبقاش بلال اللي تعرفيه...

ارتفعت انفاسها، وغامت عيناها بالدموع، الى أن انسابت بكثرة. جلست اسيا بجوارها
مين دي، وكانت عايزة ايه؟!
ارتجف قلبها قبل جسدها تهمس بانكسار
هيدبحني، بلال هيدبحني ويتجوزها، قالتها ببكاء مرتفع
هيتجوزها، قالت هيتجوزها
دلفت رحيل على صوت ابنتها
فيه ايه
نظرت لوالدتها ودموعها تنساب
دا العقاب اللي بابا بيقول عليه ياماما، طيب ليه يعمل فيا كدا، امسكت كف والدتها
كلمي بابا ياماما، قولي له مايعملش فيا.

انا مش فاهمة حاجة. تسائلت بها رحيل
بلال هيكت كتابه على البنت اللي جت من كام يوم، قالتها اسيا
صمتت رحيل تنظر إلى ابنتها
باباكي عمره مايعمل كدا، هو قالك انك غلطانة، لانك قولتي كلام مينفعش بنت محترمة تقوله، زعلان من بلال ليه، حطي نفسك مكانه، والبنت جت وحلفت لك مفيش حاجة بينهم، انتي عملتي ايه
اهانة ورا اهانة، دا مش عدوك علشان تتكلمي عنه كدا، حتى لو مكسورة، صدقيني هتخسري كتير اوي، اسأليني انا.

علي مااظن يااسيا البنت اللي اتكلمت دي لو عايزاه مكنتش اتصلت. خليكي ورا عنادك عياطك مش هيعمل حاجة
قالتها وخرجت رحيل تدعو الله ان يلين عقلها قبل قلبها.

صباحًا بمنزل يوسف
كانت تعمل على جهازها. فجأة رأت رسالة على ايميل يوسف. ضغطت وفتحتها، قرأت محتواها، ارتفعت دقاتها بعنف، وتكورت الدموع بعيناها، شعر ببرودة احتلت اعصابها، حتى فقدت الحركة، ظلت بمكانها فترة ليست بقصيرة، بعد عدة
دلف إلى الغرفة فتسمَّر مكانه.
ليس ذهول جمال، بل دهشةُ رجلٍ وجد قلبه واقفًا أمامه على هيئة امرأة.

كانت تقف تحت ضوء الشموع، الإضاءة تنساب على ملامحها فتجعلها أيقونة جمال خالص، كأنَّ الضوء خُلق ليعلنها، تنحت ملامحها بنعومة، وتجعلها أيقونة، اقترب خطوة ثم أخرى، وعيناه تلمعانِ بشيءٍ أعمق من الإعجاب، شوقٌ مُرهَق، وعشقٌ يصرخ، أنا أموت هنا، بل أنا أحيا هنا. ابتسم وعيناه تلتهم ملامحها: لا قلبي ضعيف قدَّامك.
تحرَّكت نحوه بدلالٍ مدروس.

فستانها ينساب عليها، بل يحتضن أنوثتها بثقة امرأةٍ تعرف مكانتها في قلبه.
توقَّفت أمامه، نظرت في عينيه طويلًا.
حاوطت عنقه، ارتفعت على أطراف أصابعها، قبَّلت خاصَّته قبلةً خفيفة، لكنَّها كانت ممتلئة باعتذارٍ غير منطوق: عجبتك؟
قالتها بصوتٍ فيه رجاء أكثر من دلع.
لفَّ ذراعيه حول خصرها، وطاف بنظره أرجاء الغرفة، يحاول فهم هذا الدفء المفاجئ.
المفاجأة حلوة قوي بس قوليلي، المناسبة؟

تراجعت بخطواتها الحافية، قلبها يسبق قدميها، وأشارت إلى الطاولة ثم عادت تنظر إليه: هوَّ لازم مناسبة علشان أقولَّك إنَّك وحشتني، وأعرَّفك إنِّي بحبَّك قوي.
انعقد حاجباه، وخرج صوته مشوبًا بالحذر: إحنا مش كنَّا متخانقين؟
لم ترد.
اكتفت بتشغيل الموسيقى، لحنًا هادئًا ممزوجًا بالرومانسية، ثم مدَّت كفَّيها نحوه، وعيناها تلمعان بالحب: الليلة دي ليلتك تؤمر وأنا أنفِّذ. وصدَّقني، هخلِّيها ذكرى مستحيل تتنسي.

شدَّها إليه، وضمَّها بقوَّة بين ذراعيه: مفيش بينَّا حاجة اتنست، كلِّ اللي يخصِّك محفور في قلبي.
أغمضت عينيها داخل صدره، تنفَّست بعمق، وهمست بصوتٍ مرتجف، صادق، خالٍ من الزينة: علشان كده الليلة دي غير غير أي ليلة عشناها مع بعض، هتندفن في ذاكرتك، هدية من مراتك اللي حبِّتك أكتر من اللازم.
بعد عدَّة ساعات.
فتح عيناه وجدها تجلس على أحد المقاعد تنظر إلى نومه الهادئ.
صباح الخير حبيبي.
نهضت من مكانها وقالت؛.

صباح الخير. محبتش أمشي وإنتَ نايم.
اعتدل ينظر بساعته: تمشي تروحي فين، لا مفيش شغل النهاردة، ناوي أخطفك يومين.
زمَّت شفتيها بسخرية، ثم اتَّجهت لحقيبتها ورفعت هاتفها: اطلعي نزِّلي الشنط.
قطب جبينه ينظر إلى الحقائب بجوارها: إيه الشنط دي ورايحة فين؟
استدارت تنظر إليه: همشي يا يوسف، علشان مبقاش عقبة في حياتك، جوازنا من الأوَّل كان غلط، اقتربت منه وجلست على طرف الفراش مع طرقات الخادمة ثم دخولها.

أشارت ضي إلى الحقائب: ودِّيهم بيت بابا.
تحت أمرك يا هانم.
التفتت تنظر إلى ذهوله ثم قالت: قدَّامك حلِّين مالهمش تالت يا بن عمِّي.
أوَّل حل لازم توافق إنِّنا نجيب أطفال، ياإمَّا تطلَّقني يا يوسف، أنا مبقتش أحسّ بالأمان معاك. أه وبلاش ترسم عليَّ إنَّك رفضت السفر علشاني، لأنِّي شوفت الفاكس اللي جالك، نهضت من مكانها: الحلِّ عندك يا دكتور، ياورقة طلاقي، يا استقرار لحياتنا.
قالتها وانسحبت للخارج.

الفصل التالي
بعد 13 ساعة و 42 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة