قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثالث

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثالث

رواية شظايا قلوب محترقة ج2 للكاتبة سيلا وليد الفصل الثالث

بعد خروج فريدة ومصطفى، اتجه إلى غرفة الملابس، دفع الباب بخفَّة، ينظر بأركانِ الغرفة كأنَّه يبحثُ عنها، ولكن لم يجد سوى رائحتها التي أسكرته، لتتضاربَ الذكريات في عقله، هنا كانت ابتسامتها، هنا كانت شقاوتها، هنا عزفت ألحان القلب بنبضه، دار بجسدهِ سريعًا بالغرفة، وكأنَّ الغرفة لم تفقد صاحبتها، كلَّ شيء مازال على حاله إلّا قلبهِ الذي تمنَّى منها همسها باسمه، ليشعر هنا بانتفاضةِ الاشتياقِ الذي عجزَ عن كبحها، ليخيَّلَ إليه وهي تهمسُ في أذنه باسمهِ بأعذبِ ألحانِ العشق.

أغمض عينيهِ مبتسمًا للحظات، يتمنَّى أن يطيلَ حلمه، ولكنَّه أفاقَ على الوهمِ حينما ارتفع رنينَ هاتفه: -إلياس. عامل إيه؟
-كويس، اسمعني ياشريف، أنا بعت لك ورق مهم وفلاشات مع أرسلان، سلِّمهم للقائد وعندك استقالتي ضمن الورق.
-إيه اللي بتقوله دا؟!
-شريف. خلاص أنا قرَّرت، مش هنزل الشغل تاني.
-إلياس اسمعني. لكنُّه أغلق الهاتفَ دون الاستماعِ إلى شيئ.

خطا إلى أشيائهِ الخاصَّة يجمعها، لم يكن يخطو نحو الرحيلِ من المنزل، بل كان ينسحبُ من عمرٍ بأكمله، كلَّ خطوةٍ كانت تُزيحُ عن روحهِ ألمه، وكلَّ نفسٍ يختنقُ به كان يطفئُ فيه حياةً عاشها بذلك المنزل، نعم كان يتركهُ في بعض الأحيانِ ولكنَّه كان ابنُ هذا المنزل، كان يعلم أنه سيعودُ إليه حينما يريد، إنَّما الآن وكأنَّه يكتبُ شهادةَ وفاتهِ منه.

انتهى من أشيائه واتَّجه الى خزانةِ ميرال. فتحها وتنقَّلت نظراتهِ بين فساتينها، مرَّر أناملهِ بين منامتها الخاصَّة، وتذكَّر لحظاتهم سويًا، هنا اختلَّ جسدهِ وتراجع للخلف وفقد توازنهِ تمامًا، ليهوى على المقعد وصوتها يهمسُ داخل أذنهِ بنبرتها الرقيقة واعترفاتها بعشقه، أطبق على جفنيه وسحب نفسًا حتى لا يبكي. وقعت عيناه على وشاحها الذي يُوضعُ فوق المقعد.

سحب وشاحها من عليه، ضمَّه إلى أنفهِ بشوق، نهض من فوق المقعد وجلسَ على الأرض، حينما شعر بأنَّ الأرضَ هي الوحيدة التي تحتملُ ثقلَ آلامهِ الآن. طاف بنظراتهِ متسائلًا:
– يا ترى إنتي فين ياميرال؟! غرقتي زي ما بيقولوا؟ ولَّا بعدتي عنِّي بإرادتك؟
أنا مش عارف، بس اللي أعرفه، إنِّي هموت مش قادر أتحمِّل بعدك.

رفع وشاحها إلى وجهه، واستنشق وعبأ رئتيه براحتها المسكرة، وكأنّه يريدُ أن يختنقَ برائحتها.

لفَّ الوشاح حول معصمه، ونطق بصوتٍ خرج منكسرًا، متحشرجًا:
– مش قادر مش قادر أتنفِّس من غيرك، إيه الحبِّ الصعب دا.

صرخة خافتة خرجت من عمقِ روحه، وهو يملس على صدره موضع نبضه:
– آه ياوجعي، آه. يارب تطلع عايشة مش حمل الوجع ده، خرَّ متمددًا على الأرض، لا يصرخ، لا يبكي، فقط يحتضنُ وشاحها واشتياقهِ لها يزداد تجرعًا، يشعرُ بروحهِ تتآكل، فرد ذراعه ونظراتهِ دارت بالغرفة، يشاهدُ ذكرياتهم تنهار بالكامل بصمت.

استمع إلى رنين هاتفه الذي يبعده، اعتدل وأسند رأسهِ إلى الحائط، وأغمض عينيهِ كمن ينتظرُ موتًا بطيئًا لكنَّه لا يأتي. يهمسُ لنفسه: -هستناكي، عارف هنتقابل في يوم من الأيام. متأكد مش هتقدري تبعدي عن حضني كتير.
هزَّ رأسه وتجمَّدت ملامحه: -مستني رجوعك، هترجعي أكيد، ووقتها هعرَّفك إزاي يكون دمار الحبيب.

بالأسفل قبل قليل.

هبطت فريدة إلى الطابقِ السفلي، بخطوات متثاقلة كأنَّ كلَّ كلمةٍ تفجَّرت من فمِ إلياس قد سكنت عقلها، تدورُ بداخله كالرصاص. توقَّفت، والتفتت نحو مصطفى، تحدِّقُ فيه بعينينِ مثقلتينِ بالخذلان، وقالت بصوتٍ مخنوق: يعني إيه اللي حصل يامصطفى؟
ليه قلت كده؟ أنا مش مصدَّقة اللي سمعته. مستحيل!

دخل أرسلان يحملُ طفلته، وتحدَّث بنبرةٍ هادئة: - إحنا هنمشي ياماما، عندي شغل ولازم أعدِّي على ماما صفية بالولاد...

لكنَّها لم تلتفت، ظلَّت عيناها مسمَّرتينِ على مصطفى، الواقف كالتلميذِ المذنبِ ينتظرُ صفعةَ عقاب، اقتربَ أرسلان خطوةً أخرى وهمس: -ماما. حضرتك سامعاني؟

دمعةٌ انسالت عبر خدِّها، وهمست بنبرةٍ متقطِّعة: -قتلت بنتي بكلامك يامصطفى!

رفع مصطفى عينيه، والحزنُ ينهش ملامحه، وهزَّ رأسهِ بالنفي: - ماكنتش أقصد، والله ما كنت أعرف إنَّها هتسمعني، هوَّ انتي شاكَّة إنِّ ميرال كانت بنتي؟

كانت تنظرُ إليه بصمت، ودموعها تتوالى دون انقطاع، ورغم صمتها إلَّا أنَّ نظراتها تحكي مدى قهرها.

سألها أرسلان بقلق: -ماما، إيه اللي حصل؟ إيه الجديد في موضوع ميرال؟

التفتت إليه، وطالعتهُ بعينينِ تقدحُ بنارِ الأسى والغضب: - ليه ميرال انتحرت ياأرسلان؟ مش كانت مبسوطة مع جوزها؟ إيه اللي وصَّلها ترمي نفسها في النيل؟

أشاح ببصرهِ بعيدًا عنها وقال: - معرفش، وما اتكلمتش مع إلياس. حضرتك عارفة من يوم الحادثة وهوَّ قافل على نفسه...

اقتربت منه، غرست عينيها في عينيه، وهتفت بصوتٍ مخنوق بالغضب: - لا، عارف، ومن النهاردة تتكلِّم على إنَّك ابنِ جمال.

ردَّ مذهولًا: - ماما. إنتي بتقولي إيه؟

صرخت: - اخرس، مش عايزة أسمع صوت حدِّ فيكم.

ثمَّ التفتت إلى مصطفى، تصفعهُ بنظرتها، وصرخت بصوتٍ شقَّ السكونَ كالسيف: -حضرة اللوا العاقل، ممكن تشرحلنا إزاي بنتي وصلت ترمي نفسها في النيل؟!

ضربت صدرها بقبضةٍ مرتجفةٍ وصرخت صرخةً زلزلت الجدران: -دي بنتي أنا. أنا اللي تعبت فيها، اللي سهرت عشانها، اللي كنت أم وأب وسند. ميرال بنتِ فريدة، ومحدش ليه حق يشوفها بغير كده، وأنا متأكِّدة إنَّها هترجع، بنتي هترجع لحضني
يامصطفى، وساعتها ورِّيني هتعايرها بإيه.

اقتربت منه، ولكزت صدرهِ بإصبعها: -ميرال بنتي يامصطفى، عارف يعني إيه بنتي؟! وبعد اللي سمعته منَّك، لو بنتي ماتت. فإنتَ المسؤول قدَّامي.

- ماما، لو سمحتي.

حدجتهُ بنظرةٍ لو تقتل لقتلتهُ بالحال وصاحت: - روح لصفية، جاي لي ليه؟ جاي تضحك عليَّا بكلمتين؟!

أشارت إلى أعلى، والشرر يتطايرُ من عينيها: - بدل ما تطلع تسند أخوك اللي مش عارف ياخد عزا مراته، لا هوَّ عارف إذا كانت عايشة ولا ميِّتة، وإنتَ كلِّ همَّك إنَّك تروح لماما صفية.

اقتربت منه خطوة، وأردفت بألمِ سنواتٍ من القهرِ من فراقه: - وأنا فين من حياتك ياحضرة الظابط؟! أمَّك اللي اتحرمت منَّك سنين، فين حقَّها؟! صبرت ورضيت وقلت بكرة يجي، يجي يرتمي في حضني، بس لا. لسه بتتعامل معايا على إنِّي فريدة مامت إلياس، الأم اللي مالهاش مكان في حياتكم...

ثمَّ فجأة، بدأت تدفعُ كلَّ مايقابلها من أنتيكات، ومزهريات، ولا ترى سوى صورٍ قديمةٍ من حياتها التي لا تحملُ سوى القهر والألم، صرخت وصرخت وكأنَّها تطردُ وجعَ السنين، كأنَّها تهدمُ ما تبقَّى من صبرها.

استمع إلياس إلى صوتِ صراخها، فنزل الدرجَ سريعًا، وجدها تجلسُ على الأرضيةِ وصوتُ بكاءها يشقُّ القلوب، في محاولاتٍ من أرسلان بمساعدتها الوقوف.
-أنا عايزة بنتي، هيَّ بنتي أنتوا مش ولادي، هيَّ بس، هيَّ اللي كانت بتمسح دموعي وبتهوِّنها عليَّا، أنتوا مين؟! أنا معرفكمش، حتى ابني البكري مكنتش بهمُّه، وكان بيعاملني على إنِّي عدوِّته، أنا عايزة ميرال يامصطفى زي ماضيَّعت بنتي ترجعالهي.

انحنى يرفعها من فوقِ الأرض، بينما ابتعد أرسلان وهو ينظرُ إليها بذهولٍ وحديثها الذي أدمى قلبه، توقَّفت بجسدٍ يرتجفُ وحال عيناها كزخَّاتِ المطر، وقعت عيناها على إلياس الواقفِ على الدرجِ ينظر بتيهٍ وكأنَّها وضعت سيفًا على عنقه؛ تقابلت العيونُ في حديثٍ مؤلمٍ رغم عدم البوحِ به إلَّا أنَّ النظرات كانت كفيلة به.

ولجت غادة من الخارج تطوفُ بنظراتها بين الجميعِ ثمَّ تساءلت: -فيه إيه؟! ركضت إلى فريدة تلقي نفسها بأحضانها: -ماما حبيبتي أخيرًا خرجتي من أوضتك، حمدَ الله على السلامة.

ضمَّتها بحنانٍ أمومي، ونظرت إليها بعيونها الدامعة: -أنا كويسة حبيبتي، كويسة. قالتها وابتعدت عن مصطفى تستندُ على الدرج وصعدتهُ وهي تردِّد: -أنا كويسة، أنا كويسة. وصلت إلى وقوفِ إلياس وتوقَّفت أمامه: -لسة واقف عندك ليه؟ إيه مش لمِّيت حاجتك؟ يالَّه مع السلامة وخد أخوك معاك، أنا عيشت من غيركم وهفضل أعافر في الدنيا من غيركم. فريدة مش منتظرة حدِّ فيكم.

تمتمت بها وصعدت باقي الدرج، اقتربت غادة من والدها وتساءلت: -بابا، ماما فريدة مالها؟ وقعت عيناها على صعودِ إلياس. هرولت إليه: -إلياس. توقَّف يواليها ظهره. وصلت إليه وتمتمت بنبرةٍ باكية: -وحشتني أوي.
أغمضَ عينيهِ وقبضَ على كفَّيهِ للحظاتٍ محاولًا السيطرة على نفسه، ثمَّ استدار إليها: -عاملة إيه ياغادة؟

صعدت إلى أن وقفت أمامهِ مباشرة: -مش كويسة، أخويا الكبير منعزل عن العالم، وأخويا الصغير تايه وأنا ضعت معاكم، فين إحنا؟
تجمَّعت العبرات في عينيهِ وهمسَ بتقطُّع: -إحنا مين؟ لو تقصدي ولاد السيوفي ماتجمعينيش معاكوا، أمَّا لو تقصدي أخوكي اللي بتقولي عليه، فأنا مش أخوكي، اقنعي نفسك بدا.

دنت وكأنَّها لم تستمع إلى مانطقه، ولفَّت ذراعيها حول خصرهِ تبكي بشهقاتٍ مرتفعة: -لا، إنتَ أخويا الكبير وغصب عنَّك وعن أي حد، وأنا هفضل أختك سواء رضيت ولَّا لأ. بكت وبكت حتى ارتجفَ جسدها بتجمُّدِ حواسهِ بالكامل وشعورهِ بأنَّ أحدهم كبَّله بالقيود، ولم يقوَ على ما فعلته. حاول الابتعاد ولكن كأنَّ جسدهِ شُلَّ بالكامل، همست بنبرةٍ باكية: -حضنك وحشني أوي ياإلياس.

-غادة. تمتم بها بتقطُّع. هزَّت رأسها بالرفضِ وهتفت بصوتها الباكي: -أنا ماليش دعوة باللي بيقولوه، إنتَ أخويا، دا اللي أعرفه وبس، أنا كبرت والياس أخو غادة.
أخيرًا حرَّرها من أحضانه، وضمَّ وجهها بين كفَّيهِ ينظرُ لعينيها الباكية: -يعزِّ عليَّا دموعك حبيبة أخوكي، بس خلاص إنتي كبيرة وعارفة إنِّ دا مينفعش، إنتي غادة مصطفى السيوفي، وأنا إلياس جمال الشافعي.

-إلياس. متسبنيش، هيَّ سابتني وإنتَ كمان. عايز تسيبني زيَّها.
-غادة مش تصعَّبيها عليَّا، بيتي هيفضل مفتوح لك في أي وقت، بس مبقاش ينفع حبيبتي، لازم أمشي من هنا.
هزَّت رأسها بالرفض وقالت باعتراض: -أنا مش موافقة، أنا عرفت اللي حصل بينك وبين بابا، بابا ميقصدشِ واللِه صدَّقني.
مش كدا يابابا؟ قولُّه حاجة.

صعد إلى الغرفة دون النطقِ بحرفٍ واحد. تراجعت غادة تشيرُ إلى سرابه: -بابا هتسيبه يمشي كدا! بابا اعمل حاجة.
ولكنه استدار متَّجهًا إلى غرفةِ مكتبه، وكأنَّه لم يستمع إلى شيء.

بمنزلِ يزن وخاصَّةً بغرفةِ أولاده.

قامت بتبديلِ ثيابِ أبنائها، ثمَّ دثَّرتهم بالغطاءِ وقبَّلت كلَّ واحدٍ على حدة: -يالَّه حبايب مامي عايزين ننام بدري علشان نكبر بصحَّة كويسة.
-حاضر مامي. أردف بها آسر، بينما رفعت طفتلها كفَّيها لتتشابكَ أناملها بعضها البعض: -مامي، هوَّ بابي هيجي إمتى؟
ملَّست على خصلاتها بحنانٍ وردَّت عليها: -هيخلَّص شغله حبيبتي ويجي، ياله نامي ولمَّا يوصل هيدخلكم.
-حاضر، طيب مش هتحكي لنا حدوتة، حضرتك وعدتيني.

انحنت تقبِّلها على وجنتيها ثمَّ قرصتها قائلة: -مبتنسيش أبدًا ياقردة.
قهقهت الطفلة، ليرتفعَ صوتها حتى يصلَ إلى أذنهِ وهو يترجَّل من دراجتهِ البخارية، التقطت عيناهُ جلوس رؤى بالحديقة، خطا إليها: -رؤى.
أزالت دموعها وتوقَّفت مستديرةً إليه: -حمد الله على السلامة يايزن.
قاعدة في البرد ليه حبيبتي؟
هزَّت كتفها وأجابته: -مفيش، حبيت أشمِّ شوية هوا، وقولت أستناكم، هوَّ طارق لسة مارجعش؟

حاوط جسدها ودلف للداخلِ وهو يتحدَّث: -هيجي بكرة، كلِّمني وقال راحت عليه نومة، ومفيش حجز النهاردة.
أومأت متفهِّمة ثمَّ توقَّفت: -مفيش أخبار جديدة على ميرال؟
هزَّ رأسهِ بأسى، وتجلَّى الحزنُ على ملامحهِ مردفًا: -للأسف مفيش، رغم كلِّ اللي عملناه.
-أوعى تقولِّي إنَّها كدا خلاص، مبقتش هشوفها، لا يايزن ميرال أكيد عايشة.

احتضن وجهها وأزالَ دموعها قائلًا: -رؤى إحنا مش ساكتين، بس بعد الأيام دي كلَّها ماأظنش إنَّها لسة عايشة، النيل كبير جدًا، ممكن تكون المية رمتها بعيد.
-لا. أنا متأكدة، لو زي ماإنتَ بتقول كان إلياس لقاها، ميرال عايشة، وهيَّ اللي بتقنع الكلِّ إنَّها ماتت بعد اللي حصل.
ضيَّق عينيهِ مستفهمًا عمَّا نطقته: -مش فاهم. إنتي تقصدي إيه؟

-الموضوع يخصِّ طارق الصراحة، طارق كان معجب بغادة، وقالِّي وأنا رحت قولت لميرال، وهيَّ حكت لإلياس، ومش بس كدا، طارق راح لإلياس وقالُّه كمان، معرفش إلياس قال لعمُّو مصطفى إيه، خلَّاه يرفض وقال كلام جارح علينا كلِّنا، وميرال سمعته بالصدفة.
-إيه اللي بتقوليه دا! مين اللي قالِّك الهبل دا؟!
-النهاردة سمعت أرسلان بيتكلِّم مع غرام وأنا في فيلا السيوفي.

-مفهمتش حاجة، إيه اللي يجيب ميرال في الموضوع؟
قطع حديثهم وصولُ رحيل، التفتَ إليها: -الولاد ناموا؟
هزَّت رأسها وقالت: -سألوا عليك، يبقى شوفهم، حاول ترجع بدري شوية، أنا هنام عندي سفر لشرم الشيخ بكرة، عندي اجتماع مهم، والنانا مش هتيجي بكرة، شوف واحدة تانية.
-وإيه لازمة السفر. مش طارق المسؤول عن السفر؟ ولَّا دا كمان علشان تعاندي؟ أنا مش موافق.

-يزن اهدى. تمتمت بها رؤى، التفت إليها: -إنتي مالك أنا بتكلِّم مع مراتي، اطلعي فوق. ثمَّ استدار إلى رحيل: -اسمعيني كويس، مش معنى إنِّي وافقت علشان تنزلي الشركة يبقى راضي، غير لبس المدام الزبالة، سفر مش موافق، والله لو أخلِّيكي تقفليها، ومن غير وجع دماغ. آه أنا متخلِّف، من الآخر كدا مفيش سفر ولا مبيت خارج البيت.

ظلَّت تستمعُ إليهِ بهدوء، إلى أن انتهى ثمَّ قالت: -طلَّقني يايزن، وولادك هتشوفهم وقتِ ماتحب، أنا مبقتشِ قادرة أتحمِّلك حقيقي، أتمنَّى بكرة نخلص من كلِّ حاجة. وياريت المرَّة دي نعقل، حاولت أتغاضى كتير علشان ولادي، لكن حقيقي طاقتي استُهلكت، ومقدرشِ أنحني ولا آجي على كرامتي أكتر من كدا.
فتح فمهِ للرد، ولكنَّها رفعت إصبعها أمامه واستأنفت بنبرةٍ تنزفُ كلَّ.

مابداخلها: -أنا كنت مقرَّرة من فترة، بس موضوع ميرال خلاني أجِّل، ووعد. ولادك وقت ماتحبِّ تشوفهم في أيِّ وقت هتشوفهم، ودا مش علشانك أبدًا، دا علشان ولادي، أنا خلاص مبقتش متحمِّلاك أكتر من كدا.

قالتها وهرولت للداخلِ دون أن تلتفتَ خلفها، بينما هو تسمَّر بمكانه، هل ماوقع على أذنهِ حقيقة أم خُيِّل له كلماتها. دقيقة اثنتان وهو بمكانهِ غير مستوعبًا ماتلفَّظته، هل حقًّا سيخسرها مرَّةً أخرى. فاق أخيرًا على رنينِ هاتفه: -أيوة.
-يزن يبقى عدِّي الصبح على بيت إلياس هوَّ قالي أقولَّك، وبلَّغ طارق كمان.
-طارق مش هنا مسافر الإمارات.
-تمام، لازم تكون موجود الصبح قبل الشغل، الموضوع مهم.

-أرسلان إيه اللي سمعته دا، حقيقي عمُّو مصطفى قال لميرال كلام جارح!
-لمَّا تيجي الصبح هتعرف.
قالها أرسلان وأغلقَ الهاتف. أمَّا يزن فصعد إلى غرفتها، دفع الباب دون طرقهِ ودلف للداخل، بحث عنها ولكنَّه لم يجدها، استمع إلى صوتِ المياهِ بالداخل علم أنَّها بالحمام.

خرج إلى الشرفة وأشعل سيجارة، يحرقها كاحتراقِ صدرهِ الذي يغلي داخله، خرجت بعد دقائقَ معدودة، لم تراه. دلفت إلى غرفةِ ثيابها وانتقت شيئًا للنوم، ثمَّ قامت بفكِّ منشفةِ شعرها، مع دخولهِ الغرفة، وقعت عيناهُ على ملابسها الملقاةِ على الفراش، اتَّجه إلى غرفةِ الملابس يدفعها: -رحيل. ولكنَّه توقَّف متجمِّدًا بعدما سقط جزءًا من المنشفة، ليظهر بعض جسدها أمام عيناه، ارتجف جسدَ كلًّا منهما، وتجمَّد العقلُ عن التفكير، ولكن تقابلت العيون للحظاتٍ بذهول، اقترب منها مسلوبَ الإرادة كأنَّها مغناطيسًا يجذبه، كلَّ هذا وهي متوقَّفة وكأنَّه سحب كلَّ حواسها، ولم تشعر بشيئ. إلى أن وصل إليها ومرَّر أناملهِ على كتفها، لينتفضَ جسدها وكأنَّ لمستهِ ماسًا كهربائيًا: -إن. إنتَ بتعمل إيه هنا وإزاي تدخل عليَّا كدا. تمتمت بها بتقطُّعٍ وقلبٍ يرتجفُ من لمساته.

لم يكترث لحديثها وانحنى يدفنُ رأسهِ بخصلاتها الندية، وأنفاسهِ الحارَّةِ تضربُ عنقها بقوَّة، ليختلَّ جسدها مستندةً عليه، لم يرحم قلبها الضعيف حين لمست شفتاهُ جيدها، هامسًا لها بأنفاسهِ التي أحرقت جلدها: -كنتي بتقولي إيه تحت؟
-يزن ابعد لو سمحت.
رفع رأسهِ وتعلَّقت عيناهُ بعينيها: -ولو مبعدتش، هتعملي إيه، إنتي ناسية إنِّي جوزك، وأي وقت احتاجك المفروض تبقي جاهزة من غير اعتراض.

هنا فاقت من مشاعرها لتدفعهُ بقوَّةٍ تلملمُ منشفتها وانسابت دموعها تشيرُ إلى الباب: -اطلع برَّة، اطلع برَّة. صاحت بها بصوتٍ متحشرجٍ بالبكاء.
صدمهُ ردَّها، فهزَّ رأسهِ قائلًا: -متعليش صوتك، أنا كنت خارج أصلًا.
قالها وغادر بخطواتٍ جنونيَّةٍ كالذي يهربُ من عدوِّه.

بفيلا الجارحي.
دلف للداخلِ يشيرُ إلى أطفاله: -ياله على نانا بسرعة. ركض بلال ينادي: -تيتا صفية إحنا جينا.

خرجت ملك على صوتِ بلال، فتحت ذراعيها: -حبيب عمِّتو جه يامامي.
ألقى الطفل نفسهُ بأحضانِ ملك، لترفعهُ وتقبِّله، مع مداعابتها: -مين حبيب ملوكة؟
صفَّق بلال يشيرُ إلى نفسه: -بلال. ضمَّته بحبٍّ قائلة: -أحلى بلال حبيب عمِّتو، دلفَ أرسلان بجوارهِ غرام: -عاملة إيه ياملوكة، وفين ماما صفية؟
أشارت إلى الأعلى وقالت: -فوق مع دينا، عمُّو جابها من شوية، شكلها تعبانة.
التفتَ إلى غرام وأردف: -اطلعي شوفي مالها.

باليومِ التالي وخاصَّةً بعد شهر من حادثة ميرال.

دلف إلى منزله بخطواتٍ متثاقلة، يشقُّ طريقهِ بصمتٍ موجِع. أشار إلى الخدمِ دون أن ينظرَ إليهم:
– طلَّعوا الشنط فوق.

ثمَّ استدار ناحيةَ يوسف، وحنَّ صوتهِ رغم أحزانه:
– حبيبي، اطلع أوضتك، غيَّر هدومك، والنانا هتساعدك لو احتجت أي حاجة.

اقترب منه الطفل بخطا صغيرة، وعيناهُ تبحث عن أسئلتهِ الصغيرة باختفاءِ والدته:
– بابا، ماما هترجع إمتى؟
تيتا قالت قريب، عدَّى كتير ولسه مرجعتش...

انحنى إليه، وجثا على ركبتيه، واحتضنهُ بذراعهِ محاولًا أن يتشبَّث ببقايا روحه، وهمسَ بصوتٍ مخنوق:
– يوسف. ياحبيبي، إنتَ كبرت، وبقيت راجل مش كدا؟ سحب نفسًا وتابع:
ماما بعيدة قوي، ومحدِّش عارف هترجع إمتى.
ممكن بكرة، أو بعده، أو حتى بعد سنة...

سكت، حينما شعر بأنَّ الهواءَ انسحب من حوله، وغصَّة حارقة اعتصرت حنجرته، فتمتم بكلماتٍ مثقلةٍ بالوجع:
– أو. ممكن ماترجعش.

شهق الطفل، وارتجفت شفتاه:
– يعني إيه يابابا؟ يعني، يعني ماما راحت عند ربنا؟

ارتعش جسده، بانتزاعِ روحه من كلماتِ طفله، فقال بسرعةٍ خشيةَ أن ينهار:
– لأ ياحبيبي، لأ، إن شاء الله لأ.
إن شاء الله تكون قريبة، وترجع بسرعة.

طالعهُ يوسف بحيرة وتمتم متسائلًا:
– حضرتك كنت زعلان من ماما؟
علشان كده هي زعلت ومشيت؟

أغمض عينيه، وقبَّل جبينهِ كأنَّه يعتذر عن ماوصلت إليه، ثمَّ استدار نحو المربية وأشار بنبرةٍ متحجِّرة:
– خدي يوسف، شوفي ناقصه إيه.
خلِّي بالك منه، شغلك هنا راحته وبس.
ظبَّطي مواعيد دروسه، وماتخلِّيش حاجة توتَّره.

هزَّ الطفل رأسهِ بالرفض وقال ببكاءٍ متقطِّع:
– بس أنا مش عايز دادة، أنا عايز ماما. حضرتك وعدتني إنَّك هترجَّعها
يابابا...

انكمش وجهُ الياس، وشعر بأنَّ أحدهم ضرب قلبهِ بألفِ خنجر، ورغم ذلك قال بجمودٍ يحاربُ فيهِ انهيارهِ أمام طفله:
– يوسف، اطلع أوضتك دلوقتي، بعدين نتكلِّم.

تجمَّدت نظراتُ يوسف للحظاتٍ في صمتٍ موجع، ثمَّ التفت، وركض صاعدًا الدرج وهو يتمتمُ بدموعه:
– أنا مش عايز دادة، أنا عايز ماما، محدِّش يطلعلي.

ظلَّ يراقبه، حتى اختفى من أمامه.
عندها فقط، ترنَّح في وقوفهِ كمن فقد كلَّ شيء، وسحب قدميهِ كأنَّها مقيَّدة بسلاسل، حتى وصل إلى مكتبه. أغلق بابه خلفهِ بإحكام...
نظر حوله ليرى بيتًا لم يعد بيته. كلُّ شيءٍ فيه صامت، وكلُّ ركنٍ يصرخُ باسمها.

اتَّجه نحو مقعده، سقط عليه بصمتٍ مهيب، ووضع كفَّيهِ على وجهه، يختنقُ من كلماتِ طفله، كلماتٍ غُرزت فيه كخناجرَ من وجعٍ لا يندمل.

ميرال! إنتي فين؟ معقول تكوني خلاص،؟

شعر بالاختناق، فنهض من مكانهِ واندفع نحو النافذة، فتحها على مصراعيها ليقابلهُ الهواءَ البارد يصفعُ وجهه. جالت عيناهُ في الحديقة الشاسعة، يتتبَّعُ السراب، صوتها، همسها، ضحكاتها، كلُّ شيءِ منها يسكنُ زوايا البيت. راح يتخيَّلها أمامه، تلهو كعادتها بطفولتها العفوية التي لطالما ميَّزتها.

صمَّ أذنيهِ صدى ضحكتها...
وظهرت له، خاطفةَ أنفاسه، تشير نحوهِ بابتسامتها التي لم تفارقهُ لحظة.

إليااااس،.

هنا سقط كلُّ شيء، تجمَّد الزمنُ حوله، وحدها دموعهِ بقيت تتحرَّك، تصرخُ في صمتٍ موجع: يكفيك عذابًا أيَّها القلب الضعيف،
نيرانًا لا يعرف من أي مزيجٍ خُلقت، تنشبُ في صدرهِ بلا رحمة.

تراجع بجسده، وانهار على الأرضِ باكيًا. كيف له أن يتنفَّس؟
هو حقًّا يشعر بالاختناق.
كيف لها أن تتركهُ لهذا الضعف؟
أهذا ماجناه من حبِّها؟

بلى والله، لقد تخلَّلت دمه، سكنت شريانه، باتت جزءًا منه لا ينفصل.

لم يقوَ على كبح دموعه أو شهقاتهِ المتواصلة، بعدما شك أنه لم يراها مرة اخرى، رفع يده، وضرب بها رأسه بمكتبهِ بقوَّةٍ كأنَّها خلاصهِ الوحيد.
أزاح كلَّ ماأمامه بعنفٍ جنوني.
وفقد السيطرة على ذاته، على كينونته، على حزنه...

هي لم تعد في حياته، رغم أنَّه منحها قلبه، طواعيةً، وبكلِّ طيبِ خاطر.

بدأ يحطِّم ماحولهِ وهو يصرخ:
ليه؟! عملت إيه علشان تعملي معايا كده؟
ليييييييييييييييه!

قالها وهو يدفع المقعدَ نحو النافذة، فتهشَّمت، وتبعثرت شظاياها مع دخولِ يزن ورؤى إلى الحديقة.

توقَّف يزن للحظة، ممسكًا بكفِّ أخته بشدَّة:
مش عايز كلمة مع إلياس...
ادخلي شوفي ابنِ أختك، وأنا هدخلُّه.
رؤى، بحذَّرك تتكلِّمي قدَّامه عن ميرال.

ردَّت رؤى بسخرية متألِّمة:
على أساس إنُّه نسي؟!
مش سامع صوت التكسير؟
علي العموم، ماليش دعوة.
أنا زعلانة عليها بس. غبية!
ربِّنا مدِّيها راجل بيحبَّها وابن زي العسل.
هوَّ إحنا ليه طمَّاعين يايزن؟

ردَّ عليها وهو يشدُّ على أسنانه:
الطمع صفة في الإنسان، بس مش كلِّ الناس.
اطلعي وبطَّلي فلسفة.
أنا عندي مشاكل قد مشاكلكم كلُّكم.

تمام.
قالتها ثمَّ انسحبت.

أمَّا يزن، فدخل بخطواتٍ متردِّدة. طرق بابَ المكتبِ أكثر من مرَّة، ثمَّ فتحهُ ودخل.
توقَّف عند العتبة، يتأمَّلُ بعينيه المشهد...
ثمَّ اقترب منه بصمت:
-صباح الخير. تمتم بها يزن مقتربًا منه، رفع رأسهِ ينظرُ إليه ثمَّ اعتدل واقفًا، وأشار إلى الخارج: -تعالَ نخرج الجنينة، المكان هنا عايز يتنضَّف.
دارت أعينُ يزن بالمكان وقال: -هوَّ فعلًا عايز يترتَّب، بس ليه دا كلُّه!

تحرَّك إلياس دون النطق. وصل إلى الحديقة وجلس على المقعد يخرجُ سجائرهِ وبدأ بالتدخين. عيناهُ تطوف بالمكان، تنهَّد يزن واقترب جاذبًا المقعد بدخولِ سيارةِ أرسلان. تابعهُ إلياس إلى أن وصل إليهم، ملقيًا السلام: -صباح الخير. أومأ له إلياس دون حديث، بينما ابتسم يزن قائلًا: -حمد الله على السلامة، رجعت إمتى؟
إمبارح بالليل. تمتم بها وعيناهُ على إلياس الصامت ينفثُ تبغه.

وصلت الخادمة إليهم: -أعملُّكم قهوة ياباشا ولَّا تشربوا حاجة تانية؟
مسح أرسلان على وجههِ وأردف: -أنا سبريسو، رفع يزن رأسهِ قائلًا: -وأنا سادة. أشار إليها إلياس بالحركةِ وتساءل: -فين طارق؟!
نظر يزن بساعةِ يده وردَّ قائلًا: -زمانه في المطار.
أشار إليه قائلًا: -كلِّمه وقولُّه يجي على هنا.

نظر يزن إلى أرسلان ثمَّ رفع هاتفهِ وقام بمهاتفةِ طارق الذي ردَّ عليه سريعًا: -أنا وصلت، نصِّ ساعة وأكون في البيت.
-لا تعالَ على بيت إلياس.
توقَّف قبل وصولهِ للسيارة وتمتم: -إلياس! قصدك بيت السيوفي؟
-لا. بيته اللي في العاصمة.
-تمام. قالها وأغلقَ الهاتف.

-إلياس إنتَ ناوي على إيه، بلاش تتسرَّع في حاجة. قالها أرسلان.
نقر يزن على الطاولة وهو يوزِّعُ نظراتهِ بينهم ثمَّ قال: -من يوم حادثة ميرال ومجتشِ مناسبة نتكلِّم في اللي حصل، ودلوقتي أنا سامع، عايز أعرف إيه اللي حصل وصَّل ميرال إنَّها تنتحر يإالياس؟

التفت أرسلان إليه سريعًا، يرمقهُ بنظرةٍ اعتراضية على حديثه، ولكنَّه لم يكترث ونظر إلى إلياس منتظرًا إجابته: -يزن حدِّ قالَّك إنَّك قدَّام عيِّل، إنتَ عرفت. ليه بتلفِّ وتدور.
-والله، دا اللي قدرت عليه. مش يمكن منتظر تفهِّمني إيه اللي حصل.

رجع إلياس بجسدهِ إلى الخلف، أسند ظهرهِ للمقعد، وأطلق نظرةً شاردةً إلى البعيد وأردف بصوتٍ مبحوح:
– اللي أقدر أقوله، إنِّنا بندفع فاتورة أبوك، ولسه هندفع أكتر. الكلِّ دلوقتي عارف إحنا مين، يمكن إنتَ ما اتأثَّرتش زيِّنا أنا وميرال وأرسلان، بس الوضع مبقاش ينفع نعدِّيه.

قالها بنبرةٍ جامدةٍ جعلت أرسلان يتجهَّم ويقولُ بامتعاض:
– تقصد إيه ياإلياس؟ إيه اللي أثَّر على علاقتنا؟ أنا شايف إنِّ صدمة ميرال مأثَّرة عليك، بس...

التفت إليه إلياس، راقبهُ بصمتٍ للحظات، ثمَّ قال بحدّ.

إنتَ مصدَّق اللي بتقوله؟ يعني فعلاً شايف نفسك أرسلان الشافعي، وإنتَ لسه بتعيش بجناحِ الجارحي؟

– وأنا إيه اللي يخلِّيني أظلم الناس اللي ربُّوني؟ أنا مش موافقك في قراراتك.

أغمض إلياس عينيه، وسحب نفسًا عميقًا، ثمَّ قال وهو يزفره:
– لمَّا الناس تشوفك دلوقتي، بتناديك بإيه؟ أرسلان الجارحي ولَّا الشافعي؟

– وهتفرق في إيه؟ أنا راضي بحياتي، وبس.

– فوق بقى، ما تدفنشِ راسك في الرمل. ابنك هيكبر، وهيفضل شايل اسم مش اسمه، هتردِّ عليه تقول له إيه لمَّا يسألك: بابا، إحنا عايشين مع الناس دول بصفتنا إيه؟

- بس أنا مقدرشِ أبعد عنهم، مستحيل أعمل كده.

ضرب إلياس على الطاولة، وهتفَ بانفعال:
– ومين قالَّك ابعد؟ أنا بقول تبني كيانك، كيان أرسلان الشافعي. ولادك لازم ينادوا عليك باسمك، مش باسمِ حدِّ تاني، خُد خطوة لقدَّام. اللي بنى اسمِ الجارحي، يقدر يبني اسمِ الشافعي.

– اللي بتطلبه صعب ياإلياس. صعب أوي.

لكزهُ في صدره، واختنقَ صوته:
– ما تنساش إنِّ ليك أخت مش أختك، بكرة ترتبط بعيلة وسين وجيم، والأسئلة هتبدأ، ومش من حقِّنا حتى نطالب بميراثنا. إحنا بقينا مكشوفين، ما عادشِ ينفع نكدب على نفسنا، لازم. نقطة ومن أوِّل السطر.

ردَّ يزن أخيرًا، بصوتٍ هادئٍ لكنَّه حاسم:
– أنا معاك في كلِّ كلمة ياإلياس. فعلاً اتأخرنا. زمان كنا بنتهرَّب من القرار، بس دلوقتي عندنا ولاد، ومينفعشِ ننسبهم لناس مش منِّنا. اللي قلته منطقي، واللي بنى الجارحي، يقدر يبني الشافعي. خلِّيك فاكر، فيه أقنعة كتير هتقع حوالينا.

قبل أن يردَّ أحد، دخل طارق، تسبقهُ رؤى وهي تحملُ القهوة، ألقى السلام فابتسمَ قائلاً وهو يضمُّها:
– حمد الله على السلامة ياطارق، وحشتني.

– وإنتي كمان، ياحبيبتي...

جلس بجوار يزن، وعيناه تتبعُ رؤى الواقفة. ثمَّ قال بشك:
– فيه إيه؟ في حاجة؟ عرفتوا حاجة عن ميرال؟

ردَّت رؤى بصوتٍ منخفض:
– ميرال ماتت ياطارق. ليه لسه مش مقتنعين؟ ليه عندكم أمل إنَّها لسه عايشة؟

رفع إلياس رأسهِ فجأة، وأشار ناحيةِ الداخل وهتف بحدَّة:
– مطلبتش رأيك. اطلعي فوق عند يوسف، واهتمِّي بيه، وأوعي تنطقي بكلمة عن أمُّه.

اتَّسعت عينا يزن بدهشة، وردَّ بامتعاض:
– إلياس إنتَ ناسي إنَّها أختها؟!

نظر إليه إلياس، ثمَّ عاد ببصرهِ إلى رؤى وقال بجمود:
– اسألوها قالت للولد إيه. أنا بس بسكت بمزاجي يارؤى، ماتجيبيش الخنقة لنفسك. بقولها قدَّام إخواتك: ابني ومراتي، اللي هيَّ أختك، تحتهم مليون خط.

-إلياس، تمتمت بها باكية، لكنَّه أشار إلى السلَّم:
- اطلعي، ولمَّا نخلص، نتكلِّم.

- واللهِ ماقصدت حاجة، إنتَ فهمتني غلط، أنا بس كنت بحاول...

– قولت اطلعي فوق، صرخَ بها، فبادلتهُ نظرةً موجوعة، ثمَّ استدارت بسرعة وغادرت.

قال طارق بعتاب:
– مهما حصل منها، دي أختي.

اقترب إلياس منه، وزمَّ شفتيهِ بامتعاض وهو ينفثُ دخانَ سيجارته، وابتسامةً ساخرةً على ملامحه:
– دي معايا بقالها أكتر من خمستاشر سنة، حافظها أكتر من نفسها. متجيش إنتَ اللي بقالك كام شهر، وتعلِّمني أتعامل معاها إزاي، وبعدين، رؤى مش موضوعنا.

ساد الصمت لحظات، ثمَّ قال إلياس فجأة:
– أنا عايز من كلِّ واحد فيكم خمسة مليون جنيه.

شهق يزن، ثمَّ انفجرَ ضاحكًا، يضربُ كفَّيه ببعض:
– ليه ياحبيبي؟ حدِّ قالك عليَّا مليونير؟!
إنتَ فلِّست ولَّا إيه؟

اتَّجهت نظراتهِ إلى أرسلان، الذي ظلَّ صامتًا، فقال بهدوء:
– سلِّفه. هوَّ معاه، بس بيستعبط
علي العموم، سلِّفه وخده منُّه تقسيط.

قطب يزن جبينهِ متسائلًا:
– إنتَ بتتكلِّم جد؟ فعلاً عايز فلوس؟!

قاطعهُ طارق:
– مش فاهم، خمسة مليون من كلِّ واحد، دي ملايين ياإلياس. ناوي على إيه؟

أسند إلياس ذراعيهِ على الطاولة، وقال بثبات:
– كمبوند خاص بعيلة الشافعي. مساحة كبيرة، كلِّ حاجة جاهزة. أنا كلِّمت إسحاق، وورَّاني المكان. اتَّفقت مع الشركة، ودفعت عربون، والتشطيبات شغَّالة، واتكتب عليه: “آل الشافعي”.

سرت الصدمة بين الحاضرين، فتقدَّم أرسلان خطوة وقال باعتراض:
– بس أنا مش موافق.

هزَّ إلياس رأسهِ في هدوء، واتَّجه إلى يزن:
– وإنتَ يايزن؟

– موافقك طبعًا، وعجبني جدًّا اللي عملته.

قال طارق بحماس:
– وأنا كمان معاكم.

ظلَّت عيونهم على أرسلان، الذي رفع يدهِ يمرِّرها في شعرهِ بانفعال، ثمَّ قال بصوتٍ غاضب: - مش هقدر، أنا وعدُّتهم. ردَّ إلياس:
– أنا كلِّمت إسحاق، وفكَّرت، مفيش مجال للرفض؟!

قالها إلياس بحزم وهو يتَّجهُ نحوه:
– الكمبوند هيتعمل، وهنعيش فيه. حتى لو هتقسِّم وقتك بين هنا وهناك، لازم يبقى أصلك واضح. مش بطلب منَّك تنفصل عن الجارحي، بس لازم تكون أرسلان الشافعي.

هزَّ أرسلان رأسهِ في اعتراض، ثمَّ استدار وغادرَ المكان دون كلمة.

شهرًا اخر، مر عليهم كسنوات، فريدة التي التزمت الصمت والابتعاد عن الجميع، غادة التي حبست نفسها، وتعرضت لإكتئاب بعد خروج إلياس من البيت، بينما اسلام الذي حاول أن يصلح العلاقة بينه وبين ملك، ولكنه استقر معظم أيامه عند إلياس.
بمكتب اسحاق
جلس أمامه وعجز عن الحديث، كأنه لم يعلم مخارج الحروف
تراجع اسحاق بجسده وتابعه بعينه
-بقالك ساعة قاعد بتعد بلاط الاوضة، مالك ماتقول اللي في بوقك.

- النهاردة قدمت استقالتي واتقبلت
هز اسحاق كتفه وهو يطالعه: - وايه يعني، انا زمان رفضت علشان اعرفك انك مش ضعيف، ولا منبوذ، بس دلوقتي براحتك
رفع عينيه إليه وقال: - لا ياعمو، علشان غيرت كنيتي بالكامل، اللي قاعد قدامك بقى ارسلان الشافعي، وإن كانوا وافقوا على أننا نفضل بمناصبنا علشان اسمائنا متغيرتش، بس انا دلوقتي غيرتها، ومبقاش ينفع
-ايه اللي بتقوله دا يامتخلف، ماالياس غير اسمه. قاطعه متوقفًا وقال.

-مكنش رسمي ياعمو، كله محسوبية، اولا عمو مصطفى برضو مش هين، وكمان تدخل حضرتك وبابا، ومتنساش راكان البنداري، يعني من الاخر، الحظ كان له دور
نهض اسحاق واقترب منه
-ارسلان لو انت عايز تفضل في شغلك مستحيل اسيبك
ابتسم بمحبة وقال: - لا ياعمو، عايز اكون جنب ولادي، بيشتكوا، وكمان إلياس بيأسس شركة امنية على مستوى عالي، أكيد مش هتقل عن شغلنا.

-ربنا يوفقكم ياحبيبي، بس اوعى شيطانك يلعب في دماغك انك تبعد عن عمك وابوك
-فيه حد بينسى أبوه اللي رباه، انا لو بعدت عنك اموت
فتح اسحاق ذراعيه وضمه بقوة
-حبيب عمك، انت مش ابن اخويا يالا، انت ابني
قبّل ارسلان كتفه
-ربنا مايحرمني منك يارب، ارتفع رنين هاتف اسحاق، فقال ارسلان
-اسيبك بقى تشوف شغلك. رفع هاتفه
-أيوة يابنتي
-اسحاق باشا، فاروق باشا جه وخرج احلام هانم
كور قبضته بغضب ثم قال
-طيب...

عند إلياس خرج هو ويزن متجهينَ إلى الكمبوند الخاص بهما، دلف للداخل.

نظرات سريعة من يزن على المكان، ثمَّ توقَّف ينظر إلى المباني الذي يحتويها: -دا شكله غالي أوي ياإلياس.

خلع نظَّارتهِ وتنقَّلت عيناهُ بين المباني قائلًا: -حلو علشان ولادنا يايزن، والمساحة كويسة، وبعدين قريب من قصر الجارحي علشان أرسلان، عارف علاقته بإسحاق، مش عايزه يقف عاجز بينا وبينهم.
-طيب ليه قسيت عليه بالكلام؟
تنهَّد ساحبًا نفسهِ وقال: -علشان يشوف نفسه، أنا مقولتش يبعد، أرسلان لحدِّ دلوقتي مغيَّرشِ اسمه، ودا مضيقني.
ربت يزن على ظهره وقال: -خلِّيه براحته، علشان ميحسِّش بالذنب طول الوقت.

أومأ ودلف للداخل في أوَّل منزلٍ قابله وقال: -دا بيتي، واللي في الوش دا حيكون لأرسلان. خلِّينا جنب بعض، وإنتَ وطارق في الجنبِ التاني.
رفع حاجبه معترضًا: -ليه بقى إن شاءالله، اشمعنى إنتَ وأرسلان هنا، وإحنا هناك.
تحرَّك إلياس قائلًا: -لو مش عجبك اخبط دماغك في الحيطة.

دلف للداخل يفحصُ كلَّ أركانِ المنزل، ثمَّ صعد إلى الاعلى. بينما عند يزن خطا يشاهدُ الحديقة الشاسعة، إلى أن وصل ملعبًا يخصُّ لعبةَ التنس، ابتسم عندما تذكَّر زوجتهِ المغرمة بها، قطع تخيُّلاتهِ رنينُ هاتفه، رفعه قائلًا: -ألووو.
صمت للحظاتٍ محاولًا استيعاب الصوت الذي استمع إليه. بل نظر إلى شاشةِ هاتفه حتى يتأكد أنَّه حقيقة، ثمَّ رفعهُ إلى أذنهِ مرَّةً أخرى: -مين؟!

استمع إلى شهقاتها: -أنا ميرال. لم يشعر بدموعهِ التي تدحرجت رغمًا عنه: -ميراااال. إنتي عايشة! إنتي فين؟
أزالت دموعها وأجابته: -أنا كويسة حبيبي، المهمِّ علشان ممعيش وقت، أنتوا عاملين إيه، ابني عامل إيه يايزن؟
-حبيبتي إنتي فين وأنا أجيلك؟
ومستحيل أخلِّي حد يقرَّب لك.
-مينفعش. أنا برَّة مصر، المهم طمِّني عليهم عاملين إيه؟ وإلياس.
قالتها بتقطُّع وازداد بكاءها: -عرف إنِّي موت صح؟

-إيه اللي عملتيه دا، إنتي مجنونة!
-حاجة زي كدا يايزن، المهم خلِّي بالك من يوسف يايزن، وأوعى إلياس يعرف إنِّي كلِّمتك، خلِّيك قدِّ ثقتي فيك.
-جوزك بيموت ياميرال، وابنك مش مبطَّل سؤال عليكي، لازم ترجعي متعمليش كدا.
-يزن. وصيِّتك ابني.
قالتها وأغلقت الهاتف.
ميرال استني. هتف بها ولكن أُغلقَ الخط. كوَّر قبضتهِ يتمتم: -غبية. إنتي واحدة غبية.

قالها واستدار متراجعًا، ولكنَّه اصطدم بجسد خلفه، توقَّف مذهولًا وهو يرى إلياس واقفًا بجسدٍ متجمِّد. ابتلع ريقهِ بصعوبة ورسم ابتسامة قائلًا: -عجبني بيتي، ذوقك حلو.
-أختك فين؟! عايشة مش كدا،؟!

بينما عند ميرال بعد عدَّةِ ساعاتٍ من اتِّصالها بيزن، تذكَّرت شريحة الهاتف.

قامت بنزعها وألقتها في البحر، نظرت للموجِ الهادر بنظرةٍ غائمة، وقالت: -قلبي وجعني اوي، مش عارفة اعمل ايه، ارجع لجوزي وابني وارضى بنظرات الكل ليا. أطبقت على جفنيها وشهقت: -خايفة، والله خايفة، إلياس ميستهلش ولا يوسف، يارب ساعدني. انا عاجزة ومش عارفة اعمل ايه، بس ابني وجوزي وحشوني، هكون طماعة لو طلبت منه نسافر برة ونسيب كل حاجة، طيب ذنبه ايه يسيب شغله اللي بيحبه، وماما فريدة ذنبها ايه تتحرم من ابنها وحفيدها. وضعت كفيها على وجهها. شهرين وحاسة اني بموت من غيرهم، ازاي هعيش طول العمر، يارب اموت وارتاح.

رفعت عيناها للسماء وهمست وكأنها تناجي ربها: -يارب خدني وريحهم. انا ضعيفة ومش قادرة أواجه. يارب. ظلت لدقائق على حالتها، ثمَّ التفتت لهند:
– يالَّا نرجع البيت، أكيد مامتك رجعت من المستشفى.

هند بصوتٍ خافت:
– هو انتي كنتي بتعيطي
هزت رأسها وردت: -لا هوا البحر بس. توقفت هند وتسائلت بنبرة متقطعة: -هوَّ جدُّو هيموت، صح ياأبلة مروة؟

تجمَّدت خطواتها. انحنت نحو هند وربتت على خصلاتها برفق:
– ليه بتقولي كده ياحبيبتي؟

همست هند بحرج:
– سمعت خالتي وجوزها بيقولوا إنُّهم مضُّوه على البيت، علشان خلاص هيموت.

شدَّت ميرال على أناملها بحنان:
– إن شاء الله يقوم بالسلامة. هوَّ جدِّك عايش دايمًا في إسكندرية ولَّا كان في القاهرة وجه هنا؟

– لا، دايمًا هنا. ماما بس اللي عايشة في القاهرة. بنيجي بس في الصيف، بس طبعا اضطرينا ننزل دلوقتي علشان تعبه. عايزة ارجع بقى علشان انا مش مرتاحة هنا.

أومأت بصمت، ثمَّ أشارت ناحية منزلِ الجد:
– يالَّا، زمان مامتك على وصول.

صعدتا معًا، وما إن دخلتا البيت حتى دوى صوت ناعم حاد:
– إنتَ بتعمل إيه هنا ياحسين؟!

كان يقف يراقب ميرال من الشباك وهو يحكُّ ذقنه، وعيناه تتلاعبُ بمكر:
– هيَّ أختك ماقالتلكيش مين البنت الحلوة اللي معاها؟

وضعت الطعام بغضب، وصرخت:
– وبعدها لك ياحسين، طول عمرك عينك زايغة. قالت بنتِ صاحبتها.

اقترب منها بجذبٍ غليظٍ وسحبها إلى الداخل:
– يا بت ياهبلة، اسمعيني وافتحي دماغك. البنت دي أنا أخدت صورتها للواد زيكو بتاع السيبر. شكِّيت من الخاتم اللي في إيدها، شكله غالي. كمان لمَّا نسيت السلسلة في الحمَّام، لقيتها وفتحتها، فيها صورة راجل أبَّهة وطفل صغير، دوَّرنا عليه، وطلع الراجل ده ضابط كبير في أمنِ الدولة.

شهقت نادية أختِ نعيمة وصرخت:
– يا لهوي! يانهار مش فايت! جايبة أمن الدولة عندنا يانعيمة؟!

وضع كفِّه على فمها بقسوة:
– اسكتي، أنا جالي تأكيد من ناس، البتِّ دي هربانة من جوزها، عارفة يعني إيه؟ يعني فلوس، فلوس بالملايين، مش تعملي فيها المجنونة وتبوَّظي الفرصة.

دفعتهُ بقسوة:
– ناوي على إيه ياحسين؟!

غامت عيناه، ثمَّ تمتم:
– كلِّ خير، بس والله لآخد حقِّي من أختك الستِّ المحترمة، شكلها ناوية تكوِّش على الخميرة لوحدها.

وقبل أن ترد، ظهر وجهُ هند في الباب:
– خالتو؟

دُهشت نادية وهرعت نحوها:
– في إيه ياهند؟

– ماما لسه مجتش؟

هزَّت رأسها، وهي تُلاحق ميرال بنظراتها:
– هتبات عند جدِّك الليلة.

سحبت هند يد ميرال وقالت:
– هنطلع شقة جدُّو، أكلِّمها من فوق، بعد إذنك ياخالتو.

وبالداخل، أمسك حسين هاتفه:
– إلياس السيوفي معايا؟

– إنتَ مين؟!

– فاعل خير. مراتك عندي، بس هتدفع.

– نعم؟ إنتَ بتقول إيه؟!

– عشرين مليون، تستلم مراتك.

ثمَّ أغلق الهاتف، وقفت نادية تراقبهُ بصدمة:
– إنتَ بتعمل إيه؟!

– اشش، متبوَّظيش علينا، دي كنز، كنز بيمشي ياهبلة.

في القاهرة. عند إلياس، وصل إلى شركتهِ الأمنية التي يقومُ بتأسيسها:
– شريف، هبعتلك رقم، عايز أعرف صاحبه فين، خلال دقيقة واحدة.

دخل شاب ثلاثيني:
– إلياس باشا، توقَّف يتطلَّعُ إليه بجهل، مع اقترابهِ يمدُّ يده:
أنا مالك المحمدي، إسحاق باشا الجارحي بعتني لحضرتك، مبسوط إنِّي هكون ضمن الفريق.

لم يلتفت لحديثه، كان عقلهِ هناك، عند صوت ذلك المتَّصل الغامض.

بالعاشرة مساءً بالإسكندرية.

جلست ميرال في شرفةِ الغرفة، تحدِّق في البحر. داعبت بطنها المنتفخ بحنوّ:
– بابا وحشك؟، وأنا كمان نفسي أشوفه. بس لازم نتأقلِّم ياحبيبتي، يمكن نصيبك يطلع أحسن من نصيب ماما...

رنَّ هاتف هند التي اقتربت منها خدي ماما عايزة تكلِّمك:
– مروة، حبيبتي، أوعي تقولي لنادية حاجة عنِّك. أوعي، فاهمة؟

– حاضر.

أنهت المكالمة، وهمَّت بالنوم، ولكن سمعت طرقات هادئة على الباب، اتَّجهت إليه وفتحت بعد أن وضعت الحجاب سريعًا.

– أبلة نادية، خالتي نعيمة لسه مرجعتش...

ولكن ظهر حسين من خلفها، يجذبها بيدٍ غليظة، وسكين يلمعُ أمام وجهها:
– ولا كلمة، همشي بيكي، لو نطقتي، هدبحك، فاهمة؟!

ترقرقت دموعها، وارتجف جسدها. قرَّب السكين من بطنها:
– خايفة على النونو؟ يبقى اسكتي وامشي.

احتضنت بطنها بخوف، وسارت بجوارهِ صامتة.

صرخت هند التي كانت تراقبهم:
– عمُّو حسين، واخد أبلة مروة فين؟!

هتف بعصبية:
– سكِّتي البتِّ دي، لازم ننفذ قبل مالغندورة اختك تيجي.

سحبتها نادية بعنف:
– تعالي ياهند، متخافيش، هوَّ بس هيودِّيها لأهلها.

لكن ميرال رأت الشرَّ في نظراتهم، دفعت حسين بقوَّة وهربت.

صرخ خلفها، وركض، إلى أن خرجت للشارع، على الطريقِ السريع.

حاول سحبها مجدَّدًا، لكنَّها ضربته، وغرست أظافرها في وجهه.
-اتهدي بقى، دا انتي هتجيبي ملايين
انحنت تبعثر التراب بوجهه، وركضت ناحية الشاطئ حتى تستغيث بأحدهم، ولكنه جذبها بعنف من شعرها، وصفعها بقوَّة، لتسقط، وترتطمَ رأسها بصخرةٍ بارزةٍ على الشاطئ حتى اندفعت الدماءُ من رأسها بغزارة، وارتخت أطرافها. دارت عيناها بالسماء تهمس باسم زوجها
- إلياس.

تراجع حسين بذعر، ودقَّاتُ قلبهِ تتسارع.

ركض هاربًا، ولم يلحظ السيارة المسرعة، وصريرُ فراملها المرتفع.
حتى دوى صوتُ ارتطامٍ عنيف...

وارتفع جسدهِ في الهواء ثمَّ ارتطم بالطريق كدميةٍ بلا روح.

أمَّا ميرال. فكانت تنزفُ على الأرض، أنفاسها المتقطِّعة تنازعُ الموتَ بصمت.
لتغمض عيناها.

الفصل التالي
بعد 16 ساعة و 38 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة