قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والأربعون

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والأربعون

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الحادي والأربعون

بعض الحقائق قد تُنجينا و بعضها قد يودي بنا إلى
الهاوية، و نحن حائرون لا نعرف أي درب علينا المُضي به، و كيف نمضي حاملين تلك الأثقال بقلوبنا؟ الأفواه مُكممة و الكلمات أغواها الصمت فتوارت خلف بهتانٍ مزعوم بأن غض البصر عن الظُلم نجاة منه، و العقول وِجله أمام طُرُقات تبدو مُوحشة، مجهولة الأمد، و مغبة الخطأ خسائرها فادحة، فكيف ننجو ب أرواحنا و قاطنيها من دوائر الغدر المغموسة ب سموم لا ترياق لها؟

نورهان العشري.

تجمدت البسمة على شفاهها، وهي تنظر إلى أبغض وجه رأته في حياتها، فهبت واقفة كرد فعل تلقائي لرؤيتها عنايات التي كان الشر يتدافع كالأسهم من بين عينيها على هيئة نظرات تتنافى مع كلماتها الساخرة حين قالت
اقعدي والله ما أنتِ تاعبة نفسك. هو أنا غريبة.
انتفضت أوداجها غضبًا من حديثها، فهتفت بحدة
أنتِ ايه اللي جابك هنا يا ست أنتِ؟
عنايات بتهكم.

ست أنتِ! مش كان اسمي ماما قبل كدا! اخس عليكِ يا ناكرة العشرة و الجميل.
غنى بحدة يشوبها القهر و الاستنكار
عشرة ايه و جميل أيه؟ هي دي كانت عشرة! دول كانوا سنتين مرار و سواد، و بعدين هو أنتِ تعرفي تعملي جميل في حد! أنتِ بتعملي اللي في مصلحتك أنتِ و المحروس ابنك و اي حد تاني يولع.
ابتسامة كريهة لونت ملامح عنايات التي أجابتها بنبرة جافة.

كويس أنك فاكرة. مش هتتعبيني، فتخلي بالك بقى كلمة تتنطور كدا ولا تتنطور كدا عن المحروس هقطعلك لسانك، و هنفذ اللي قولتهولك قبل كدا.
احتلت الصدمة ملامح غنى لتُتابع عنايات بنبرة لازعة
متفكريش أنك خلاص مبقتيش تحت إيدي، و أن الريس بتاعك دا هيقدر يلحقك من بين إيديا!
اقتربت منها خطوتين وهي تُتابع بنبرة يفوح منها رائحة الشر
لاااا. دانا اقدر افضحك و البسك مُصيبة تخليكِ متخرجيش من بيتك العمر كله.

لم تكُن لتخضع أبدًا أمام هذه الشيطانة بالرغم من هذا الخوف الذي تخر عظامها ولكنها هتفت بشراسة
متقدريش لا أنتِ ولا مليون زيك تعمليلي حاجة! عارفة ليه؟ عشان أنا مرات الريس ياسر الوتيدي، و لو مكنتيش عارفة مين الريس ياسر مكنتيش جيتي لحد هنا. خوفك جابك تهدديني، ودا تمامك و أخرك.
صمتت لثوان تُراقب تبدُل ملامح عنايات و التي تتماوج مع بين الغضب و الحقد لتُتابع قائلة بنبرة حادة كالسيف.

طول عمرك خايفة مني، و عملالي ألف حساب. عشان كدا طول الوقت بتهدديني بالرغم من أن اهلي رموني ليكِ و اتخلوا عني بس أنتِ كنتِ واثقة إني يوم ما هيفيض بيا هحرق الكل، و حصل. انا ولعت في بيتك و أنتِ فيه، و كنت هخلص ننوس عين ماما، ومهمنيش حد على الرغم أني كنت بطولي و لوحدي و الكون كله ضدي.
ابتسامة ظفر تلكأت على شفتيها قبل أن تُتابع بنبرة مُغترة.

جاية دلوقتي بعد ما بقيت في حما راجل الكل بيعمله ألف حساب تهدديني! حسيتها غلط يا عنايات، و غلطك دا معناه أنك خايفة. بس أنا هطلع جدعة و اعمل فيكِ جِميلة عشان العشرة السودا اللي عشتها معاكِ و اعدي اللي عملتيه و اللي قولتيه دلوقتي مقابل أني مشوفش خلقتك تاني.

لأول مرة تشعر بالعجز أمام أحدهم، و الذي لم يكُن سوى فتاة بائسة ظنت أنها ستستطِع أن تقمع كل تمردها و تطويه تحت راية الظُلم الذي مارسته عليها بكل فُحش ولكنها لم تستطِع أبدًا السيطرة على جموحها بالرغم من كل ما فعلته لكسرها، فقد لملمت حُطامها و أعادت تشييد هيكلها بصورة أشد وأقوى، ولكنها لن تتوانى في استخدام جميع الطُرق الملتوية لردعها لذا هتفت بحدة.

حلو البوقين دول. عجبوني بس مدخلوش دماغي، و لو فكرتي انك شوفتي الوش الوحش مني، فاللي شوفتيه دا أحسن ما عندي، و اللي جاي هيبقى سواد لو فكرتي تجيبي سيرة ابني تاني أنتِ ولا المدعوقة أمك! عرفيها الكلمتين دول.
زاغت انظارها و تهدجت أنفاسها من حديث عنايات، فهي لن تتجرأ و تأتي إليها لتنفُس سمومها سوى بحدوث أمر جلل و الآن علمت السبب ولكنها لم تتوانى عن رد الهجوم بآخر مُضاد حين قالت بجفاء.

ابنك ميهمنيش لانا ولا أمي ولا حد هيفكر يجيب سيرته. روحي دوريله على ضحية تانية، و شوفي هتسكتيها ازاي!
اهتاجت عنايات بشدة، فبدت كوحش قادر على القتل في هذه اللحظة لتقوم بدفع حاوية الأقلام التي كانت فوق مكتبها الخشبي وهي تصيح بصوت جهوري ارتعد له جسد غنى.

أنا حذرتك، و أنتِ مسمعتيش مني. خليكِ فاكرة كلامك دا كويس. عشان من النهارده أنتِ اللي فتحتي النار على نفسك، وأول اللي هيتحرق بيها حبيب القلب، و هعرفك مين هو رأفت عبد الحفيظ عشان بعد كدا تفكري ألف مرة قبل ما تجيبي اسمه بينك و بين نفسك.
أنهت جملتها و التفتت تُغادر تاركة جمرة مشتعلة من القلق بصدر غنى التي هتفت بقهر
الله يسامحك ياماما. الله يسامحك.

قامت بجذب هاتفها و حاولت الاتصال بهاتف ياسر الذي كان خارج نطاق التغطية ليتملك القلق منها أكثر، فكررت محاولاتها مرارًا و تكرارًا وهي تناظر مكتبه من شرفة الغرفة التي تقف بها، فلم يكُن هُناك مما جعلها تهرول إلى هناك لتستفهم من العاملين عن مكان تواجده
عم محسن. متعرفش ياسر فين؟
العامل باختصار
الريس ياسر في المحجر و قدامه ساعتين على ما بيجي.

زفرت بغضب وهي تُعنف نفسها، فقد أخبرها بتواجده في المحجر اليوم، فزفرت بتعب وهي تعود مرة أخرى إلى مقر عملها تحاول هذه المرة الإتصال بوالدتها التي ما أن اجابتها حتى هتفت بحدة
نفسي اعرف يا ماما هو أنتِ حد مسلطك عليا! حد قالك بنتك معندهاش مشاكل روحي ابليها بالقرب و المصايب!
صابرين بصدمة
في ايه يا بت؟ بتقولي كدا ليه حصل ايه؟
غنى بانفعال
كمان مش عارفة عملتي ايه؟ أنتِ جبتي سيرة الزفت رأفت دا مع مين؟

مرت ثوان قبل أن تقول بنبرة مهزوزة
محصلش، وانا هجيب سيرة اللي ما يتسمى دا ليه؟
غنى بقهر
ياماما أبوس ايدك مرة خليكي صريحة معايا، و بلاش كدا. حرام عليكِ عنايات جتلي الحضانة و هددتني. قوليلي قولتي ايه ولا عملتي ايه جننها كدا!
صابرين بارتباك
ربنا ينتقم منها البعيدة، والله انا ما قولت حاجات كتير يعمي.
اللي هي ايه؟
صابرين بتلعثُم.

بصراحة يعني الولية مفيدة اللي جنبنا المخفي متقدم لبنت أخوها و دي يتيمة، و الست جت سألتني اطلقتوا ليه، فلمحتلها يعني أنه مش ولا بد. صعب عليا البت اليتيمة تلبس اللبسة السودا دي.
غنى بنبرة يشوبها القهر
وأنا مبصعبش عليكِ؟ يا ماما اتقي الله فيا و كفاية بهدلة بقى. خليني ألملم اللي باقي مني و اعرف اعيش.
صابرين بحزن
حقك عليا يا بنتي. والله أنا...
قاطعتها غنى بجفاء.

روحي يا ماما دلوقتي و ابوس رجلك متجبيش سيرته تاني لحد عشان أنا لو موت نفسي محدش هيشيل ذنبي غيرك.
قامت بإغلاق الهاتف تزامنًا مع قدوم أحد المعلمات التي تعمل معها لتُطلعها على بعض الأمور لتُجيبها بآلية قبل أن تقول بنبرة متعبة
روفيدا هتعبك لو قولتلك خدي الحصة دي مكاني! تعبانه و مش قادرة اعمل اي حاجة خالص.
روفيدا بلهفة
لا طبعًا يا حبيبتي مفيش تعب ولا حاجة.
غنى بخفوت
تسلميلي.

ضيقت روفيدا عينيها بمكر قبل أن تقول
هو حصل ولا ايه؟ اعترفي.
غنى بعدم فهم
هو أيه اللي حصل؟
أيوا اعملي فيها مش فاهمة! هيكون ايه يعني؟ الحمل. شكلك حامل. صح؟
هكذا تحدثت روفيدا بحماس قابلته غنى بالخيبة التي لونت ملامحها و نبرتها حين قالت بخفوت
حمل! ياااه دا احتمال بعيد اوي.
روفيدا باستفهام
بتقولي ايه؟
غنى بجمود يتنافى مع الهشاشة بداخلها
لا أبدًا بقولك لا مش حمل انا تعبانه بقالي فترة.

شعرت روفيدا بأنها لا تُريد الحديث لذا تراجعت عنها لتضع غنى يدها بين كفوفها وهي تستعرض كل ما حدث معها، و تتخيل أن هناك فتاة أخرى قد تُعاني من هذا العذاب الذي تذوقته مع شبه الرجل هذا و والدته، و إن كان الإلم الذي تحياه الآن هو البديل عن هذا الظلم في حق بريئة أخرى، فهي راضية لذا رفعت رأسها إلى الأعلى وهي تقول بنبرة مُتهدجة
أنا راضية يارب. راضية وانا عارفة انك رحيم اوي و هترأف بوجعي.

هبطت دمعة من طرف عينيها وهي تُضيف
الحمد لله على كل شيء.

كانت تنوي الدلوف إلى غرفة ميرهان لتجد رنا تنادي على أحد الخادمات بإلحاح، فانتابها الفضول لمعرفة ماذا يجري لتجد الغرفة مقلوبة رأسًا على عقب و الصغيرة تتحدث مع الخادمة بحماس
عيزاكي تطلعيلي كل ألعابي من وانا لسه صغيرة و تجيبيهملي.
رنوشة بتعملي ايه يا قمر؟
هكذا استفهمت هايدي لتُجيبها رنا بحماس
بطلع كل ألعابي وانا صغيرة عشان اديهم لمريم أختي.
هايدي باستفهام
مين مريم أختك دي؟

مريم بنت أشجان صاحبتي و هتبقى مرات بابي.
هكذا تحدثت رنا وهي مشغولة بتغليف أحد الفساتين لتُهادي به مريم فبرقت عيني هايدي من حديثها لتقوم بجذبها لتجلس على السرير خلفها وهي تقول باستفهام
لا أنتِ تقعدي هنا و تفهميني. يعني ايه هتبقى مرات بابي! هو بابي هيتجوز ولا أيه؟
رنا بحماس
أيوا هيتجوز أشجان اللي هي أخت آسيا مرات أنكل كمال.
هايدي باستفهام
أنتِ متأكدة من الكلام دا يا رنا؟

أيوا متأكدة بقولك مريومة خلاص هتبقى أختي، و هتيجي مع أشجان و أمجد يعيشوا معانا هنا. أنتِ مش شيفاني بطلعلهم ألعابي و جيبالهم هدايا كتير ازاي!
هرولت هايدي إلى نبيلة التي كانت تحاول انتقاء ملابسها تحضيرًا لهذه المناسبة التي ستعزز أهدافها كثيرًا، فتفاجئت من اقتحام هايدي لغرفتها وهي تقول بلهفة
الحقي يا مامي في حاجة حصلت.
التفتت نبيلة بفزع تجلى في نبرتها حين قالت
حصل ايه؟

قصت عليها هايدي ما حدث لتختتم حديثها قائلة
البنت بتأكد أنه هيتجوز اللي اسمها أشجان دي.
توسعت حدقتي نبيلة وهي تتذكر معاملة هذه المرأة مع رنا التي كانت تجلس بجانبها طوال الفرح، وذلك الموقف الذي جمعها بها.
عودة لوقت سابق
شوشو. أخيرًا لقيتك.
هكذا تحدثت رنا بسعادة وهي تعانق أشجان التي هتفت بحبور
حبيبتي يا رنا. وحشتيني أوي.
تبادلت العناق مع هذه الفتاة التي تحبها قبل أن تقول بحنو
طمنيني عليكِ. عاملة ايه؟

رنا بأدب
الحمد لله تمام. أنتِ وحشتيني أوي، و كنت طول الفرح عايزة اسلم عليكِ.
أشجان بنبرة حانية
يا روحي طب و مجتيش تسلمي عليا ليه؟ أنا كنت قاعدة جنب ماما و بنات خالتي.
كنت مكسوفة، و قولت لبابي أني عايزة اسلم عليكِ قالي حاضر بعد الفرح بس أنا لما لقيتك جايه التويليت جيت جري وراكي.
أشجان بحُب
يا روحي. أنتِ بس كنتِ شاوريلي. أنتِ وحشاني اوي و كان نفسي أشوفك.
رنا بخفوت
و أنتِ كمان وحشتيني اوي.

عانقتها أشجان مرة أخرى قبل أن تقول
يالا تعالي ندخل جوا و اعرفك على ولادي و أصحابي.
عودة للوقت الحالي
انا كنت حاسة من يوم الفرح بحاجة مش مظبوطة.
هكذا تمتمت نبيلة حانقة، فهتفت هايدي بسخط
بتقولي ايه يا مامي؟
نبيلة بنبرة صارخة
بقول إن في كارثة هتحل على دماغنا كلنا لو ملحقنهاش.
هايدي بقلق
عندك حق. مش كفاية البلوتين دول. بيتنا كدا هيتملي خدامين. هقول ايه لصحابي لما ييجوا حفلة عيد ميلادي و يسألوني عنهم!

نبيلة بحنق
صحابك ايه و زفت ايه؟ احنا في اصحابك دلوقتي! ولا في البلوة السودا دي. كله مقدور عليه إلا خالد. دا بالذات مش هينفع يرتبط ببنت الخدامة دي.
هايدي باستفهام
اشمعنى خالو خالد! طب ما خالو كمال اتجوز أختها.
نبيلة بسخط
خالد في ايده كل حاجة. فلوس و أملاك العيلة كلها تحت أيده، و بعدين عشان فجأة يتخطى ذكرى نادية و يفكر يتجوز تاني يبقى احنا كدا في خطر رسمي.
هايدي بعدم فهم.

طيب ماهو قال من زمان أنه هيدي كل واحد حقه. فين المشكلة بقى؟
نبيلة بحدة
المشكلة لو خلف ولد. كدا هيقش كل حاجة، و احنا هنطلع بملاليم في الآخر.
رنا هاتفها ليقاطع استرسالها في الحديث لتقوم بالإجابة على الفور لتستمع إلى حديث المتصل وهي تدور في الغرفة بغير هدى و من ثم هتفت بحدة
ابعتلي كل حاجة عالواتس، و أنا هتصرف.

أنهت المكالمة وهي تُفكِر كيف ستوقف هذا الزفاف حتى لو استدعى الأمر العودة إلى أساليبها الملتوية كما في السابق!
اللهم ارزقني رزقًا واسعًا حلالًا طيبًا، واستجب دعائي من غير رد، وأعوذ بك من الفضيحتين؛ الفقر والدين.

كان يقف أمام الزُجاج الذي يفصله عنها بأعيُن يتماوج بهم العشق و الكره معًا، فهو الذي فعل المُستحيل و المُمكن لكي يحصل عليها و هاهي كعادته تُعانده في يقظتها و نومها، فقد حرمته لذة قربها و حتى أبسط الأشياء كالنظر إلى عينيها لم يعُد مُتاحًا وهي تُغمض عينيها لأشهر و كأنها تخبره بأنه باستطاعتها الابتعاد عنه متى شاءت
رماح بيه.
هكذا تحدث الطبيب ليُجيبه رماح بقسوة.

لو مش هتجولي أنها هتفوج يبقى تجفل خشمك أحسنلك.
الطبيب بخوف تجلى في عينيه و نبرته حين قال
قولت لحضرتك دا شيء مش بإيدينا. الغيبوبة اللي هي فيها دي بإرادتها. العقل رافض الواقع و...
قاطعه رماح بجفاء
معيزش اسمع الحديت الماسخ ده تاني، و چهز حالك عشان هنرچع الوكر.
الطبيب بتلعثُم
طب و الحالة؟
رماح بصُراخ افزعه
ملكش صالح بحاچة. نفذ اللي جولتلك عليه.
اومأ الطبيب بصمت وهو يهرول من أمامه ليهتف رماح بشراسة.

بت الوتايدة بتعاندني و بتچف جدامي حتى في نومتها. ماشي يا صافية. خلينا نشوف مين نفسه أطول من التاني.

زفر بقوة قبل أن يتوجه إلى الجحيم الذي يستوطنه و الذي كانت بوابته ظاهريًا و كأنها باب من أبواب الجنة، وحين شاهده قاطنيها كُلًا التزم قوقعته إلى أن وصل إلى عقر داره ليتربع على كرسيه الضخم و خلفه إمرأة صاخبة في كل شيء ملابسها و ردائها و زينتها و حُليها التي ترتديها وعلى الرغم من صخبها إلا أنها تُجيد امتصاص كل ما هو سيء به لتقترب منه و تقوم بتمسيد رقبته و عضلاته المُتشنجة وهي تقول بنعومة.

وشك ولا وش القمر.
زفر رماح بقوة لتعلم بأن الغضب على أشده مما جعلها تُغير لحن الحديث إلى آخر يروق له حين قالت
دفعة البنات الجديدة جهزوا و مستنيين الإشارة.
رماح بحدة
كلات ده و لسه متسرحوش!
سحر بنعومة
مردتش اسرحهم قبل ما تشوفهم الأول. يمكن تعجبك واحدة منهم، و تحب تخليها.
ابتسامة اعجاب ارتسمت على ملامحه قبل أن يقول.

تعِرفي يا سحر انك من بين كِل الستات اللي عرفتهم في حياتي أنتِ بس اللي بتفهميني و بتعرِفي اللي رايده من جبل ما اتحدت.
التفت تناظره بأعيُن صافية كالسماء شديدة الزُرقة قبل أن تقول بليونة تعجبه كثيرًا
سحر دايمًا رهن إشارتك يا سيد قلبي و سيد الناس كلهم.
سرح رماح إلى البعيد وهو يقول بنبرة تقطُر ألماً و حقد
الكلمة دي اتجالتلي من كل الحريم اللي عرفتهم ماعدا الحُرمة الوحيدة اللي اتمنيت اسمعها منيها.

تعلم جيدًا كيف تراوغ ألمه و تُفلت من بين براثن غضبه حين قالت
يمكن عشان شافت منك اللي مفيش ولا واحدة مننا شافته.
رماح باستفهام
تجصدي اي؟
سحر بتخابث
دللتها زيادة عن اللزوم.
رماح بجفاء
الغصب مهيچيش معاها. دي معچونة بالعِند.
سحر بمكر
يبقى عرفتها مكانتها عندك عشان كدا اتمردت عليك.
رماح بتهكم
مكانتها عرفاها زين من زمن الزمن.
سحر بنعومة.

من أول ما عرفتك و أنت بتحكيلي على الحكاية دي كلام مُبهم و على المتغطي. ما تجرب تحكيلي اللي في قلبك يمكن أقولك الغلط فين و تصلحه ازاي!
ضيق رماح عينيه بريبة قبل أن يقول باستفهام
ناوية تجربيني من صافية اومال! معتخافيش على مكانتك عِندي يا سحر ولا اي؟
سحر بدلال
مكانتي عندك محفوظه، و مهما كنت بتحبها بس عمرها ما هتعملك اللي انا بعمله. بنت الوتايدة على كلامك راسها في سابع سما.
كز على شفتيه وهو يقول بحنق.

و دي مشكلتها معاي. بالرغم من كل اللي عملته عشانها. بردك حطاني في خانة العدو، و صدجت الخرفان أبوها.
سحر باستفهام
أنت قولت قبل كدا أنها بتحبك. ايه اللي حصل و فرقكوا.
ارجع رأسه للخلف لتشرع هي بممارسة عملها في تمسيد أكتافه و عضلاته حتى يسترخي أكثر ليبدأ حديثه بمرارة لم تُخطيء في فهمها.

كانت بت ستاشر سنة. زينة البنات، و الكفر كله يتمنى بس لو يلمح طيفها، و كان أبوها عاملها كيف الملكة على الكل. ما هي اللي بجياله من ريحة مرته. على عكس الناس كلاتها كان نفسه يچيب بنت عشان تبجى شبهها و كيفها. مرته كانت اسكندرانية، و كان بيحبها جوي، و لما ربنا نوله مراده و چابتله بنتين تؤم ماتت واحدة منيهم أو أنخطفت! و اتبجت له صافية.
سحر باستفهام
لا. ماهو يا ماتت يا أتخطفت! انهي فيهم.
رماح بتهكم.

التنين! البت أتخطفت و جالوله ماتت.
و مين اللي خطفها!
رماح بقسوة
الحية أم نچيبة. مرت أخوه.
و ليه عملت كدا!
رماح بسخرية
كيد حريم، و طمع. كانت بتغار من سلفتها و خطفت البت الصغيرة و كانت هتخطف التنين لولا البت الداية خافت.
سحر باستفهام
طب و عملت ايه في البنت اللي خطفتها؟

رمتها في ملجيء، و خلت الوتيدي يتحسر على بته، و عشان أكده كان بيخاف على صافية من الهوا الطاير، و لما روحت اتجدمتلها رفضني. جال مش هيچوزها لتاجر مخدرات. مع أنه كان له في تچارة السلاح. بس بته حبيبته لما يحب يچوزها لازمن تتچوز راچل مالوش في العك. ده حديته ليها اللي ملا راسها بيه و خلاها تكرهني، و عشان أكده كان لازمن انتجم منيه.
قال جملته الأخيرة بنبرة تقطُر حقدًا لتستفهم سحر بفضول.

طب و أنت انتقمت منه ازاي؟
رماح بسخرية
نچيبة كانت عيني چوا داره. جدرت اشتريها، وهي الحجيجة كانت سهلة زي بتها. چوزها كان كبر و مبجاش فيه حيل وهي كانت مسعورة عالدنيا، و لما جربت منيها أكتر وأكتر جالتلي على سر أمها وأخت صافية اللي خطفتها، و من اهنه بدأت افكِر ازاي استغل كل حاچة لصالحي. لغاية ما چه اليوم و عرفت أنها چايلها عريس.
اغمض عينيه وهو يتذكر تلك الذكرى المؤلمة
عودة لوقتٍ سابق.

نچيبة. أنتِ فين يا ولية أنتِ؟ و فرسة ايه اللي عيانه دي!
هكذا تحدثت صافية بحنق وهي تفرق أنظارها على الجياد التي كانت تعشقهم، و قد أخبرتها زوجه أخيها بأن إحداهما مريضة، ولكنها تفاجئت بذلك الذي خرج من بينهم وهو يقول بعتاب اخترق جدران قلبها
اني اللي عيان و جربت أموت على يدك يا صافية!

ارتجفت دقات قلبها حين رأته، وعلى الرغم من فارق العمر بينهم ولكنه كان وسيمًا ذو بنية قوية و طول فارع وقد وقعت في هواه منذ أن رأت أول مرة أمام مدرستهم، ولكنها أدركت حقيقته المُرة بعد ذلك لتحجب أنين قلبها العاشق وهي تقول بجفاء
اطمن الموت مبيخدش العفشين، وأنت أولهم. أية اللي چابك اهنه؟ مش جولتلك معيزاش اشوف خلجتك تاني!
رماح بقهر.

چبتي القسوة دي منين يا صافية؟ لحجتي تنسي رماح حبيبك! صدجتي عليا الحديت العِفش اللي جالوا أبوكي و دوستي عاللي بيننا!
صافية بنبرة جريحة
إيوا دوست. لما توعدني مرة و اتنين و تلاته انك هترچع عن سكة الحرام و ترچع في وعدك يوبجى لازمن أدوس عليك و أتبرى من حبك.
رماح بنبرة يشوبها التوسل
والله العظيم ما حوصول. ده كذب. اني مرچعتش للسكة دي من تاني.
صافية باحتقار
بتحلف بالله كذب! حتى اسم ربنا مبيخوفكش!

قامت بلكزه في كتفه ليتراجع من شدة الألم لتهتف هي بقهر
مش دي رصاصة الحكومة اللي خدتها في العملية الأخيرة. ياريتها كانت موتتك و ريحتني.
رماح بحدة وهو يقترب منها قائلًا
بتتمنيلي الموت يا صافية. كل الحب اللي شايلهولك في جلبي ده مهيشفعليش عِندك؟

لاه. مفيش حاچة في الدنيا تشفعلك عِندي. إلا الحرام، و تچارة الزفت ده. اللي كل يوم بتضيع شباب زي الورد. عايزني اتغاضى عن عفاشتك، و أتچوزك عشان اتحسر على ولدي لما يدوج السم اللي بيتاچر بيه أبوه! ولا استنى لما الاچي عيالي تُچار مُخدرات زيك! لاه و مليون لاه يا رماح.
هكذا تحدثت بجفاء يتنافى مع ألم عينيها ليهتف بقسوة.

طب يمين بالله يا صافية و حياة حبي ليكِ ما هيكونلك ولاد من حد غيري، ولا هيكونلي ولاد من حد غيرك، و يا تاچي بالذوج و افرشلك الطريج ورد وحب يا هچيبك بالعافية و في طريج مفروش بالدم.
شعرت بالخوف من حديثه و نظراته ولكنها أرادت محو أي أمل يخالج صدره تجاهها حين قالت بجفاء
لا ده ولا ده. مفيش طريق من أساسه هيجدر يچمعنا يا رماح. أني وافجت أتچوز من ولد العتامنة، و حبك رميته من جلبي خلاص.

اهتاج كالوحوش وهو يصيح بزأير
مش هيحصل يا صافية، و رب العزة ما هيحصل، و حتى لو حكمت و اضطريت اخلص على الوتايدة نفر نفر، و لا أنك توبجي لغيري.
عودة للوقت الحالي
كنت ناوي انفذ تهديدي و اخلص عليهم و اخدها و اهروب. لولا بنت الشياطين نچيبة. شارت عليا اني اوهمهم أنها اتجتلت، و عشان محدش يدور ورا الموضوع كان لازمن يبجى في فاعل.
هكذا تحدث رماح وهو يتجرع هذا المشروب الكحولي لتهتف سحر بلهفة
و عملت ايه؟
رماح بجفاء.

خدتني على الميتم، وورتني البت أختها، و من حسن حظي أنها كانت في بحري، و بعيد عنينا و كانت فولة و اتجسمت نصين من صافية. خدتها و كني لجيت هدية من السما، و فكرت ازاي ممكن اخد صافية و ارچعها مكانها. لكن لچيت أنها فكرة شينة. البت كانت بتلعب بالبيضا و الحچر، و مكنتش هتستُر و من اهنه چتلي فكرة بمليون چنية.
سحر بفضول
اللي هي أيه؟
رماح ببساطة تتنافى مع حقارة فعلته.

لچيت نچيبة چاية تچري و تجولي أن ربيع واد عم صافية شافها لما كانت چاية تجابلني آخر مرة و هيفضحنا، مكنش جدامي وجت. ربيع ده كان خمورچي و له في الكيف من بعد موت مرته، هددته اني هجتل ولاده لو فتح خشمه بحرف، و خدت غرضي من البت أختها، و رميتها في الزريبة و الكلب ربيع چارها بعد ما كان مش داري بالدنيا، و في نفس الوجت ده نچيبة دست المنوم في العصير اللي شربته صافية و الكل اتچمع اهناك يشوفوا المُصيبة واني خدت حبيبتي و هربت من غير ما حد يحس، و شربوها الوتايدة، و دفنوا البت دي على أساس أنها صافية، و لبسها ربيع.

شهقت سحر بصدمة قبل أن تقول بذهول
يالهوي. ايه الدماغ دي! دا أنت ولا ابليس زي ما قالت صافية عنك!
رماح بحدة
هي السبب في كل اللي حوصول ده. لولا عنادها و نشفان راسها مكنش حاچة من دي حصلت، و لساتها بتعاند وياي، و مش بس هي! دول الوتايدة كمان. بنت المركوب اللي اسمها بدرية سلمت لحمي ليهم، و رحيم الكلب عايز يلاعبني، و ياخد تاره.
سحر بحنق
ياما قولتلك بدرية دي مينفعش تتساب كدا. دي ملهاش أمان. مسمعتش كلامي!

رماح بحنق
اللي بتعرِف بدرية تعملوا محدش تاني يعرِفه، و بعدين اني لسه متوكدتش هي جالتلهم على صافية ولا لاه؟
و دي محتاجة أكيد قالتلهم!
رماح بجفاء
مش من مصلحتها تجولهم. هي متورطة معانا في كل حاچة.
سحر بتفكير
هو ممكن تكون مقالتش على كل حاجة زي ما بتقول. بس هنعرف دا ازاي!
رماح بنبرة يتخللها الشر
هنعرِف. أصل اللعبة كبرت على الآخر.
ازاي؟
رماح بقسوة.

الوتايدة اتلموا من چديد، و بجيوا يتچمعوا مع بعضيهم، و اللي عِمله رحيم الكلب ده ليلة الفرح معناه أنه كل حاچة بجيت عالمكشوف.
سحر بتهكم
و ليه متقولش أنه رد على اللي حصل قبل كدا. مش سهلة بردو أن يشوف مراته في حضن راضي أخوك.
دفع رماح يدها من على كتفه وهو يهتف بشراسة
يده اللي جتلت أخوي دي هجطعها بس الصبر، و بعدين ماهو لو كان راچل و مالي عينك مُرته مكنش خانته.
سحر بسخرية
قصدك مراته طالعة خاينة لأمها.
رماح بحدة.

- هما سلسالهم من أساسه نج. س جصره. انا عايزك ترچعي الملچأ تاني و تعملي الحفلة الخيرية بتاعت كل سنة، و تبعتي دعوة لخالد الوتيدي.
تراجعت للخلف و الخوف باد على ملامحها و نبرته حين قالت
هتفتح على نفسك ميت جبهة يا رماح، و خالد دا مبيهزرش.
رماح بجفاء
فكرك أنه مدخلش الحرب! خالد ده تعبان، و رحيم بيمشي بأمره، و لو جدرت أجيب رجبته يوبجى الباجي سهل.

طرق على باب الغرفة ثم أطل زناتي برأسه وهو يستأذن بالدخول، فسمح له رماح ليتوسط الغرفة وهو يقول
نفذنا كل اللي جولت عليه، و فاضل نوزع البنات.
هتف رماح موجهًا حديثه إلى سحر
اختاري بت على كيفك تروح شُجة المعادي الزبون اللي هناك تجيل، و يهمنا نضمن ولائه لجدام. الشغل كله متوجف عليه.
سحر بنعومة
عيني.
تحمحم زناتي قبل أن يقول
بدرية حالتها صعبة، و لازمن يشوفها دكتور.
قست عينيه و نظراته حين قال
خلص عليها.

رفع زناتي رأسه و عينيه لها لمحة من الغضب أمام عيني رماح التي طالعته بترقُب قبل أن يهتف بوعيد
الغضب اللي شفته في عيونك ده هيخليك تحصِل أختك. جولت اي يا زناني؟
ابتلع غضبه و انفعاله و كل شيء وهو يقول باحترام
أني راچلك يا كبير، و تحت أمرك في اي حاچة.
اشتدت يد سحر فوق كتفه ليقول بجفاء
استناني بره.
خرج زناتي لتهتف سحر بمكر.

اوعى تسيبه يموتها. الموت راحة للي زيها. دي لازم تتعلم الأدب، و تدوق الأمرين قبل ما تخلص عليها.
لم يُجيبها رماح إنما أخذ ينظر إلى البعيد، و هو يُفكر فيمن سيعاقبه أولًا؟
اللهم اكشف عني وعن المسلمين كل شدة وضيق وكرب، اللهم أسألك فرجًا قريبًا، وكف عني ما أطيق وما لا أطيق، اللهم إني أسألك سلامًا ما بعده كدر، ورضًا ما بعده سخط، وفرحًا ما بعده حزن.

آسيا. يادي النور. يادي النور.
هكذا صاحت رضا وهي تُهلل مرحبة بآسيا التي عانقتها بقوة وهي تقول باشتياق
وحشتيني اوي يا ماما. وحشتيني.
رضا بحبور
و أنتِ وحشتيني يا قلب امك. تعالي ادخلي.
دلفت آسيا إلى الداخل وهي تضع من يدها أكياس الهدايا التي جلبتها لهم، و تقدمت لتعانق والدها بحُب تجلى في نبرته
وحشتينا اوي يا بنتي. مصدقناش انك جاية النهاردة تزورينا.
آسيا بحنو.

و أنتوا كمان يا بابا وحشتوني أوي. طمني عليك و على صحتك.
عزام بهدوء
نحمد الله يا بنتي على كل حال. جوزك عامل ايه؟
الحمد لله بيسلم عليكوا.
رضا بلهفة
هتتغدي معانا النهاردة صح؟
آسيا بارتباك
في الحقيقة مش هقدر. انا كنت جاية اتكلم معاكوا في حاجة مهمة. بس تسمعوني للآخر.
تبادل كُلًا من رضا و عزام النظرات قبل أن يقول الأخير
اتفضلي يا بنتي.
بللت حلقها قبل أن تقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة.

بصراحة يعني أنا فكرت. أن. يعني الحارة هنا. مبقتش مناسبة. يعني انكوا تعيشوا فيها.
انكمشت ملامح عزام بغضب لم يُفصِح عنه انما قال بجفاء
كلام إيه دا يا بنتي! مالها الحارة؟
استفهمت رضا هي الأخرى قائلة
طول عمرنا عايشين في الحارة يا آسيا. ليه مبقاش ينفع نعيش فيها؟
عزمت على المُضي قدمًا بما انتوته، فلم تلتفت إلى الغضب و الرفض على ملامح والدها لتقول بثبات.

بصراحة الحارة مبقتش تليق بيكوا. مكان شعبي و كمان البيت يعني. مش مناسب للمستوى اللي بقينا فيه، فأنا بدأت ادور على شقة تكون مناسبة و في مكان راقي عشان تنقلوا فيها.
هز عزام رأسه و ملامحه ترتسم عليها الخيبة و الأسى ليهتف بنبرة ساخرة يشوبها المرارة.

قصدك الحارة مبقتش تناسب مستواكي أنتِ. أحنا مستوانا زي ماهو. لكن أنتِ اللي بقيتي هانم و جوزك بيه، و عشان كدا مش هينفع بيجي يتغدى معانا. الحارة متليقش بمستواه ولا بمستواكي يا آسيا هانم!
تلعثمت الحروف فوق شفاهها، ولكنه لم يُمهلها الوقت للحديث بل التفت ناظرًا إلى رضا وهو يقول بتهكم مرير
بنتك استعرت من أصلها يا رضا، و جايز شاكة أن أكلك مش نضيف ولا حاجة. ابقي خليها تشوف المطبخ عشان تتأكد من نضافته!

ترقرقت العبرات في عينيه، فنصب عوده الواهن وهو يتوجه إلى الداخل وهو يغض السمع عن ندائاتها لتلتفت ناظره إلى والدتها التي شيعتها بنظرات الأسى وهي تقول بجمود
قومي روحي بيتك يا آسيا. أحنا دا بيتنا اللي عشنا و هنموت فيه.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

و أخيرًا خلصت.
هكذا هتفت أشجان بسعادة وهي تنظر إلى هذه الكعكة الجميلة التي جهزتها للمساء، فحبيبها سيأتي اليوم للعشاء معهم ببيت سوزان هو و طفلته الجميلة لتعزيز العلاقات بينها و بين طفليه، و قد أخبرتها سوزان بأن هناك مفاجأة بإنتظارها لتُقرر هي فعل شيء بسيط من أجل إسعاد أطفالها و على رأسهم رنا، وهي بخضم تفكيرها رن هاتفها، فالتقطته بلهفة لتُجيب و دقاتها تقرع كالطبول داخل صدرها
آلو.
خالد بنبرة خشنة.

الحلو بيعمل أيه؟
أشجان بخجل
بيعمل حلو.
لونت ابتسامة جميلة ثغره قبل أن يقول بنبرة عابثة
اعملي حسابك بعد ما نتجوز الحلو بتاعي هيأكلني الحلو اللي بيعمله في بقي.
تفشى الخجل بوجنتيها و جعل الورود تنبت فوقهم، فلم تستطِع إجابته ليتفهم هو خجلها، فتابع بنبرة خشنة
أنا راجل بحب ادلع معلش.
أشجان بخفوت
خالد هقفل والله.
شاكسها قائلًا
طيب دلوقتي هتقفلي. بعد كدا هتعملي ايه و هتهربي ازاي؟
أشجان بتوتر
خلاص بقى.

قهقه على خجلها ليقول بخشونة
متشغليش الدماغ الحلوة دي بالتفكير. عشان كدا كدا أنا مفيش مهرب مني.
لأول تسمح لقلبها بتولي دفة الحديث حين قالت بخفوت
طب دي حاجة حلوة على فكرة.
تضخم قلبه من فرط السعادة بجملتها البسيطة ليهتف بصوته الخشن
وحياتك عندي الحلو كله هتشوفيه معايا و في حضني اللي مش هخرجك منه أبدًا.

عبأت صدرها بالهواء النقي قبل أن تُغمض عينيها بحالمية وكلماته يتردد صداها بقلبها و كأنها لحن جميل لا تمل الآذان من سماعه لتهتف بنبرة خافتة
متتأخرش عليا.
خالد بصوتًا أجش
مقدرش. أنا أصلًا قلبي بيقولي سيب كل حاجة و روح أخطفها دلوقتي.
ضحكة خافتة أفلتت منها قبل أن تقول بمُزاح
لا لا بلاش عايزينها بالعقل مش بالخطف.
خالد بنبرة عابثة
لا يا حلو هتبقى بالحب مش بالعقل، و بكرة تشوفي.

لا تعلم لما اشعرتها كلماتها بالخجل لتحاول الفرار من بين براثنه قائلة بلهفة
هسيبك عشان سوزان بتنادي عليا.
خالد بامتعاض
أول حاجة هعملها بعد ما نتجوز هقطع علاقتي بيها عشان متناديش عليكِ تاني.
قهقهت على كلماته قبل أن تغلق الهاتف وهي تهتف بصوت عالي
سوزي هروح البيت اشوف الولاد و هرجعلك تاني.

هكذا هتفت أشجان قبل أن تهرول إلى شقتها تنوي اختيار ملابسها بدقة و عناية، ولكنها تفاجئت حين رأت هذه المرأة التي كانت تقف على باب بيتها!
لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.

كانت تضع رأسها بين كفيها و هي تفكر بهذه الكارثة التي وقعت فوق رأسها و كيف ستتخلص من هذا الحِمل خاصةً وهي بصدد خسارة كبرى قد تقلب حياتها رأسًا على عقب.
تدحرجت العبرات من مقلتيها وهي تتذكر ما حدث منذ أيام
عودة لوقت سابق
اللي انا سمعته تحت دا حقيقي يا هيام!
هكذا تحدث جابر الذي استمع إلى حديثها مع عماد الذي ما أن غادر حتى تفاجئت به يجذبها من يدها يجرها إلى غرفتهم لكي يفهم حقيقة هذا الأمر.

زاغت أنظارها و هربت جميع الحروف من على لسانها، فلم أجد ما تقوله ليُتابع بحدة
ردي عليا. ايه بلعتي لسانك! أنتِ اللي فرقتي بين أخوكي و بين حبيبته! أنتِ اللي هدمتي حياته يا هيام!
هيام بلهفة من بين عبراتها الغزيرة
والله لاء. الموضوع مش زي ما أنت فاكر. انا...

أنتِ أيه؟ انا سامعك بوداني، و أنتِ بتقوليله اخويا هيزعل شويه وهيسامحني! مش دا اخوكي اللي كنتِ بتقوليلي أنه زي ابنك! قلبك طاوعك تأذي ابنك؟ تضربيه في ضهره!
هتفت هيام من بين شهقاتها.

لاء. والله مكنش قصدي. أهلها هما اللي رفضوه و هانوه، و مكنوش راضيين بيه. صابرين دي جت عايرتني بأبويا، و قالتلي لو آخر واحد في الدنيا مش هوافق اجوزه بتي. قالتلي هسمهولك زي الكلاب في الشوارع. دي كانت بتدعي عليه يجيلي متقطع. خوفت عليه منهم.
تأثر بانهيارها و أسبابها، ولكنه لم يوافق على ما حدث ليهتف مُعنفًا
تقومي تطلعيه واطي! غوى البت و ضحك عليها!
هيام بلهفة.

والله العظيم ما حصل. دي هي اللي قالت كدا من نفسها. انا مقولتلهاش تقول كدا.
جابر بجفاء
انتِ اللي وزتيها و فتحتيلها الطريق و دي الكارثة. انا مش هقدر اسكت، ولازم ياسر يعرف الحقيقة.
صرخت بتوسل وهي تندفع إلى كفه تقبله
لا يا جابر. أبوس أيدك لا. دا ممكن يقاطعني العمر كله. دانا أموت فيها.
حاول عدم التأثر بمظهرها المُزري وهو يقول بجفاء.

و مفكرتيش كدا وأنتِ بتضيعي منه البنت الوحيدة اللي حبها ليه؟ دا اللي عندي يا هيام. يا هقول لياسر لا تروحي تقوليله أنتِ، فكري يا بت الناس، و من هنا لحد ما تفكري. أنتِ متحرمة عليا.
عودة للوقت الحالي
محت عبراتها التي حفرت وديان الألم حول عينيها، و قد اتخذت قرارها أخيرًا لتتوجه بخطوات ثقيلة إلى غرفة ياسر و غنى و تقوم بدق باب الغرفة ففتحته غنى لتقول هيام بجمود
عايزة اتكلم معاكِ.

الفصل التالي
بعد 03 ساعات و 10 دقائق.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة