قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والسبعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والسبعون

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثاني والسبعون

لحظة صمتٍ ثقيلة خنقت المكان؛
بعد انفجار ميرال بكلماتها التي هزَّت القلوب، نهض إلياس ببطء من مقعده، يشعر بأنَّ الأرض تسحبه لا قدميه لا يصدِّق ما سمعه، بل شعر بأنه مجرَّد وهم، وكأن أذنيه فقدتا القدرة على التصديق.
مسحت ميرال دموعها المرتجفة، وتراجعت خطوة، عيناها معلَّقتان بأرسلان.
كان وعد بينَّا علشان مش عايز حد يعرف.
ارتجف صوتها، وانهارت، كتفاها يهتزَّان بعنف: مكنش عايز يحس بالعجز قدَّام حد.

تتابعت شهقاتها، حتى صار جسدها كلُّه يرتعش من البكاء.
كان بيتعذِّب في صمت، لفّ على دكاترة كتير، لمَّا هيَّ قالت له عايزة طفل طلب منِّي أكلِّمها تأجِّل الموضوع شوية.
استدارت فجأة نحو ضي
التي كانت قد انهارت أرضًا، تضمُّ ركبتيها، تبكي بقهر، والأوراق المرتجفة بين يديها.
اقتربت منها خطوة، وهتفت بصوتٍ منكسر: — طلبت منِّك ولَّا لأ؟

دارت حول نفسها حين فاق الألم قدرتها، وهي تشعر بأنه يطاردها من كلِّ اتجاه، أنفاسها بدأت تتقطَّع، وضعت يدها على صدرها تحاول التقاطها: حبيبي يا بني، اختار يتوجع، علشان هيَّ تعيش
ابني اختار يبعد، وسكت والكل اتَّهمه بالخيانة، بالغدر، بالأنانية وهو حتى مفكَّرش في نفسه.
شهقة خرجت منها كأنها تمزِّقها: بقاله أكتر من سنتين بيتألِّم لوحده علشان “الأستاذة” تعيش!

رفعت عينيها نحو إلياس، نظرة مليئة بالخذلان: حاولت أفهِّمك، بس إنتَ مكنتش شايف غير خيانته، غير إنه ظلم بنت عمُّه.
ولا مرة فكَّرت، يمكن كان بيضحِّي!
صمتت لحظة ثم قالت بمرارة قاتلة: ولمَّا رجع. علشان أخته، كانت الأستاذة مجهِّزة غرفة إعدامه.
اقتربت من ضي، توقَّفت أمامها، تحدِّق فيها باحتقارٍ واضح: بتعيَّطي دلوقتي؟
ما كنتيش صابرة شوية كمان تحقَّقي إنجازك العظيم بعد ما يمشي؟

انحنت نحوها، وصار صوتها أشدَّ قسوة: صدَّقيني خبر جوازك لوحده كان كفاية عليه
مكنش محتاج حفلتك الهابطة دي. لأنه غبي وبيعشقك يا متخلِّفة، ورغم انهيارها.

استقامت ببطء، نظرتها باردة كالسكاكين: افرحي يا أستاذة.
وأحسن حاجة عملتيها إنك هتتجوزي، يمكن ابني يعرف يفوق من كابوسك.
اتَّجهت نحو حقيبتها، ثم توقَّفت دون أن تلتفت: وأوعي تفكَّري، إنتي وأبوكي. إني هسيب ابني يتغرَّب بعيد عنِّي، علشان تعيشي على وجعه.

التفتت إلى غرام
التي كانت واقفة في مكانها، وكأن قيودًا قد شدَّت قدميها للأرض. تنظر إلى ميرال بعيونٍ مجمَّعة بالدموع.
نظرت لها ميرال طويلًا، نظرة ممتلئة بالألم أكثر من الغضب: دعيتي على ابني من غير حق. قدَّام أبوه وأمه.
ارتجف صوتها، لكنَّها تماسكت بصعوبة: مكنش محتاج دعوتك يا مدام غرام. هوَّ كان موجوع بما فيه الكفاية.

صمتت لحظة، ثم خرجت كلماتها بهدوءٍ موجع: وأنا هطلع أحسن منِّك، وأقولِّك ربِّنا يسعد بنتك.
أغمضت عينيها لثوانٍ، كأنها تبتلع ألمًا أكبر من قدرتها: الغلط مش عليكوا الغلط عليَّا أنا
لأنِّي وعدته ما أتكلمش، وسِبته للوجع ياكله لوحده.

سحبت حقيبتها، وتحرَّكت نحو الباب بخطواتٍ ثقيلة، لكنها توقَّفت فجأة واستدارت نحو زوجها: أنا هاخد ابني، وأروح أقعد عند ماما. لمَّا بنت أخوك تخلَّص انتقامها، وإنتَ اشهد على شهادة وفاة ابنك بجوازها، كدا كدا مبقتش تهمُّه. نظرت نظرة أخيرة نحو ضي: مبروك، هخلِّيه يبعت لك هدية الجواز يا مدام، قالتها وتحرَّكت لتكمل طريقها.
لكن إلياس اندفع خلفها، بخطواتٍ مترنِّحة.

أمسك بذراعها بقوة، أنفاسه متقطِّعة، وعينيه غارقتانِ في صدمةٍ لم يستوعبها بعد: استني. استني يا ميرال.
قالها بعتابٍ مجروح.
صونتي وعد ابنك، ونسيت إنِّ له أب.
إلياس، كل اللي هتقوله دلوقتي لا هيقدِّم ولا هيأخَّر.
أخرج هاتفه بيدٍ مرتعشة، ورفع السمَّاعة بسرعة: مالك شوفلي حد في المطار، يوقف سفر يوسف ضروري!
جاءه الصوت من الطرف الآخر: فيه حاجة يا إلياس؟

هزَّ رأسه بعنف، كأنه ينفي لنفسه قبل غيره: لا مفيش، بس سافر من غير ما أشوفه. امنع سفره.
حاضر.
أنزل الهاتف ببطء، كأنَّ يده أصبحت أثقل من أن يحملها.
نظرت له ميرال، الدموع تملأ عينيها، بصوتٍ متوسِّل: هنلحقه صح؟
هنلحق الواد يا إلياس؟
لم يجب فقط شدَّ على ذراعها أكثر، يتمسَّك بها كي لا ينهار.
فتح باب السيارة بجسدٍ واهن، وجلس خلف المقود، لكن يده توقَّفت على المفتاح.

وصوت واحد فقط كان يضرب رأسه بعنفٍ يتكرَّر، يتكرَّر بلا رحمة، حوارهما يوم زاره.
نظرة يوسف الهادية، كلماته المكسورة التي لم يفهمها وقتها صمته الذي ظنَّه عنادًا، ولم يدرك أنه كان استسلامًا.
انقبض صدره فجأة
وضرب المقود بقبضته بعنف: إزاي مفكرتش في حاجة زي كدا، إزاي كنت غبي، للدرجة دي كنت بعيد عنه!
التفتت إليه ميرال بفزع: إلياس، الحق الولد، وأوعى يفهم إنَّك عرفت حاجة، خلِّيه هو اللي يقولَّك.

رمقها بنظرةٍ غاضبة: دلوقتي الحق الولد، جاية تقولي بعد إيه، ليه يا ميرال، ليه موضوع زي دا يتخبَّى عنِّي.
علشان أخد مني وعد، مكنش عايز يضايقك.
قاد السيارة وهو يهزُّ رأسه، معترضًا على حديثها.

عند ضي...
جلست على الأرض، تضمُّ ساقيها إلى صدرها، وتسند ذقنها فوق ركبتيها، تحاول أن تحتمي بنفسها من كل ما ينهار بداخلها.
وذكرياتها معه تتلاحق أمام عينيها بلا رحمة...
كلماته عن إرادة الله، نظراته المكسورة كلَّما فتحت هي الحديث عن الإنجاب، إصرارها على الذهاب إلى الطبيبة، رفضه الحاد، الذي كانت تظنُّه عنادًا، بينما كان في الحقيقة وجعًا أكبر من أن يُقال.

انهمرت دموعها بغزارة، حتى ابتلَّ وجهها بالكامل، وخرجت شهقاتها متقطِّعة، حادَّة، كأنها سكاكين تلتفُّ حول عنقها وتمنعها من التنفُّس.
آه، كيف يمكن لقلبٍ أن يتعذَّب بسبب أكثر الناس حبًّا له؟
انحنت غرام سريعًا، تحاول أن ترفع ابنتها من الأرض، عندما رأت أرسلان جالسًا في مكانه، جامدًا كالصخر، بينما كانت عيناه وحدهما تفضحان الألم الذي ينهش روحه.
أما يزن، فخرج دون أن ينطق بحرف.

اقتربت غرام أكثر، ووضعت يدها على وجه ابنتها المرتجف: ضي، قومي يا حبيبتي.
رفعت ضي عينيها إليها.
عينان ضائعتان، مذعورتان. وقلبًا يصرخ ألمًا.
لتقول بصوتٍ مكسور، بالكاد خرج من بين بكائها: أنا عملت إيه يا ماما، أنا عملت إيه؟
ثم هزَّت رأسها بعنف، كأنها ترفض ما تسمعه، أو ربما ترفض نفسها.

معقول، معقول يوسف كان شايل كل ده جوَّاه؟ وأنا، وأنا كنت بفكَّر إنه بيظلمني! كنت بغضب منه. وبكرهه في اللحظة دي. وهو كان بيتوجع لوحده؟
شهقت بقوة، وضغطت كفَّيها فوق صدرها: - أنا وجعته يا ماما، وجعته أوي، قهرته، كل كلمة قولتها كانت بتكسره وأنا مش شايفة، كنت بقسى عليه وهو ساكت، ساكت ومستحمل...

انهارت أكثر، وانحنت للأمام، تبكي بحرقة و قلبها يتمزَّق بين ضلوعها: أنا قتلته بالكلام، ما رحمتوش، مستحيل يسامحني، يوسف مستحيل يسامحني.
ارتجفت غرام.
لأنَّ كل كلمة كانت تخرج من فم ابنتها، كانت تصيبها هي الأخرى.
هي أيضًا تذكَّرت حديثها معه، تذكَّرت نظراته، وصمته، وتلك المرارة التي كانت تملأ عينيه وهو يستمع إلى اتهاماتهم جميعًا.

شعرت بالذنب يتسلَّل إلى قلبها ببطء، ثم يشتعل بداخله كنارٍ أُلقيت في حقل قمحٍ يابس، لا تترك شيئًا إلَّا وتحرقه.
ضمَّت ابنتها بقوة إلى صدرها، وبكت معها، عليها، وعليه، وعلى كل كلمة خرجت منهم ولم يعرفوا وقتها أنها كانت تطعن إنسانًا ينزف بصمت.
ربتت على ظهرها المرتعش، وقالت وسط دموعها: اهدي يا حبيبتي، إن شاء الله عمِّك يلحقه، إن شاء الله يوصلُّه قبل ما يسافر.
لكنها لم تستطع أن تكمل.

اختنق صوتها، وخرجت منها شهقة موجوعة وهي تهمس: يا حبيبي يا ابني، كنت شايل كل ده لوحدك؟ والله كنت شاكَّة. ربِّنا يكون في عونك يا ميرال.
ابتعدت ضي فجأة عن أحضان والدتها، ونهضت بسرعة، تكاد تتعثَّر من شدَّة ارتجافها.
مسحت دموعها بكفٍّ مرتعش، ثم قالت بصوتٍ مختنق، لكنَّه مليء بالذعر: لا، لا، أنا لازم ألحقه، لازم أشوفه، أنا الوحيدة اللي المفروض تمنعه، قبل ما يضيع مني، قبل ما أخسره للأبد.

بالخارج.
جلست بجواره بصمت: طيب هوَّ ما قالش حاجة، ليه مشي كدا، مش كان متِّفق معاك توصَّله للمطار؟
مسح على وجهه والألم يتسلَّل لخلايا جسده: معرفش يا رولا. حتى لمَّا قولت لطنط ميرال، اتفاجأت هيَّ كمان.
طيب ليه، مش حاولت معاه ليه يا بلال؟
التفت إليها: حاولت والله، هوَّ مش مدِّيني فرصة أصلًا، وإنتي شايفة من يوم الفرح، أخد طنط ميرال وقال إيه عايز يفسَّحها قبل ما يمشي، ومرجعش غير إمبارح بالليل.

روحت أتكلِّم معاه، لقيت بابا بيزعَّق بسبب موضوع ضي، محبتش أضغط عليه.
أنا هتجنِّن يا بلال بجد، يوسف إزاي بقى الموضوع مش فارق له، دا كان بيقول أنا بحبِّ ضي أوي، ونصحني كتير، ليه اتخلَّى عنها بكلِّ سهولة؟
زفر بلال باختناق: معرفش، دا اللي هيجنِّني أنا كمان، وخصوصًا النهاردة شوفت الوجع في عينه وقت إعلان خطوبة ضي.
تذكَّرت رولا أمر الخطوبة: إنتَ إزاي ما تقوليش حاجة زي كدا صح؟!

هوَّ أنا كنت أعرف، أنا كل اللي أعرفه، إن نور متقدِّم لضي، وأنا قايل لك الموضوع دا من زمان.
أومأت له بتذكُّر: أه دا من كام شهر، وإنتَ لمَّا ما بقتش بتتكلِّم قولت يبقى الموضوع خلص.
شرد بلال وهو يقول: كان بيبتدي مش بيخلص.
عاد بجسده للخلف يستند برأسه على المقعد: أنا تايه بين الاتنين، يوسف اللي مش عايز يتكلِّم ويقولِّي ماله، وضي اللي عمَّالة تدوس عليه علشان وجع قلبها، ونظراتها لي اللي كلها اتِّهام.

لمست وجهه بحنان: معلش اتحمِّلها، هيَّ معذورة برضو، أصلها بتحبُّه أوي، وأكيد مش عايز حد يقولَّك.
أغمض عيناه وما زال على وضعه.
بلال، فتح عيناه يتطلَّع إليها بصمت.
أنا قولت لماما على اللي حصل بينَّا، مكنش ينفع أسكت المرة دي.
اعتدل وهو يومئ أليها منتظرًا بقية حديثها.
هيَّ ما قلتش حاجة، لكن قالت مينفعش، لازم تيجي تاخدني قدَّام الكل.
صمتت وانحنت تنظر للأرض: وخصوصًا نبِّهتني لحاجة، لكن لسة ما اتأكدتش.

رفع ذقنها ينظر لعينيها: أنا كل اللي يهمِّني إنتي وبس، واتكلِّمنا في الموضوع دا، وإنتي اللي رفضتي.
احتضنت كفَّيه: إنتَ بتضحك على مين يا بلال، أنا دلوقتي أبص في عيونك أفهمك، مكنش ينفع، وإنتَ قلبك وعقلك مع أختك.
بس إنتي من حقِّك.
ابتسمت.

من حقِّي إيه، ما أنا معاك أهو، والعيلة كلَّها عارفة إن إحنا بنكون مع بعض، ولو على الموضوع اللي قاله بابا، فأنا هفهِّمك، قبل فرحنا بكام يوم، كنت كاتبة في نوت يا ريت أعيش فرحة فرحي زي أي عروسة، كأنِّي مش عروسة ولا حاسَّة بطعم الفرحة.
بابا طبعا شاف المكتوب، وفكَّره إني كتبت الأيام دي.

رفع كفَّها وقبله: أنا عارف فرحنا مكنش زي أي اتنين بيتجوزوا، علشان كدا، الدنيا تهدى شوية وأعمِّلك أحلى فرح يا نور عيوني.

دنت وطبعت قبلة على وجنتيه، تهمس إليه: أنا فرحتي في حضنك، مش عايزة أي حاجة تاني، وبعدين نسيت الفستان اللي جبته وفرَّحتني بيه في فرح شمس، ولَّا الليلة دي؟
تؤ، الفستان علشان كان لازم تبقي أجمل واحدة، إنَّما الليلة دي كانت هديِّتك إنتي مش أنا.
ابتسمت تتذكَّر تلك الليلة.
صباح يوم الزفاف أرسل لها.

خرجت من الحمَّام، وجدت صندوقًا كبيرًا مزيَّن وعليه ورقة مطوية، اقتربت، تسحب الورقة: دا فستان علشان الفرح، معاه كلِّ حاجة، شوفي لو عايزة تغيَّري أي حاجة، عندك الرقم، هيبعتوا اللي يعجبك.
فتحت الصندوق، ومدَّت يدها تخرج منه فستانًا أبيض مزيَّن بفصوصٍ بيضاء، تعطيه رونقًا خاص، مع لمسة ناعمة من مجوهراته وحجابه، فتحت صندوقًا آخر ملحقًا به، وجدته حذاءً بنفس لون الفصوص.

مرَّرت أناملها عليه، ثم رفعت الورقة تستنشق رائحته بها، اتَّجهت إلى خزانتها وارتدت ثيابها سريعًا، تريد أن تلحقه قبل ذهابه لعمله.
خرجت ولم تنتبه لفستانها الذي ترتديه دون أن تغلق سحَّابه.
وصلت إلى منزل والده: بلال جوَّا يا طنط ولَّا مشي؟
نظرت غرام إليها للحظات ثم أومأت دون حديث، أسرعت بالدخول متجهة لغرفته، كان يتحدَّث بهاتفه وهو يغلق زرَّ قميصه: تمام يا حمزة، هشوفه، ما تشغلش بالك أنا هتصرَّف.

دلفت الى الغرفة، وحاوطته من الخلف، تضع رأسها على ظهره.
ابتسم ثم استدار إليها: إيه الرضا دا كلُّه.
دنت منه تحاوط عنقه، ورفعت نفسها، وطبعت قبلةً سريعة على خاصَّته، تراجعت تنظر لعينيه، ثم همست: الليلة هبات في حضنك، ما ليش دعوة، أنا مراتك، قالتها وعيناها بعينيه ليسقط ما بيده، لم تكترث لحالته، وقبَّلته مرةً أخرى واستدارت وهي تقول: متتأخرش. قالتها وانسحبت بهدوء مثلما دخلت وكأنها لم تفعل شيئًا.

خرجت من شرودها، تنظر إليه بابتسامة
بتبص لي كدا ليه؟
ضمَّها لأحضانه ونفسًا عميقًا، يدفن وجهه بخصلاتها: يعني قولتي لماما إنك بتِّي في حضني؟
تورَّدت وجنتيها تهزُّ رأسها ثم قالت: بلال. لازم تقول لبابا، ماما قالت لي مينفعش كدا. رفعت رأسها: أنا كنت بحاول نصبر علشان موضوع ضي ويوسف، ودلوقتي يوسف جه، وهيسافر كمان، وضي اتخطبت، خلاص مبقاش ينفع نأجِّل أكتر من كدا. كفاية التلات شهور العذاب دول.

لمس ذقنها، ثم فجأةً أمسك كفَّها: قومي تعالي.
قطبت جبينها باستفهام: هنروح فين؟
هقول لباباكي إننا هنرجع بيتنا، خلاص مفيش سبب يخلِّينا كدا، وإنتي قولتي ضي اتخطبت. صمت متذكِّرًا: بابا كان بيقولِّي نور هيجي علشان يكتب الكتاب.
يعني إيه مش فاهمة؟
ولا أنا بقيت فاهم حاجة، بابا حاول معاها لكن هيَّ مصرَّة.
أنا متفاجئة جدًّا، إزاي بتحبِّ يوسف وتتخطب لواحد تاني؟!

طالعها بشك وقال: لأنَّها مش هتكمِّل مع نور، هيَّ بتضغط على يوسف، أنا متأكِّد ضي بتعمل كدا، علشان تضايق يوسف، بدليل موضوع كتب الكتاب دا.

عند إلياس...
كان يقود السيارة بسرعةٍ جنونية، كأنه يسابق الريح، بينما كانت ميرال تضع رأسها على زجاج النافذة، ترمقه بطرف عينيها بين الحين والآخر.
عيناه كانتا جامدتين، مثبتتين على الطريق، وجسده متصلِّب كقطعةٍ من الصخر، وأنفاسه تخرج بصعوبة، ثقيلة، متقطِّعة، وكلُّ شيء فيه كان يخبرها أنه لن يغفر لها.
اعتدلت في جلستها، وحاولت أن تتكلَّم بصوتٍ مرتجف: إلياس...

لكنه لم يلتفت. ظلَّ ينظر أمامه بصمتٍ قاتل، صمتٌ جعل قلبها يرتجف داخل صدرها، حتى انهمرت دموعها.
كنت عايزني أعمل إيه؟ هوَّ اللي طلب من وعد ما اعرَّفش حد، وخصوصًا إنتَ علشان ما تتقهرش عليه...
مدَّت يدها تمسك ذراعه، تحاول أن تنتزع منه كلمة، أو حتى نظرة.
إلياس، يوسف بيخاف عليك أوي، حبيبي ما حبش يشوفك مكسور بسببه.
أغمض عينيه لثوانٍ، صوت يوسف عاد يجلجل في رأسه: أنا غدَّار يا بابا!

اشتدت أصابعه على المقود حتى ابيضَّت مفاصله، وكأنَّ بداخله نارًا لو خرجت لأحرقت كل شيء.
ارتفعت شهقات ميرال أكثر، وقالت بصوتٍ مختنق: ده ابني، ابني اللي الدنيا كلَّها جت عليه بسببي، إنتَ نسيت الماضي عمل فيه إيه؟ مكنتش عايزة أكسره تاني، وللأسف، حتى الوعد مقدرتش أوفيه. الكلِّ عرف.
ابتلعت شهقتها بصعوبة، ثم همست بانكسار: تفتكر هيرجع يسامحني؟ ولَّا هيقول إني ما كنتش فارقة معاه؟ ما أنا دايمًا بدبحه.

استدارت ناحية النافذة، تبكي بصمتٍ موجع. ثم همست تحدِّث نفسها: حبيبي، الناس كلَّها بترتاح في حضن أمَّها، إلَّا هو أنا دايمًا اللي بتعب قلبه.

فجأة، ضغط إلياس على الفرامل، فتوقَّفت السيارة على جانب الطريق. استدار إليها أخيرًا، وكانت نظراته موجوعة أكثر ممَّا هي غاضبة.
ليه دايمًا بتحطِّي وجع يوسف على الماضي: نظرت إليه بعينين غارقتينِ بالدموع: لأن دي الحقيقة.
هزَّ رأسه ببطء، ثم قال بحزمٍ امتزج بوجع: لا، دي مش الحقيقة، أوعي تخلِّي شيطانك يقنعك بده، مفيش أم في الدنيا بتكون وجع لابنها بإرادتها، وجودك في حياته لوحده أكبر أمان.

سكت لحظة، ثم أكمل بصوتٍ خافت: يوسف لسه بيتوجع، ومشكلته إنه كاتم كلِّ حاجة جوَّاه، ما بيتكلمش.
نظرت إليه بمرارةٍ باهتة: ما هو شبهك يا إلياس، من إمتى وإنتَ بتحكي وجعك؟
ابتسم ابتسامة صغيرة، متعبة: ولمَّا أنا أحكي، مين اللي هيشيل عنكم؟

رفع يده ببطء، ومسح دموعها بأنامله، ثم احتضن وجهها بين كفَّيه: أهم حاجة عندي دلوقتي، أنتوا تكونوا مرتاحين، لازم أفوَّقه من الوجع اللي حاطُّه لنفسه، الله يسامحك، لو عرفت مكنش دا كلُّه حصل، قالها
ثم ابتعد عنها قليلًا، وأدار السيارة من جديد.
رنَّ هاتفه/
أيوة يا مالك؟
ساد الصمت لثوانٍ، ثم قال: تمام، تمام.
أغلقت ميرال عينيها للحظة، قبل أن تسأله بسرعة: قالَّك إيه؟

— كلِّم مدير أمن المطار، وهيعرف إذا كان يوسف سافر ولَّا لأ من مراجعة الجواز باسمه. ولو لسة هيوقَّف إجراءات سفره.
وضعت يدها على صدرها، وهمست برجاء: يارب يا ابني، يارب تهدى وتسمع الكلام.
أوصلُّه بس وكلِّ حاجة هترجع إن شاء الله.
طيب وضي وكتب كتابها، شوفت المجنونة عملت إيه.
ازداد تنفُّسه كلما تذكَّر ما صار، ثم قال بنبرةٍ ثقيلة موجعة: معرفش، لكن على ما أظن بعد اللي سمعته مش هتكمِّل.

تفتكر. تفتكر هتهدى، الواد روحه فيها.
ضغط على شفتيه بقوة، حين عجز عن الرد.
أمسكت ذراعه: كلِّم أرسلان، ما تخلهوش يجوِّز البنت يا إلياس، بلاش يموِّتوا الواد كدا.
هنا شعر إلياس بنيرانٍ تحرق صدره، فكلما تذكَّر ما فعله أخيه من خلف ظهره، يشعر بأنه طعنه دون رحمة.
إلياس ما بتردش ليه؟
ضي بتحبِّ يوسف ياميرال، وعندي أمل إنَّها عملت كدا علشان توجعه مش أكتر، يعني ممكن ما تكملش الجواز.

وممكن بعد ما عرفت سبب طلاقها، أمَّها تصرّ على الجواز.
أغمض عيناه للحظات، وكأنَّ هذا الشعور يأكل روحه، وهو يتخيَّل كمَّ الألم الذي عانى منه وحيده، همس بسريرته: يارب، يارب راضيه، التفت إلى ميرال: حتى لو حصل كدا، هيبقى نصيبهم كدا، متزعليش، النصيب دا بتاع ربِّنا.
لكن كلماته توقَّفت، حين لمح الزحام الممتدّ أمامه، والطريق المغلق تمامًا.
انعقد حاجباه، وهمس بقلق: خير يارب...

أوقف السيارة، وظلَّ للحظات ينظر أمامه في صمت، قبل أن يفتح الباب.
التفتت إليه ميرال بسرعة: هتنزل ليه؟ إحنا لازم نلحق يوسف.
أغلق الباب، ثم انحنى قليلًا نحوها من الخارج وقال: خلاص. مالك اتصرَّف، يوسف مش هيعرف يسافر. وبعدين الطريق مقفول، هنعدِّي إزاي، هشوف فيه إيه؟
ثم تحرَّك مبتعدًا، متَّجهًا نحو الزحام.
أوقف أحد الواقفين وسأله بلهفة: الطريق مقفول ليه؟

التفت الرجل إليه، وقال بوجهٍ شاحب: في حادثة كبيرة قدَّام. عربية مقلوبة، وفي شاب جوَّاها، ومحدش عارف يطلَّعه، والإسعاف لسه ما وصلتش.

لا حول ولا قوة إلَّا بالله...
قالها وهو يشقُّ طريقه نحو مكان الحادث.
لا حول ولا قوة إلَّا بالله، ربِّنا يستر.
خطوة، اثنتان، ثلاث...

انحنى قليلًا بين الناس، يحاول أن يجد منفذًا وسط الزحام، حتى توقَّفت قدماه فجأة، وتجمَّد جسده في مكانه، حين وقعت عيناه على السيارة. لا، مش ممكن، خطوة أخرى، لتتَّسع عيناه بذعر، وتقدَّم خطوتينِ متعثِّرتين، يحاول أن يقنع نفسه أنها ليست سيارة ابنه، أنَّ كلَّ ما يراه كذبة. وهم، كابوس وسيفيق منه بعد لحظة.
لكن الشهقة التي خرجت من صدره عفوية، بفطرته الأبويَّة وهو يرى ابنه داخل سيارته المنقلبة.
يوسف...

تمتم بها بشهقة كأنَّها تُنتزع من روحه انتزاعًا.
لا. لا يوسف.
خرج الاسم من بين شفتيه مرتجفًا، ثم اندفع نحو السيارة كالمجنون: يوسف!
حاول الرجال إيقافه، أمسكوا بذراعيه، نادوه أن يهدأ، لكنَّه لم يسمع أحدًا. في تلك اللحظة لم يعد رجلًا قويًا، ولا أبًا يخشى هيبته، بل أصبح قلبًا مذعورًا يركض نحو ابنه.
أفلت نفسه منهم بعنف، وهو يدفع الجميع حتى وصل إلى السيارة.
وهنا فقط...

ما أقسى أن يقف الأب عاجزًا وهو يرى ابنه بين الحياة والموت، لا يملك له نجاةً، ولا يستطيع أن يأخذ عنه الألم، ولا أن يفديه بعمره، وهو الذي كان يتمنَّى لو حمل عنه كلَّ وجع، وكلَّ حزن، وكلَّ سوء.
نعم عزيزاتي.
فما قيمة العالم للأب وهو يرى فلذة كبده بين الحياة والموت.
هوى على ركبتيه أمام الباب، وأخذ يحاول فتحه بيدينِ ترتجفان: ابني، يوسف.
انكسرت كلماته، واختنقت في حلقه، وانهمرت دموعه رغمًا عنه.

رغم قوة إلياس، رغم قسوته التي طالما احتمى بها، إلَّا أنَّ كل شيءٍ داخله انهار في تلك اللحظة.
أصبح قلبه هشًّا، ضعيفًا، يرتجف كطفل.
راح يضرب الزجاج بيديه، بجنون، وكأنَّ كل ثانية تمرُّ تسرق ابنه منه أكثر.
يارب، يارب...
كان يدعو بصوتٍ متحشرج، بينما قلبه يصرخ بالدعاء الذي لم يجرؤ لسانه على قوله: يارب، خذ بصري، ولا تجعلني أراه هكذا...

اقترب منه أحد الرجال بسرعة، ووضع يده على كتفه: لازم نكسر الإزاز ونخرَّجه من الشباك. لكن إلياس لم يكن يسمع، لم يكن يرى أحدًا.
كان كلَّ ما يراه هو يوسف.
يوسف فقط.
ظلَّ يضرب الزجاج بيديهِ المرتجفتين، غير شاعرٍ بالألم، غير شاعرٍ بشيء، إلَّا بالخوف الذي كان ينهش قلبه، والخشية المرعبة أن يفقده: ابني. ابني هيموت. صرخ بها وقلبه ينهار بعجز، نعم عزيزاتي هنا.

ابني هيموت. لم تكن كلمة تُنطق، بل نزيفًا يحرق مشاعر الأبوَّة، وجع عمرٍ كامل.
و انهيار أبٍ رأى الدنيا كلَّها تُسحب من بين يديه في لحظة.
اندفع للباب الآخر، يتعثَّر، يزاحم الناس، يدفعهم عنه كالمجنون، لا يسمع أحدًا، لا يرى أحدًا.
وصل إلى جسد ابنه العالق بالسيارة، بل العالق بين الحياة والموت، سقط على ركبتيه أمام السيارة، لا لأنَّه أراد، بل لأنَّ ساقيه لم تعودا تقويان على حمله.
حدَّق فيه طويلًا...

حدَّق في الوجه الذي كان يملأ قلبه ضحكًا، الآن مغمورًا بالدماء.
في العينين اللتين كانتا تناديانه: أبي، الآن أصبحت مغلقة عن الحياة، في الابن الذي كان يظنُّه أقوى به من كلِّ شيء، الآن أصبح أضعف من أي شيء.
هنا أصبح إلياس جسدًا بلا روح.
انهار ذلك الرجل الذي لم يبكِ يومًا.
ذلك الذي كان يحمل الدنيا فوق كتفيه، ويقف ثابتًا مهما اشتدت عليه الحياة.
انهار كطفلٍ ضائع.

مدَّ يده المرتجفة نحو السيارة، يطرق الزجاج بجنون، وصوته خرج ممزَّقًا، مبحوحًا، كأنَّ كل حرف فيه ينزف: يوووووسف.
قالها ينتظر أن يشعر به ابنه، وأن يفتح عيناه يطمئن روحه من أن تسرقها الحياة.
لكن صوته كان يرتدَّ إليه، ويزيد قلبه تمزُّقًا.
أخذ يضرب الزجاج بيديه، مرَّة. ثم أخرى، ثم أخرى...
حتى سال الدم من كفَّيه، ولم يشعر.
أيُّ ألمٍ هذا أمام ألم قلبه؟
أيُّ جرحٍ في يده، أمام الجرح الذي شقَّ صدره نصفين؟

رفع رأسه إلى السماء، وعيناه غارقتانِ بالدموع، ثم خرج منه دعاءً يشبه الصرخة: يا رب، يارب.
ارتجف صوته، وانكسر، ثم همس بما لا يقوله أبٌ إلَّا حين تبلغ روحه لا حول ولا قوة إلَّا بالله...

يارب خد بصري ولا تجعلني أراه هكذا
عند ميرال.
ترجلت من السيارة بعد تأخر إلياس، تشعر بألمًا كاد أن يفتك بقلبها
رحت فين ياإلياس، يوسف هيسافر ومش هنلحقه
تحرَّكت بين الزحام، تبحث عنه وهاتفها على أذنها في محاولةٍ للاتِّصال به، فجأةً انتفض جسدها بذعر، وهي تراه يقترب من السيارة المنقلبة، يصرخ: ابني.

خطت ميرال بضعف، كأنَّ قدميها لم تعودا تحملانها، وكأنَّ ما تراه أمامها أكبر من أن يستوعبه عقل أو يحتمله قلب. توقَّفت في مكانها للحظات، جامدة، عاجزة عن الحركة، بينما كان إلياس أمام السيارة كإعصارٍ فقد عقله. يدفع الباب بكلِّ ما فيه من جنون، والرجال يحاولون إبعاده، لكنه لم يكن يرى أحدًا، لم يكن يسمعُ شيئًا. كان أعمى عن العالم كلِّه، لا يرى سوى ابنه.

وبقوة لا يعلم من أين جاءت، انتزع باب السيارة انتزاعًا، ثم انحنى بسرعة ولهفة، ويداه ترتجفان، وسحب يوسف من الداخل برفقٍ موجع، برفقِ رجلٍ يحمل روحه بين ذراعيه، شيئًا يخشى أن ينكسر من شدَّة الألم.
ضمَّه إلى صدره بقوة، حتى حين اقترب أحد الرجال ليساعده، ارتدَّ إلياس إلى الخلف واحتضنه أكثر، يشعر بأنَّ العالم كلِّه يريد أن ينتزعه منه.

ابتعد عدَّة خطواتٍ عن السيارة، وجلس على الأرض وهو يضمُّه، وأنفاسه تتكسَّر في صدره، بينما ميرال ما تزال واقفة بعيدًا، حاضرة بجسدها فقط، أمَّا روحها، فكانت ترفض أن تصدِّق.
رفع إلياس يده المرتجفة، وأخذ يمسح على وجه يوسف بيدٍ لا تكفُّ عن الارتعاش، بينما دموعه تنهمر بلا توقُّف.
لا لا. يارب ما تختبرنيش في ابني يارب.
اقترب رجلٌ منهم بسرعة، وانحنى قليلًا وهو يقول: أنا دكتور، وسَّع لو سمحت، أشوفه...

ثم توقَّف للحظة، قبل أن يهمس بصوتٍ خافت: عايش، ولَّا...
كلمة واحدة فقط، لكنها اخترقت قلب إلياس كطعنة، رفع رأسه إليه ببطء، وعيناه ممتلئتانٍ برعبٍ لم يعرفه يومًا، لم يفهم معنى ما سمعه، أو ربَّما فهمه وخاف من قول أنَّه لم يعش.
انحنى الطبيب سريعًا، وضع يده على يوسف، ثم قال بلهفة: لسه عايش، الحمد لله، بسرعة إسعاف! لازم إسعاف حالًا! المريض بينزف.
قال أحد الواقفين: ناخده بأيِّ عربية!

لكن الطبيب هزَّ رأسه بسرعة: لا، حالته حرجة، لازم إسعاف، همَّا أقدر يتعاملوا معاه. أنا هحاول أوقف النزيف، قالها وهو يحاول أن يفعل ما يلزم في تلك الحالة.
هنا. انهار إلياس. ينظر الى ابنه، كأنه أصبح جثَّة لا تمتُّ للحياة بشيء، لحظات وابتعد الطبيب: دا اللي قدرت عليه، فيه خبطة في دماغه جامدة، وعلى ما أظن صدره كمان، لازم إسعاف بسرعة.

رفعه إلياس ببطءٍ حذر، يضمُّه إلى صدره بعنف، حتى كاد يخفيه داخل أضلعه، وخرجت منه صرخةً موجوعة، ممزَّقة، صرخةُ رجلٍ يرى الدنيا كلَّها تنهار أمامه: آآآه، يارب، ما تختبرنيش في ابني.
عندها فقط، أفاقت ميرال. تسحب أقدامها المرتعشة بوهن، تدفع الناس بعيونِ ضائعة، رافضة ما تراه، توقَّفت تنظر لذلك الجسد الذي ضاعت ملامحه بالإصابات.

رفعت رأسها ببطء، وعيناها تائهتان، ثم همست بصوتٍ متقطِّع، كأنَّ الكلمات تخنقها قبل أن تخرج: مين، مين اللي إلياس شايله؟
خطت خطوة. ثم أخرى، و جسدها كلُّه يرتجف، بينما قلبها يرفض الفكرة، يرفض الاسم الذي يدور في رأسها، يرفض أن يكون هو، وحين وصلت إليهما، توقَّفت.

وقفت تنظر إلى الجسد المستلقي بين ذراعي إلياس، وعيناها تدوران فوقه ببطء، بضياع، كأنها لم تعد تعرف كيف ترى، أو كأنها تتوسَّل لعينيها أن تكذِّبا ما أمامهما.
ثم هوت على ركبتيها.
ارتجف جسدها كلِّه، ومدَّت يدها نحوه ببطءٍ شديد، تخاف أن تلمسه فتتأكَّد أنه ابنها.
وضعت يدها على رأسه، ومسحت عليه برفق، ثم انزلقت أصابعها حتى وصلت إلى يده.

رفعتها بين كفَّيها، وحدَّقت فيها طويلًا، طويلًا جدًّا بضياع. ثم ضمَّتها إلى صدرها، كلُّ هذا وهي لم تستوعب ما يدور، قلبها يخفق بجنون من فكرة أنَّه ابنها.
وبصوتٍ مكسور، خافت، لا يشبه صوتها: مين ده؟!
بعينين ضائعتين. تحرَّكت على ملامحه، ومرَّرت أناملها على وجهه.
نظر إليها إلياس بحزنٍ يشقُّ صدره: يا حبيبي. مين دا يا إلياس؟
سحب رأسها يضمُّها ويبكي بصمت.

قادتها عاطفتها الأموميَّة، رغم رفض عيناها أنَّه يوسف، رفعت يده إلى شفتيها، وقبَّلتها، ثم انفجرت دموعها أخيرًا، وهزَّت رأسها بعنف وهي تبكي: لا. لا، ده يوسف، ده ابني، ده ابني يا إلياس. ده ابني.
كان إلياس يبكي بصمت، يحتضنها بقوة، عاجزًا حتى عن الكلام.
اقتربت سيِّدة من الواقفين، وانحنت بجوار ميرال، وهمست بحنان: إن شاء الله هيقوم بالسلامة. ادعوا له...
لكن ميرال لم تكن تسمع.

كانت تنظر إلى يوسف فقط، كأنَّ الدنيا كلَّها اختفت، ثم مالت عليه فجأة، وسحبت رأسه من بين ذراعي إلياس إلى حضنها، وضمَّت وجهه إلى صدرها، وهي تبكي بصمتٍ موجع، صمتُ أمٍّ تشعر أن قلبها يُنتزع من بين ضلوعها.
ظلَّت تحرِّك كفَّيها بحنانٍ على وجهه، وعيناها تدفع الدمع بالدمع بصمت، لم تبكِ، لم تصرخ، فقط قالت:
يوسف. حبيبي أنا جيت يا روح ماما.

قالتها ميرال وهي ترفعه إلى صدرها، كأنها تحاول أن تخفيه داخل قلبها، أن تبعده عن كلِّ هذا، عن الدم، عن الخوف، عن الموت نفسه.
خلاص مش هتسافر. أنا مستحيل أسيبك تبعد عنِّي تاني.
نظرت لوجهه وقبلة حنونة تصرخ بالألم على وجهه، ثم مرَّرت أناملها المرتجفة على وجهه، تمسح الدماء عن جبينه وخدِّه، وكأنَّها لو أزالت هذا الدم، سيعود كما كان، سيفتح عينيه ويبتسم لها.

اسم الله عليك يا حبيبي. اسم الله عليك يا قلب ماما...
وصلت سيارة الإسعاف أخيرًا، وصوتها مزَّق المكان. توقَّف إلياس للحظة، ورفع رأسه نحوها، ثم أغلق عينيه بقوة، يحاول أن يسيطر على انتفاضة جسده، على رعشة يديه، على قلبه الذي ينهار بصمت.
قفز أحد المسعفين من السيارة، واقترب بسرعة: لو سمحتوا. كلُّه يبعد.
همَّ بوضع الحامل بجوار يوسف، لكن إلياس مدَّ يده إليه، وصوته مبحوح، مكسور: بالراحة. لو سمحت. بالراحة.

اقترب المسعف أكثر، وانحنى ليحمل يوسف، لكن ميرال ضمَّته إلى صدرها فجأة، ودفعته بعيدًا بيدٍ مرتجفة، وعيناها متَّسعتانِ بجنونٍ وألم: محدش يقرَّب! محدش هياخد ابني منِّي!
تجمَّد الجميع، حتى إلياس نظر إليها بصدمة، بعجز، لا يعرف كيف لا تزال قادرة على تحمُّل كلَّ هذا الوجع دون أن تموت مكانها.
اقترب منها ببطء، وانحنى أمامها، ويده ترتجف فوق كتفها: ميرال. سبيهم. سبيهم يشوفوا شغلهم.

لكنها رفعت رأسها إليه بعينين غارقتينِ في الدموع، وصرخت فيه وكأنَّها لا تعرفه: ابعد عنِّي! محدش يقرَّب من ابني! محدش هياخده منِّي!
ثم نظرت إلى يوسف، إلى وجهه الشاحب، إلى الدماء على شعره، ومسحت على خدِّه بيدٍ مرتجفة: هاخده البيت. وهو هيخفّ، صح يا حبيبي؟ هنرجع بيتنا.
ثم قرَّبت وجهها من وجهه، وهمست ببكاءٍ ممزَّق: يوسف. حبيبي اصحى يلَّا قوم هنرجع البيت...

ارتفعت همسات الناس حولها: لا حول ولا قوة إلَّا بالله ربِّنا يربط على قلبها.
لكنها لم تكن تسمع شيئًا.
كانت تهزُّه برفق، بحنان. ثم فجأةً بعنف، وكأنها تريد أن تعيده إليها بالقوة: افتح عيونك يا حبيب ماما، يلَّا قوم، يوسف إنتَ مش سامعني؟!
ميرال خلِّيهم ينقذوه، الولد هيموت.

هيموت. كأنَّ الكلمة شقَّت صدرها ومزَّقته، لتنفجر صرخاتها، صرخة مزَّقت المكان كلِّه: يووووسف! بقولَّك افتح عيونك! بلاش توجع قلبي يا ابني!
قالتها وضمَّته بقوة إلى صدرها، حتى كادت تسحقه بين ذراعيها، وخرج صوتها ممزَّقًا، مختنقًا، كأنَّ روحها هي التي تصرخ: ابني. يوسف. ابني...
اقترب إلياس بسرعة، وجذب يوسف بهدوء من بين ذراعيها، رغم مقاومة يديها المرتعشتين: لو ما سبتيش الولد. هيموت.

رفعت رأسها إليه فجأة، وعيناها تحترقان: اخرس!
ثم عادت تنظر إلى يوسف، إلى وجهه الغارق بالدم، وانهارت وهي تهمس: أنا السبب يا حبيبي. أنا السبب.
أمسكها إلياس من كتفيها بقوة، وهو يشعر أنها تنهار من بين يديه، بينما اقترب المسعفون وقد بدأ الضيق يظهر على وجوههم: لازم ننقذ المريض بسرعة، عايزين نشوف حالته.
لحظة واحدة فقط. لحظة مرَّت كأنها عمرٌ كامل.
ثم أشار المسعف بسرعة إلى السيارة، وحملوا يوسف إلى الداخل.

ظلَّت ميرال مكانها، تبكي بلا صوت، وهي ترى ابنها يُرفع بعيدًا عنها، يُوضع داخل سيارة الإسعاف، ثم يُغلق الباب عليه.
وفي اللحظة التي أُغلق فيها الباب، شعرت وكأنَّ قلبها هو الذي أُغلق معه.
ركض إلياس خلف السيارة بسرعة، وطرق على الباب قبل أن تتحرَّك: لو سمحت، أنا مش عايز ابني يروح مستشفى عام.
ردَّ المسعف بسرعة: إحنا هناخده أقرب مستشفى، وحضرتك تقدر تستلمه من هناك.

أمسكه إلياس من ذراعه، وعيناه ممتلئتانِ بالغضب والرعب: ابني هيروح المستشفى اللي أنا هقول عليها! يا إمَّا كده، يا إمَّا تسيبوه.
نظر المسعف إليه لثانية، ثم أشار للسائق، وصعد إلياس معهم إلى السيارة.
وقبل أن يغلق الباب، التفت بعينيه يبحث عن ميرال.
كانت ما تزال جالسة على الأرض. ساكنة.

تنظر إلى كفَّيها الغارقتينِ بدماء يوسف، وكأنَّها لا تعرفهما. وكأنها لا تصدِّق أنَّ هذا الدم كان منذ دقائق يجري داخل قلبها الصغير. علم إلياس من حالتها، أنَّها لا تشعر بشيء.
أخرج إلياس هاتفه بسرعة، واتَّصل: يزن!
في تلك اللحظة، كان يزن يجلس مع بلال، يتحدَّثانِ بصوتٍ منخفض عن ما صار الليلة، وكيف وضعه مع زوجته، استمع إلى الهاتف ورفعه بسرعة: أيوة يا إلياس. لحقت يوسف؟

ردَّ إلياس بصوتٍ متقطِّع، مختنقًا بالبكاء: هبعتلك لوكيشن. هات ميرال من هناك، والحقوني على المستشفى بسرعة، أختك مش في وعيها.
وقف يزن من مكانه دفعةً واحدة، وشحب وجهه: ليه! إيه اللي حصل؟!
أغمض إلياس عينيه للحظة، ثم قال بصوتٍ ميِّت: يوسف عمل حادثة.
شهق يزن، غير مستوعبٍ مااستمع إليه: إنتَ بتقول إيه؟!
يزن. ميرال مش حاسَّة بحاجة، وأنا مع يوسف في الإسعاف. بسرعة الحقها.
تمام، تمام...

أغلق الهاتف، واندفع خارجًا كالمجنون.
عمُّو يزن، إيه اللي حصل؟
قالها بلال، لكن يزن لم يتوقَّف، فقال وهو يركض: يوسف عمل حادثة.
تجمَّد بلال مكانه، وكأنَّ الكلمات أصابته في صدره مباشرة: يوسف مين؟!
التفت إليه يزن بعينينِ مذعورتين: هوَّ فيه يوسف غير ابن عمَّك!
ثم اندفع نحو سيارته.
ركضت رحيل خلفه وهي تصرخ: يزن! استنى. أنا جاية معاك!

لكنه كان قد انطلق بالفعل، ينظر إلى الهاتف بيدٍ مرتجفة، يتتبَّع المكان الذي أرسله إليه إلياس.
أمَّا بلال...
فوقف لثانية واحدة فقط.
يوسف عمل حادثة! يارب استر، قالها ثم اندفع هو الآخر نحو سيارته.

عند ضي قبل قليل.
دخلت بيت والدها، لتجد نور ووالده، والمأذون.
توقَّفت في مكانها، وعيناها تتحرَّكانِ بينهم ببطء، ثم قالت بصوتٍ مرتبك: نور. عايزة أتكلِّم معاك.
خرج معها بعدما مال نحو والده هامسًا: خمس دقائق وراجع.

لكن والده أمسك بذراعه قبل أن يبتعد، وقال بضيق: رايح فين يا أستاذ؟ فاكر إني هستنَّى دقيقة كمان، إحنا بقالنا ربع ساعة واقفين، ولا حد استقبلنا. دول الناس اللي عاملهم حساب؟

نهض وهو يغلق سترته بعصبية، ثم أردف بسخرية لاذعة: مش كفاية إنك هتتجوز مطلَّقة، لا، وكمان مفيش استقبال، ولا حتى يعرفوا الأصول.

تصلَّب وجه نور، وقال بصوتٍ خافت: بابا. لو سمحت.

أشار له والده بحدَّة: مش عايز أسمع كلمة. بقالك شهور تضغط عليَّ لحدِّ ما جيت، فين أبوها اللي فاكر نفسه رئيس أمريكا، إنتَ أصلًا شفت الطريقة اللي كلِّمني بيها؟

ثم هزَّ رأسه باستهزاء: ده واحد شايف نفسه. وما يعرفش أنا مين.

اقترب منه نور أكثر، وقال بصوتٍ يحمل رجاءً صادقًا: بابا، علشان خاطري، أنا بحبَّها. استحمل شوية كمان.

رفع يده في حركةٍ متوسِّلة: علشان خاطري.

زفر والده بضيق، ثم رفع عينيه إليه طويلًا قبل أن يقول: هستحمل. علشان خاطرك، لكن أسلوبك معاها مش عاجبني.

توقَّف لحظة، ثم سأله بحدَّة ممزوجة بالحيرة: فيها إيه البتِّ دي علشان مجنَّناك كده؟

ابتسم نور ابتسامة صغيرة، رغم التوتر الذي يعتصره: فيها إني بحبَّها يا بابا.

ظلَّ والده ينظر إليه لثوانٍ، ثم لوَّح بيده في استسلام وهو يجلس مكانه من جديد: ماشي يا نور...

تحرَّك نور بسرعة، يخشى أن يبدِّل والده رأيه، واتجه إلى الحديقة حيث كانت ضي تقف وحدها، بعيدة عن الجميع. تنظر بشرود وضياع
وحين شعرت بخطواته خلفها، التفتت إليه.

ابتسم فور أن رآها، وقال برقَّة: نعم يا حبيبتي؟
التفتت إليه بسرعة، وكأنَّ الكلمة صفعتها.
اتَّسعت عيناها بغضب وقالت بحدَّة مكتومة: إيه حبيبتي دي يا نور؟
اقترب منها بخطوة، وعيناه تتفحصَّان وجهها بقلق: ضي. إحنا بعد شوية هنكتب كتابنا.
ثم توقف فجأة، وقد انتبه لملامحها الشاحبة وعينيها المتورِّمتين: إنتِ كنتِ بتعيطي؟
تحرَّك نحوها أكثر، لكنها تراجعت بسرعة، كأنَّ اقترابه يُثقل أنفاسها.

أنا كويسة. بس لازم تسمعني.

ظلَّ ينظر إليها منتظرًا، بينما هي حمحت بصعوبة، ثم تراجعت خطوة أخرى للخلف: نور، أنا آسفة، مش هقدر حقيقي، مش هقدر أكمِّل في اللعبة دي.

انعقد حاجباه، وردَّد الكلمة وكأنه لم يفهمها: لعبة؟!
أومأت برأسها ببطء، بينما راحت دموعها تنساب رغمًا عنها: بالنسبة لي. آه.
ضاقت عيناه، وحدَّق بها طويلًا: يعني إيه؟

استندت إلى الحائط خلفها، حين شعرت بأنَّ قدميها لم تعودا تحملانها، ثم قالت بصوتٍ مكسور: أنا مكنتش ناوية أتجوزك.
اتَّسعت عيناه بصدمة: يعني إيه؟
التفتت إليه، بينما بقي ظهرها ملتصقًا بالحائط: أنا ما ضحكتش عليك. أنا قلت لك من الأوِّل إني مش هقدر، لكن إنتَ أصرِّيت. ومكنش بينَّا أصلًا اتفاق على جواز.
آه. لكن إنتِ وافقتِ.

ابتلعت غصَّتها، ثم تابعت: وافقت على خطوبة، وقلت لك إني لسه متأثِّرة بجوزي.
اشتدَّ فكِّه، وقال بحدَّة: قصدك طليقك يا ضي، ووقتها قلت لك: سيبيلي قلبك، والباقي عليّ.
هزَّت رأسها، واختفى وجهها خلف دموعها: قلبي مش ملكي علشان أدِّيه لحد، وأنا ما كذبتش عليك.

اقترب منها أكثر: ضي. إنتِ بتقولي كده علشان طليقك رجع. طبيعي إنِّك اتأثرتي، اسمعي كلامي، خلينا نكتب كتابنا، وأنا أوعدك إني هعيِّشك أيام تنسِّيكي الماضي كلُّه.
هزَّت رأسها بعنف: مش هينفع. والله ما هقدر، بلاش تضغط عليَّ. يوسف مش بس كان جوزي. يوسف كان حياتي كلَّها.
كوَّر قبضته بعنف، واهتزَّ فكِّه بغضب: لاحظي إنك بتتكلِّمي عن طليقك يا ضي.

نور. افهمني لو سمحت، أنا مش هقدر، ربِّنا يرزقك باللي أحسن مني، أنا هرجع لجوزي.
اشتعلت عيناه، و صوته أكثر حدَّة: يعني بعد ده كلُّه. برضه عايزة تسيبيني؟!
أنا كنت رافضة من البداية. وإنتَ اللي أصرِّيت، حتى كتب الكتاب اللي فاجئتني بيه ده، كان مستحيل يتم. وأنا قلت لك ده في التليفون. لكن إنتَ كنت مصرّ تضغط عليَّ.

مرَّر يده في شعره بعصبية: عملت كده علشان ما نوصلش للحظة دي، كنت خايف من اللي حصل، وفعلًا حصل. آه، أنا اللي قرَّرت كتب الكتاب، لأني كنت عارف إنك أول ما تشوفي طليقك هتتأثَّري.
دار حول نفسه بعصبية، ثم توقَّف أمامها مباشرة: أنا بقالي سنة يا ضي، سنة كاملة مستنِّي.

رفعت عينيها إليه، وقالت بألم: وأنا ما وعدتكش بحاجة. كنت دايمًا صريحة معاك، قلت لك إن يوسف لسه في قلبي. لكن إنتَ كنت بتضغط عليَّ.

تردَّدت لحظة، ثم أغمضت عينيها وقالت: وافقت على الخطوبة علشان أضايق يوسف وبس، لكني كنت مستحيل أتجوزك.
تجمَّد للحظة، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ ومخيف: يعني. كنتِ واخداني كوبري؟
صمتت. ذلك الصمت وحده كان كافيًا ليشعل كلَّ ما بداخله.
اقترب فجأة، وقبض على ذراعيها بقوة: إنتِ ما تعرفيش أنا ممكن أعمل فيكِ إيه دلوقتي.

رفعت إليه عينيها المتورِّمتين من البكاء، لكنها لم تبدُ خائفة: ما بقاش يهمني. اعمل اللي إنتَ عايزه. وخد حقَّك بالطريقة اللي تريَّحك، لكن جواز وخطوبة. مش هقدر، سامحني.
ضحك بمرارة، ثم دفعها بعيدًا عنه خطوة: أسامحك؟

ثم أشار إليها بغضب: لأ يا أستاذة، إنتِ هتكمِّلي معايا غصب عنِّك، الأول كنت سايبك براحتك. لكن دلوقتي انتهى، الناس كلَّها عرفت إنك خطيبتي. مش هينفع تاني يوم ألاقي صورنا مالية الدنيا، وانفصالنا يبقى فضيحة.
اقترب منها خطوة، و هتف بصوتٍ أصبح أكثر قسوة: يومين وهعمل حفلة، وهنكتب الكتاب. والنهاردة هسيبك، لأن شكلك تعبان، لكن بعد يومين، عايزك جاهزة لكتب الكتاب، والدخلة كمان.

ثم أكمل، وهو يحدِّق بها بعينينِ مشتعليتن: وانسي أي اتِّفاق بينَّا، من دلوقتي هنتعامل زي أي اتنين متجوزين. وإنتِ أكيد فاهمة قصدي.
ساد صمتٌ للحظات، ظلَّت تنظر إليه لثوانٍ طويلة، ثم أنزلت عينيها إلى يدها ببطءٍ شديد وفتحتها تنظر لخاتم الخطبة.

تقدَّمت نحوه، أمسكت كفِّه، ووضعت الخاتم داخله: انا مقدَّرة زعلك، صدَّقني كدا أحسن، أنا مش هقدر، لأن حياتي كلَّها ليوسف، نظرت للخاتم وقالت: تخيَّل ما قدرتش أتحمِّله دقايق في إيدي، وقت ما حطِّيته خلعته، حسِّيته بنار، أنا آسفة بجد، مش أنا اللي هتقدر تسعدك، وقولت لك دا كتير، لحدِّ ما وصَّلتني إنِّي أوافق، مش علشانك، علشان أضايق يوسف وبس.

اسمعيني إنتي، مش نور الدين اللي يتقلِّ بيه، ومش أبويا اللي يجي من سفر علشاني وحضرتك في الآخر تقولي آسفة.
اللي عندي قولته؛ وبالنسبة لقلبك مالكيش دعوة انا هعرف أخلِّيه ينسى مليون زي يوسف بتاعك.
اشار بسبَّباته بتحذير: الاسم دا لو نطقتيه تاني هزعل أوي، خلِّينا متفاهمين.
دبلتك معاك يا نور.

نظر إلى الخاتم في يده بذهول، وفتح فمه ليتكلَّم، لكنها رفعت يدها توقفه: أوعى تفتكر إن علشان واقفة بكلِّمك يبقى أنا خايفة منك، غلطي الوحيد إني وافقت ألبس الخاتم ده.

ثم اقتربت خطوة، وصوتها يرتجف من الغضب والألم: أنا من الأوَّل كنت صريحة معاك. مش أنا لوحدي اللي غلطت. إنتَ كمان غلطت.

أشارت إليه بإصبعٍ مرتجف: أول ما عرفت إن يوسف رجع، حاولت تضغط عليَّ بالنقطة دي. كنت عارف ومتأكِّد إني هوافق. لأنك عارف إني لسه بحبُّه.

ضحكت بسخرية موجوعة: وبعد الخطوبة، بقيت تزنّ عليَّ في كتب الكتاب. لأنك كنت متأكِّد إني هفضل أوافق علشان أضايق يوسف.

ثم همست: ومش هكدب عليك. فكَّرتك عجبتني.

أغمضت عينيها لحظة: موافقتي إنك تيجي بالمأذون النهاردة كانت علشان يوسف يعرف إني تخطِّيته، وإنِّ حياتي كملت من غيره.

فتحت عينيها من جديد: — لكنِّي كنت مستحيل أكمِّل. لأني كنت عارفة إنه هيسافر النهاردة، وكان لازم أوجعه زي ما وجعني.
ثم أشارت إلى الخاتم في يده: وزي ما خطَّطت لنفسك، أنا كمان خطَّطت والموضوع بينَّا انتهى هنا.
استدارت، وأعطته ظهرها: نوَّرت يا أستاذ نور.

ظلَّ واقفًا مكانه، والخاتم في يده، بينما كانت النار تشتعل داخل صدره.

نظر إليها للحظةٍ طويلة، ثم استدار بعنف وغادر إلى الداخل.

وما إن اختفى، حتى هوت هي على المقعد خلفها، وكأنَّ كل القوة التي كانت تتمسَّك بها قد انتهت.
تنفَّست بارتجاف، ثم نظرت إلى يدها الخالية.
ابتسمت وسط دموعها: غبية. غبية ومتخلِّفة.

مرَّرت أصابعها على إصبعها الأيسر، حيث كانت ترتدي يومًا خاتم يوسف.
وهمست بصوتٍ مرتعش: مستحيل أحط فيه حاجة تخصّ غيرك.
ارتسمت على شفتيها ابتسامة صغيرة، وهي تتذكَّر صوته: حبيبة ابنك يا ماما.
ارتجف قلبها بعنف.
وإنتَ حبيب عمري كلُّه يا غبي.
أغمضت عينيها، وابتسمت وسط دموعها: اصبر بس لمَّا ترجع يا يوسف، ساعتها هعرَّفك يعني إيه تسيبني وإنتَ فاكر إني هسامحك بسهولة.

لكن ابتسامتها اختفت فجأة حين تذكَّرت آخر حديث بينهما.
فتحت عينيها بسرعة، ونهضت من مكانها: لا. لا، أكيد مش هيفكَّر كده.
وضعت يدها على صدرها، بينما أخذت أنفاسها تضيق، ونبضات قلبها تتسارع بعنف: هو عارف. عارف إنِّي كنت بقول كده علشان أوجعه وبس، صح؟

قطع شرودها صوت اندفاع سيارة يزن، بسرعةٍ متهورة، وخلفه بلال
اعتدلت في جلستها، تنظر الى تحركهم بدهشة، تتبعت أثر السيارتين حتى اختفيتا خارج البوابة.
رفعت هاتفها لتتصل بأخيها، توقفت حين
تذكّرت آخر شجار بينهما، كلماته الحادة، صمته القاسي بعد إعلان خطوبتها. حتى انه صرخ بوجهها، واتهامها بالجنون، مغادرًا المكان كالغريب.

زفرت بضيق، وأسندت رأسها للخلف، تمسح وجهها بعنفٍ، ثم انتبهت فجأة، إلى تأخر إلياس وميرال
عادت تمسك الهاتف، فتحت اسمه
تأملت حروف اسمه للحظات، قلبها يسبق أنفاسها، ثم أغلقت الشاشة بسرعة، وهي تشعر بكم الاشتياق إليه
بدأت تقلب بلا وعي، صورة تجرّ أخرى، حتى توقفت صورة قديمة كانت قد أخفتها
كبّرتها ببطء، ومررت أناملها على ملامحه، تتلمسه كأنها تلمس وجهه الحقيقي، لا مجرد صورة.

همست بصوتٍ مكسور: غبي يا ابن عمي، متعرفش إنك الهوا اللي بتنفسه؟
أغمضت عينيها، وصدرها يعلو ويهبط بثقل، تشعر بأن الهواء صار مؤلمًا.
تدفقت الذكريات دفعة واحدة، حديثها عن الإنجاب، تهديدها، قسوتها
وضعت كفيها على صدرها، تضغط بقوة، تحاول أن تمنع قلبها من الانهيار.
إزاي استحملت كل دا إزاي طعنته كدا
فتحت عينيها، والدموع تحجب الرؤية، نظرت للصورة من جديد: آسفة بس انت السبب انت إزاي تعمل فيا كدا؟

توقفت، شهقة صغيرة خانتها
للدرجة دي، مش شايف حبي كفاية؟
هزت رأسها سريعًا، كأنها تعاتب نفسها: مش مهم، المهم تيجي وبعدها نتعاتب
قالتها مبتسمة
عارفة هتبقى زعلان وزعلان اوي، بس هعرف اراضيك، والله هعرف ازاي تنسى
ماهو لازم ننسى يايوسف
نظرة عشق على صورته
معرفش حد بيحب حد كدا، بعدك تعبني اوي يابن عمي، موتني بالبطئ، وعلشان ايه
غبية ياضي غبية.

نظرت إلى ساعتها، ثم رفعت عينيها نحو البوابة، والقلق بدأ ينهشها: اتأخروا ليه كدا معقول راحوا فيلا السيوفي؟
لكن توقفت الكلمات على شفتيها. حين رأت رولا تركض، تبكي بانهيار.

متجهة إلى سيارتها بخطوات متعثرة، شهقاتها تقطع أنفاسها، وخلفها كريم وإيمان يحاولان اللحاق بها.
تجمدت ضي في مكانها، تراقبهم وقلبها بدأ يضرب بعنفٍ غير مفهوم.
حاول كريم الإمساك برولا: حبيبتي استني، مش هتعرفي تسوقي كدا!
لكن رولا كانت تصرخ بين بكائها: لازم أمشي يا عمو، لازم اطمن
التفت كريم سريعًا لإيمان: كلمتي البنات؟
أومأت وهي تسرع نحو السيارة.

اقتربت ضي أخيرًا، وتسائلت بصوت خرج ضعيفًا: مالها رولا؟ بتعيط ليه؟
نظرت لها رولا نظرة صامتة، ثم همست بصوت مكسور: عمو كريم يلا
استني يا بنتي، لما بلال يرد عليا، ونفهم راحوا أنهي مستشفى، اتصلت اكتر من عشر مرات هو ويزن مابيردوش
نظرت اليهم برعب تردد
المستشفى؟
تقدمت خطوة، تشعر بأن قلبها يهوي بين اقدامها: ليه؟ ماله بلال؟ مين في المستشفى؟

لم تكمل حديثها، لتندفع رولا نحوها، تدفعها بقوة، بعينين مشتعلة بدموع وغضب: لو يوسف حصل له حاجة عمري ما هسامحك يا ضي! سمعاني؟ عمري ما هسامحك!
تراجعت ضي خطوة، ونظرات تائهة بينهم: انتي بتقولي إيه؟
رولا، اهدي بقى، ولكنه توقف يجيب الهاتف: أيوة يا بلال انتو فين؟
مستشفى الشافعي يا عمو كريم
اقتربت ضي أكثر، وكأنها تُساق دون إرادة، بينما تابع كريم بصوت متوتر: طمني يوسف كويس؟
ثوانٍ كأنها عمر كامل.

ثم جاء صوت بلال مختنقًا، مكسورًا: ادعيله هو في العمليات محدش طمنا لسه، انا هدخله
هنا شعرت ضي بانزلاق الأرض من تحت قدميها، وهي تستمع الى كلمات كريم يوسف عامل ايه. بينما اقتربت رولا، صوتها يرتجف: يوسف عامل إيه يا عمو؟ عايش صح؟
هنا لم تعد ضي تسمع ولا تفهم
تمتمت كالغريقة: ماله يوسف؟
وفي تلك اللحظة، خرج أرسلان على الصوت: في إيه يا كريم؟ رايحين فين؟
ثم وقعت عيناه على بكاء رولا: مالك يا بنتي؟

رفعت رولا وجهها، ودموعها تسيل بلا توقف، وصوتها خرج كطعنة: يوسف عمل حادثة، وحالته خطيرة، قالتها، ثم التفتت ببطء نحو ضي
نظرة مليئة بالاتهام، بالكسر، بالوجع
خلي بنتك تفرح يا عمو
صمتت لحظة، ثم قالت كأنها تنتقم بالكلمات: خدتي حقك، كنتي عايزة تقهريه، اهو بيموت
واكملت بصوت منخفض منكسر: يارب تفرحي
وقفت ضي كأنها تحولت إلى حجر. لا تبكي، لا تصرخ فقط قلبها، هو الذي سقط، وانتهى.

بعد تلات شهور
دلفت الممرضة تفحصه، نظرت لتلك التي تجلس تغفو بجوار فراشه على المقعد تتشبث بكفه، فتحت عيناها على خطوات الممرضة
صباح الخير
لم ترد عليها، نهضت كعادتها، تقترب منها
مفيش جديد
نظرت اليها الممرضة بحزن
للأسف، كان نفسي اطمنك
اومأت بصمت، واقتربت منه، تمسح على شعره
إن شاء الله بكرة يصحى
طالعتها الممرضة للحظات، ثم تحركت للخارج، بينما هي نزلت بركبتيها تضع ذقنها على فراشه تراقب جسده.

حبيبي مش كفاية عقاب بقى، طيب تعرف انت عاقبتني في الشهور دي، اكتر ماعاقبتني في السنة والنص
لمست وجنتيه واغروقت عيناها بالدموع
وحشتني اوي، ياله افتح عيونك
اقتربت تهمس له
طيب اصحى وأنا اوعدك هبعد عنك، عارفة مش هقدر، لكن لو هتصحى هحاول
رفعت كفيه تقبله
يوسف أنا بموت، ياريتني أموت ولا اتعذب وانا شيفاك كدا.

اسبوعا اخر، أصبحت مجرَّد بقايا إنسان جسدًا بلا روح، وعينان منتفختان من البكاء، فقدتا القدرة على رؤية أي شيء سوى وجهه.
لا تسمع، لا تستجيب، كأنَّ العالم انمحى من حولها، ولم يتبقَّ لها إلَّا هو ساكنًا، صامتًا، لا يشعر بشيء.

لم تفارق عيناها ملامحه، تحفظ كلَّ تفصيلة فيه تخشى أن تُسلب منها. فجأة. وضعت رأسها على وسادته، قريبة منه حدَّ الاختناق، وأناملها تتخلَّل خصلات شعره برفق، كأنها تعتذر له بكلِّ لمسة.
يوسف افتح عيونك بقى، أنا بموت.
همست بها بصوتٍ مكسور، رفعت كفِّه تقبِّله.
كفاية، قلبي هيوقف.
تمتمت بها بصوتٍ يحمل وجعًا يفوق قدرتها على الاحتمال.

اقتربت أكثر، تمرِّر يدها على ذقنه، وابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيها، سرعان ما اغرورقت عيناها بالدموع: دقنك طولت شوية، بس تعرف، شكلك أحلى كده
صمتت، تنتظر أيّ رد، أي حركة، أيّ إشارة تخبرها أنَّه يسمعها لكن الصمت كان أقسى من أن يُحتمل لقلبها.
دلف إلياس، توقَّفت خطواته، يتأمَّلها كلَّ يوم على نفس الحال، نفس الانكسار، نفس الروح المعلَّقة بين الأمل والانهيار.
ضي.

نطق اسمها بحذر، لكنها لم تلتفت، كأنَّ صوته لم يصلها، كأنَّها في عالمٍ آخر لا يوجد فيه سواه.
اقترب منها، ومدَّ يده يمسِّد على شعرها بحنانٍ موجوع: حبيبتي لازم تطلعي برَّة شوية، عايز أغيَّر له.
لكنها نفضت يده بضعف، دون أن تزيح عينيها عنه، وكأنها تخشى أنه إن غاب عن نظرها لثانية ستفقده للأبد.

وصل أرسلان وبلال، تبادلا نظراتٍ عاجزة، قبل أن يقترب بلال منها ويجلس بجوارها، يسحبها برفق إلى أحضانه: حبيبتي خمس دقايق وارجعي تاني.
لم ترد ظلَّت كما هي، انحنت عليه، تحاوطه بذراعيها: هوَّ كويس مش محتاج حاجة.
لمست وجهه وانزلقت دموعها: لو حاسَّة إنُّه محتاج لكدا، أنا موجودة.
ضي حبيبتي، حرام اللي بتعمليه، بتموِّتي نفسك.
هنا انهارت ببكاءٍ مرتفع، بعدما فقدت قدرتها، وأصبح صدرها لم يعد يحتمل المزيد.

ضمَّته تضع رأسها على صدره، وأردفت بصوتٍ واهنٍ خرج مرتجفًا، مليئًا برعبٍ حقيقي: خايفة خايفة أرجع مالقهوش.
سحبها بلال الى أحضانه يحاول تهدئتها رغم دموعه التي عجز عن كبحها: ليه يا حبيبتي؟ هيروح فين، هوَّ مش حاسس بحاجة أصلًا
ابتعدت عن أخيها، هزَّت رأسها بعنف، دموعها تتساقط بلا توقُّف، وكلماتها خرجت كطعنات: لا هوَّ زعلان، زعلان مني، مش عايز يصحى علشاني، علشان أنا وجعته، كسرته.

شهقة قوية قطعت أنفاسها، وضربت صدرها بضعف: أنا السبب أنا موِّت حبيبي بإيدي يا بلال.
قالتها و عينيها نحوه مرةً أخرى، نظرة مليئة بندمٍ يقتلها ببطء: أنا موِّته، أنا السبب.
فجأة فتح الباب ودلفت ميرال، رفع إلياس عيناه للباب: ميرال، تمتم بها بذهول.

الفصل التالي
بعد 06 ساعات و 19 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة