قصص و روايات - قصص رومانسية :

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الثالث والأربعون

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الثالث والأربعون

رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل الثالث والأربعون

سابقًا كنت أظن أنني امرأة قوية، لكنني اليوم أتبرأ من هذه الصفة، أنا يا عزيزي امرأة حمقاء، ظلّت لسنوات تصُمّ أُذنيها عن عبارات الغزل، وتغُضّ بصرها عن ومضات العشق، ففي ضلوعي قلبٌ كان الغرور طابعًا متأصلًا فيه، يبغي المثالية ولا يقبل دونها شيئًا.

إلى أن اصطدمت برَجُلٍ اقتحم عالمي عنوة، عنيدٌ كالصخر، مراوغٌ كالذئب، مسيطرٌ كالسيف في أوج معركة هو فقط من يحق له الفوز بها، يحيط بي كالهواء. بدا وكأنه أقسم على هدم جميع الجسور التي بيننا، واختراق كل الحصون التي شيدتها حول قلبي، مُمَّهدًا كل الطرُق لغزوه الضاري، الذي رغم ضراوته كنت أرحّب به. رحّبت به إلى الحد الذي جعلني أغزل له الأحلام بخيوط الحب، لأصنع له ثوبًا من الطمأنينة مُرصّعًا بلآلئ العشق الذي يعجّ به صدري.

لكنني تفاجأت به مُلقى كجائزة رمزية في خزانة انتصاراته، إلى جانب جوائزه العديدة التي لا يملّ من الافتخار بها. كان الأمر ساخرًا بقدر مرارته؛ فحين كنت أراه حياة، كان يراني مجرّد جولة من جولاته التي لا تُعدّ ولا تُحصى، و كأن من ينازع أسفل حذاء غروره ليس قلبي! الذي رأى فيه الأمان، بينما هو الوجه الآخر للهلاك.
لم يكن الصياد الذي كنت أخشاه، بل الراعي الذي احتميتُ به، فقتلني في النهاية.
نورهان العشري.

توقفت ضربات قلبها للحظة وهي ترى ياسر يناظرها بأعيُن يلتمع بهم الفضول للإجابة على استفهامه الذي من شأنه أن يضعها في طوق المشنقة، ليسعفها عقلها بالإجابة حين قالت بنبرة يشوبها التوتر
دي مها.
ياسر بجفاء
و دي بتتصل عليكِ ليه؟
تلبسها شيطان الكذب مرة أخرى لتقول بخفوت وهي تقترب منه
البت واقعه في عرضي اتوسطلها عندك يا ياسر. أنا حتى قولت لغنى...
قاطعها ياسر بتهكم.

تتوسطيلها في ايه؟ هي الجريمة اللي عملتها دي ينفع فيها أي حاجة.
هيام بنبرة يشوبها التوسل، و يتخللها الخداع و الزيف
عارفة أنها غلطت. بس هي عيلة غبية و يتيمة و كانت عايزة حد يشيل شيلتها، و أنت راجل و يُعتمد عليك و عمرك ما اتخليت عن حد في ضيقة، و أي واحدة في مكانها هتطمع فيك.
ياسر بأنفعال.

أنا مش فاهمك يا هيام! أنتِ بتبرري أيه؟ دي هدمت حياتي، و غلطت في حق نفسها، و لوثت شرف اخوها الله يرحمه، و بعد دا كله بتقوليلي طمعت فيك، ولا في شهامتك! أنا مذهول من موقفك. أنتِ اكتر واحدة شوفتي انا اتعذبت ازاي!
قال جملته الأخيرة بنبرة مُلتاعه لتهتف بنبرة يشوبها الندم
عارفة. بس مش في أيدينا نرجع الزمن لورا يا ياسر.
ياسر بقسوة.

بس في أيدينا نعاقب الفاعل، و بلاش تقوليلي أن دا تفكيرها هي. عشان أنا قلبي بيقولي لا. أنتِ طيبة يا هيام، و للأسف الناس بتطمع في طيبتك دي.
زحف الارتباك إلى نبرتها و تناحرت دقاتها من حديثه، ولكن كان لزامًا عليها بتر الشك من جذوره داخل قلبه لتقول بنبرة جادة
بس هي اعترفتلي و حلفتلي أن محدش قالها تعمل كدا، و أنها عملت كدا من نفسها.
ياسر بحدة
هيام.
قاطعته وهي تهتف بانفعال.

و غلاوة هيام عندك تبعد عنها و تشيل الموضوع دا من دماغك. ايه ماليش علاوة عندك يا ياسر!
هاهما أغلى إمرأتان في حياته يتوسلن من أجل هذا الأمر لذا اذعن في الآخر إلى طلبها ليقول بجمود
أنتِ و غنى بتطلبوا مني نفس الطلب، و للأسف مُضطر اني انفذه عشان معنديش أغلى منكوا.
اقتربت تعانقه وضميرها لازال بجلدها بسوط غضبه الذي تجاهلته وهي تقول بخفوت
ربنا ما يحرمنا منك أبدًا.

شددت ياسر من عناقها وهو يقول بنبرة صادقة تجيش بها المشاعر
أنتوا أغلى حاجة في حياتي يا هيام. أنتِ و غنى و يزيد. عيلتي اللي عندي استعداد افديهم بروحي.

وكأنه حديثه كالشوك ينغز في قلبها دون رحمة، ولكن من اختار طريق الكذب عليه أن يعلم بأنه لن يكون مُمهدًا كما ظن بل مليء بالأشواك و العقبات التي لن تنتهي إلى أن يصل لنهاية الطريق الذي كُتِب على لافتته الصدق يُنجي مهما كان الألم، و الكذب يُهلِك ولو طال الأمد.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.

تجمدت العبرات على شفتيها حين سمعت صوته
القوي خلفها لتلتفت ناظره إليه و كأنه جلادها، وها هو سرها العظيم يوشك أن ينكشف أمامه، و يُهدد أمانها الذي لم تشعر به سوى بقربه
سكتِ ليه؟ بجولك بتكلمي مين؟
هكذا هتف رحيم بنبرة قاسية و عينين تحترق تحت وطأة الترقُب و القلق لحديثها الذي لم يكتمل ليقترب وينتزع الهاتف من بين يديها ليضعه بجانب أذنه ليأتيه صوت آسيا التي هتفت بقلق
ضي. سمعاني! روحتي فين؟

اغلق المكالمة وألقى بالهاتف بعيدًا، وهو يقول بنبرة جافة
كنتِ بتجوليلها أيه؟ و أيه اللي هيخليني اجتلك لو عرفته؟
ارتعش جسدها من مظهره المُرعب، و تناثرت العبرات من بين حدقتيها تتوسله ألا يغتال حلمها الوردي بجانبه، و حروفها ترتجف فوق شفاهها وهي تُجيبه
أني. مش. ذنبي. والله العظيم ما ذنبي.

احترق فؤاده من فرط اللوعة، وهو يتخيل أن تكن من ضمن قائمة الخونة بحياته ليمد يده إلى مرفقها يجذبها إليه بغضب تجلى في صوته حين قال
انطوجي ذنب ايه اللي بتتحدتي عنيه!
بلغ الخوف ذروته حتى كاد قلبها يتوقف عن الخفقان لتسلك طريق الصدق معه عله يُنجيها، فهتفت بحروف ترتجف خوفًا
دية حاچة حصلت اديلها كام سنة، وأني والله زي ماني. بس...

لم تفلح شفاهها في نطق الكلمات وهو يناظرها بهذه الطريقة التي أضرمت الرجفة بسائر جسدها الذي انتفض بين يديه حتى كاد أن يقع، و لكنه سرعان ما احتواها بين يديه وهو يهتف بلوعة
نچاة.

علي صوت شهقاتها، و بالمقابل رجفة جسدها لتحيد عينيه عن عينيها بضع درجات ليصطدم بمظهره المُخيف في المرآة التي كانت على يمينه، و إذا به يشفق عليها لوهلة من هذا المظهر المُرعب الذي يبدو عليه مما جعله يحيطها أكثر بين ذراعيه وهو يجذبها بحنو ليضعها على الأريكة وهو يهدهدها كالطفل الصغير
خدي نفسك، و اهدي.
حين لامست اللين في نبرته تضاعفت عبراتها و خرجت الكلمات مُتلهفة من بين شفتيها حين قالت بتوسل.

اني مش ذنبي حاچة. وحياة حبيبك النبي(عليه الصلاة والسلام) ما تحملني ذنب مش ذنبي.
رحيم بنبرة هادئة
اهدي يا بت الناس و جولي لا إلا الا الله، و متحلفيش بغير ربنا، و جولي واني سامعك.
كان يقول جملته الأخيرة بترقُب، و هو يتوق لسماع ما يعلم حقيقته، ولكن هناك جانب آخر لازال يجهل تفاصيله
لا إله إلا الله.
تنبهت إلى رائحة الوقود التي تعبأ ثيابه، فتناست ما حدث وهتفت باستفهام
وه. ايه الريحة دي؟
قاطعها رحيم بجفاء.

ملكيش صالح. خلينا في موضوعنا.
حاضر.
هكذا تمتمت قبل أن تأخذ نفسًا قويًا لتبدأ الحديث أمام عينيه اللتان يحملان الهدوء و السكينة التي تحتاج إليها
أمي كانت بتشيعني اروح كان يوم عِند الفچر أجمعلها اعشاب كانت بتحتاچها في خلطات بتعملها عشان تعالچ الناس و في ليلة خرچت و روحت حتة واعرة في الچبل، و أني راچعة حسيت بنفس حد جريب مني، جومت چريت بعزم ما فيا، وهو يچري ورايا.

انتفض جسدها بجانبه ليحتضنها بين ذراعيه و عبراته تنهمر من عينيه رغمًا عنه مما جعله يحتويها بقوة حتى يخفي عنها ضعفه لتُتابع و هي تحت وطأه أمانه
جعد يچري ورايا لحد ما وجعت عالأرض و هو فوجي، و كان بيحاول...
عند هذه اللحظة لم تستطِع إجمال جملتها بل استبدلتها بعبرات غزيرة و شهقات قوية تحكي مرارة الألم الذي عاشته في هذه اللحظة ليحتويها بين ذراعيه وهو يقول بنبرة مُتحشرجة
بزيداكي حديت لحد أكده.

ارتعبت من أن يفهم ما حدث خطأ لتهتف بلهفة
لاه. أني زي ماني. معرِفش أيه حوصول؟ بس أمي ودتني للحكيمة، و جالتلها اني.
قاطع استرسالها في الحديث يده التي احكمت الطوق حول عنقها لتقربها منه حد اختلاط أنفاسهم و جبينه يُلاحم جبينها و شفاهه تهمس بلوعة
أنتِ ست البنتة كلاتهم. اوعاكِ تبكي تاني، ولا تخافي يا نچاة.
نچاة بصدمة
معجول مش هتلومني، ولا هتجول اني انكشفت.

تفاجئت حين بتر جملتها بشفاهه التي التهمت حروف كلماتها، و كأنه يرفض سماعها أو ربما يرفض الرجوع بالذكرى لذلك اليوم المروع، و الذي يتوق لمحوه من ذاكرته، ولكنه الآن كان غارقًا في نعيم قربها و ارتشاف نبيذ شفاهها المُسكِر، والذي خدر جميع أوجاعه حين جرفه العشق معها إلى عالم آخر لا ينتمي إليه سواهم، فقام بحملها بين يديه كعصفور صغير في مواجهة صقرًا جسور، وهو يضعها فوق مخدعهم دون أن يفصل اقترابهم، و كأن تعويذة سحرية أُلقيت على عقله ليخضع أمام طوفان العشق المتبادل بينهم، و الذي قطعه لينظر إلى داخل عينيها وهو يقول بنبرة مُتحشرجة.

انسي اي حاچة حصلت جبل اللحظة دي، و جوليلي انك ريداني زي مانا هموت عليكِ يا نچاة.
كانت لحظة انمحى منها كل شيء إلا هذا الرجل الرائع وعشقه الذي تغلغل إلى سائر كيانها لتهتف بنبرة خافتة
ريداك يا رحيم.
ارتج قلبه من جملتها و حروف اسمه من بين شفاهها المغوية، فاندحرت كل ذرة ألم، وندم من داخله ليهتف بنبرة مُتحشرجة
أنتِ نچاة رحيم من الچحيم اللي اديله عمر عايش فيه. بحبك يا نچاة.

لم يُتيح لها الفرصة لاستيعاب اعترافه بالحب، فقد اندفع يُغدق عليها منه، و لسانه يتغنى بهواها و جمالها حتى التحمت الأرواح والأجساد معًا لتعزف معًا أروع معزوفة موسيقية عن عشقًا لا يُنتسى و ذنب لا يُغتفر.
اللهم إني أعوذ بك من جهد البلاء، ودرك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
دعاء يريح القلب عند الضيق: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا ارحم الراحمين.

وصلت معه إلى الفيلا بعد العُرس الجميل لخالد و أشجان، و هاهي منذ أن استقلت السيارة إلى جانبه، وهي تود الحديث معه بصدد ما حدث في الصباح، ولكنها لم تستطِع تجميع حروفها لبدأ الحديث معه لتقرر تأجيله إلى أن يصلا لغرفتهم و لكن اتت الخادمة لتخبرها بالتوجه إلى غرفة جدتها التي تُريد رؤيتها، فأطاعتها دون النظر إليه.

ليتوجه هو بدوره إلى الحديقة يقوم بإجراء مكالمة هاتفية هامة و بعد نصف ساعة أنتهى من مهامه الغامضة ليدلف إلى الغرفة أخيرًا ليجدها تقف أمام النافذة ثم التفتت إليه لتجده يستند على الباب خلفه و يديه في جيوب بنطاله يناظرها بشوق لم تفلح في تجاهله، فبالرغم من كل شيء هي اشتاقته أيضًا، ولكنه الكبرياء الذي يقف حائل بينهم
ساكتة لية؟
هكذا تحدث بخفوت، فنظفت حلقها قبل أن تقول بنبرة جافة
ليه عملت كدا النهاردة؟

عمر باستفهام
عملت ايه؟
شروق بجمود
وقفت قدام باباك عشاني!
ارتفع أحد حاجبيه باندهاش قبل أن يقول باستهجان
عيزاني اسيبه يضربك قدامي!
شروق بجفاء وهي تردع أنين قلبها المُلتاع
أنا مكنتش هسمحله. مكنش في لزوم تعاديه عشاني.

قالت جملتها و التفت تنوي الهرب، فما حدث صباحًا لازال يؤثر على قلبها الذي يتألم بقوة لتتفاجيء به يقبض على معصمها يجذبها إليه لتواجهه، فإذا بها تصطدم بأعيُن تحترق من فرط الشوق و أنفاس لاهثة من جانب كليهمَ ليقربها أكثر منه وهو يقول بنبرة مُلتاعة
كفاية بقى تعذيب لحد كدا.
شروق بنبرة مُتحشرجة وهي تجذب نفسها بعيدًا عنها
سيبني لو سمحت.

امتدت يديه تعانق خصرها ليُقربها منه أكثر حتى لم يعُد مجال للهواء أن يمر من بينهم، و شفتيه تنطقان ما يجيش به صدره
مش هسيبك. وحشتيني و لازم نتكلم.
شروق معاندة وهي تُدير رأسها للجهة الأخرى
مفيش بينا كلام.
أدار رأسها إليه وهو يقول بتعب
متخبيش عيونك عني أنا عارف اني وحشتهم، وأنهم مش راضيين عن الا بيحصل دا.
حاولت جذبت نفسها من بين ذراعيه التي تمسك بها كالكماشة وهي تهتف بانفعال.

لا عيوني ولا قلبي راضيين عن وجودك في حياتي. طول ما انت بتستعر مني، و مش شايفني زوجة تليق بيك.
حاول تحجيم ثورتها بقوته البدنية وهو يقول بنبرة يائسة
طيب خلينا نتكلم، وانا هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.
شروق وهي لازالت تقاومه
مش هتقدر يا عمر، وانا مبقتش قادرة اكمل معاك. طلقني...

ابتلع باقي حروفها في جوفه، فلم يحتمل أن تنطق بهذه الجملة التي من شأنها أن تقتله، فهو قد يحتمل كل شيء في هذه الحياة ولكن فراقها لا، لذا عمق اقترابه منها وهو يبتر كل مقاومة لها باستخدام قوته البدنية، فقد أضناه شوقه الضاري لها، ولكن للقدر دائمًا رأيًا آخر، فقد تعالى رنين هاتفه، مُعلنًا عن اتصال هاتفي ليتراجع عمر عنها بشق الأنفُس، و يتوجه إلى الهاتف لرؤية المُتصِل، فزفر بقوة قبل أن يعود إليها يجذبها إلى أحضانه وهو يقول بأنفاس مقطوعة.

بيستعجلوني في المستشفى. هنزل دلوقتي و لما ارجع بكرة نتكلم، و هعملك كل اللي أنتِ عايزاه.

شعرت بقبضة قوية تحكم الطوق حول قلبها قبل أن تتراجع عنه، و هي توميء برأسها بصمت ليتراجع عنها على مضض وهو يتوجه إلى المرحاض لأخذ حمامًا مُنعشًا، فما أن توجه للداخل حتى سمعت صوت هاتفه يعلن عن وصول رسالة نصية، فانتفض قلبها ألمًا وهي تتوجه إلى الهاتف تقدم خطوة و تتراجع الأخرى لتقوم أخيرًا بإمساكه، لتُضيء شاشته و إذا بها ترى عيانًا إثبات خيانته و الذي تجلى في رسالة نصية على تطبيق واتساب من المدعوة شاهي فحواها.

عموري رنيت عليك، و مردتش يا بيبي. انا مستنياك زي ما قولتلي. متتأخرش عليا، و اياك تدي فرصة للجربوعة دي تقرب منك او حتى تكلمك.
تراشقت السهام بصدرها، فهاهي ترى دليل خيانته التي رفضت تصديقه حين استمعت لهه من فم شقيقته قبل دقائق
عودة لما قبل نصف ساعة
توجهت إلى غرفة جدتها تلبية لندائها لتتفاجأ بهايدي التي كانت في الداخل، فهتفت بصدمة
تيتا فين؟
هايدي بجمود.

تيتا في أوضة عمتو نسمة عرفت أن جميلة هتبات بره، فقالت فرصة تستعيد الذكريات.
شروق بجفاء
و مين اللي بعتلي اجي على هنا؟
هايدي باختصار.
أنا، و قبل ما تسألي هقولك.
غزى الفضول صدرها لتناظر هايدي بترقُب، و التي بدأت الحديث بنبرة مُشجبة.

أنا عارفة أننا مبنتفقش مع بعض ولا عمرنا هنتفق. بس في كلمتين انا كبنت لازم اقولهملك. أنا معرفش طبيعة العلاقة بينك وبين عمر. بس عارفة أخويا، و على قد ما بحبه على قد مانا بتضايق من تصرفاته. عمر مابيحبكيش ولا عمره هيحبك. أنتِ مجرد وسيلة للضغط على بابا وماما و...
قاطعتها شروق قائلة بتهكم
لا والله!
هايدي بنبرة جادة بعد أن ارتدت ثوب الفضيلة.

كلامي هثبتهولك كدا كدا. بس قبل ما أثبتهولك لازم افهمك عشان أنتِ بنت زيي، و عشان صاحبتي شاهي. اللي مفروض أن هي وعمر مخطوبين لبعض من وهما صغيرين، وهي كانت مسافرة في رحلة مع باباها و مامتها، و دلوقتي رجعت، و عمر بيأجل اعلان خطوبتهم بسببك.
ارتجف قلبها رغمًا عنها لتتابع هايدي بث سُم حقدها في صدر شروق.

عمر ذكي اوي و بيعرف يستغل الفُرص كويس دا غير انه بارع مع البنات و مفيش بنت بتاخد في ايده اكتر من شهرين و دي تبقى كدا خدت الأوسكار، و أنتِ متختلفيش عن اي بنت عرفها. أنتِ بس مزاياكي كتيرة شوية. هيتسلى براحته في نطاق الجواز اللي بيبيح كل شيء بينكم، و هيضايق ماما وبابا و هيكسب صف تيتا عشان ياخد نص نصيبها في التركة زي ما وعدته النص ليه و النص ليكِ.
لم تستطِع احتمال حديثها لتهتف بحدة.

حد قالك اني عبيطة عشان اصدقك!
هايدي بثبات مُثير للإعجاب
لا مش عبيطة. بس تقدري تقوليلي ليه لسه بيقابل هايدي لحد دلوقتي؟ طيب بلاش خدي شوفي دي صورتهم في عيد ميلادها من أسبوعين.
وضعت الصورة أمامها لينقبض قلبها بقسوة حين شاهدته وهذه الفتاة تعانق رقبته وهو يبتسم مما يدل على رضاه، فلاحت بوادر الهزيمة على ملامحها لتستغل هايدي الأمر قائلة.

مش كدا و بس. دا هيسهر معاها النهاردة، و شوفي رسايلها على تليفونه هتعرفي اني مبكذبش. خافي على نفسك يا شروق، و انفدي بجلدك عمر عمره ما حبك، ولا هيحبك. أنتِ لا تليقي بيه ولا بينا.
عودة للوقت الحالي
تركت الهاتف من يدها وهي تتوجه إلى خارج الغرفة حامله جراحها و عذابها حتى لا تواجه ذلك الحقير الذي يستحق الاحتراق في الجحيم السابعة وهي في هذه الحالة من الضياع.

اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن العظيم ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي.

أعتقد أنه لا يوجد لغة في هذا العالم باستطاعتها أن تصف شعور شخص أبصر النور لتوه. بعد أن عاش ضريرًا طوال حياته
هكذا كان شعور قلبي حين وقع بعشقك.
نورهان العشري.

توقفت السيارة أمام كوخ كبير مكون من طابقين مُحاط بواحة خضراء أظهرتها أعمدة الإضاءة التي تُحيط به، و أيضاً وصل إلى مسامعها صوت أمواج البحر المتلاطمة، و الأجمل كانت يديه التي امتدت لتساعدها في الخروج من السيارة لتمُد يدها إليه بخجل راق له كثيرًا ككل شيء يخصها، فقام بالإنحناء لوضع قبله دافئة فوق باطن كفها قبل أن يرفع رأسه لتبتهج عينيه برؤية جمالها المُشِع بفستان الزفاف الأنيق وهذا الحجاب الحجاب الذي يُحيط بوجهها الذي أضفت عليه السعادة جمالًا من نوع آخر لتتفاجيء حين وجدته يلتف خلفها، ويقوم بفك حجابها وسط ذهولها الذي لم يدوم، فحين حرر خصلات شعرها اقترب من أذنها قائلًا بهسيس خشن.

غمضي عيونك الحلوين.
اطاعته و دقات قلبها تضرب بعُنف من فرط السعادة و الحماس الذي تضاعف حين وضع هذه العُصبة فوق عينيها ثم اتخذت يده اليسرى طريقها لتُحيط خصرها بينما اليمنى أمسكت بكفها ليقودها بخطوات بطيئة إلى حيث لا تدري، و قد أسلمت له نفسها يقودها حيثما يشاء ليتوقف أخيرًا و هو يهمس بجانب أذنها بصوته الخشن الذي يجعل عظامها تذوب
جاهزة عشان ندخل جنتنا سوى!
ابتسمت لا إراديًا وهي تهمس بخفوت
جاهزة.

قام برفع العُصبة من فوق عينيها ليُلقيها بعيدًا ثم انحنى يُلثم جدار عنقها البض دافنًا رأسه بين طياته بينما هي كانت غارقة في نوبة ذهول من كل هذا الجمال الذي يُحيط بها، فقد كان هناك ممرًا خشبيًا مُحاط بالورود من كلا الجانبين، و ينتهي في منتصف حديقة رائعة الجمال زينت بالشموع التي كانت على شكل دائرة كبيرة يتوسطها ورود على هيئة دائرة أصغر و كأنها حلبة صغيرة للرقص، و قد تأكدت ظنونها حين وجدته يغلق بوابة الكوخ و يتوجه إلى أحد الأركان لتنبعث منه موسيقى رائعة ثم التفت ليفتح ذراعيه على وسعهم لاستقبالها، فتناثر الفرح من بين عينيها وهي تندفع تجاهه بقوة لترتمي بين ذراعيه التي حملتها ليدور بها وهو يهتف بصوت جهوري بدد ظلام الليل حولهم.

بحبك...
كانت لحظة رائعة انتشى لها قلبها الذي ظن أنه السعادة سلعة غالية وهو لا يملك ثمنها ليُهديها إياها هذا الرجل بكل بزخ و إسراف، فقد كانت عينيه تناظرها و كأنها أعظم شيء خلق في الوجود و قد أكدته كلماته الرائعة وهي تتمايل بين يديه على أنغام الموسيقى
أنتِ أجمل حاجة هدتني بيها الحياة.
امتدت يديها التي تحيط عنقه لتكوب وجهة بين يديها وهي تهمس بخفوت
أنت حقيقة مش حلم صح؟

التفت يُلثم باطن كفها الذي يحيط بوجهه قبل أن يقول بهسيس خشن
أنا الحلم اللي اتحول لحقيقة بين ايديكِ.
أشجان بنبرة مُتحشرجة
مش مصدقة أن كل حاجة خلصت و أني أخيرًا بين إيديك.
جذبها إليه أكثر لتتلاحم أضلعهم و تتعانق أنفاسهم المُحترقة قبل أن يقول بنبرة خشنة
صدقي. أنتِ معايا و في حضني و حضني بقى هو بيتك و مكانك.
تبددت أنظاره لتتحول إلى المكر وهو يُضيف بوقاحة.

و لا اقولك. انا راجل عملي و أحب الإثبات العملي تعالي بقى أما اثبتلك.
اقتطف هذه البسمة الخجلة من فوق شفاهها بنهم قاتل و كأنه يؤكد ملكيته لها و انتمائها له، و ذراعيه تشدد من احتواء جسدها الذي انصهر بين يديه في قبلة غرام لطالما اشتهاها منذ ذلك اليوم الذي علم فيه أنه وقع لهذه المرأة الرائعة.
فصل قربهم على مضض، ولكن كان هُناك الكثير مما يجب أن يُقال، فرفع رأسه يطالع ملامحها بشغف تجلى في نبرته حين قال.

بصيلي. عايز اشوف نفسي في عيونك.
تملصت من خجلها حتى لا يُفسد عليهم هذه اللحظة الرائعة، لترفع رأسها إليه، فارتسمت ابتسامة عاشقة فوق ثغره قبل أن يقول بنبرة خشنة
قربك دا الدوا الوحيد لروحي. اوعي تفكري تحرميني من دوايا تاني.
تعلم إلى ما يُشير، ولكنها لم تُريد التطرُق لما قد يُفسد عليها جنتها لتقول بنبرة خافتة
عمري ما هفكر ابعد عنك أبدًا. أنا معرفتش يعني ايه حياة غير معاك.

عند هذه النقطة انطلقت كلمات الأغنية التي عبرت عنها يجول بقلب كليهما
انا وانت حالة خاصة جداً حالة مش موجوده فعلاً ومفيش في حياتنا اصلاً يا حبيبي عذاب، وانت جنبي حاسة اني طفلة، وحياتي يا حبيبي حفلة، وفي وش الحزن قافلة كل الأبواب.
جنني حبك. طيرلي عقلي، أنا متهيألي انا جيت الدنيا بحبك، علمني حبك اسرق من الدنيا
ثانية ورا ثانية وادوب قلبي في قلبك.

أخذتهم الخطوات إلى شاطيء البحر الذي كانت أمواجه و كأنها تتمايل معهم، فأخذت يداه تدور بها على كلمات أنغام وهي تهتف بصوتها العذب
انا وانت حالة استثنائية ودماغنا هي هي، وحياتنا دي مش عادية اتنين مجانين، ومفيش بينا حاجة تقليدية، انت الفرحة اللي فيا عارف العيد والعيدية انت الاتنين
جنني حبك طيرلي عقلي علمني حبك اسرق من الدنيا، ثانية ورا ثانية وادوب قلبي في قلبك.

انتهت الأغنية وهي ترتمي على صدره الذي يخفق بجنون بعد أن ظلا يتمايلان على هذه الأنغام الرائعة في رقصة مفعمة بالمشاعر التي كانت يبثها إياها على حين غرة وهي بين يديه كالطفلة التي ترقص و كأنها تدربت لأعوام على هذا اللحظات الذي شهدت عليها نجوم السماء التي زينت ليلهم، و أمواج البحر الهائج تأثرًا بهذان العاشقان اللذان تمددت أجسادهم المتعانقة فوق شاطئه ليلتفت ناظرًا إليها بعشق تجلى في حروفه حين قال.

أنا النهاردة رجعت معاكي شاب لسه عنده عشرين سنة، وهو بيرقص مع حبيبته على ضوء القمر، و البحر شاهد عليهم.
اتسعت ابتسامتها الرائعة وهي تُجيبه بنبرة عاشقة
وانا رقصت معاك النهاردة و كأني عشت عمري كله بتدرب عاللحظة دي. كان قلبي بيحركني من غير ما اكون حاسة.
اعتدل لتعتليها نظراته وهو ينظر إلى أعماق الزمرد المُتلئلئ بين حدقتيها ليقول بنبرة خشنة.

قلبك سلملي و توجني ملك على عرشه زي ما قلبي سلملك و حط حياتي كلها بين ايديكِ. يا شجنِ.
أشجان بتأثُر
الله. شجنِ. حلو اوي الاسم دا يا خالد.
ارتشف قطرات العسل المُذاب بين شفاهها بتمهُل قبل أن يقول بتمذُذ
هو اسمي طعمه حلو كدا ليه؟
ابتسمت بخجل قبل أن تقول بخفوت
حلو زي صاحبه.
خالد بعبث
مسمعتش.
هتفت بخجل
خالد.
خالد بهسيس خشن
عايز اسمع اللي جواكِ يا عيون خالد.

رفعت رأسها تطالعه بعشق لم تبخل عينيها به بينما عبرت عنه شفاهها بطريقة خاطفة للأنفاس حين قالت
أنت أول حياة أعيشها.
تناثرت السعادة من بين جفونها حين تابعت
النهاردة يوم ميلادي الحقيقي، و لو هتمنى حاجة في الدنيا دي. أتمنى أني افضل جنبك العمر كله.
صمتت لثوان قبل أن تهتف بنبرة مُتحشرجة
بحبك يا خالد. بحبك أوي.

لمحت هذه العبرات التي ترقرقت في مقلتيه، ولكنه لم يُمهلها الوقت لاستيعاب ما حدث بل هب من نومته وهو يحملها كالعروس و يدور بها بسعادة حتى جرفتهم المياة ليسقطا سوياً بين الأمواج وسط قهقهاتهم الصاخبة، و كأن البحر أراد أن يشاركهم هذه اللحظة السعيدة، و خاصةً حين عانقها بقوة وهو يقول بخشونة
خالد ملك الدنيا كلها في ايده النهاردة.

مرت لحظات لم تشعُر به وهو يحملها برفق و كأنها أثمن أشياءه مثلما أخبرها ويدلف إلى داخل الكوخ و المياة تتساقط منهما ليضعها أمام المدفئة التي كانت شاعله بمنتصف الصالة الواسعة، وهو يجذب أحد المناشف ليجفف خصلات شعرها وهو يقول بمُزاح
الحاجة رضا عاملة معانا الصح في العشا، وموصياني أأكلك بإيدي، وانا بصراحة مقدرش ازعل حماتي.
ابتسمت أشجان على حديثه و أجابته قائلة
حاسة انكوا اتفقتوا عليا!

تحدث خالد بتهكم وهو يخلع عنه قميصه المُبتل ليظهر أمامها صدره المُعضل
حاسة مش متأكد؟
أدارت عينيها للجهة الأخرى بخجل ليقترب منها جاذبًا منشفة أكثر يُحيط بها جسدها، فهتفت باستفهام
ليه كل دا؟ الجو حلو.
امتدت يديه لتقرص وجنتيها النابضة بالحياة وهو يقول بعبث
مش هسمح للبرد يقرب من الحلو بتاعي، و بعدين هوا البحر غدار.

ارفق حديقه بغمزة، فراق لها اهتمامه كثيرًا، و خاصةً وهو يعاملها و كأنها طفلته الصغيرة، فقد كان هذا الشعور رائع للحد الذي لا يُمكنها وصف روعته، فهاهو يجذب كفوفها و يقربهما من فمه لينفث بهم أنفاسه الدافئة حتى يوقف رجفة البرد بهم، فقد وقع قلبها أسيرًا لهذه اللحظة الحانية التي ستظل محفورة في روحها عمرًا بأكمله ليرى هو تأثرها و يقترب أكثر منها قائلًا بنبرة رخيمة
يالا عشان تغيري هدومك.

تعلقت عينيها بخاصته وهي توميء برأسها دون أن تقطع تواصلهم ليقترب هو أكثر منصاعًا خلف هذا السحر الذي يتلئلئ بإغواء في حدقتيها هامسًا بنبرة خشنة
خليني أساعدك.
لا...
أوشكت على الاعتراض، فمد إصبعه ليضعه فوق شفتيها يوقفها عن الحديث، وهو يقول بأنفاس مُتهدجة
هشش. مش عايز اعتراض. من النهاردة اتعودي انك و أنتِ جنبي مفيش بينا لا، و لا في بينا حواجز.

غمرتها موجة خجل عاتية لتوميء برأسها بالموافقة، و ياليتها لم تفعل، فما أن مد سحاب فستانها و لامست انامله دفء جسدها حتى تنحى العقل عن منصبه ليقوده قلبه إليها والذي لم يعُد يسعه الصبر على قربها أكثر، فجذبها إليه ليغترف من حُسنها و ينهل من فتنتها وهو يتغنى بجمالها و قلبه يرمم بعبارته الرائعة شقوق النقص في روحها التي أحياها عشق هذا الرجل الذي لم يترُك شيء إلا فعله حتى يجعلها سعيدة، و هاهي تهيم من فرط السعادة بين ذراعيه الحانيتين، و التي نحت أي ذرة خجل بداخلها بأفعالهم العابثة لتقضي بين يديه ليلة من ليالي الغرام الرائعة انتهت وهي غافية على ضفاف صدره الخافق باسمها ليهب من مكانه وهو يناظرها بحُب و يدثر جسدها جيدًا أسفل الغطاء ليتوجه إلى المرحاض و يأخذ حمامًا مُنعشًا، فهاهو الفجر على وشك البزوغ، وقد اقترب الميعاد المنتظر ليتوجه إلى الخارج و منه إلى الاسطبل الخلفي للكوخ ليأخذ الفرس الأسود الذي أخذ يصهل بقوة حين رآه و كأنه يرحب بصديقه، ليمطتيه و يتوجه إلى داخل الغابة ليصل إلى نقطة ما فوجد رجاله بانتظاره هناك و معهم أحد رجل آخر، فهبط من على ظهر الفرس و توجه إليهم موجهًا حديثه إلى قائد الحرس الخاص به.

عملت اللي قولتلك عليه؟
عملت يا فندم، و دي و الصور موجوده عالتليفون دا.
تناول الهاتف منه وهو يتوجه إلى الرجل الذي يتصبب عرقًا، فتحدث خالد قائلًا بجمود
ايه يا دكتور منتصر طمني!
تحدث منتصر الطبيب المعالج لحالة صافية
عملت اللي قولتلي عليه، و أوهمته أن في خطر على الحالة لو نقلناها، و هو مستني مني دلوقتي ابلغه أول ما الحالة تستقر.

ناوله خالد الهاتف لتبتهج عينيه وهو يرى صور ابنته و زوجته في مطار أثينا، و صوت خالد الذي يؤكد على ما رآه قائلًا
بنتك و مراتك في أمان زي ما اتفقنا. جه الدور عليك عشان تنفذ دورك من الاتفاق.
الطبيب بقلق
حاضر. بس رماح لو عرف هيقتلني...
خالد بجفاء
أنا هربت مراتك و بنتك عشان ملهمش ذنب في اعمالك القذرة. رماح يقتلك أو لا دي حاجة برا اتفاقنا.

كان راضيًا بإنقاذ طفلته المصابة بالسرطان و زوجته من بين براثن هذا الشيطان، و أن قدر له الموت على يديه، فهذا أقل ما يستحق لما فعله من قذارات، ولكن هناك شيء لازال يرهق تفكيره، فهتف بتساؤل
انت عرفت توصلي ازاي؟
خالد بجفاء
مش شغلك. نفذ وبس.
اومأ الطبيب منتصر برأسه ليقول باذعان
حاضر. هتنفذوا امتى!
اول ما ترجع هديك الاشارة و رجالتنا هيتحركوا.
منتصر بذهول
مش هتستنوا بالليل؟
خالد باختصار
لا.
منتصر باعتراض
بس.

خالد بجفاء
مبسش. قولتلي عايز رماح يتشغل ساعة واحدة. عشان تقدر تخرجها بره العناية المُركزة. قولتلك حاضر. يفرق معاك ضهر من عصر في أيه؟ بمجرد ما تخرجها من العناية دا بتاعي بره عنك خالص.
تمام يا خالد بيه. أنا مجهز كل حاجة، هستنى منك إشارة.
خالد بجمود
الرجالة هيرجعوك بالهليكوبتر.
منتصر بصدمة
بس ازاي؟ انا جيت بالمركب.
خالد باختصار
متسألش.
توجه عابد قائد الحرس الخاص بخالد، و الذي تحدث باحترام.

المركب بتاعت السياح في طريقها للشط مرة تانية، و هتقف خمس دقايق قبل ما تلف و ترجع.
خالد باختصار
الطيارة هتستناكوا في البر التاني. لازم يكون هناك في وقت قياسي. الحريق هيبتدي بعد عشرين دقيقة من دلوقتي.

أومأ عابد باحترام ليعود أدارجه إلى الفرس، ومنها إلى حبيبته، فقد كان يُجهز كل شيء حتى يُغافل ذلك المُجرم، و يستطيع إنقاذ عمته من بين براثنه، و قد أثمرت جهوده في الضغط على زناتي، وقد ساعده في ذلك هذا القذر حين أمر بقتل شقيقته بدرية ليقرر زناتي اخبارهم عن وجود عمته بمشفى خاص في الاسكندريه، و بعد البحث المُكثف علم مكانه، و استطاع معرفة كل شيء عن الطبيب المعالج لها منتصر و أمر مرض طفلته، و حينها علم بأن رماح يهدده بقتلها ليتولى هو تهريبهم على أن يساعدهم منتصر في استعادة صافية، بعد ذلك خطط حتى يسير كل شيء عاديًا لكي لا يشك بهم هذا المُحتال، وقد اتخذ جميع الاحتياطات ليتم الأمر على أكمل وجه.

احكم رباط الخيل في مكانه ثم قام بإجراء مكالمة هاتفية إلى ياسر الذي أجابه على الفور
معاك يا كبير
خالد باستفهام
الرجالة خدت أماكنها؟
ياسر بجمود
كله تمام، و احنا في الشقة مستنيين الإشارة، و عمر جهز العربية و المكان. بس رنيت على رحيم مردش.
خالد بتفكير
اخر مرة كلمني كان روح البيت و أكد عليا أنه جهز كل حاجة، و الرجالة مستنيه الإشارة. عمومًا انا هرن عليه لو مردش هتواصل معاهم أنا.

اجابه ياسر و عينيه على مبنى المشفى من هذه الشرفة الجانبية لأحد البنايات التي تبعد ثلاث صفوف عن المشفى لكي لا يثيروا الشك حولهم، ولكن رجاله كانت بكل مكان حول المشفى كُلًا بتنكره، فمنهم من قام بارتداء ثياب بائع يجر عربة تحمل خضروات و فواكه، و منهم من يرتدي ثياب عامل نظافة، و آخر يلف ذراعه و رأسه، و كأنه خارجًا من حادث.

الرجالة واخدين مواقعهم كويس، و كل واحد عارف هيعمل ايه. رحيم بس يدينا الإشارة، و أحنا هنتعامل.
خالد باختصار
هكلمه و اعرفك.
أنهى المكالمة مع ياسر ليقوم بمهاتفة رحيم الذي أرسل له رسالة صوتية قصيرة مفادها أن الحريق بدأ في الاشتعال.

لينتظر خالد عشر دقائق حتى يُرسِل الإشارة للطبيب ببدأ العمل، و إلى ياسر حتى يتأهب، و ها هي الشمس بدأت بتوسط السماء التي شهدت على حريق كبير في المزرعة الكبيرة التي تحمل اسم الهلالية ليهب رماح من نومته إثر صرخات قوية آتيه من الخارج و رائحة دخان كثيف يُعكر الهواء حولهم، فاندفع إلى الخارج ليرى ماذا يحدُث ليتفاجيء بالهرج و المرج السائد في الأسفل، فهتف صارخًا
في ايه ياد منك له؟
اجابه أحد الخفر.

الأرض اللي حوالين المزرعة كلاتها بتتحرج يا رماح بيه.

في مكان آخر توقفت سيارة إسعاف أمام المشفى ليهبط منها ياسر و بجانبه رجل من رجاله يحملان السرير النقال الذي ينام فوقه يزيد و كأنهم طاقم إسعاف يحضر حالة طارئة توجهت إلى غرفة العمليات فورًا و التي كان لها باب مُباشر إلى غرفة الإسعاف، و التي كان عليها حراسة مُشددة من الخارج و تحديدًا أمام غرفة صافية التي فجأة أعلن قلبها توقفه عن العمل. ليهرول منتصر إلى الداخل مُغلقًا الباب خلفه في وجه الحراسة وهو يحاول تضليلهم بأنه سينعش قلبها، ولكن الحقيقة أن يزيد هو من قام بأطلاق هذا الانذار الكاذب ليقوم بجذب سرير صافية بمساعدة ياسر من الباب الآخر لغرفة العمليات بعد أن تم تخدير الرجل المُكلف بحراسته، و هرولا إلى الباب الخلفي للمشفى لنقل صافية في عربة أسعاف أخرى كان ينتظر عمر بداخلها و بجانبه كمال لينطلقوا في طريقهم بعد أن تمت المهمة بنجاح.

دلف إلى داخل الكوخ وهو يتوجه إلى الخزانة التي تتوسط الحائط ليقوم بجذب هاتف صغير قام بتشغيله وهو يتصل على رقم الشرطة، و ما أن أتاه الرد حتى قال باختصار
عايز ابلغ عن مكان واحدة مخطوفة اسمها بدرية سليمان. موجودة في العنوان دا(. ).

أنهى جملته بعد أن أخبرهم عن عنوانها بالتفصيل ثم اغلق الهاتف قبل أن يصل وقت المكالمة 60 ثانية، لترتسم ابتسامة انتصار فوق شفتيه ويتوجه بشوق كبير إلى حبيبته، فقد مر على تركه لها بضعة ساعات كانت كافية لتتأجج نيران الشوق بقلبه، وها هو يندس بجانبها أسفل فراشهم الذي شهد على جولات عشقهم الصاخبة ليقوم بإيقاظها من جديد بأنامل حانية تتحرك بخفة فوق ملامحها التي أضفت عليها السعادة سحرًا خاص لتُشرق بشمسها فوق عالمه و ابتسامة عذبة تلون محياها وهي تهمس بنبرة مُتحشرجة من أثر البُكاء.

صباح النور.
هكذا تحدثت على استحياء أمام نظراته العاشقة التي تُحيط بها بطريقة أضرمت نيران الخجل في سائر جسدها لينبت محصول التفاح الشهي فوق ساحة خديها مما جعله يقترب ليقتطف ثماره الشهية وهو يقول بصوتًا أجش
صباح التفاح اللي هتجنن واقطفه. في حد يصحى من النوم حلو كدا!
تدللت بخجل تجلى في نبرتها حين قالت
مش انا صحيت حلوة كدا يبقى فيه!
قهقه على حديثها قبل أن يداعب خدها بأناملة وهو يقول بنبرة خشنة.

أنتِ اللي اقريتي أنك حلوة، يعني أنا معذور لو أفترستك دلوقتي!
دفنت رأسها بين ضلوعه وهي تقول بخجل
لا لا انا مأقرتش بحاجة انت اللي بتتلكك.

احتواها بكفوف صُنِعت من حب، و أحضان يتخلل سياجها الأمان مما يجعل طوقها حانيًا حتى لو اشتد على جسدها الضئيل، فقربها أكثر منه وأنامله الخشنة ترفع رأسها لتكون عينيها على اتصال مُباشر بخاصته حتى يمنحها أكبر قدر من الثقة الذي تحتاجها، و يبثُها من العشق ما يفوق سنين الألم و الخذلان، و نبرته الخشنة تهمس ضد شفتيها.

أنا فعلًا بتلكك. أنا من يوم ما عرفتك وانا بتلكك. مرة عشان أشوفك و عشرة عشان اقرب منك و مليون عشان ابقى جنبك و تبقي ليا، ومن هنا و رايح مش هبطل اتلكك عشان تبقي جنبي و في حضني.
صمت لثوان و عينيه تتابعان وقع حديثه الرائع على ملامحها التي تضاعف حسنها جراء هذه السعادة التي لأول مرة تتذوقها بين يديه ليُتابع بنبرة رخيمة.

مانا معذور بردو، قلبي بقاله سنين صايم عن الحب، و قربك دا العيد بالنسباله. بحبك يا شجنِ.
همست بنبرة عذبة
حبتني امتى!
خالد بنبرة خشنة
من اليوم اللي عرفت فيه أن كل اللي بملكه ولا حاجة جنبك.
أنهى جملته و اندفع يرتشف العشق من فوق شفتيها بنهم و كأنه جائع، وهي وجبته الشهية التي لا يشبع منها أبدًا.

اللهم يا مُقلّب القلوب والأبصار ثبّت قلبي على دينك. اللهم اجعل السعادة دائمة في حياتنا، وابعد عنا الحزن والضيق، وفرج همومنا ويسر أمورنا، واشرح صدورنا.

كانت تستقل مقعد السيارة الخلفي للتوجه إلى الشركة، وهي تقوم باللعب في هاتفها لتتجمد عينيها حين رأت...

الفصل التالي
بعد 02 ساعات و 22 دقيقة.
جميع الفصول
روايات الكاتب
روايات مشابهة