قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الثاني والأربعون

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الثاني والأربعون

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الثاني والأربعون

بعض الحقائق قد تُنجينا و بعضها قد يودي بنا إلى
الهاوية، و نحن حائرون لا نعرف أي درب علينا المُضي به، و كيف نمضي حاملين تلك الأثقال بقلوبنا؟ الأفواه مُكممة و الكلمات أغواها الصمت فتوارت خلف بهتانٍ مزعوم بأن غض البصر عن الظُلم نجاة منه، و العقول وِجله أمام طُرُقات تبدو مُوحشة، مجهولة الأمد، و مغبة الخطأ خسائرها فادحة، فكيف ننجو ب أرواحنا و قاطنيها من دوائر الغدر المغموسة ب سموم لا ترياق لها؟

نورهان العشري.

كانت قدميه تريد أن تسابق الريح حتى يصل إليها، فوجودها بجانبه يشعره بأن كل شيء على ما يُرام حتى لو لم يكُن كذلك، فقربها سبب أكثر من كاف ليحيا.
فتح باب الغرفة ليبتهج قلبه حين رآها تجلس على الأريكة بهدوء و يبدو أنها كانت في عالم آخر، فلم تلحظ وجوده إلا عند سماع صوته وهو يُلقي التحية، فهبت من مكانها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة
عليكم السلام ورحمه الله وبركاته. جيت امتى؟

طافت عيني ياسر على ملامحها بقلق قبل أن يقول بجمود
لسه جاي. كنتِ سرحانة في اي؟
زاغت نظراتها و هي تحاول جعل لهجتها عادية حين قالت
ولا حاجة.
شاكسها قائلًا
طب بصيلي بتزوغي مني ليه؟
غنى بجفاء
ولا زوغت ولا روحت في حتة مانا هنا اهو.
ياسر بمُزاح
طب ما بالراحة يا غالي. أنا بطمن بس.
رغمًا عنها ابتسمت ليُتابع بنبرة حانية
قاعدة لوحدك ليه؟
غنى بخفوت
كنت مستنياك ننزل سوى.
ياسر بنبرة عابثة
ممكن مننزلش عادي، و استفرد بيكِ هنا.

رفعت رأسها بصدمة سرعان ما بددها التوتر الذي تجلى في نبرتها حين قالت
دا اللي هو ازاي يعني!
ياسر بتهكم
زي السكر في الشاي.
أنهى جملته وهو يتوجه إلى الطاولة ليضع ساعته و مسبحته، فوصل الى سمعه تمتمتها الساخرة حين قالت
بيستظرف حضرته.
عض على شفتيه بمكر قبل أن يلتفت تجاهها و هو يخلع جلبابه و يُلقيه بلامُبالاه ليقترب منها قائلًا بوعيد
حضرتي بيتكلم جد على فكرة، و ناوي يستفرد بيكِ فعلًا.

تفشى التوتر في جسدها كالحمى مما جعلها تتراجع إلى الخلف وهي تقول بتلعثم
أن. أنت هتعمل ايه؟
ياسر بمّزاح
بصي هو أنا مستفردتش بحد قبل كدا. بس أوعدك أني هحاول.

لا إراديًا ارتسمت ابتسامة عريضة فوق شفاهها جعلت دقات قلبه تقرع كالطبول ليواصل تقدمه منها و بالمقابل تراجعت هي إلى الخلف لتصطدم بالخزانه خلفها، فخرجت منها شهقة خافتة وهي ترى نظراته الداكنة التي جعلت رجفة قوية تضرب جسدها لتمتد يديه تُدلك أكتافها و هو يقول بنبرة مبحوحة
خايفة كدا ليه؟

أخذت تبحث عن الحروف في داخلها، فلم تجد ما يُسعفها لشرح ما تشعر به لذا أدارت عينيها إلى الجهة الأخرى، فامتدت يديه تُديرها لتغرق بين أمواج عينيه، وهو يُضيف بخفوت
الغُريبة بتاعتي مالها؟
أطلقت زفرة حارة من جوفها قبل أن تقول بنبرة حزينة
جوايا كلام كتير عايزة اقوله و مش لاقيه حروف تعبر عنه.
ياسر بقلق
في حاجة حصلت؟ او حد ضايقك!
هزت رأسها يمينًا و يسارًا قبل أن تقول بخفوت.

عايزة اطلب منك طلب و ياريت توافق من غير نقاش.
تفشى القلق بأوردته ولكن هذا الشرط بالقبول المبدأي اثار حفيظته ليقول بجمود
لو في أيدي انفذلك طلبك مش هتأخر...
ضاقت ذرعًا من كل شيء لذا دفعته وهي تقول بحدة
هتقدر يا ياسر. أنا مش هطلب منك ترمي نفسك في البحر. كل اللي بطلبه بلاش جدال كتير، و تنفذه و بس.
شعر بأنها على شفير الانهيار ليقترب منها يحاوطها بذراعيه ليجلسها على الأريكة وهو بجانبها قائلًا بلهجة حانية.

طيب اهدي، و اطلبي اللي أنتِ عايزاه و انا عنيا ليكِ. حتى لو طلبتي مني ارمي نفسي في البحر.
ناظرته بامتنان و اهدته ابتسامة جميلة قبل أن تقرر التطرق إلى الأمر مُباشرةً
عايزاك تبطل تسأل ورا موضوع مها!
برقت عينيه، و كاد أن يندفع تحت طائلة غضبه، ولكن يدها التي شددت على كفيه جعلته يتراجع وهو يُذكرها بوعده لها ليزفر بقوة، وكأنه يطرد هذا اللهب المُشتعل داخل صدره ثم قال بنبرة جافة.

دا طلب يا غنى مش عايزاني أجادلك فيه؟ أنتِ شايفة ان دا عدل!
شعرت بالشفقة عليه كثيرًا ولكنها عادت بالذاكرة لما حدث عصر اليوم
عودة إلى وقت سابق
هيام! تعالي ادخلي.
أغلقت هيام الباب خلفها وهي تدلف إلى داخل الغرفة لتتربع على الأريكة ثم نظرت بتمعُن إلى غنى وهي تقول بجمود
عايزة اتكلم معاكِ في موضوع مهم، و ياريت تفهميني.
جلست غنى بجانبها وهي تقول بقلق
في ايه يا هيام قلقتيني؟

تحمحمت هيام وهي تبحث عن الكلمات المُلائمة لتُصيغ حديثها لتشرع في الحديث بطريقة مُباشرة حين قالت
بصي يا غنى. أنا مبعرفش ألف و أدور في بوقين لازم تسمعيهم عشان ننفض من الفيلم دا.
غنى باستفهام
بوقين ايه؟
هيام بنبرة متوترة
موضوع مها.
تبدلت ملامح غنى لتهتف هيام بنبرة حادة
عايزين نفضه.
غنى بجفاء
ادخلي في الموضوع يا هيام.
هيام بانفعال طفيف.

ياسر اتخانق مع عماد و ضربه. هنستنى ايه لما يموته! طيب البت غلطت بس دي عيلة و يتيمة، و كانت عايزة اي قشة تتعلق بيها، و عقلها الغبي صورلها أن ممكن ياسر يشيل مصيبتها. هنعمل فيها ايه؟
ناظرتها غنى بصدمة سرعان ما تحولت لحنق حين قالت
و حرقة قلبي انا و أخوكي نعمل فيها ايه يا هيام!
أخذ الذنب يقرضها من الداخل جراء حديث غنى لتحاول تجاهله وهي تقول بجمود.

و هو فتح الموضوع دا هيعود عليكوا بأيه يا غنى؟ اقولك انا ولا حاجة! و لاحتى هيبرد نار ياسر. مها كلمتني و حكتلي و مرعوبة لياسر يقول لحماها و يفضحها. هنستفاد أيه من فضحها قوليلي!
أخفضت رأسها بتعب لتُتابع هيام قائلة بنبرة أهدأ.

اسمعيني يا غنى. اللي حصل مقدر و مكتوب، و اللي فات مات احنا ولاد النهاردة، و أنتِ و ياسر اهو اتجوزتوا، و هي كمان اتجوزت و خلفت. فضحها لا هيقدم ولا هيأخر. انسوها و رب العباد كفيل بيها. انما حرام نفضح ولية ملهاش حد، و ابنها حتة العيل الصغير دا هيشيل ذنب مش ذنبه.
تعلم بأنها مُصيبة في حديثها ولكن ماذا عن الألم والوجع الذي عاشته! و ندباته التي شوهت قلبها ولا تعرف كيف ستداويها؟

أنتِ عايزة أيه دلوقتي يا هيام؟
هيام بلهفة
عيزاكي تقولي لياسر يفضها سيرة، و يكفي عالخبر مجور، و الظالم عليه ربنا وعيشوا حياتكوا بقى، و انسوا.
عودة إلى الوقت الحالي
أنا عارفة أنه مش عدل. بس مش هيعود علينا بحاجة.
هكذا تحدثت غنى بخفوت قابله ياسر بالجفاء حين قال
حتى لو مش هيعود. أنا لازم اعرف مين وزها تعمل كدا!
غنى بحدة.

هي مش محتاجة حد يوزها. لو لسه رافض تصدق، فهي أصلًا شيطانة و كانت طمعانة فيك، و مش محتاجة اللي يوزها.
أنهت جملتها و هبت من جانبه تنوي المغادرة لتوقفها قبضته التي احكمت الطوق حول معصمها يجذبها إليه وهو يهتف غاضبًا
لما نكون بنتكلم متسبنيش و...
بتر جملته حين سقطت بين ذراعيه متوسطة أحضانه بجوار قلبه الذي اهتاجت دقاته جراء هذا القرب المُهلك فأشتبكت أعينهم بحديث صامت عن مدى الشوق الذي يجيش بصدروهم، و.

أنفاسهم التي كانت مُحترقة من فرط اللوعة التي تعج بها القلوب مما جعل جميع حواسه تتحفز و خاصةً حين توقفت أنظاره على شفاهها التوتية التي كانت ترتجف من فرط تأثرها بقربه لتمتد أنامله و يُمررها فوقها بتمهُل قاتل قبل أن يقول بصوته الأجش
هو أنتِ بتجيبي الحلاوة دي منين؟
ارتج جسدها بفعل كلماته الرائعة و أنفاسه الدافئة التي لفحت وجهها، فعززت من احمرار خديها، فاغمضت عينيها وهي تقول بخفوت
ياسر.

اقتطف باقي حروف اسمه من فوق شفاهها بنهم قاتل يعج به صدره، و لم يعُد قادر على التحكُم به، و لكنه لم يحسب حساب لندوبها و مخاوفها التي جعلتها تنتفض بين يديه ليتراجع بأنفاس لاهثه وهو يقول بنبرة مُتحشرجة
ضايقتك!
رفع رأسه ليرى آثار عُنفه الغير مقصود و خجلها الواضح منه لترتسم ابتسامة هادئة فوق ثغره قبل أن يقول بنبرة خشنة
قربك مني غيب عقلي محستش بنفسي.
استنشق أنفاسها العطرة قبل أن يُضيف بنبرة مُحترقة.

جوايا ليكِ بركان شوق يا غنى، و نار جوايا قايده مبتطفيش.
أفصحت شفتيها عن بعضًا من مكنوناتها حين قالت
أحنا جرحنا بعض كتير و يمكن من حسن حظنا أن الحب جوانا لسه موجود، و عشان نقدر نحافظ عليه و نخرج من الدايره دي لازم نقفل باب الماضي. انا تعبت منه، و بجد مبقتش قادرة اتحمل ولا كلمة فيه.

جذب رأسها ليضع قبلة دافئة فوق جبهتها و أخرى على راحة كفها ثم التفت يناظرها بأعيُن يلتمع بهم العشق الذي تخلل نبرته أيضًا حين قال
حاضر. اللي عايزاه هعمله. المهم تكوني مرتاحة.
اومأت برأسها و ابتسامة جميلة تلون ثغرها لتجذب أنظاره مرة أخرى، ولكنه شعر بها تتململ بين ذراعيه تريد أن تنهض ليُشدد من اعتقال خصرها و هو يقول باستفهام
عايزة تخرجي من حضني! أفهم من كدا أن دا اللي هيخليكِ مرتاحة!

نظفت حلقها قبل أن تقول بخفوت
لا. مقصدش. بس...
زاغت أنظارها عنه، فتفهم ما يجول بخاطرها ليقول بنبرة مُشجبة
لسه مش قادرة تنسي بردو! كان كلام لحظة غضب و ندمت عليه اوي.
عارفة. بس خلي كل حاجة تاخد وقتها.
هكذا تحدثت وهي تشيح ببصرها في الاتجاه الآخر، فشعر بأنها تحتاج منه الكثير حتى تلتحم جراحها و هو أكثر من مُرحِب بذلك.
حاضر يا غُريبة قلبي.
لا إراديًا اتسعت ابتسامتها ليهتف بعبث.

بقى عايزة تداري الضحكة الحلوة دي مني! ماشي وحياة امك لهعملك قفلة بس الصبر.
اللهم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، أنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، منزل التوراة والإنجيل والفرقان، فالق الحب والنوى، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، اقض عنا الدين وأغننا من الفقر.

عاملة أيه يا أشجان؟
هكذا تحدثت نبيلة بنبرة مُترفعة وهي تجلس في منتصف الصالة بشقة أشجان التي تحدثت بنبرة ودودة
الحمد لله يا نبيلة هانم حضرتك عاملة ايه؟
نبيلة بتهكم
كويس أنك مرفعتيش الألقاب، و دا يدُل أن المقامات لسه محفوظة بينا.
شعرت أشجان بالحرج من حديثها، و لكنها كعادتها تعاملت بذوق حين قالت
أكيد طبعًا.
نبيلة بجفاء
كويس. كدا سهلتي عليا الموضوع اللي جيت عشانه
اللي هو أيه؟

نبيلة بنبرة حادة و ملامح انمحى منها كل اللُطف الذي كانت تتصنعه منذ أن جاءت إليها
خالد. عايزة منه أيه؟
لا إراديًا امتقعت ملامحها من حديث نبيلة و ارتبكت الحروف فوق شفاهها حين قالت
مفهمتش. يعني وضحي تقصدي أيه من كلامك!
نبيلة بحدة.

لا أنتِ فاهمة و عارفة انا اقصد أيه كويس اوي، و لا أنتِ فكرتي لما كمال اتجوز أختك و محدش فينا وقف قصاده انكوا كدا خلاص بقيتوا مننا، الموضوع بقى سهل فاتجرأتي أنتِ كمان و رسمتي على خالد.
نبيلة هانم.
قاطعتها واحتدت نبرتها اكثر و لون الحقد معالمها فبدت كالمسخ وهي تُضيف بصوت شع منه الكُره.

أنا سكت لما كمال اتجوز أختك عشان عارفة اخويا و أنها مجرد بنت هيلعب معاها شوية حتى لو في إطار الجواز و في الآخر هيرميها! زيه زي عمر لم اتجوز الجربوعة دي بردو آخره هيرميها. ولادنا عارفين قيمتهم كويس، و مبيعصاش عليهم حاجة. الوتايدة يا حبيبتي بياخدوا اللي هما عايزينه بأي طريقة و بأي تمن، و الجواز بالنسبالهم مجرد طريقة مش أكتر، و دا لإن الطلاق ميعبهمش في حاجة. أنما انتوا...

صمتت وتولت عينيها المهمة حين طافت عليها باحتقار تجلى في نبرتها وهي تقول
بيفرق اوي في البيئة اللي أنتوا منها.
تراشقت الإهانات بصدرها و اكتظت عينيها بالعبرات من هذا الاحتقار الذي كانت تُمطرها به هذه المرأة، ولكنها أبت الخضوع أمامها لتُجيبها بثبات لا تعلم من أين عثر على نبرتها.

طب و أنتِ شايفة أن اللي حضرتك بتقوليه عن رجالة الوتايدة دا حاجة كويسة! بالعكس دي حاجة تدل أنهم ناس معندهمش مبدأ ولا اي احترام، و في الحالة دي احنا اللي هنرفض الارتباط بيهم. عشان حتى بيئتنا اللي بتتكلمي عنها باحتقار دي علمتنا أن الجواز دا شيء مقدس مش مجرد طريقة للوصول لأهدافنا وبس، و بالمناسبة ديننا بيأكد على أن الجواز دا رباط مقدس مش مجرد وسيلة.

اغتاظت من إجابتها و حديثها الذي أصابها بالصمت للحظات، وهي تبحث عن كلمات تحفظ ماء وجهها، و لكنها لم تجد لذا آثرت الهرب حين قالت بجفاء
خلينا نجنب الدين من كلامنا، و أنا مبتكلمش في خلال و حرام...
قاطعتها أشجان بهدوء
معلش هقاطع كلامك بس يعني ايه هجنب الدين من كلامنا! اومال احنا أيه اللي بيحكمنا، و ايه اللي بيردنا للطريق الصحيح مش الدين و لا أنا غلطانه!
نبيلة بحدة.

أنتِ هتديني دروس في الدين ولا ايه؟ فوقي لنفسك، و عيشي و ربي عيالك و ابعدي عن أخويا. خالد دا كبير العيلة و وجهتها و لما يتجوز لازم يرتبط بإنسانة تناسبه و تناسب عيلته. انما أنتِ مين! أنتِ بنت الخدامة اللي كانت بتشيل زبالته...
لحد هنا و كفاية!
هكذا هبت أشجان من مكانها وهي تصيح بنبرة يتخللها الألم و القهر الذي تساقط من بين عينيها و هي تُتابع.

أنتِ ازاي بتجرحي الناس و تهينيهم بالشكل دا! امي اللي بتعايريني بيها دي اشتغلت عندكوا عمرها كله، و محدش شاف منها حاجة وحشة. شغلانتها دي متعيبهاش في شيء، و على فكرة ربنا اللي أنتِ عايزة تجنبيه من كلامنا دا هو اللي خلقك هانم و خلقها خدامة، و قادر يبدل من حال لحال في غمضة عين.
شعرت بغصة في صدرها من حديث أشجان، ولكنها تجاهلتها وهي تنهض من جلستها لتقول بقسوة.

كل الكلام دا ميخصنيش. أنا جاية عشان اقولك كلمتين. لو فكرتي تمشي للآخر في الطريق دا و تبقي مرات خالد الوتيدي. اعرفي انك مش هتشوفي يوم حلو في حياتك. هخلي كل أيامك جحيم و للأسف وقتها مش هتقدري تهربي منه، و هتفتكري كلامي دا كويس و هتقولي وقتها ياريتني سمعت كلامها. أحسنلك من دلوقتي ابعدي عنه، و عن حياته و اقعدي ربي عيالك في هدوء. بدل ما اخليكي تندمي ندم عمرك. زي ما هعمل مع البت أختك و صاحبتكوا دي.

صمتت لثوان وهي تتقدم منها بخطوات وئيدة و عينيها ترسلان الشرر على هيئة نظرات اخترقت صدر أشجان التي لجأت للصمت، فهي لا تملك القدرة على مواجهة كل هذا الشر د الذي فاح من نبرة نبيلة حين تابعت قائلة
ولو متعرفيش مين هي نبيلة الوتيدي. ابقي أسألي أمك. أنتِ مش أحسن ولا اقوى من اللي كانت قبلك، و زي ما خلصت منها هخلص منك. أنا مفيش شيء بيقف قدامي لما اكون عايزة اعمل حاجة. سلام.

أنهت ما جاءت لأجله و غادرت تاركة أشجان التي كان جسدها يرتجف من فرط ما شعرت به في النصف ساعة الماضية، فهي قد واجهت مديحة بشرها و أمين بشره، ولكن هذا الشر الذي رأته من تلك المرأة فاق حدود الوصف، فكلماتها لازال صداها يتردد في عقلها و سمعها مما جعل وخزات الخوف تنغز بجسدها الذي خارت قواه لتسقط جالسة على المقعد بتعب وهي تغمض عينيها تحاول تخطي ما حدث، ولكنها تفاجئت بيد صغيرها وهي تربت على يدها برفق جعلها تفتح عينيها لترى أمجد يناظرها بقلق تجلى في نبرته الطفولية حين قال.

أنتِ كويسة يا ماما؟
أمسكت بكفه تقبله وهي تقول بحنو
كويسة يا حبيبي متقلقش.
أمجد بنبرة خافتة
هي مين الست اللي كانت بتزعقلك دي و ليه أنتِ عيطتي؟
حاولت التحكم في كل هذا السيل من الدموع الذي تهدد عينيها بإفراغة دفعة واحدة لتحتضن صغيرها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة
مفيش حاجة يا حبيبي دي واحدة صاحبتي و كنا بنتناقش في موضوع هي مكنتش بتزعق ولا حاجة.

رن هاتفها، فدق قلبها بقوة لدى علمها من المتصل، فالتفت ناظره إلى طفلها وهي تقول بنبرة مُهتزة
أنت راجل ماما يا أمجد عيزاك تبقى شجاع و متخافش و من أي حاجة تعيط كدا. مفيش حاجة حصلت، و مفيش حاجة هتحصل. احنا كويسين و ملناش غير بعض انا و أنت و مريم اتفقنا؟

اومأ أمجد برأسه لتقول بوضع قبلة قوية فوق جبهته وهي تحاول ردع عبراتها الغزيرة و ألم قلبها الذي لم يتوقف ثم قامت بإغلاق هاتفها و توجهت إلى المرحاض لتقوم بغسل وجهها و اللجوء إلى بارئها لتشكو له تجبر البشر، فأخذت تبكي على سجادة الصلاة وهي راكعة و لسانها يُردد بنبرة مُشجبة
ربي إني مسني الضُر و أنت ارحم الراحمين.

مرت ساعة وهي جالسة على سجادة الصلاة و شفاهها لم تتوقف على ذكر الله إلى أن هدأت قليلًا لتسمع صوت سوزان في الخارج تتحدث مع أمجد، فنصبت عودها و خلعت رداء الصلاة لتتوجه إليها و على وجهها ابتسامة هادئة لتهتف سوزان ساخطة
والله عيب لما على آخر الزمن اتمرمط معاكوا كدا وانا إمرأة ستينية مفيش صحة للمهاتية بتاعت عصافير الغرام دي!
علمت المغزى وراء حديثها و لكنها تجاهلته حين قالت بهدوء
مالك بس يا سوزي؟

شعرت بوجود خطب ما إذا استفهمت قائلة
خالد بيرن عليكِ تليفونك مقفول ليه؟
لمحة من الألم غزت عينيها قبل أن تلتفت إلى أطفالها قائلة
يالا يا ولاد ادخلوا جوا عايزة اتكلم أنا وتيتا شوية.
أطاعها الأطفال لتقول سوزي بتهكم
يالا. اتحفيني.
تجاهلت أشجان تهكمها و حاولت استجداء ثباتها حين قالت
سوزي. أنا عيزاكي تقولي لخالد أن كل شيء قسمة و نصيب.
لم تتفاجيء سوزان من حديثها إنما قالت بجفاء.

مين الست اللي كانت عندك من شوية؟ نبيلة صح!
توسعت حدقتيها وهي تنظر إلى سوزان التي كانت أنظارها ثاقبة، فلم تجد بُدًا من الإفصاح عن بعض من مخاوفها حين قالت
أنا مش قدهم يا سوزان. أنا مش قد جبروت الست دي و لا غيرها. أنا شبعت مشاكل و صراعات. شبعت من الوجع مش هقدر اقف قدامها. الحرب دي غير متكافئة. أنا لسه مفوقتش من الحرب اللي كنت فيها. معنديش طاقة لأي حرب تانيه.
سوزان بنبرة لائمة.

طب و خالد! ميستحقش تحاربي عشانه!
زاغت أنظارها وهي تتخيل هذا الرجُل الرائع الذي كانت تعلم بأنه حلم و ستستيقظ منه في وقتًا ما على كابوس الواقع
خالد يستحق اللي يحارب عشانه بس أنا ضعيفة، و مفوقتش لسه من تجربتي. دي هددتني بمنتهى البجاحة، ولا حتى همها أخوها. دي لمحتلي أنها اتخلصت من مراته الأولى. هتعمل معايا أنا أيه؟
سوزان باستهجان
أنتِ للدرجادي ضعيفة!
أشجان بنبرة يشوبها القهر.

أيوا ضعيفة. قوليلي حاجة واحدة بس في حياتي تخليني قوية. أنا لسه مصلبتش طولي من تجربة أمين. لسه مش قادرة اتوازن. أنا بخاف من كل حاجة. أنا عارفة انك شيفاني جبانة و اتخليت عنه بس والله انا مفياش حيل لأي مواجهة مع أي حد. أنا محتاجة اشم نفسي و اجمع اللي باقي منها و أقف على رجلي من جديد.
رفعت رأسها للأعلى و عبراتها تتساقط كحبات اللؤلؤ لتهتف قائلة بنبرة مُلتاعة.

أنا كل اللي حصل ا فوق مستوى قدرتي على التحمل. انا مش عارفة احدد جوانب شخصيتي ولا اعرف اي حاجة عن نفسي. انااتجوزت بدري اوي. مكنتش فاهمة ولا عارفة اي حاجة في الدنيا لقيت نفسي في مواقف اكبر من قدرتي على الاستيعاب. كنت عايشة مع ناس ظالمة. مبتعملش حاجة غير أنها تهد فيا، و تمحي اي ذرة ثقة في نفسي. بقيت مجرد صورة باهته لست أنا معرفهاش.
محت عبراتها بكفها المُرتعش وهي تُتابع بنبرة ترتجف ألمًا.

عايزة اعرف نفسي. عايزة اعمل حاجة واحدة تتنسب ليا. مش عايزة اكون تابع لحد. عايزة اقوي نفسي بنفسي. في جوايا جروح لسه بتنزف عايز. اعالجها معرفش ازاي بس هحاول.
التفتت ناظرة اليها بألم تجلى في نبرتها حين قالت
وجود خالد في حياتي في المرحلة دي هيسهل كل حاجة عليا انا عارفة. حتى أنه هيختصر نص المسافة عليا. بس انا مش هقدر أواجه نبيلة و شرها دا دلوقتي. دا غير أن في ولادي اللي مش هتحمل أنها تفكر تأذيهم.

تأثرت سوزان كثيرًا بحالة هذه الفتاة البائسة، ولكنها قالت بتعقُل
نبيلة سهل اوي ان خالد يوقفها عند حدها.
أشجان بتعب
هيوقفها مرة و اتنين و بعدين؟ هيفضل قاعد يحجز بينا طول الوقت؟ هيسيب اللي وراه و يقعد يحميني أنا و ولادي!
أطلقت ثاني أكسيد الوجع الكامن بداخلها قبل أن تقول بأسى.

نفسي محسش اني عبأ على حد، و اني دعم للناس اللي حواليا. بس مش عارفة اعمل دا. أنا كنت مرعوبة حرفيًا من نبيلة وهي عندي معرفش ليه؟ بس دا اللي كان جوايا.
اقتربت سوزان تحتضنها برفق، وهي تقول بنبرة مُلتاعة
والله يا بنتي ما عارفة اقولك ايه؟
شددت من احتضان سوزان وهي تقول بنبرة متقطعة بسبب بكائها
قولي لخالد ميجيش. قوليله مبقاش ينفع.

اللهم إن كان رزقي في السماء فأنزله، وإن كان في الأرض فأخرجه، وإن كان بعيداً فقربه، وإن كان قريباً فيسره، وإن كان قليلاً فكثره، وإن كان كثيراً فبارك لي فيه.

كان يتابع بعض الأعمال أمام شاشة حاسبه المحمول ليتفاجيء من آسيا التي دلفت إلى داخل المكتب وهي تبكي لينتفض قلبه خوفًا عليها ليهتف قائلًا
آسيا.
اندفعت إلى أحضانه التي احتوتها بقوة وهي تقول من بين عبراتها
كمال.
كمال بلهفة
مالك يا حبيبتي في ايه؟ حد ضايقك؟
شددت من احتضانها له. هي تبكي بحرقة، فجن جنونه من فرط الخوف الذي تجلى في نبرته حين قال
آسيا في ايه؟ متخلنيش أتجنن!
تراجعت عنه وهي تقول بنبرة مُتقطعة.

بابا، و ماما. زعلوا مني.
زفر بقوة وهو يقول بعتب
وقعتي قلبي حرام عليكِ.
رمقته بعتاب، فتوجه الى هاتفه الداخلي ليهاتف مديرة مكتبه وهو يقول بنبرة آمرة
متدخليش اي حد عندي ولا تحوليلي اي مكالمات لحد ما اقولك.
توجه إلى آسيا فقام بجذبها ليجلس على الأريكة و تجلس هي بين ذراعيه يهدهدها كطفل صغير وهو يقول بحنو
حبيبي كفاية عياط بقى عشان نعرف نتكلم بهدوء.
كفكفت عبراتها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة
حاضر.
كمال بنبرة مُتزنة.

اولًا كدا اللي حصل دا رد فعل طبيعي منهم، ومن اول ما قولتيلي على اقتراحك وانا عارف ان دا هيكون رد فعلهم، بس مردتش اتكلم خوفت تزعلي.
رفعت رأسها تناظره بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت
ازاي اللي بتقوله دا يا كمال؟
كمال بحنو
يا حبيبة قلب كمال اهلك ناس عندهم كرامة و عزة نفس. ازاي هيتقبلوا كلامك دا بسهولة؟ بالنسبالهم أنتِ اتجوزتي و عايشة في قصر طويل عريض، وجاية تقوليلهم تعالوا عيشوا في مكان يليق بيا!

آسيا بلهفة
بس أنا مقولتش كدا!
كلامك معناه كدا، و دا بالنسبالهم إهانة. حطي نفسك مكانهم.
أخفضت رأسها بإذعان، فهو مُحق، ولكنها تتوق للتخلص من هذا المكان الذي تمقته كثيرًا لذا قالت بنبرة خافتة
بس أنا كان نفسي اني أن حياتهم تتحسن مش أكتر.
كمال بهدوء.

عارف نيتك كويس بس بردو مش كل حاجة تتاخد قفش كدا، و في الأول و في للآخر لازم تحترمي رغبتهم في التغيير دا، و سواء قبلوه أو رفضوه دا شيء يرجعلهم. هما مش مجرد توابع ليكِ.
هتفت باستهجان
يا كمال افهمني. أنا مش حابة أنهم يفضلوا في المكان دا.
كمال بنبرة جادة
الموضوع مش في ايدك لوحدك، و مش قايم على رغباتك يا آسيا. حطي رغباتهم في المقام الأول، و بعدين أنتِ فارق معاكِ المكان في أيه؟ مش المهم عندك راحتهم!

صمتت لثوان قبل أن تقول بحنق
أيوا.
لاحظ ترددها فأدار وجهها إليه وهو يقول بتعقُل
الإنسان مبيتقيمش بالمكان اللي عايش فيه يا حبيبتي. الإنسان بيتقيم بأخلاقه، و بإنجازاته في حياته العملية. المظاهر خداعة، و صدقيني في ناس كتير عايشة في كومباوندات و أحقر مما تتخيلي. بلاش سطحية، و سيبي اهلك على راحتهم.

لم يُعجبها حديثه، ولكنها لم تُطيل في الأمر ليمد يده إلى وجنتها الحمراء جراء بُكائها، و يقوم بقرصها بخفة وهو يقول بنبرة عابثة
و بعدين تعالي هنا. أنتِ اتفرض عليكِ عقوبة جديدة واجبه التنفيذ.
رفعت أحد حاجبيها، وهي تقول بدلال
والله. عقوبة ايه دي بقى؟
كمال بنبرة وقحة و هو ينثر عشقه بطول عنقها
ترويع المواطنين، و دي عقوبتها مُشددة.
آسيا بسخرية
مين المواطنين دول حضرتك!
كمال بنبرة عابثة.

أنا، و يا تصلحي غلطتك و تنفيذ العقوبة يا اما هحبسك في مكان محدش يشوفك فيه غيري، و هناك هتسددي كل الضرايب دفعة واحدة.
أطلقت ضحكة رنانة على حديثه أذابت قلبه، و خاصةً حين قالت بدلال
كمال بطل بقى.
كمال وهو يكبل كل اعتراض لديها
أنا ليه مبدأتش أصلًا.

أنهى جملته و اقترب يرتشف عشقه من بين ضفاف الجنة التي تقوده معها إلى أقصى درجات المتعة، و السعادة ليُعمق قربه منها أكثر، وقلبه يتغنى بعشقها، و بالمقابل كانت تغوص معه بقلبهل في عالم وردي يتنافى مع ضبابية العالم الذي يقوده عقلها و شياطينه.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

مر يومين وهي تعتمد منهج المراوغة معه قاصدة أن تضعه وجهًا لوجه مع شوقه، و عشقه الذي لا يُفصِح عنه. تتعمد الأنشغال عنه بالقراءة أو الجلوس مع جدتها أو لقاء أصدقائها، فلا تُعطيه الفرصة للإنفراد بها حتى يطلب هو ذلك، قد كان الأمر يُغضبه كثيرًا، ولكنه يحاول تعلُم هذا الدرس القاسي في الصبر معها عله يصل إلى منطقة محايدة بينها و بين كبرياءه الذي يقوده كالمُختل، وهي لا تحاول ترويضه بل على العكس تُثير إستفزازه بشتى الطرُق، وهو لا يعلم ما الذي عليه فعله، ولكن يبدو أنها ترفقت به اليوم، فهاهي تخرج من غرفة جدتها متوجهة إلى غرفتهم ليقرر اللحاق بها ولكنه تجمد في مكانه حين سمع سوت شقيقته الغاضب.

عُمر.
التف عمر ناظرًا إليها لتقول بلهجة تحمل اللوم بين طياتها
معلش هعطلك. بس ماما تعبانه بقالها يومين، وانت مفكرتش تبص عليها، فقولت اقولك يمكن تتعطف و تديها شوية من وقتك.
عمر بنفاذ صبر
مالوش لازمه الموشح دا. جيبي من الآخر، وقولي أن ماما تعبانه.
اقتربت منه هايدي وهي تكظم غيظها قائلة بحزن
معلش يا عمر. مضطر تسمعني للآخر. مانا بردو أختك وليا حق عليك، و حقي دا يخليني اقولك كفاية يا عمر.
عمر باستهجان
نعم!

هايدي بنبرة أتقنت تزييف الحزن بها
عارفة انك ممكن متدنيش الأهمية بس بجد أنا مخنوقة، و اعصابي تعبانه، و ماما كمان تعبت لنفس السبب.
عمر باختصار
اللي هو!
تساقطت دموع التماسيح من بين مآقيها وهي تقول.

انك بتتجاهلنا ياعمر. في حين أننا محتاجينك. مش شايف غير مراتك، و شغلك واحنا و لا أكننا موجودين، و اللي يزعل اكتر، واكتر أننا نبقى مكسوفين مراتك دي، و مش قادرين نواجه الناس اللي كل لما يدخلوا بيتنا و يسألونا مين دي متبقاش عارفين نقولهم دي مين!
هايدي. التزمي حدودك، و اياكِ تمسي شروق بحرف واحد.

هكذا تحدث عمر بنبرة حاسمة ارتج لها قلبها الذي لاحت بوادر الأمل في سمائه حين سمعت كلماته وهي تقف مختبئة خلف باب غرفتها تتمنى لو تحدُث مُعجزة و تجعله يراها بالطريقة التي هي عليها، ولكن هناك شيطاين لا تكتفي بالوسوسة فقط بل تحرق الأرواح من أجل خططها.

ماشي هي مراتك، و انت كراجل مش هتتحمل عليها حرف. بس انت مش معايا في أنها متليقش بيك! شوف أنت أيه وهي ايه؟ حتى لو هي بنت عمتنا، و بغض النظر عن ظروف جوازة عمتي و هروبها من البيت! ابوها كان أيه! حاجة متشرفش، و عشان كدا انت مأعلنتش جوازك منها.
علي أرض الواقع الذي وضعته والدته هي مُحقه، ولهذا لم يُجادلها انما بتر الحديث دون رتق هذا الشق الذي نحر صدرها وهي تستمع إلى كلماته الجافة.

ميخصكيش، و متتكلميش في الموضوع دا تاني، و اعلان جوازي منها دا شيء متأجل في الوقت الحالي عشان الظروف مش اكتر، و دا بردو شيء ميخصكيش.

كان خذلانه لها أمرًا مريرًا كمرارة علقة يتوق الإنسان بشدة لبصقها، فعلى الرغم من وقوفه بالمرصاد في وجه شقيقته، ولكنه لم يُدافع عنها عن انتمائه لها، و لم يُعلن ولو بطريقة مُبهمة عن عشقه لها، و قد كانت هذه هي القشة التي قصمت ظهر البعيد، فمحت أناملها بقسوة وهي تتراجع إلى المرحاض تمحي آثار خذلانها، و مرارة الإهانة التي لحقت بقلبها. ثم توجهت إلى الخارج رأسًا إلى غرفة جدتها، فهي لا تُريد البقاء في هذا المنزل للحظة واحدة تريد الهرب حتى تستجمع قواها التي خارت بفعل هذا العشق المسموم لتجدها تُمسِك القرآن و تتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم لتتوقف شروق عند هذه الأية التي مست قلبها بقوة.

بسم الله الرحمن الرحيم
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [سورة البقرة: 155-157].
صدق الله العظيم.

أغلقت الباب خلفها وهي تقترب لتسقط على ركبتيها بجانب مقعد جدتها التي أغلقت المصحف تنظر إليها لتهتف شروق بنبرة ترتجف ألمًا
قوليلي أنتِ قوية يا شروق. قوليلي أن ربنا حطك في اختبارات اقوى من دي و اتغلبتي عليها يا شروق.
رفعت رأسها وهي تناظر سعاد بنظرات أهلكها الألم و أضناها الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت
أنا والله مش معترضة. أنا بس موجوعة، و مش قادرة أصرخ. قلبي محروق و مش عارفة اتكلم.

امتدت يد سعاد تحتوي وجهها وهي تقول بلهفة
في ايه يا شروق؟ حصل ايه يا بنتي؟
لم تكد تُجيبها حتى سمعوا صوت صُراخ قادم من الخارج لتنتفض شروق مهرولة إلى خارج الغرفة لمعرفة ما الأمر لتتوقف عند جملة عز الدين الذي كان مسافرًا في رحلة عمل
مبسوط. لما انك ترقد في السرير بسبب عمايلك انت كدا مبسوط!
عمر بجفاء
مفهمتش ايه اللي عملته خلاها تتعب انا شايفها النهاردة الصبح كانت زي الفل.
عز الدين بانفعال.

هو انت بتشوف غير اللي عايز تشوفه.
لمحت عينيه شروق التي كانت تقف أمام غرفة سعاد ليستطرد عز الدين قائلًا باحتقار
ولا اللي روحت جبتها و اتجوزتها دي من غير ما نعرفلها أصل من فصل
اهتاج عمر و هتف غاضبًا
شروق و جميلة ولاد عمتي نسمة، و بلاش تغالط نفسك.

أنا مبغالطش نفسي أنت اللي بتعك، و فكرت اننا مش قادرين عليك لما سبناك تجيبهم يعيشوا هنا معانا، واتجوزت الهانم، و مفكر انك ممكن تاخد قرش من فلوسي و شقايا و تعبي تديهولهم.
عمر بشراسة
دا حقهم، و شروق أول ما تتم 21 سنة هتستلم فلوس أمها اللي هي أختك.
قاطعه عز الدين بصُراخ
أختي ماتت يوم ما وطت راسنا في الطين و هربت مع الكلب دا.

لم تعُد تحتمل إهانة أخرى، و خاصةً أن الأمر موجه مُباشرةً إلى والدتها الراحلة لتصرُخ شروق بعُنف
اخرس متقولش كدا على أمي. امي اشرف من الشرف.
تفاجيء عمر من وجودها، و كذلك عز الدين الذي تملك منه شيطانه، وهو يرفع يده ليصفعها قائلًا بصُراخ
اخرسي يا قليلة الأدب.
تجمدت الكلمات على شفاهه حين وجد ولده يقف أمامه مانعًا يده من الوصول إليها قائلًا بشراسة
اوعى تفكر تمد ايدك عليها.

برقت الأعيُن و فغر الجميع فاهها من هول الموقف ليلتفت عمر صارخًا في شروق
ادخلي أوضتك.
نزعت يدها من بين يديه و هي تتراجع للخلف بجسد مُرتجف لتتدخل نبيلة صارخة
بتقف قدام ابوك عشانها يا عمر.
اسكتي...
هكذا صرخ عمر بصوت اهتزت له جدران المكان لتتدخل سعاد صارخة
من حسن حظك أن ابنك لحقك يا عز الدين، و إلا القلم اللي كان هيلمس حد شروق كان هيقابله عشرين قلم مني.

شوش الغضب الرؤية لديه و جعل عينيه تبرقان كما لو أن الجحيم يموج بينهم ليزأر بوحشية
ولا حرف. كل واحد على أوضته.
تعالت الأنفاس، فكان صداها هو المسموع، و من بين كل النظرات كان هناك خبيثة تنظر إلى ما حدث بعين الانتصار، لينصرف الجميع و يتبقى عمر و عز الدين الذي هتف بغضب
دش مش أول مرة تقف قدامي. بس المرة دي لو ندمت زي اللي قبلها مش هتلاقيني
عمر بنبرة جريحة.

أنا عمري ما لقيتك عشان كدا مش هدور عليك، و لو هدور بعد كدا يبقى على راحتي و خلي بالك لو مشيت المرة دي مش هتعرف ترجعني.
اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، وأبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. كما يمكن ترديد: رب اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الرحيم.

ماما. اصحي يالا. هتتأخري.
هكذا تحدثت مريم إلى أشجان التي كانت نائمة بعمق بفضل هذا المنوم الذي كان مُنقذها من هذا الواقع الخالي كُليًا منه، فها هو قد مر أسبوعًا مريرًا دون أن تراه أو تسمع صوته، و قد كان هذا قاسيًا على قلبها الذي دُهِس أسفل شاحنة قرارها، و هاهي تُعاني الأمرين من بعده حتى لجأت للنوم كمهرب من وجع ينخر عظامها.

رفرفت برموشها وهي تناظر طفلتها التي كانت ترتدي ثوب عروس، فظنت أنها تتوهم لتحاول الاعتدال وهي تفرك عينيها لتتأكد من أن ما تراه صحيح، فإذا بها ترى أمجد الذي يرتدي بدلة عريس هو أيضًا، فهتفت بعدم فهم
في أيه؟ أنتوا لابسين كدا ليه؟
أمجد بمرح
عندنا فرح يا ماما.
أشجان بعدم فهم
فرح مين؟
جدو هيقولك.

هكذا قالت مريم وهي تأخذ شقيقها و يهرولان للخارج فتبعتهم أشجان التي خيم الذهول على ملامحها، و هي ترى هذه الزينة التي يتزين بها منزلهم، فقد عادت إلى منزل أبويها لتقطع كل اتصال لها به، ولعلمها أنها لن تراه هُناك، توجهت إلى والدتها التي ما أن رأتها حتى أطلقت زغرودة. قوية لتقول أشجان بأنفاس مقطوعة
هو في أيه يا ماما و بتزغرطي ليه؟
رضا بمُزاح
عندنا فرح يا شوشو.
التفتت الى صابرين شقيقتها و هتفت.

خلصتي الحمام يا صابرين! مفيش وقت انجزي.
أشجان بصدمة احتلت معالمها و نبرتها حين قالت
هو أنتوا بتعملوا ايه؟
رضا بنبرة سعيدة
بنعمل العشاء بتاعك يا قلب أمك. يارب يجعله بألف هنا و شفا على بدنكوا.
أشجان بذهول
عشا مين انا مش فاهمة حاجة.
رضا بنفاذ صبر
بقولك ايه اطلعي لابوكي بره انا مش فضيالك.

كان الأمر برمته جنونيًا مما جعلها تهرول إلى الخارج ليتجمد جسدها وهي ترى كُلًا من آسيا و شروق، و جميلة و غنى يقومون بتزيين الصالة الواسعة و والدها يجلس بجانب سوزان يتجاذبون أطراف الحديث لتهتف بنفاذ صبر
هو في ايه حد يفهمني؟
التفت الجميع يناظرها و كأنها لا شيء ليقوم والدها بإجابتها بنبرة سعيدة
صح النوم يا عروسة.
أشجان باستهجان
هي مين دي اللي عروسة؟
سوزان بتهكم
خيالك.
أشجان بسخط
مش ممكن نتكلم جد شويه؟

عزام بنبرة حادة
هو فين الهزار! و بعدين هو أنتِ متعرفيش أن خالد طلب ايدك مني وانا وافقت!
ارتج قلبها فرحًاو تراقصت دقاته بقوة عندما سمعت حديث والدها، ولكن كيف هكذا استفهمت
لا معرفش. حصل امتى دا!
نهض عزام وهو يتوجه إليها قائلًا بنبرة حانية
تعالي يا بنتي نتكلم شوية.
اطاعته حين أخذها الى غرفتها للحديث الذي شرع فيه مُباشرةً حين قال
خالد طلب ايدك للجواز وانا وافقت.
أشجان بنبرة مُلتاعة
بس يابابا.

مبسش. زمان لما أمين طلب ايدك قولتلك يا بنتي بلاش دا مش ليكِ، و لأول مرة كنتِ تقفي قدامي وقولتي انك عايزاه و أن هو اللي هيسعدك. وقتها مقدرتش اكسر خاطرك. لكن دلوقتي انا اللي بقولك. خالد دا لو لفيتي العالم مش هتلاقي ضفره، و هو اللي هيسعدك و هيحافظ عليكِ و هيكون هو عوض ربنا ليكِ.
كان لحديث والدها صدى قوي على قلبها العاشق، ولكنها شعرت بوجود خطب ما لتقول باستفهام
هو في حاجة انا معرفهاش يا بابا.

تذكر عزام ما حدث في ذلك اليوم الذي تلا خطبه كمال و آسيا
عودة إلى وقت سابق
كلمتني و قولتلي عايزك يا عم عزام في موضوع مهم على الرغم انك كنت امبارح بتطلب ايد آسيا بنتي لأخوك، قولت يبقى الموضوع كبير يا عزام. قولي بقى في ايه؟
هكذا تحدث عزام بابتسامة بشوشة ليبتسم خالد هو الآخر وهو يُجيبه قائلًا
حصل. انت عندك حق. الموضوع كبير، و للأسف مينفعش الكلام فيه في البيت.
عزام بقلق
سامعك يا ابني اتفضل.

تحمحم خالد قبل أن يقول بخشونة
أنا عرفت اللي قاله اللي اسمه أمين عني و عن أشجان، و مكذبش عليك. أنا لولا أني بحترمك و بحترمها و مش عايز اي شوشرة عليها. أنا كنت ولعت فيه في بيته، ولا كان هيهمني حد.
عزام يترقب
و ايه اللي وقفك! يعني دي سمعتك.
خالد بنبرة قوية
سمعتها اهم بالنسبالي.
ليه؟
خالد بخشونة.

عشان بحبها، و دي مش جريمة هتبرأ منها. أنا راجل صريح، و مابحبش ألف و أدور، و متفهم شعورك دلوقتي. بس قبل ما تصدر أي حكم اسمعني.
عزام بنبرة حادة
سامعك.
خالد بنبرة رخيمة.

أنا حبيت أشجان الست المحترمة. اللي محافظة على نفسها. الظروف جمعتنا في مواقف شوفت فيها نوع الحياة اللي هي عيشاها، و اللي كانت ممكن تبقى حجة قوية لأي ست أنها تغلط. بس هي معملتش دا، و و كانت محافظة على نفسها وعلى الإنسان اللي شايله اسمه، و مقبلتش مني اي نوع من المساعدة.
عزام باستفهام
أيه نوع المساعدة اللي تقصده؟
خالد بجمود.

حاولت اساعدها ماديًا من غير ما تعرف عشان مسببش ليها اي احراج و رفضت رفض قاطع، تفكيرك ميروحش لبعيد. أنا راجل عارف ربنا قبل اي حاجة.
اومأ عزام بصمت ليُتابع خالد بنبرة خشنة
أشجان كانت قدامي نموذج للست اللي اي راجل يتمناها. الست اللي ممكن اسيبها في بيتي و اغيب مليون سنة عارفة أنها هتحافظ عليا و هتراعي ربنا فيا، و عشان كدا خفت من اي حرف يقال عنها.
اومأ عزام برأسه قبل أن يقول بنبرة هادئة.

طلبت تقابلني عشان تقولي كدا بس!
خالد بخشونة
لا. طلبت اقابلك عشان اقولك اني يشرفني اتقدم و اتجوز أشجان. طبعًا بعد ما عدتها تخلص.
توسعت حدقتي عزام من حديثه ليُتابع خالد قائلًا
أنا عارف أنت بتفكر في اي؟ و انك بتقول اني في مجتمع مفتوح و اكيد في ستات كتير تناسبني. بس تقدر تقول إن في حاجات كنت بدور عليها و ملقتهاش غير في أشجان.
عزام بارتباك.

أنت فاجئتني يا ابني. طبعًا كلامك عن بنتي اسعدني بس بردو يعني انت محددتش ليه هي؟ اقصد زي ما بتقول في ستات كتير حواليك و من توبك و أكيد بردو محترمين اشمعنى هي؟
خالد بنبرة هادئة
دس إرادة ربنا، و ربنا حطها في طريقي، و خلاني اشوف حياتي الجاية معاها. يعني نصيبي الحلو اني حبيتها هي.
عودة إلى الوقت الحالي.

دي اللي حصل، و بصراحة أنا عمري ما هلاقي زيه، و لا في شهامته، و بعدين لو أنتِ خايفة من الفرق الاجتماعي الراجل محترم و مبيبصش للموضوع دا، و الأهم من دا كله أنه هيقدر يحميكِ من اي حد.
تأججت نيران العشق بقلبها الذي لا تسعه الدنيا من فرحته بما قصه لها والدها لتقول بنبرة خافتة
أنا عارفة أنه مفيش منه بس...
قاطعها عزام بنبرة حاسمة.

مبسش. خلي بالك مش خالد بس اللي جنبك و هيحميكِ. أنا كمان. مش هغلط معاكي زي ما غلطت قبل كدا. أنا هكون في ضهرك يا بنتي، وبعدين ليه متقوليش أن ربنا عوضك.
ابتسمت بسعادة وسرعان ما صُدِمت حين رأت هذا الصندوق الكبير الذي كانت تحمله كُلًا من آسيا و شروق و تضعانه أمامها لتقول بلهفة
ايه دا؟
آسيا بتخابُث
افتحيه و البسي بسرعة مفيش وقت للدلع.

خرج الجميع و تركوها لتتقدم من الصندوق و تقوم بفتحه لتشهق بصدمة حين رأت هذا الفستان الرائع الذي يتميز باللون الأبيض و المرصع بالألماظ على صدره و أكمامه و يضيق قليلًا عند الصدر ثم يتسم باعتدال حتى يلامس الأرض، وقد كان مصحوباً بحجاب من نفس نوع و قماش الفستان، و معه تاج من الألماظ الذي يخطف الأنفاس، و هذا ما حدث عندما أنهت فتاة الزينة الباسها، فقد بدت كحورية خطفت أنفاس الجميع بجمالها و بساطتها، فتعالت هتافات الفتيات لدى رؤيتهم لها لتهتف بتوتر.

سوزان انا مرعوبة.
سوزان بمرح
تستاهلي اللي هيجرالك. مش أنتِ اللي جننتي الوحش. اشربي بقى.
أشجان بسخط
أنتِ كدا بتطمنيني، و بعدين انا زعلانه منك أصلًا. أنتِ بتتفقي معاهم عليا.
لم تكد سوزان تُجيبها حتى سمعت صوت والدها الذي قال بحبور
يالا يا شوشو عشان كتب الكتاب.
أشجان بتوتر
هو انتوا خلصتوا!
أجابها والدها وهو يُمسِك بيدها ليساعدها في النهوض
لا يا حبيبتي لسه مبدأناش بس أنتِ اللي هتبقي وكيلة نفسك.
أشجان بصدمة.

ليه يا بابا؟
تفاجئت حين سمعت هذا الصوت الخشن خلفها
عشان أنا عايز كدا.
شهقة خافتة أفلتت من جوفها حين رأته خلفها، بوسامته الفذة التي ابهرتها، ولكن عينيه كانت قاسية و ملامحه مُتجهمة لذا قالت بتلعثُم
بس أنا...
قاطعها حين اقترب منها وهو يوجه حديثه إلى والدها قائلًا
تسمحلي...

اةمأ عزام برأسه ليأخذ يدها بكفه الخشن وهو يتوجه إلى طاولة عقد القران دون أن يُعطيها نظرة واحدة لتجلس بجانب الشيخ و هو على الجانب الآخر أمامها، فمد يده إليها دون حديث، فالعيون تولت الأمر لتجد نفسها تمد يدها إليه وهي واقعه بين براثن نظراته التي كانت خالية من كل شئ سوى العشق الذي كان يشع من بين حروفه وهو يقول خلف الشيخ و كذلك هي، فقد كان العهد بين قلوبهم أمام الله في لحظات لن تكفي الحروف لوصفها، فما أن اعلنهم الشيخ زوجًا و زوجة حتى جذب كفها ليقبله وسط هتافات من الجميع، وحدها كانت صامتة، و عينيها تزف عبرات السعادة التي كانت تتساقط بغزارة من مقلتيها، فقلبها كان يدُق بعُنف تأثرًا بهذه اللحظات التي دارت بينهم، وهذه النظرات التي انحفرت بقلبها، وهذا الحدث العظيم الذي فلم تكن تتخيل مدى روعة أن تُصبِخ زوجته، فلا تعلم كيف مر الوقت لينتهي كل ذلك و تجد نفسها بجانبه في السيارة التي كان يقودها بصمت قطعته هي لتقول بنبرة مُتحشرجة و أنفاس مقطوعة.

خالد.
أشعلت نبرتها و حروف اسمه من بين شفاهها نارًا هوجاء داخله، ولكنه حجبها عنها و أخفى تأثره بوجودها خلف قناع من الجمود الذي تجلى في نبرته حين قال
نعم.
شعرت بأنه غاضب أو ربما يشعر بالخُذلان الذي تعلم كيف يكون وقعه لذا هتفت بنبرة خافتة
أنت زعلان مني؟

لم يفلح في تجاوزها، و إن كان ينوي معاقبتها على تخليها عنه، ولكن قلبه من يطاوعه لذا صف السيارة على جانب الطريق ليوقفها وهو يلتفت ناظرًا إليها وهو يقول بنبرة خشنة مُعاتبة
أنتِ ايه رأيك؟
أخفضت رأسها وهي تقول بنبرة يتخللها الندم
ليك ألف حق تزعل بس...
قاطعها بلهجة مُتحشرجة و أتفاس مُلتهبة تأثرًا بحُسنها
الأسبوع اللي قضتيه من غيري عدى عليكِ ازاي؟
رفعت رأسها تطالعه بألم تجلى في ملامحها و نبرتها حين قالت.

معداش يا خالد. كان صعب فوق الوصف. كل اللي مر عليا في حياتي كوم و الأسبوع دا كوم تاني. مكنتش اتخيل أن غيابك هيوجع كدا.
لم تكد تُنهي جملتها حتى جذبها من خصرها لتتعانق أضلعهم، و تمتزج أنفاسهم ليقول بنبرة موقدة بلهيب العشق
هششش. متوصفيش عشان أنا عشت أضعاف اللي بتقوليه دا وأنتِ بعيد عني. لأول و آخر مرة هقولهالك. اوعي تبعدي عني، ولا تختاري فراقنا أبدًا.
سحب أنفاسها داخله وهو يُتابع بهسيس خشن.

أنا اتجاوزت اللي حصل عشان عارف و مقدر الضغط اللي كنتِ فيه. بس لو اتخليتي عني مرة تانية.
قاطعته بلهفة
مش هيحصل. مش هيحصل أبدًا يا خالد.
انتفضت دقات قلبه لدى تفوهها باسمه، و اجتاحته رغبة قوية نهمة لقربها الذي شاب الفؤاد من فرط انتظاره ليهتف بنبرة موقدة بلهيب الحب
احلى خالد سمعتها في حياتي.

أنهى جملته و هوى فوق ثغرها يرتشف العشق من بين ضفتيه ينهل من قربها الذي أضناه بنهم، فقد طال انتظاره لهذه اللحظة التي لم يكُن يتخيل مدى روعتها سوى الآن وهي بين يديه غائبة عن الوعي، فقد خدرها عشقه حد الهلاك الذي نال من رئتيها ليتراجع عنها على مضض، فهو أن ظل يغترف من حُسنها عمرًا بأكمله لم يكُن ليشبع أبدًا
لو تعرفي اتمنيت اللحظة دي قد ايه؟

شعرت بالحرج يغمرها و تفشى الخجل في أوردتها لتنبت ثمار التفاح الشهي فوق خديها، فهمست باسمه بنبرة خافتة
خالد.
خالد بوقاحة
خالد لسه معملش حاجة يا عيون خالد. احمدي ربنا أننا على الطريق، و إلا كان هيبقى ليا كلام تاني.
أشجان بخفوت
احنا رايحين فين؟
خالد بنبرة رخيمة
رايحين عالجنة.
أخفضت رأسها ليتراجع خالد إلى مقعده وهو يقول بنبرة وقحة
الكسوف دا مش حلو عشانك يا حلو.
أشجان بتوتر
ليه بقى؟

خالد بنبرة عاشقة وهو ينظر إلى الطريق أمامه
بيخليكِ تحلوي أكتر و أكتر و لو كلتك انا مش مسئول.
أشجان بارتباك
كفاية بقى. انت اللي بتكسفني بكلامك دا.
امتدت يده ليمسك كفها و يقربه من فمه يقبله بحنو قبل أن يقول بنبرة عاشقة
أنا راجل بفهم و بقدر الجمال كويس، و أنتِ اجمل ست شافتها عنيا.
شعرت بقلبها يتضخم من فرط السعادة لكلماته التي أعادت بعضًا من ثقتها المفقودة لتخرج منها تنهيدة راحة و سعادة لم تزورها سابقًا.

اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً، وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم.

اسمعيني كويس يا مها. الموضوع انا قفلته، و اياكِ تتكلمي فيه تاني سامعة ولا لا؟
هكذا تحدثت هيام بغضب لتهتف مها بأسى
بقولك عماد مقاطعني، و حياتي بتتخرب دا غير احساسي بالذنب اللي هيموتني.
هيام بحدة
يموتك احسن ما تقعي في أيدي، و اموتك انا يا زفتة. أنا اخواتي عندي خط أحمر، و استحالة هخسر ياسر بسببك فاهمة؟
بتكلمي مين يا هيام؟

تجمدت هيام بأرضها حين سمعت صوت ياسر خلفها لتغلق الهاتف وهي تناظره بصدمة ليقول ياسر بنبرة حادة
ساكتة ليه يا هيام؟ بتكلمي مين؟ و مين اللي مش هتخسريه بسببي!
ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين.
اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه وجله أوله وآخره علانيته وسره.
اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني.

كان في طريقه الى غرفته ليتقدم إلى الداخل، فإذا به يُصدم حين سمع نجاة وهي تقول بنبرة مُلتاعة
هجوله ازاي حاچة زي دي. دي اكتر حاچة صعبة على اي راچل في الدنيا. ده ممكن يجتلني.
تيقظت حواسه من حديثها ليهتف بنبرة حادة
بتكلمي مين يا نچاة!

الفصل التالي
بعد 02 ساعات و 14 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة