قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والستون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والستون

قبل شهر...
عادت ضي إلى منزلها بعد حديثها مع والدها، دلفت إلى الداخل تتفحَّص أرجاء البيت وكأنَّها كانت غائبة عنه أعوامًا لا ليلة واحدة. شعور غريب بالوحشة تسلَّل إلى صدرها، كأنَّ الجدران نفسها تغيَّرت في غيابها.
استقبلتها الخادمة فور دخولها: مدام ضي.
التفتت إليها، فاقتربت الخادمة قائلة بتردُّد: كنت عايزة أنضَّف مكتب الدكتور، نسيت أستأذنه، وخايفة يكون فيه ورق أو حاجة مهمَّة.

تنفَّست ضي بهدوء وقالت: هدخل أشوفه، لو فيه حاجة مهمَّة سيبيه لمَّا يرجع.
حاضر.
استدارت ضي ودلفت إلى الداخل، أوَّل مااستقبلها كان عبق رائحته، تلك الرائحة التي تحفظها جيِّدًا، فارتعش قلبها دون أن تشعر. وقعت عيناها على الأريكة، فتقدَّمت ببطء تتفحَّصها.
معقول يكون نام هنا؟
همست بها وهي ترفع الوسادة الساقطة على الأرض، طافت على أجهزته وأدواته الطبيَّة المرتَّبة بعناية، ثم اتَّجهت نحو مكتبه.

جلست على مقعده، تردَّدت لحظة، ثم فتحت جهازه، أضاءت الشاشة بصورةٍ لها، تبتسم بثقة وهي تمتطي جوادًا في إحدى عطلات نهاية الأسبوع داخل مزرعة الخيول الخاصَّة بوالدها.
ابتسمت رغماً عنها، قلَّبت بين الصور، فوجدت الكثير من الصور له كذلك. صور عفوية، ضحكات، ارتجف قلبها بسعادةٍ خفيَّة، إحساس دافئ تسلَّل إلى صدرها...

لكن ابتسامتها تلاشت حين وقعت عيناها على جملةٍ مدوَّنة أعلى الصور: ليتها تكون لي الحياة، هناك مايؤلم الصدر دون البوح.
قطّبت جبينها، وهمست بحيرة: يعني إيه؟
عادت تقلِّب في الجهاز. وجدت مقالات طبيَّة كثيرة، ملفات مرتَّبة بدقَّة، لا شيء يجيب على سؤالها. شعرت بثقلٍ على صدرها، تذكَّرت مذكَّراته، بحثت عنها لكي يطمئنَّ قلبها، لكنَّها لم تجد شيئًا.
أغلقت الجهاز ببطء، ونهضت من مكانها.

صعدت إلى الأعلى، دلفت للحمَّام دقائق وخرجت متَّجهة إلى الغرفة، لم تتوقَّع وجوده، فقد عاد وهي بالداخل.
كانت شاردة لم تنتبه لوجوده، ومع خروجها من الحمَّام اصطدمت به فجأةً فشهقت.
حاوطها بذراعه سريعًا قبل أن تفقد توازنها.
اهدي، أنا.
ارتفعت أنفاسها، اتَّسعت عيناها ثم مالبثت أن هدأت حين أدركت أنَّه هو. دفنت رأسها في صدره كأنَّها احتمت به من خوفٍ لم يدم إلَّا لحظة.
خوِّفتني، ماكنتش أعرف إنَّك جيت.

تصلَّب جسده للحظة. حاول أن يبتعد قليلًا، لكنها تمسَّكت به أكثر، أحاطت خصره بذراعيها، ورفعت وجهها تنظر إليه بعتابٍ دافئ: منمتش في السرير ليه؟
أجاب بهدوءٍ متعمَّد: كنت بشتغل، وغلبني النوم على الكنبة.
رفعت كفَّيها إلى وجهه تتحسَّسه: زعلان علشان كلامي ونومي عند بابا؟

صمت، عيناه كانتا تخونانه، وقلبه يصرخ أن يضمَّها بقوَّة، أن يدفن وجهه في شعرها وينسى كلَّ شيء، لكنَّه تذكَّر كلماتها، وتذكَّر سرِّه، فتراجع خطوة داخل نفسه.
وقفت على أطراف أصابعها، طبعت قبلةً خفيفةً قرب وجنته، وهمست بصوتٍ يختلط فيه الشوق بالعتاب: وحشتني أوي...
تعلَّقت بعنقه وأكملت: - وأنا زعلانة منَّك كمان، لمَّا أنا مجتش، ليه مجتش أخدتني؟
أنزل ذراعيها برفق، واتَّجه نحو الخزانة.

فهمت أنَّه مازال يحمل شيئًا في صدره.
اقتربت منه واحتضنته من الخلف، أراحت خدَّها على ظهره وهمست: - يوسف، متزعلش منِّي، أنا كنت مضَّايقة وقلت أي كلام.
إنتَ عارف إنِّي بحبَّك قدِّ إيه، وموضوع الأطفال ده من حبِّي فيك، مش عليك.
تجمَّد في مكانه.
تلك الكلمة التي تقهره الأطفال، سقطت على قلبه كحجرٍ في ماءٍ راكد.
أغمض عينيه لحظة، وكأنَّ صدره يضيق بالحقيقة التي يخفيها.

التفت إليها ببطء. وعيناه تحملان وجعًا لم تفسِّره بعد.

إنتِ قولتي مابقتيش تثقي فيَّا...
اهتزَّ صوته رغم هدوئه.
لمعت عيناها بالدموع، وكأنَّ الكلمة جرحتها قبله.
- لأنَّك بتخوِّف، بس ده مايمنعش إنِّي بعشقك، ومقدرش أعيش من غيرك.
دايمًا عندي إحساس إنَّك هتسيبني، فجأة كده وتختفي.
رفع ذقنها بأنامله، نظر في عينيها طويلًا، نظرة رجلٍ يخشى أن يُفضح قلبه.
ابتسم ابتسامةً صغيرة متعبة: أنا بحبِّك، ونفسي أسعدك.
وأتمنَّى يبقى عندنا أطفال، بس كلُّه بأمر الله.

خرجت كلماته ثقيلة، كأنَّ كلَّ حرفٍ كان يمرُّ على جرحٍ لا يندمل.
ظلَّت تنظر إليه بصمت، تبحث خلف عينيه عن شيء لم تفهمه.
انحنى، وطبع قبلةً هادئة فوق جبينها، كأنَّها اعتذار غير معلن.
عايز أنام، منمتش إمبارح.
لو حابَّة تنزلي تحت، أو تروحي عند بابا...
قاطعتْه بسرعة: لا، أنا كمان منمتش، معرفتش أنام وأنا بعيدة عن حضنك.
ابتسم رغم الألم: كده حضني بقى غالي ولازم له مقابل؟

همست بصدقٍ أذاب ماتبقَّى فيه من مقاومة: حياتي كلَّها ملكك، وإنتَ عارف.
لمعت عيناه، لكن ليس من السعادة فقط.
كان الألم يختلط بالحب، والخوف يلتفُّ حول قلبه كقبضةٍ لا ترحم.
رفع أنامله على وجنتها، يلمسها بحنانٍ عميق: نفسي أسعدك أوي...
قالها بصوتٍ أقرب للدعاء.
سعادتي في حضنك، مش عايزة غيره.
اقترب منها، قبَّلها قبلةً لم تكن مجرَّد شوق.

كانت محاولةً يائسة ليُسكت خوفه. ليُقنع نفسه أنَّ اللحظة تكفي، أنَّ الحبَّ وحده قد يكون كافيًا.
احتواها بين ذراعيه بشدَّةٍ لم تعهدها. كأنَّها إن أفلتت منه لحظة ستضيع للأبد.
غلبها التعب، واستسلمت للنوم بين ذراعيه، أنفاسها هادئة، مطمئنة، تثق به حدَّ البراءة.
أمَّا هو، فبقي مستيقظًا، عيناه في السقف. وقلبه يغرق في كلماتها.
موضوع الأطفال،
الكلمة دارت في رأسه كجرس إنذار.

تذكَّر حلمها، ضحكتها وهي تتحدَّث عن بيتٍ مليءٍ بالصغار، تذكَّر خوفها من أن يتركها، ابتلع ألمه بصمت.
كيف يخبرها أنَّ خوفها الحقيقي ليس أن يتركها، بل أن يبقى عاجزًا أمام أمنيتها؟
ضمَّها إليه أكثر، كأنَّ قربها يعوِّض عجزه.
همس في ظلام الغرفة: سامحيني، لم تسمعه.
لكنَّ قلبه ظلَّ يعتذر حتى غلبه التفكير. وغفا، وقلبه مثقلًا بحبٍّ أكبر من احتماله.

استيقظت بعد فترة، نظرت لنومه الهادئ، كان كالأطفال، مرَّرت يدها على وجهه، متنهِّدة بعشقه الذي أصبح كالدمِ في الوريد. اقتربت من أنفاسه، وأغمضت عيناها تهمس: أنا بحبَّك أوي يا يوسف، مجنونة بيك.
قبلة سريعة شعر بنعومتها، سحبها بقوَّة لأحضانه وهو يقول ومازال مغمض العينين: بتعاكسيني وأنا نايم، طيب عايز وأنا صاحي.

ضحكت بصوتٍ مرتفع وهو يداعبها: بس بقى أنا بغير، فتح عيناه على ابتسامتها: عايزك على طول بتضحكي يا ضي.
نظرت نظرة تعني الكثير: أنا بحبَّك أوي يا يوسف، بقيت مجنونة بيك على رأي بابا وسعادتي في حضنك.
سحب رأسها إلى أن تشابكت أنفاسهما: بحبِّك لدرجة خايف أغمَّض عيوني مش ألاقيكي جنبي.
دفنت نفسها بأحضانه وحاوطت جسده: أنا مستحيل أبعد عنِّك أوعدك، لأنِّي مقدرش أتنفِّس وإنتَ بعيد عنِّي.

داعب أنفها بأنفه وأخيرًا تجلَّت ابتسامة من القلب: ولا أنا يالي سحبتي أنفاسي وحياتي، كان مالي ومال الحب.
يعني مكنتش عايز تحبِّني يا دكتور؟
تؤ. قالها وهو يقترب يحتضن ثغرها يهمس من بين أنفاسه: إنتي عشقي ضي القمر.

بمنزل يزن.
ظلَّت غارقة في نومٍ ثقيل، تهرب من واقعها المؤلم أكثر من قدرتها على الاحتمال.
دلفت رحيل إليها عدَّة مرَّات، وقفت جوار الفراش، تأمَّلتها بحزنٍ عميق. خرجت رحيل إلى غرفة المعيشة، وجدت كريم وآسر يجلسان مع يزن، يتبادلون الحديث حول مافعله بلال. كان التوتُّر يملأ المكان كدخانٍ خانق.
قال كريم بحدَّة: بس دا غلط يا يزن، إزاي يعمل كدا؟

ردَّ يزن بصوتٍ متعب: لأنُّه مكنش جواز من الأوَّل يا كريم، إنتوا عرفتوا السبب، الجواز كان سنة اتِّفاق علشان اللي عملته رؤى.
تمتمت رحيل بغيظٍ لم تستطع كتمانه: ربِّنا مايرحمها، لا ريَّحتنا وهيَّ عايشة ولا وهيَّ ميتة.
رمقها يزن بنظرةٍ غاضبة جعلتها تهزُّ رأسها صامتة، لكنَّها عادت تقول: إيه، مش هيَّ سبب البلاوي دي.
مين السبب ورا دا كلُّه؟

تردَّد كريم قليلًا ثم قال: ممكن أقول حاجة؟، اللي فهمته إنِّ الجواز مش جواز، يعني الموضوع كان فرض إجباري.
ومن كلام آسر، بلال متورِّط، وقضايا للبنت اللي اتجوِّزها، وآخرهم اتِّهامها بسرقة مجوهراته.
أومأ آسر مؤكِّدًا: أنا فعلًا افتكرت بلال بيكدب على كلام رولا. روحت سألت على البنت دي، وفعلاً كانت بترتِّب ورق علشان تسافر، لكن طليقها مقدِّم فيها كام قضية مانعينها من السفر.

قطب كريم حاجبيه: طيب ليه بلال بالذات، وليه مش طلَّقها لحدِّ دلوقتي؟
أجاب آسر: اللي عرفته شغَّالة في المستشفى، وقريبة من بلال، معرفش طبيعة العلاقة بينهم، اللي فهمته ماطلقهاش علشان القضية لسه شغَّالة وماسقطتش، ولولا تدخُّل عمُّو أرسلان كانت البنت اتفضحت. طليقها رتَّب كلِّ حاجة صح، الشغَّالين وأهل العمارة كلُّهم شهدوا ضدَّها، والمنجى الوحيد إنَّها فعلًا متجوزة.

تنحنح كريم وقال محاولًا التهدئة: يزن، أنا شايف الموضوع كلُّه مايزعَّلش، الأوَّل الجواز كان اتِّفاق، وكدا كدا كان جواز لظروف، وإنتوا عارفين إنُّهم هيطلَّقوا.
رفع يزن رأسه، وعيناه تشتعلان ألمًا: بس بلال ماقالش يا كريم، جه وقالِّي عايز أكمِّل مع بنتك ومش هطلَّقها، وقال خلاص راضي بنصيبي، وهوَّ بيحبَّها من زمان.
ربت كريم على ساقه مواسيًا: طب كلامك دا معناه إنُّه خانها.

تنهَّد يزن بوجع: أنا مش زعلان من بلال، هوَّ كان حاكِيلي كلِّ حاجة. أنا زعلان من بنتي، اللي اتغيَّرت ومبقتش عارفها، إزاي وصل بيها الحال إنَّها تهينه بالطريقة دي؟
ردَّ كريم بهدوء: اعذرها يا يزن...
مرَّر يزن يده على وجهه بعنفٍ مكتوم: مش قادر أواجه حد من العيلة، وخصوصًا إلياس وأرسلان، عارفين سبب الجواز.
التفت فجأةً إلى رحيل، وقال بصوتٍ منخفض: كنتي تعرفي إنِّ رولا سقَّطت البيبي؟

خرجت زفرة حارقة من صدر رحيل، واهتزَّ رأسها نفيًا، بينما لمع الدمع في عينيها: هعرف منين بس؟ أنا حسِّيتها متغيَّرة من يوم مارجعت، بس قولت يمكن متخانقة مع بلال...
اشتدَّ غضبه حتى بدا كأنَّه سيقتلع جلده من وجهه، في تلك اللحظة وصلت الخادمة: إلياس باشا جه يا باشمهندس.
دخل إلياس ملقيًا تحيَّة المساء.
نظر يزن إلى رحيل: رحيل، اعملي قهوة لإلياس.
نهضت رحيل إلى المطبخ، وخلفها إيمان.

بادر إلياس بالسؤال: إيه اللي حصل إمبارح يا يزن؟
ردَّ يزن باقتضاب: نصيب يا إلياس.
تدخَّل آسر: عمُّو إلياس، تعرف إيه عن طليق الستِّ اللي متجوِّزها بلال؟
نظر إلياس إليهم جميعًا قبل أن يقول: يزن، بلال مش متجوِّز البنت دي علشان تبقى عارف، الموضوع مش زي ماإنتوا متخيِّلين.
ردَّ يزن بهدوءٍ مثقل: عارف، هوَّ قالِّي.
طيب لمَّا إنتَ عارف، ليه اللي حصل دا؟ تساءل بها إلياس.
أنا متفاجئ زيَّك، معرفتش غير من يوسف.

ردَّ إلياس بصرامة: عايز أتكلِّم مع رولا لو سمحت.
وصلت رحيل تشير للخادمة بوضع القهوة، ثم قالت بهدوءٍ: رولا نايمة يا إلياس، ومن الأفضل محدش يتكلِّم معاها دلوقتي، لأنَّها مش هتسمع.
التفت إليها بإصرار: لازم تفهم سوء الفهم اللي حصل. هيَّ فاكرة إنُّه اتجوز عليها جواز حقيقي.
أغمضت رحيل عينيها لحظة، ثم قالت بألمٍ صادق: صدَّقني مش هتفرق معاها، هوَّ اتجوز، الكلمة نفسها بتوجع أوي.

كان المفروض يعرَّفها، وهيَّ تختار.
أجابها ببعض الحدَّة: مدام رحيل، وإيه يعني لو اتجوِّز مثلًا، هل دا يديها الحق تقتل جنينها. إيه يا مدام رحيل، كلِّ واحدة تتخانق مع جوزها تقتل ابنه؟
ارتجفت رحيل من قسوة كلماته وقالت محاولةً التماسك: دي مش خناقة، وبعدين مش قصدي كدا يا إلياس، أنا قصدي إنَّها دلوقتي مجروحة.
وأنا عايز أفهم، المجروحة دي إزاي جالها قلب تقتل ابنها، ومين الدكتورة اللي عملت كدا؟

وقبل أن يجيبه أحد، دوى صوت رولا من خلفهم، مرتعشًا لكنَّه مشتعِل: ابني وأنا حرَّة فيه، محدش له دعوة.
التفت الجميع إليها.
رمقها يزن بتحذير، ولكنَّها اقتربت من إلياس بوجهٍ شاحب، عيناها حمراوتان من بكائها الكثير، لكنَّ نظرتها كانت متحدِّية، موجوعة، ومنكسرة في آنٍ واحد.
اقتربت بخطواتٍ بطيئة، وقالت وهي تنظر مباشرةً إلى إلياس: لو بنتك حصل معاها كدا، كان دا هيكون كلامك؟

نهض إلياس محاولًا احتواء الموقف: تعالي يا رولا أقعدي، عايز أتكلِّم معاكي.
تراجعت خطوة، وابتسمت بسخرية باهتة: لمَّا تجيبلي حقِّي من ابن أخوك.
قطب جبينه: حقِّك! اللي هوَّ إيه يا رولا؟ عايز أعرفه قدَّام أبوكي وأخوكي.
انفجرت الكلمات من صدرها: إنُّه ضحك عليَّا يا عمُّو، كذب عليَّا وخانِّي، وراح اتجوز عليَّا في أوَّل أسبوع جواز.
ساد صمتٌ ثقيل.

فردَّ الياس بصوتٍ منخفض لكنَّه صارم: حتى لو اللي بتقوليه صح، ينفع تقتلي ابنه؟
صرخت، والدموع تنهمر: لا، مش ابنه!
شهقت رحيل، واقتربت منها تحاول احتضانها: حبيبتي ممكن تهدي، ولاحظي إنِّ اللي بتكلِّميه دا عمِّك، مش صحابك.
أزاحت يدها بعنف، ومسحت دموعها بقسوة: عمامي وأبويا اللي اتَّفقوا عليَّا؟! وعملوا من جوزي بطل على حسابي!
قاطعها آسر بصوتٍ مكسور: يا بنتي افهمي بقى، بلال متجوِّزش.

وضعت يديها على أذنيها: مش عايزة أسمع اسمه هنا، اتجوِّز ولا مااتجوِّز أنا مش فارق معايا.
أنا كلِّ اللي يهمِّني دلوقتي، حقِّي منُّه.
انخفض صوتها في الجملة الأخيرة، من كرامةٍ جُرحت، وقلبٍ لم يعد يثق بأحد.
اقترب إلياس منها ببطءٍ محسوب، حتى صار على بُعد أنفاسٍ منها.
غرز عينيه في عينيها وقال بصوتٍ منخفض لكنُّه مخيف: طب اسمعيني يا بنت يزن، أنا من إمبارح ساكت وقلت حقِّك.

ازداد اقترابه، حتى شعرت بثقل حضوره يخنقها.
صراخك ودموعك دول مايشفعوش لك عندي. عارفة ليه؟ لأسباب كتيرة.
أوَّلها لمَّا روحتي للحيوانة ورميتي ودنك معاها مرَّة واتنين من ورانا.
وثانيًا، لمَّا نزِّلتي الجنين ومش من حقِّك تعملي كدا. وممكن أخلِّيه يحبسك فيها.
تقدَّم خطوةً أخرى، وصوته يزداد صرامة: وأعرَّفك اللي مش راجل هيعمل إيه.
رفعت ذقنها بعنادٍ مهتز: ماشي، خلِّيه، وأنا منتظرة أهو.

وقف آسر بينهما: عمُّو إلياس لو سمحت...
لوَّح إلياس بيده دون أن ينظر إليه: اسكت يلا، ثم قال: أنا مش هتكلِّم علشان مش من حقِّي، بنتك غلطت يا يزن. متهوِّرة لدرجة تقتل ابنها. ثم عاد يواجهها: تعرفي؟ أنا مشفق عليكي، شايف نسخة من واحدة عمري ماكرهت حد قدَّها، كأنِّك في توب عمِّتك يا بنت يزن، ولو بنتي عملت كدا كنت اتبرِّيت منها.
في نظري تبقى جاحدة، نسيت نعم ربِّنا عليها، ووصل بيها الحال تقتل ابنها.

اقترب حتى صار أمامها مباشرة: أنا لمَّا عرفت اللي عمله، أخدت حقِّك منُّه، حتى وجوازكم مكنش له أصل. تعرفي رد عليَّ وقال إيه؟
قال: اللي اتهمتيه إنُّه مش راجل، ومش طموحاتك.
قال: أصعب حاجة لمَّا تكون مرفوض من اللي بتحبُّه، مستعد أدوس على كرامتي بس هيَّ ماتتوجعش.
صمت لحظة، ثم أردف بقسوة: ردِّي عليَّ يا بنت يزن، دا كلام واحد عايز يخون؟
فين عقلك، في واحدة عاقلة تقول لجوزها لو راجل طلَّقني؟

انسابت دموعها بغزارة، وهمست بصوتٍ مكسور: مكنش قصدي...
في تلك اللحظة، دخل يوسف ملقيًا السلام.
استدارت إليه بسرعة، وقلبها يهفو إليه كالغريق الذي يبحث عن طوق نجاة.
تمنَّت، فقط كلمة. نظرة. أي شيء يطمئنها عنه.
لكنَّه رمقها بنظرةٍ جانبيَّة باردة، ثم اتَّجه إلى يزن: خالو، بلال بيعتذر لحضرتك إنُّه مكنش قدِّ ثقتك، وبعت معايا دي.
التفتت الأنظار إلى الورقة في يده.
مدَّ يزن يده المرتجفة وأخذها.

قرأ السطور، وتثاقل الهواء في صدره.
أغمض عينيه، وتردَّد في أذنيه صوت بلال ليلة الأمس: آسف يا عمُّو، أنا ورولا مبقاش ينفع نكمِّل، كدا كدا طلَّقتها. بكرة هبعت لها ورقة الطلاق، مش عايز أوجعها أكتر من كدا.
خلِّيها تسامحني، مكنتش الراجل اللي اتمنِّته.
أنا معرفش إيه اللي حصل بينكم، ارجع البيت يا حبيبي وخلِّينا نتكلِّم.

آسف، مش هينفع، بكرة الورقة هتكون في إيدها، مش قادر أتألِّم أكتر من كدا. لو قالت لي إنَّها مغصوبة عليَّ، مكنتش تمِّمت جوازي منها. آسف.
قالها وأغلق الهاتف.
فتح يزن عينيه على صوت إلياس: هوَّ فين؟
ردَّ يوسف بهدوء: في المستشفى.
التفت إلياس إلى رولا، التي شحب وجهها وبدأ جسدها يرتجف: مبروك الطلاق، أهو اللي مش من مستوى جنابك طلَّقك.
ياربِّ أشوف اللي يستحقِّ الأميرة. قالها وغادر.
جلس يزن منهارًا، محتضنًا رأسه.

ربت كريم على كتفه: يزن، ممكن تهدى، ساعة غضب.
بينما رولا لم تكن تسمع. شعرت وكأنَّ الأرض تُسحب من تحت قدميها.
ورقة طلاق، ليلة واحدة وورقة طلاق
اختنق نفسها وشعرت بانسحاب الهواء من صدرها دفعةً واحدة.
بدأت مشاهدهما تتلاحق أمام عينيها كشريطٍ قاسٍ: همسه في أذنها، اعترافه بعشقه الأبدي...
ضحكتهما معًا، وعده ألَّا يتركها، حرارة كفِّه في كفِّها...

ارتفعت أنفاسها بجنون، وهي تتخيَّل أن كلَّ هذا سيفعله مع غيرها، وضعت كفَّيها على أذنيها تصرخ: آآآه!
صرخة شقَّت الجدران.
ثم هوى جسدها فجأةً إلى الأرض.
ركض آسر وانحنى يرفعها، وصاحت رحيل باكية.
ساعده كريم في حملها، بينما ظلَّ يزن واقفًا، ضائع النظرات، يرى انهيار ابنته التي يعرف جيَّدًا أنَّها تعشقه.
كان يعلم أنَّ تهوُّرها واندفاعها لم يكونا خيانة، بل خوفًا أعمى، أضاع حبًّا ظنَّته خداعًا.

بالمشفى، كان جالسًا خلف مكتبه، عيناه معلَّقتان بشاشة الحاسوب، لكن نظرته لم تكن ترى شيئًا. كان شاردًا، غارقًا في دوَّامةٍ لا يقطعها سوى صوت أنفاسه الثقيلة.
دلف أرسلان بخطواتٍ ثابتة، هيبته تسبق حضوره، توقَّف قليلًا يتأمَّله. ابنه الذي اعتاد أن يراه صلبًا كجدارٍ لا يتصدَّع، يجلس الآن كمن أثقله حملٌ لا يُرى، اقترب محمحمًا ليبدِّد ذلك الشرود الثقيل: السلام عليكم.

انتفض بلال قليلًا، كأنَّ الصوت أعاده من بئرٍ سحيق، ثم التفت سريعًا: أهلاً بحضرتك يا بابا.
اقترب أرسلان، خلع سترته بهدوء وجلس أمامه، وعيناه لا تفارقان وجهه: عامل إيه يا حبيبي؟
أومأ بلال برأسه، يحاول أن يرسم ملامح الثبات فوق وجهٍ أنهكه السهر: الحمد لله، شغَّال، عندي شغل النهارده كتير.

وقعت نظرات أرسلان إلى شاشة الحاسوب، ثم عادت إليه بتمعُّنٍ حاد: من إمتى الدكاترة بيشتغلوا على اللاب بالشكل ده، مفيش عيَّانين برَّه يعني؟
مسح بلال وجهه بكفِّه، وكأنَّه يحاول أن يمحو آثار فضحه رغماً عنه، لم يشعر سوى بشيءٍ ما كان يطبق على صدره، يضغطه بقسوة.
طالعه أرسلان بعتاب: وبعدها لك يا ابن أرسلان، إنتَ لسه في بداية حياتك، ليه مفضِّي عيادتك وباعت مرضاك لغيرك؟

ارتجف نفس بلال للحظة قبل أن يجيب، وصوته خرج منخفضًا، مثقلاً: يا بابا، أنا عقلي منشغل، قولت النهارده ضايع. ومش هينفع أركِّز، ودول مرضى مينفعش أغلط في حقُّهم.
ساد الصمت للحظات بغير رضى أرسلان، فنظر إليه طويلًا. حزن على نظرة الألم التي تنطقها أعين ابنه: يبقى كان الأولى إنَّك متجيش خالص، قالها بصرامةٍ حاول أن يخفي خلفها خوفه عليه.

علي الأقل محدش يعرف إنَّك ضعيف. إنَّما تكون موجود وشغلك ياخده غيرك، تبقى متستهلش الكرسي ده.
اشتعلت عينا بلال للحظة، ليس غضبًا، بل ألمًا، رفع رأسه ببطء وقال بصوتٍ خرج صادقًا حدَّ الوجع: وأنا من إمتى كنت ضعيف قدَّامك يا بابا؟ أنا بس، تعبت.
كلمة واحدة، لكنَّها خرجت كاعترافٍ ثقيل.
تصلَّبت ملامح أرسلان، ثم لان شيئًا خفيًّا في عينيه، كان يريد منه أن يكون صخرًا، ولا يتأثَّر بشيءٍ لكنَّه نسي أنه بشر.

نهض ببطء، اقترب من مكتبه، وضع يده على كتف ابنه، ضغطة خفيفة: ليه عملت كدا في نفسك، ليه تخرَّب حياتك؟

حضرتك اللي جاي تقولِّي كده؟
قالها بلال بمرارةٍ مكبوتة، وعيناه تلمعان بوجعٍ حاول أن يخفيه خلف سخريةٍ باهتة.
تنهَّد أرسلان، وقال: بلاش أعرف ليه خربت بيتك بإيدك.
ضحك بلال ضحكةً قصيرة، خالية من الفرح، ثم أغلق الحاسوب بعنفٍ كأنَّما يفرغ فيه غضبه، ونهض واقفًا: بيتي؟ قالها متهكِّمًا، فين بيتي ده يا بابا اللي كنت بوهم نفسي بيه؟ ده من أوَّل خناقة انهار.

تصلَّبت ملامح أرسلان، لكن في عينيه شيء يشبه الخيبة: اللي عملته يا بلال غير مقبول من حد، وده آخره إنَّك كبَّرت نفسك.
استند بلال بكفَّيه على المكتب، انحنى قليلًا، نظر إلى والده بعينين مشتعلتين: كبَّرت نفسي في إيه؟ موقف وانتهى.
ليه قلتلي إنَّك طلَّقت البنت وهيَّ لسه على ذمِّتك؟
تردَّد النفس في صدره قبل أن يخرج: عشان اتلعب بيَّا.
قطَّب أرسلان جبينه، وقد بدأ القلق يتسرَّب إليه: يعني إيه؟

شدَّ بلال على حافَّة المكتب حتى ابيضَّت مفاصله: يعني اللي حصل كلُّه كان تمثيل.
قصدك البتّ طلعت بتشتغلَّك؟
هزَّ رأسه بالنفي سريعًا.
لا، هيَّ متعرفش حاجة.
ازدادت حيرة أرسلان: أمال إيه؟ مش فاهم!
أطبق بلال فكِّه، وهتف بصوتٍ خرج مشوبًا باحتقانٍ دفين: المحامي بتاعها طلع حيوان، وشغَّال لحساب طليقها.
صمت أرسلان لحظة، ثم قال بهدوءٍ مفاجئ: طيب ماأنا عارف.

تجمَّد بلال في مكانه، ثم التفت إليه بصدمةٍ واضحة: ليه ماحكتليش طيب؟
ردَّ أرسلان بصرامةٍ لا تخلو من عتب: وإنتَ عرَّفتني بحاجة؟ أنا سألتك وقلت طلَّقتها.
زفر بلال بعنف، وكأنَّ الهواء صار نارًا في صدره، ثم هوى على المقعد المقابل لوالده: بس لو حضرتك عرَّفتني، كنت عرفت أتصرف.
اقترب أرسلان قليلًا: تتصرَّف في إيه؟ الموضوع ده كان يتحل بطلاق البنت بهدوء، إنَّما إنتَ دماغك قفل.

رفع بلال رأسه فجأة، والغضب يلمع في عينيه: دماغي قفل؟ لمَّا أعرف إنُّهم مبيِّتين النية، أوَّل ماأطلَّقها يسجنوها عشان يضغطوا عليها وترجع له؟
ارتسم الذهول على وجه أرسلان للحظة، لكنَّه أخفاه سريعًا خلف صلابته المعتادة: وإنتَ مالك إنت، ليه تحشر نفسك في حاجات مالكش دعوة بيها؟
تجمَّد بلال وكأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة. ابتسم بسخريةٍ موجوعة، وهمس:
لأنِّي مقدرتش أسيبهم يضعَّفوها.

خرجت الكلمات من بلال مشدودة، كأنَّها تُنتزع من صدره انتزاعًا.
عقد أرسلان حاجبيه، وصوته يحمل عتبًا مغلَّفًا بالقسوة: وإحنا روحنا فين؟
رفع بلال عينيه إليه، وفيهما حيرة وغضب ووجع متداخل: بصفتك إيه يا بابا؟ دي هتكون فريسة لطليقها الحيوان.
سأله أرسلان مباشرة، بنبرةٍ خفتت فيها حدَّته: بلال، إنت بتحبِّ البنت دي؟
ضحك بلال ضحكةً عالية، لكنَّها مكسورة.

اهتزَّ كتفاه، ولمعت عيناه بالدموع، ضحكة لا تنتمي للفرح، بل للمرارة التي فاضت حتى لم تجد إلَّا السخرية ملاذًا.
دار حول نفسه ببطء، وابتسامته مازالت مرسومة على وجهه، لكنَّها ابتسامةٌ موجوعة، متشقِّقة، كقلبه تمامًا.
بحبَّها؟، كرَّرها بصوتٍ أجش. طيب ياريت. انحنى يستند بكفَّيه على المكتب، ورفع رأسه نحو والده، وعيناه حمراوان من حبس الدموع: ياريتني حبِّيتها، مكنتش وصلت لكده، على الأقل كنت أحس إنِّي راجل.

انتفض أرسلان: إيه اللي بتقوله ده يا ولد. إنتَ اتجنِّنت؟!
أغمض بلال عينيه، وخرجت منه تنهيدة حارقة، كأنَّها تجرح صدره وهي تعبره.
كان الاشمئزاز من نفسه يطارده كلَّما داهمه الحنين إليها، إلى تلك التي كسرت شيئًا داخله لا يُجبر بسهولة.
ليته يستطيع أن يقتلع قلبه من بين ضلوعه، أن يلقيه أرضًا ويدوسه بقدمه.
قلبه الذي مازال يبرِّر لها.
قلبه الذي يشتاق رغم الإهانة.

قلبه الذي يهفو إلى حضنٍ واحدٍ منها، إلى قبلةٍ تعيد إليه روحه التي ضاعت يوم لفظته من حياتها.
بلال...
نطق أرسلان اسمه هذه المرَّة بخوفٍ صريح، لم يرَ أمامه طبيبًا ناجحًا، ولا ابنًا صلبًا، بل بقايا رجلٍ يتماسك بخيطٍ واهٍ.
اقترب خطوة، وصوته صار أهدأ، أعمق: إنتَ حبيِّت رولا يا بلال؟
ارتجف قلبه لمجرَّد سماع اسمها.
هوى على المقعد كأنَّ ساقيه خانتاه، ودفن وجهه بين كفَّيه. لم يعد يقوى على التماسك.

كيف يقول لوالده إنَّه يشعر أنَّه مات يوم خرجت من حياته؟
كيف يعترف أنَّه صار جسدًا يتحرَّك بلا روح؟
ساعات لم تمر سوى ساعاتٍ عن بعدها ولكن حياته، بلا معنى، بلا طعم؟
اهتزَّ صوته من خلف يديه: أنا، مش عارف أنا إيه من غيرها.
تقدَّم أرسلان ببطء، ووضع يده على كتف ابنه، كأبٍ يرى وجع فلذة كبده: اللي بيحب، بيتوجع، بس اللي يكسر نفسه عشان حد، يبقى ظلم نفسه قبل مايظلمه غيره.

رفع بلال عينيه أخيرًا، والدموع عالقة على حافتيها، لا تنزل، ولا تختفي.
كان بينهما الكثير ليُقال.
لكن الحقيقة الأوضح كانت واحدة: أنَّه لم يخسر بيتًا فقط...
بل كان يخوض معركةً بين قلبه وكرامته، ولا أحدًا منهما مستعدٌّ أن يتنازل.

اقترب أرسلان منه بخطواتٍ مثقلة، لا يريد أن يسمع مايخشاه: نتكلِّم راجل لراجل...
نظر بلال إلى والده بعينينِ ضائعتين، كأنَّ داخله طفلٌ تائه لا رجلٌ حاسم: هتزعل لو قلت لحضرتك ماليش حيل؟
قبض أرسلان على ذراعه، في محاولةٍ أخير: طب تعال نشرب قهوة في أي مكان ونتكلِّم.
بابا لو سمحت...
بلال، بقولَّك لازم نتكلِّم.

عاد بلال إلى مقعده، جلس في صمتٍ بارد، بينما جلس أرسلان قبالته، يتنهَّد وكأنَّه يبتلع مرارة العمر كلِّه: إنتَ في الأوَّل والآخر اللي وصَّلت الأمور لكده، عارف ولَّا لأ؟
عارف.
كويس أوي، يبقى ليه تضعف قدَّام الغضب وتطلَّقها يا ابني؟ وقت الغضب بيعمى البصر والبصيرة، البنت واضحة بتحبَّك، انهيارها بعد الطلاق أكبر دليل. كنتوا تبعدوا يومين، تاخدوا نفس، لكن مش تطلَّقها في لحظة تهوُّر!

رفع عينيه إلى والده، نظرة جامدة تخفي إعصارًا: بابا، أنا بعتِّ لعمُّو يزن ورقة طلاق بنته.
جحظت عينا أرسلان، وكأنَّ الكلمات صفعة.
لا، ده إنتَ ماصدَّقت!
ابتسم بسخرية موجوعة: بالظبط، ماصدَّقت، وأتمنَّى تحترم رأيي، دي حياتي وأنا حرِّ فيها. وعلى فكرة، قرَّرت أكتب رسمي على كارما.

هبَّ أرسلان واقفًا، وعيناه تنطق بالغضب والحيرة: إنتَ بتخطَّط لإيه ممكن أفهم؟ إنتَ مش مكبَّر حد! وياترى يا دكتور بتبلَّغني ولَّا بتجبرني؟
وقف بلال هو الآخر، وأردف بهدوءٍ يسبق الانهيار: ولا ده ولا ده، حبِّيت تعرف وبس، أنا هتجوِّز. عايز أعمل حياة جديدة، عايز أنسى الماضي بكلِّ أوجاعه.
صمتٌ ثقيل سقط بينهما.
نظر أرسلان إلى ابنه طويلًا، ثم قال بصوتٍ مكسور: اللي بيهرب من وجعه يا بلال، عمره مابينساه...

ارتجف جفنه للحظة، لكن كبريائه كان أقوى من اعترافه.
أدار وجهه بعيدًا، وكأنَّ المواجهة مع نفسه أصعب من مواجهة والده. ولكن أردف أرسلان: بلال كلِّ واحد بيعدِّي بمرحلة صعبة، يا ابني المشاكل بتواجهنا علشان تقوِّينا، مش علشان تهدِّنا.
تنفَّس ببطء، كأنَّه يجمع بقايا صبره: مع احترامي لكلام حضرتك، ده لمَّا يبقى فينا حيل نواجه ونقدر نقف تاني على رجلينا.
بلال...
قاطعه بنبرةٍ منهكة: لو سمحت، خلاص، الموضوع انتهى.

حتى لو قلت لك أنا مش موافق؟
نفخ بضجر، وأسند جسده إلى الخلف، عيناه ممتلئتان بألمٍ لا يُخفى: اعتبر إنَّك بتساعد ابنك يِشفى من وجعه.
اقترب أرسلان خطوة، صوته خافت: ليه يا بني كده؟
أغمض بلال عينيه لحظة، ثم فتحهما وكأنَّه يعترف لنفسه قبل أبيه: لو سمحت يا بابا، لو بتحبِّني بجد بلاش تضغط عليَّ، يمكن لمَّا أمشي بعقلي المرَّة دي أرجَّع كرامتي اللي خسرتها.
كرامتك محفوظة يا حبيبي.

هزَّ رأسه ببطء، واغرورقت عيناه رغمًا عنه: مشيت ورا قلبي وضغطت عليها، خلِّيتها تقرَّب منِّي في وقت ضعفها. كنت فاكر نفسي حبَّها وأمانها، طلعت مجرَّد مُسكِّن لجروحها، هيَّ قالتها لي مرِّتين، لكن أنا اللي كنت أعمى.
ابتلع غصَّته بصعوبة: أنا زعلان من نفسي، لأنِّي وصَّلتها لمرحلة إنَّها تغصب نفسها، إحساس صعب أوي إنَّك تبقى قليل في عيون اللي اتمنيِّتها من الدنيا كلَّها.

سقطت دمعة شاردة، مسحها سريعًا كأنَّها فضيحة: ربِّنا يرزقها بالراجل اللي تستاهله.
همس أرسلان بحسرة: ياااه يا ابن أرسلان، للدرجة دي كنت بتحبَّها؟
نظر إليه بلال طويلًا ولم يُجب.
صمته كان أبلغ من أيِّ اعتراف.
أومأ أرسلان برأسه، ثم التقط جاكيت بدلته: أمَّك مولَّعة في البيت عشان خبِّينا عليها جوازك التاني، كلِّمها وهدِّيها. مهما قالت، دي أم.
حاضر.

اتَّجه أرسلان نحو الباب، لكنَّه توقَّف قبل أن يخرج، وقال دون أن يلتفت: بلاش تسجِّل جوازك من البنت دي، كده بتخسر يا بني. اسمع نصيحة من أبوك.
ارتسمت على شفتي بلال ابتسامة ساخرة، ابتسامةُ رجلٍ يقنع نفسه أنَّه قوي، بينما قلبه مازال واقفًا عند بابٍ أُغلق منذ لحظات، ولم يملك الشجاعة أن يطرقه من جديد.

معنديش حاجة لسه أخاف عليها، البنت كويسة وضعيفة.
رفع أرسلان حاجبه بحدَّة: ضعيفة؟، يعني علشان كده عايز تتجوِّزها، مش عيب؟
اشتدَّت نظرات بلال: ده اللي حضرتك فهمته من كلامي؟
هزَّ أرسلان رأسه بعدم رضا وغادر.
جلس، أنفاسه تتصاعد باختناق، كأنَّ كلمات والده طوَّقت عنقه، طرقٌ خافت على الباب، ثم دخلت كارما.
عايزة أتكلِّم معاك لو فاضي.
مرحتيش الكليَّة ليه؟

جلست أمامه بثباتٍ غريب: سيبك من الكليَّة دلوقتي، أنا عايزة أتكلِّم في موضوع مهم.
مرَّر يده على جبينه: كارما أنا مصدَّع ومش قادر أسمع.
لازم تسمعني يا دكتور، أنا مش موافقة على اللي قولته، ودلوقتي عايزة من حضرتك تطلَّقني، أنا كفيلة أدافع عن نفسي.
نظر إليها طويلًا، ثم قال ببرودٍ متعمَّد: قومي روحي كلِّيتك يا كارما، وبعدين نتكلِّم.

نهضت واقتربت منه، صوتها يحمل رجاءً ممزوجًا بكرامة: لو سمحت خلِّي فكرتي عنَّك تبقى كويسة دايمًا، بلاش تدخَّلني في صراع مع مراتك.
اشتعلت عيناه: ممكن ماتتكلِّميش في الموضوع ده؟ إحنا انفصلنا، ولو بتتكلِّمي عن مراتي، فحضرتك حاليًا مراتي.
قاطع رنين الهاتف التوتُّر، نظر إلى الشاشة سريعًا وأشار لها بالصمت: أيوة؟
فيه حد بيراقبها يا دكتور، عملت زي ماحضرتك أمرت.

تمام، جهِّز العربية. هنزل أنا ومدام كارما للجامعة.
أنهى المكالمة، بينما نظرت له كارما بذهول: تروح معايا الجامعة ليه؟ كده بتعقَّدها وبتخلِّي الشكوك تتأكِّد.
لم يرد. نهض مع دخول الممرضة: خلِّيكي مع دكتور أحمد النهاردة، أنا مسافر عشر أيام، اقفلي المكتب.
ثم التقط جاكيته وأشار لكارما: يلَّا، هوصَّلك.
- بس أنا مش رايحة الجامعة.

رمقها بنظرةٍ أسكتتها، وبعد دقائق توقَّفت السيارة أمام الجامعة. ترجَّلت، وقبل أن تدخل ناداها: لمَّا تخلصي كلِّميني، هاجي أخدك ونتغدَّى برَّه.
تجمَّدت مكانها من الصدمة، اكتفى بإشارة صامتة، ثم غادر.
في المساء، كان مالك يُنهي مكالمته معه.
خلاص يا بلال، هتصرَّف متقلقش.
عمُّو مالك مش عايزها تتئذي، أنا مسافر بكرة، ملف طليقها عندك كامل.
إلياس عنده علم؟
لا، ماقلتلوش.
خلاص هتصرَّف.

بعد دقائق، كان إلياس يجلس مع أرسلان حين أخبره مالك بما حدث.
دماغ ابنك زيَّك، منكرش عجبتني، بس مش كلِّ وقت نرمي نفسنا في التهلكة علشان نبقى رجَّالة.
تنهَّد أرسلان بألم: الواد مكسور أوي يا إلياس، بنت يزن كسرت قلبه.
أشعل إلياس سيجارته، ونفث دخانًا ثقيلًا: الغلط عند بلال من الأوَّل، كان لازم يقولَّها إنُّه اتجوز وعرَّفها طريقة الجوازة، لو كان واضح مكنَّاش وصلنا لكده.

طيب والعمل؟ بيقولِّي عايز يوثِّق جوازه.
ابتسم إلياس بسخرية: جدع الواد ده.
يعني شايفه صح؟
كنت من أوَّل المشجِّعين لجوازه من رولا، بس دلوقتي أحسن حل الانفصال، يمكن البعد يداوي وجعهم.
بقولَّك عايز يكتب على التانية عند مأذون.
صمت إلياس لحظة، ثم قال ببطء: ماهو متجوِّزها.
اشتدّّ صوت أرسلان: - أنا مش موافق يكتب عليها رسمي.

رفع إلياس كتفيه: جوازه شرعي وقانوني ومستوفي كلِّ الشروط، بس المشكلة الوقت غلط على اللي بيعمله، أنا مش عايز أدخَّل، هوَّ غبي وهيَّ شعنونة وهبلة، والله نفسي أنزل فيهم ضرب همَّا الاتنين.
بلال تعبان يا إلياس بجد، أوَّل مرَّة أشوفه مكسور كدا.
نفخ إلياس بضجر: سيبه يومين، أفكَّر في حاجة تلمُّهم.
لا، خد الجديد، غرام حلفت ماتدخل تاني.

ماتحلف، يبقى خلِّيها تصوم يا أخويا ولَّا تطلَّع كفَّارة، مكنش نقصني غير غرام كمان.
دا إيه اللي أنا فيه ياربِّي دا.

مرَّ أسبوع والحال كما هو.

في مساء ذات يوم عند بلال
كان يجلس أمام البحر، يحدّق في الأمواج المتلاطمة كأنها تعكس اضطرابه الداخلي.
، وصورتها لا تفارقه. ابتسم فجأة...
تخيّلها تركض فوق الرمل، شعرها يتطاير مع النسيم، تضحك له وحده.
لمعت عيناه بالشوق، وتمنّى لو يمد يده الآن، يلمسها، يضمّها إلى صدره، يستنشق عبيرها الذي يحفظه عن ظهر قلب.
أغمض عينيه، وترك خياله يسبح بها وبينها، حتى همس اسمها بصوتٍ خافت...
كأنها حقًا بين ذراعيه.

لكن رنين الهاتف قطع لحظته، فأفاق على واقعه فجأة، . واقعٍ يخلو منها.
في غرفة شمس
أنهت دراستها، ثم هبطت إلى المطبخ.
انشغلت مع الخادمة وقتًا طويلًا، حتى بدأت تزيّن الكعكة بعناية واضحة.
ارتفع رنين هاتفها باسمٍ محفوظ في قلبها قبل هاتفها: حبيب الروح.
وضعت الهاتف بين كتفها وأذنها، وهي تواصل تزيين الحلوى.
أيوة يا حبيبي. صمت يتذوق حروف حبيبي من شفتيها، تمنى لو انها أمامه
رد بصوتًا دافئًا: شمسي بتعمل إيه؟ هعطلها؟

ابتسمت دون أن يراها.
لا، بعمل تورتة علشان عيد ميلاد بلال.
سكت لحظة، ثم قال بنبرة نصف مازحة، غيورة: والله؟ ويا ترى إمتى بقى التورتة دي توصل للدكتور؟
توقفت عما تفعله وقالت
إنت اتضايقت؟
تنهد بخفة: لا، مش اتضايقت. بس أنا مش عايز شمسي تهتم بغيري.
رقّ قلبها لنبرته، وقالت بهدوء: عملتها خلاص. هخلي حد من الشغالين يوديها ليوسف وهو يوصلها له. كدا حلو
لازم كل سنة أعملها له، دي عادة.

صمت لحظة، ثم ابتسم، وقال ب حنانًا خالصًا: بحبك يا شمسي.
همست بخفوت: وأنا كمان...
ورغم انها نطقتها بهمس لكن همسها ذاب في أذنه كنسمة، وجعل قلبه يخفق بخفة، كفراشةٍ وجدت أخيرًا زهرتها.
وصل احد الجنود اليه
كابتن حمزة القائد عايزك
بمكتب اسحاق، كان يضع الهاتف على اذنه يستمع للطرف الاخر حتى انتهى فقال
ابني لو شعرة بس اتأذت هعلقك في ميدان عام، وجرب وانت تشوف
اسحاق باشا ابنك اللي بدأ بالضرر.

ضرر ايه لما ابنك الفاشل يحاول يتحرش على مراته منتظر منه يدخله في احضانه
نفسك انت وابن في ايدي
عند كارما
كانت تجلس في غرفتها، شاردةً في حديثه عن توثيق زواجهما. نظرت إلى هاتفها طويلًا، ثم حسمت أمرها واتصلت ب ضي.
عند ضي
كانت منهمكة في بعض التصاميم، قاطعها دخول يوسف، يحمل فنجاني قهوة.
عملت قهوة معايا يا حبيبتي.
ابتسمت ونهضت، تتناول الفنجان من يده.
يااه، الدكتور بنفسه يعمل لي قهوة؟

اتجه إلى مكتبه يتمتم: مش حاجة يعني، وبعدين أنا مشّيت الخدم كلهم.
اقتربت منه، وضعت فنجانه أمامه، ثم التفَّت خلفه، تعانق عنقه برفق.
ممكن أعرف مشّيتهم ليه؟
سحب كفيها وأدارها حتى جلست على قدميه.
من زمان مقعدناش لوحدنا، محتاجين وقت لينا.
داعبت خصلاته، وعيناها تتأمله.
ولا حتى اتكلمنا، انشغلنا بموضوع بلال ورولا. آه صحيح، كلمته النهارده؟
آه، وهييجي بكرة.

صمتت لحظة، ثم قالت بصوت خافت: رولا صعبانة عليّ أوي يا يوسف، وبلال كمان واجع قلبي.
تنهد يوسف: ضي، اللي متعرفهوش إن أخوكي بيعشق البنت دي. المشكلة إنها غبية ومقدّرتش حبه...
طيب ماتيجي نعمل محاولة نقربهم
ريحي نفسك بلال زعلان جدًا منها
يوسف بس هو غلطان
للاسف الاتنين غلطانين حبيبتي، هو مفكرش في ردة فعلها، وهي انها نزلت البيبي معرفش ازاي قدرت تعمل كدا
صمت فجأة ينظر اليها.

مايمكن مانزلتوش وبتقول كدا تضايقه، ماتتأكدي ياضي
وقبل أن ترد، دوّى صوت الجرس.
هشوف مين، قالها وهبط للاسفل
فتح الباب، فوجد ميرال تحمل صندوقًا صغيرًا.
ماما!
دخلت ووضعت ما بيدها على طاولة المطبخ.
شمس عاملة ده لبلال، وطلبت أجيبه لك. زعلانة منه من يوم كتب الكتاب.
فتح الصندوق، وانفجر ضاحكًا وهو يتأمل الكعكة.
كانت تراقبه بعين أمٍّ مثقلة، اقتربت منه برفق: شايفة علاقتك مع ضي بقت أحسن، اتكلمت معاها؟

توقفت ضحكته فجأة، وهز رأسه بالنفي.
لا، المهم، بلال في شرم ولسه راجع بكرة.
نظرت إليه باستغراب: إزاي؟ مش بكرة عيد ميلاده؟
زم شفتيه، ثم نظر إلى ساعته.
بعد بكرة
عند ضي
سحبت روبها تستعد للنزول بعدما تأخر يوسف، لكن هاتفها أوقفها.
ألو؟
أستاذة ضي، أنا كارما.
عقدت حاجبيها.
كارما مين؟
أنا اللي شغالة مع الدكتور...
تذكرتها فورًا.
آه، افتكرت. إزيك؟
الحمد لله، كنت عايزة آخد رأي حضرتك في موضوع يخص الدكتور ومراته.

ابتسمت ضي لبراءتها.
حضرتي والدكتور؟ طيب قولي.
أنا بحترم الدكتور جدًا، ومستحيل أكون سبب في خراب بيته وأسكت.
ضيّقت عينيها، مع دخول يوسف الغرفة.
عايزة تعملي إيه؟
أروح لمدام رولا وأقول لها الحقيقة.
صمتت ضي لحظة، ثم قالت بهدوء محسوب: تمام، وأنا معاكي.
أنهت المكالمة، ثم التفتت إلى يوسف.
دي كارما، اللي متجوزها بلال. البنت شكلها طيبة أوي، بتقول عليه الدكتور
ابتسم بخفة.

هي فعلًا كده، اللي يشوفها يقول طفلة. بريئة، وحلوة كمان.
رفعت حاجبها بغيظ مكتوم.
وإيه كمان يا دكتور؟
لم ينتبه لنبرتها، تابع حديثه: طليقها هيتجنن عليها، البنت دي طبيعي أي حد يدافع عنها.
قطعت حديثه بنبرة أغضب: لا والله؟ وإيه كمان؟
رفع عينيه إليها، مستغربًا.
مالك؟
مفيش، بس جوزي بيتغزل في واحدة قدامي عادي.
ضحك، وجذبها إلى صدره.
غزل إيه يا بنتي؟ هو قلبي يشوف غيرك؟
آه، اضحك عليّا.

والله أبدًا. ياريت أكون بعرف أضحك، كنت عرفت أبعد.
تصلبت قليلًا، وتذكرت حديثه مع ميرال.
يوسف، إيه رأيك نسافر كام سنة؟
توقف ينظر إليها بدهشة.
نسافر؟ وإنتِ عندك مشروع جديد، وشغلك ماشي كويس.
كانت تراقب كل تفصيلة في وجهه.
أصل إنت دايمًا كنت بتحلم تسافر وتستقر برّه.
اقترب منها، وصوته أصبح أهدأ: كان يا ضي، زمان. الأحلام بتتغير.
نظرت إليه طويلًا.
ولو أنا اللي عايزة أبدأ من جديد؟
ساد صمت ثقيل بينهما.
ليه فجأة؟

أشاحت بوجهها.
حاسّة إن كل حاجة حوالينا متلخبطة، بلال، رولا، كارما، حتى إحنا.
اقتربت خطوة.
إحنا محتاجين نتكلم، مش نهرب.
رفعت عينيها إليه، وحاولت ان تسحب كلماته، عله يريح قلبها
يوسف هو انت ممكن تعمل زي بلال، يعني ممكن تتجوز على لو اضطريت
قطب جبينه بدهشة
ايه اللي بتقوليه دا، انتي بتسألي بجد.

لم ترد عليه، لكن نظراتها كانت تحكي مالم يستطع اللسان البوح به، احتضن وجهها وطاف بعينيه على وجهها بالكامل ثم نظر لعيناها
انا مش عايز من الدنيا غير ابتسامتك بس، تفتكري ممكن اقهرك
اوعدني يايوسف، مستحيل تبعد عني
رعشة اصابت قلبه ليسحبها لأحضانه يهمس لنفسه
لو اقدر ابعد كنت بعدت من زمان، لكن انتي سيطرتي على كياني وعجزتيني يابنت عمي.

مساء اليوم التالي عبيطة وهبلة وبتعيطي، دا واحد مايتساهلش دمعة، فوقي كدا، وارجعي رولا النعنوشة، يابنتي بقيت بتكلم مصري احسن منك بسبب بلاوي العيلة دي
مطت شفتيها، تنظر للبعيد بتفكير
سمعت النهاردة ضي بتقول لدكتور كسرة القلب دا، عايزة تعمله حفلة علشان عيد ميلاده، انا جاتلي فرصة تاخدي حقك منه
اسيا اطفي النور. عايزة انام
سحبت من فوقها الغطاء
قومي يازفتة علشان نروح الكوافير، ونشتري هدية لابو اعصاب مصدية.

اعتدلت تشهق على كلماتها
انتي جبتي الكلام دا منين
من اخوكي ابو جلابية ياختي، رجالة العيلة دي مجنونة، جابلي شيخ يعلمني لغة عربية. مفصحة، قال ايه، الناس مابيفهموش كلامي، جابلي واحد لابسى جلابية مكنتش عارفة اسمها عادي، بقوله الفستان الرجالي دا مستورد، قالي شوية حكم، كان ناقص يقولي قولي خطبة الجمعة
ارتفعت ضحكات رولا حتى دمعت عيناها، غمزت اليها.

وحياة اخوكي الثقيل دا لاجلط لك دكتور الاعصاب المهوية، ولا التاني، معرفش دا دكتور قلب ازاي، دا المفروض يكون مسالك بولية. القلب حاجة رقيقة كدا، ودا سوري في اللفظ شبه اللي بشيل الميتين
قهقهت رولا، تدفن وجهها بالوسادة، ثم رفعت رأسها
والله لو سمعك ليمدك على رجلك
افهم بس يعني ايه علشان ارد عليكي
قاطعهم دخول اسر
افريقيا عندنا اجتماع بعد ساعتين، علشان تجهزي بشنطة مكياجك
رفعت حاجبها باعتراض.

فيه اي اوامر تانية ياسنتيمتر
التفت اليها يرمقها بغضب، فضحكت رولا. مما جعله يتوقف يتجه بأنظاره الى ضحكة اخته. صمتت بعدما وجدت نظراته عليها
لكزته اسيا
هوينا مش قولت خريطة اليوم.
اهويكي، انتي عارفة معناها ايه
اه بطردك عادي، هي رجالة العيلة دي كلها بتنطرد
وصل اليها بخطوة واحدة، فهبت رولا من مكانها
خلاص يااسر هي متقصدش، التفتت الى اسيا
مش كنتِ بتقولي نروح الكوافير؟
قالتها وهي ترمقها بنظرة متفحصة.

نظرت إليه اسيا بتحدٍ واضح: آه، عايزة أغيّر لون شعري ومكياجي، واللي مش عاجبه يشرب عصير.
اقترب منها خطوة، مقلدًا نبرتها: لا، هشربك من كيعانك إن شاء الله.
يعني ايه
التفتت إلى اسيا تهز رأسها ببراءة مصطنعة: قصده عصير بالزبادي طبعًا.
ضحكت رولا بخفوت، بينما عقد أسر حاجبيه: يا سلام! بقيتي تفسّري كلامي كمان؟
اقتربت منه أكثر، تشير بإصبعها إلى صدره: وإنت مالك يا سِنتيمتر؟ هتحضر حفلة دكاترة عالم سبونج بوب؟

رمش أسر باستغراب: مين دول أصلًا؟
وقبل أن يشتعل الجدال، دخلت الخادمة: باشمهندسة، فيه واحدة برّه عايزة تقابل حضرتك.
التفتت رولا باستغراب: واحدة مين دي؟
ردت الخادمة بتردد: مش عارفة...
خرج أسر ليستطلع الأمر.
نهضت رولا ببطء، ارتدت ملابس مناسبة على عجل، وتحركت إلى الخارج.
لكنها ما إن تخطّت العتبة حتى تجمّدت في مكانها.
كارما، كانت تجلس أمام رحيل، منكّسة الرأس، تفرك كفّيها بتوتر شديد، كطفلة تنتظر العقاب.

رفعت كارما عينيها فجأة، والتقت نظراتها برولا.
وفي تلك اللحظة، شعرت رولا أن شيئًا ثقيلًا يهبط في صدرها، وصورة بلال امامها تتخيله بجوارها، يهمس اليها ويضحك بصوت مرتفع مع ضمته اليه، ارتفعت انفاسها وشعرت بأنها لا تريد سوى قتلها.

الفصل التالي
بعد 17 ساعة و 41 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة