رواية ذنوب على طاولة الغفران ج1 للكاتبة نورهان العشري الفصل التاسع والثلاثون
نورهان العشري.
أخذت تدور حول نفسها في الغرفة التي شهدت على مُعاناتها و حيرتها منذ أن وصل إلى مسامعها هذا الحديث المسموم من تلك المرأة التي لم ترتح لها أبدًا، ولكن هناك شعور قوي بأعماقها يُخبرها بأن هذا الحديث لا يقع تحت طائلة البلاغ الكاذب، انما هو الحقيقة المُرة التي آلمتها بقوة، و هُنا عنفها قلبها بقسوة كونها تغافلت عن كل هذه الأشياء التي منحها إياها هذا الرجُل، فقد أشعرها لأول مرة بأن لها قيمة، و أن كرامتها شيء لا يُمكِن المساس به، و الأكثر من ذلك هذا الأمان الذي غمرها به، فحتى كوابيسها المُريعة تفر منها حين يكُن بجانبها. ماذا تُريد أكثر من ذلك؟
تربعت على المقعد بتعب و غريزتها تصرُخ داخلها بأنها عاشت وحيدة منبوذة طوال ليتبدد الآن هذا الأمل الذي كانت تتمسك بخيوطه أنه في يوم من الأيام ستؤسس عائلة و تُنجِب أطفال يكونون هم العائلة و الونس.
خرجت تنهيدة حارقة من جوفها وهي تتذكر اهتمامه بها طوال الأيام الماضية، و معاملته الحسنة لها و التي أحيانًا تخطو إلى مرحلة الدلال، فهي لن تنسى تلك الليلة التي استيقظت تصرُخ كعادتها لتجد ذراعيه تُحيطانها بحنو تجلى في نبرته وهو يهمس بجانب أذنيها
اهدي و نامي اني چنبك. مفيش حاچة تجدر تجرب منك طول ماني اهنه.
وضعت رأسها بين كفوفها وعينيها تُفصح عن لوعتها بعد أن أقر قلبها بأنه وقع في غرام هذا الرجُل الذي كان في نظرها سيد الرجال، و هُنا تدخل العقل يلومها بقوة، وهو يُلقي الضوء على أحتمالًا قويّا لا تعلم كيف غفلت عنه؟ وهو أنه من الممكن أن تكُن هي أيضًا إمرأة عقيمة! لما قد تُضحي برجل مثله من أجل أقدار وضعها الخالق بحكمته، فإن كان قدرها أن تسعد بجانبه دون أن تُضبِح أم، فهي راضية.
دا الموضوع باينه واعر جوي، و واخدك لدنيا تانية.
هبت من مقعدها حين سمعت صوته الرخيم يأتي من خلفها لترتبك الحروف فوق شفتيها وهي تُجيبه قائلة
أنت چييت يا عمدة؟
شايفة اي؟
نجاة بارتباك
حمد لله على سلامتك. أجهزلك الوكل؟
ضيق عينيه وهو يُطالعها بترقب، فهي شفافة كثيرًا و ملامحها كالمرآة التي تعكس ما يجول بداخلها، و قد كانت تحاول الهرب بنظراتها منه ليقول باختصار
حد ضايقك؟
لوهلة التزمت الصمت قبل أن تبدده قائلة بتوتر
لاه. اني زينة. متقلقش.
غافلته الكلمات و اندفعت من بين شفاهه حين قال
أنتِ دايمًا زينة.
اهتاجت دقاتها بداخلها من غزله الذي ندم عليه على الفور ليتبدد الحنو في نبرته إلى جفاء حين قال
چهزيلي الحمام. چاي تعبان و عايز أنام.
نجاة بلهفة
مش هتاكل ولا اي؟ دا أنت على فطورك من الصبح.
لمس اللهفة و الاهتمام في نبرتها وعينيها ليسود صمت مُطبق من جانب كليهمَ، فالأيام الماضية لم تكُن سهلة عليه أبدًا خاصةً و أنه رويدًا رويدًا بدأ يُدرك مشاعره تجاهها، و التي كانت مرفوضة بل مُحرمة عليه ليس لأنه يمقت النساء، و يرى جميعهن زوجته الخائنة، ولكنه بدأ يُدرك أنها ليست مثلهن. هدوئها و برائتها، وعينيها اللتان كانتَ نافذته إلى قلبها كل هذه الأشياء كانت براهين مُثبتة على معدنها الذي يتنافى مع دماءها العكِرة التي تربطها بنسل هذا الرجُل.
لو هتاكلي معاي هاكل!
ابتهجت ملامحها و خرجت الحروف مُتلفهة من بين شفاهها حين قالت
أني مكلتش مستنياك ناكل سوى.
ابتسامة عذبة لونت محياة وهو يقول بنبرته الرخيمة
يوبجى جومي جهزيلنا الوكل.
اومأت برأسها وهي تهرول إلى الأسفل بلهفة و خدين متوردين من فرط الخجل الذي جعل دمائها تتدفق بقوة في أوردتها في حضرة وجوده وكأن هذا الصراع الذي خاضته مع نفسها منذ قليل لم يكُن له وجود.
أنهت تحضير الطعام و توجهت إلى الأعلى ليُقابلها رحيم عند منتصف الدرج وهو يقول مُعاتبًا
بردك مبتسمعيش الحديت! جولتلك ألف مرة ناديلي أطلع الصينية و متشيليش أنتِ. افرض وجعتي ولا اكعبلتي في چلابيتك!
تلعثمت أمام عينيه و حديثه الذي يقطر إهتمام حتى لو كان يلومها لتتراقص الحروف فوق شفاهها بخجل حين قالت
معيزا. معيزاش اتعبك.
رحيم بنبرة رخيمة
من هنا و رايح اتعبيني. تعالي وراي.
أطاعته لتدلف معه إلى الغرفة ويبدأوا في تناول الطعام و كليهمَ يختلس النظر للآخر في جو مشحون بمشاعر قوية تنتظر الإفراج عنها حتى يتردد صداها بالأجواء، ولكنه كعادته محافظًا على هدوءه وثباته أمامها لتبدأ هي بالحديث حين قالت
مفيش أخبار عن أمي!
ندمت على الفور على ذكرها الأمر، فقد تبدلت نظراته إلى أخرى مُخيفة جعلتها تعُض على شفتيها ليصل إلى عقله ندمها على التفوه بهذه الكلمات، فتحدث بجفاء.
لاه، و حتى لو في. الموضوع ده عايزك تنسيه، و تشيليه من راسك. فهماني ولا لا؟
تألمت من قسوته لتهتف باعتراض
لاه. مفهماش! دي بردك أمي.
رحيم بجفاء
أعتبريها ماتت.
بس هي مامتتش، و لازمن افهم في اي؟ دي هي اللي بجيالي من الدنيا.
ضيق عينيه يناظرها بترقُب قبل أن يقول بغموض
مين جالك أكده؟ و ابوكي راح فين؟
نجاة باندهاش
أبوي! ابوي مات اديله زمن. حتى من جبل ما اوعى عالدنيا.
لا يعلم لما فعل ذلك، ولكنه أراد أن يضع بينهم كل الحواجز و العراقيل التي يتمنى أن تتخطاها لأجله لذا تحدث بجفاء قائلًا
أبوكي لساته عايش، و بيدور عليكِ.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال.
يالا يا أمجد يالا يا مريم. مش عايزين نتأخر.
هكذا تحدثت أشجان وهي تحُث أطفالها على الاستعجال حتى لا تجعله ينتظرهم، فهي لأول مرة منذ زمن بعيد يحمل قلبها كل هذه اللهفة، و خاصةً أنها اهتمت بمظهرها الذي كان رقيقاً و مُلفتًا بهذا الفستان الأسود اللون و الذي يتميز بورود حمراء اللون على الأكمام و الصدر يحيط بقوامها بنعومة إلى الخصر قبل أن يأخذ اتساعًا بسيطًا يصل حتى كاحلها، و ارتدت حجاب من نفس لون النقوش التي تُزين ردائها، وحاوطت بئري الزمرد المدفون بين حدقتيها بكحل أسود اللون ليُعزز من لونهم الجميل و لم تضع شيء سوى حمرة خفيفة أعطت لمعة بسيطة فوق ضفتي فمها الشهي لتبدو كالفاتنات بهذه الهيئة التي جعلت جميع حواسه تتحفز بقوة وهو يراها أمامه كالحورية التي دار رأسه حين رآها. ليتزعزع ثباته و تنقطع أنفاسه وهو يتمعن في النظر إليها مما جعلها تشعر بحاجة مُلحة في الهرب من أمام بنيتين يتساقط منهما الإعجاب الذي جعلها تتجمد في مكانها لتقع فريسة بين براثن هذا الوحش الذي اقترب منها بخطوات سُلحفية إلى أن وصل إلى حيث تقف أمام باب منزلها تُمسِك بيد طفليها و كأنها تحتمي بهم من شدة العواصف التي تضرب بها في هذه اللحظة.
تقريبًا باب الشقة دي فاتح من هنا عالجنة ولا أنا غلطان؟
تناحرت ضربات قلبها تأثرًا لغزله المُبطن، و الذي جعل أنفاسها تتسارع و حلقها يجف لتهمس بخفوت
خالد.
خالد بنبرة خشنة و عينين تضمها بشوق كبير
خالد أية بقى و أنتِ حلوة كدا! دا أنتِ لو حالفة تجنني أمي مش هتطلعي قدامي بالفستان دا!
أشجان بلهفة
أغيره!
خالد بنبرة عابثة
لا هاتيه معاكِ لما نتجوز.
برقت عينيها خجلًا قبل أن تنهره قائلة
بتقول ايه؟ الولاد واقفين.
ابتسم على مظهرها قبل أن ينزل إلى مستوى ذلك الصغير الذي يتمسك بيد والدته بقوة و كأنه يؤكد حقه بها ليمد يديه إليه وهو يقول بنبرة حانية
أهلًا بالكابتن أمجد. أنا خالد الوتيدي.
ابتسامته و طريقته حفزت الطفل على الرد عليه ليمُد يده الصغيرة التي غرقت في كف خالد الخشن وهو يقول بخفوت
أهلًا بحضرتك.
ربت خالد فوق كتفه قبل أن يقول بنبرة ودودة وهو ينظر إلى الطفلة الآخرى
و أنتِ بقى الأميرة مريم صح ولا انا غلطان؟
ابتهجت الطفلة لحديثه و لوصفها بالأميرة فأومأت برأسها وهي تُتمتم بخفوت
صح.
ربت على خصلاتها المُسترسلة قبل أن ينصب عوده الفارع وعينيه تشملانها بحُب تجلى في نبرته حين قال
و أنتِ بقى الأميرة الكبيرة صح؟
أخفضت رأسها هربًا من عينيه و غزله الذي يفعل الأفاعيل بقلبها ليبتسم قبل أن يهسهس بنبرة خشنة
اهربي براحتك بس هييجي اليوم اللي هتلاقي كل الطرق بتجيبك لحد عندي.
رفعت رأسها و على وجهها أجمل ابتسامة رآها في حياته لتقول بنبرة خافتة
بطل تخوفني منك.
خالد بنبرة تجيش بها المشاعر
لو فضلتي بالرقة دي فعلًا يبقى حقك تخافي مني.
تجمدت البسمة على شفتيها ليبتسم بالمقابل وهو يُشتت انتباهها قائلًا
يالا عشان الجماعة مستنيين في العربية. جبتهم الأول عشان متخلقيش مشكلة من مفيش.
تقدمت إلى جانبه وهي تقول بلهفة
طب ازاي بابا سابك تيجي تاخدني؟
خالد بنبرة خشنة.
قولتله مديرة المطعم معرفة، و هسلم عليها و بعدين اجيبك مع الولاد.
اومأت برأسها في صمت إلى أن وصلوا إلى سيارته التي كانت بانتظارهم ووالديها في الداخل لتستقل المقعد الخلفي بجانب والدتها التي كانت العلاقة بينهم مُختصرة كثيرًا، و ذلك ما أرادته أشجان التي لازالت تشعر بالألم مما حدث لينطلق خالد الذي استقل مقعد السائق و بجانبه عزام الذي اندهش من بساطة خالد في التعامُل، وانخرط معه في حديث عام إلى أن وصلوا إلى القصر. لتلتمع عيني رضا التي لأول مرة ستخطو إلى داخله بصفة الضيفة المُرحب بها لا كخادمة.
ما أن رأتهم آسيا حتى هرولت إليهم تحتضن والدتها بحبور و كذلك والدها ثم أشجان التي حادثتها بسعادة
حمد لله عالسلامة يا سيسو. ايه القمر دا؟
عانقتها آسيا بقوة وهي تقول
الله يسلمك يا روحي وحشتيني اوي. أيه الجمال دا بس؟
أنهت جملتها بغمزة من طرف عينيها تبدلت ملامح أشجان لأجلها و تلون خديها بلون الدماء قبل أن تقول بخفوت
قولت البس الفستان دا بقاله كتير عندي و مركون.
آسيا بمرح.
ياروحي البسي كل اللي أنتِ عيزاه أنتِ حلوة في كل حاجة و كل حاجة بتليق عليكِ أصلًا.
ابتسمت أشجان و دلفوا سويًا إلى الداخل ليجدوا كمال و بجانبه عمر و ياسر الذي وصل لتوه و يزيد ثم غنى التي كانت تجلس بجانبها كُلًا من جميلة و شروق يتجاذبون أطراف الحديث ليتشارك الجميع السلامات تحت أعُين ساخطة ناقمة على هذا الجمع لتقترب هايدي من نبيلة التي كانت تقف في الشرفة و الشرر يتطاير من عينيها.
هتفضلي واقفة بعيد تتفرجي يا ماما؟ فوقي احنا في كارثة.
كانت أعيُن نبيلة منصبة على شيء واحد فقط وهو نظرات خالد إلى هذه الفتاة التي تذكرها جيدًا، فقد رأت رنا تجلس بجانبها في العُرس و عيني شقيقها لم تنزاح من عليها، والآن لقد جاء بها و بأهلها بسيارته الخاصة و لا تفارقها نظراته لتهمس بحقد
احنا فعلًا في كارثة. كله إلا خالد. كدا يبقى كل حاجة اتهدت فوق دماغي.
هايدي بعدم فهم
تقصدي ايه؟ مش فاهمة.
نبيلة بنبرة تفوح منها رائحة الكُره
البت دي اللي جنب شروق تبقى أخت الملعونة مرات كمال أنتِ تعرفيها صح؟
هايدي بملل
أعرفها ازاي؟ هطلعلها بطاقة مثلًا! ما انتِ قولتي أختها.
نبيلة بحدة
ركزي يا غبية. اعرف تعرفي ظروفها ايه؟ متجوزة، مطلقة، تعرفي اي حاجة عنها؟
هايدي بسخط
لا. بتسألي ليه؟
ملكيش فيه. تعالي ورايا.
توجهن إلى هذا الجمع المُبهج ليصل إليهن صوت آسيا المازح حين قالت.
بصراحة يا دكتور عمر لما قولت انك هتشوي النهاردة قولت بس هننام من غير ما نتعشى.
يزيد بتهكم
والله اكرملك تنامي من غير عشا بدل ما تنامي في المستشفى بعد ما تاكلي العك اللي هو عامله.
عمر بسخرية
بقى مش عاجبك اللحمة المشوية بتاعتي! أنت تعرف تعمل ربعها حتى!
يزيد بملل
لا طبعًا معرفش، والحمد لله على دي نعمة. أنا أصلي شايف ان الكلاب خفت من المنطقة، و بصراحة مش مرتحالك.
قهقه الجميع على مزحته لتنهره غنى قائلة.
هو انت لا منك ولا كفاية شرك! ناكل ازاي دلوقتي؟
يزيد بسخرية
زي ما بتاكلي و قربتي تاكلينا.
تدخلت آسيا بنبرة مُحذرة
لا خلي بالك اللي يزعل غنى أكنه زعلني. انا بحذرك.
يزيد بتهكم
طبعًاما أنتِ متحامية في الدبابة بتاعك دا. بقى بزمتك في واحدة ترتبط بواحد النيك نيم بتاعه دبابة!
قهقه الجميع على حديثه ليتحدث كمال بتحذير.
خلي بالك أن النيك نيم دا مش متعارف عليه غير هنا في العيلة. يوصل لحد كدا ولا كدا هتلاقي نفسك عالسيخ مكان اللحمة اللي مش عجباك دي.
ايه الجمع الجميل دا؟ صوت ضحككوا واصل لحد الفيلا التانية. طب ما تضحكونا معاكوا!
كان هذه الحديث المسموم لنبيلة التي ودت لو تُشعِل هذه النار بهم جميعًا ليقترب يزيد من عمر قائلًا باستفهام
هي أمك بتقر علينا يا دكترة ولا أنا غلطان!
عمر بملل
اطلع من دماغي. انا مش ناقص.
يزيد بتهكم.
باين انك متنفضلك و واخد استمارة ستة.
تعالي يا بلبلة القاعدة نقصاكي.
هكذا تحدث كمال في محاولة منه لتلطيف الأجواء لتقول نبيلة بترفع
لا معلش أصل معاد دوايا يدوب. انا بس جيت أشرف على الخدم، و انبه عليهم يظبطوا الدنيا بعد ما تخلصوا قعدتكوا.
خيم الصمت على الجميع لتتوجه نبيلة بأنظارها إلى رضا التي امتقع وجهها لتهتف نبيلة بنبرة أتقنت تزييف الود بها.
ازيك يا رضا. عاش مين شافك. شوفتي من وقت ما مشيتي، و أحنا متبهدلين ازاي! مش لاقيين حد يحل محلك. كل الخدامين اللي جم بعدك أغبية زي ما أنتِ شايفة. لازم أشرف على كل حاجة بيعملوها.
تصنم الجميع من فرط الذهول ما عدا كمال الذي احتدت نبرته وكاد أن يزأر كالوحوش ليسبقه خالد الذي تحدث بنبرة حادة تنافيها ابتسامة شامتة ارتسمت على ملامحه حين قال.
طيب ما أية رأيك تاخدي الحاجة رضا و تشرفوا على الخدم سوى ما انتوا حموات زي بعض. معلش لو هنكبرك بس أنتِ تعتبري مكان الحاجة الله يرحمها.
برقت عيني نبيلة من كلمات خالد الذي قست عينيه وهي ترسلان سهام الوعيد لتقول باستهجان
حموات زي بعض!
خالد بجفاء
أه، و اللي معملتيهوش مع عمر اعمليه مع كمال، و اهو بالمرة تتعلمي من الحاجة رضا و تشوفي بتعمل أيه مع بناتها عشان تبقي تعملي لبنتك.
نبيلة بصدمة
أنا اتعلم منها!
واصل هجومه الشرس حين قال بجمود
كلنا اتعلمنا منها بصراحة. هي اللي مربيانا و ليها فضل كبير علينا.
تدخلت هايدي قائلة بسخط
هي مين دي يا خالو اللي بتقول عليها مربياكواااا؟
قاطعها خالد بنبرة حاسمة أجفلتهم جميعًا
خدي ماما عشان تديها الدوا يا هايدي، و البيت هنا له أصحاب، و هما هيتولوا شؤونه. شاكرين أفضالكوا.
كان الصمت هو سيد المكان، فلم يتوقع أحد أن يوجه أحدهم هذا الحديث الحاد إلى نبيلة التي اكتظ قلبها بالحقد حين رأت لمعة الشماتة في عيني رضا التي لطالما احتملت إهاناتها و احتقارها، والآن جاءت لحظة انتصارها التي كللها كمال بحديثه حين قال بنبرة حادة كالسيف
و من هنا و رايح متتعبيش نفسك. البيت بقى في ست هي المسئولة عنه، و اللي هي شيفاه صح هتعمله.
في هذه اللحظة تمنت لو أن الأرض تنشق و تبتلعها، فبعمرها لم تتعرض لمثل هذه الإهانة التي جعلتها تهرول إلى بيتها وخلفها ابنتها دون التفوه بحرف، و قد شعر عمر هو الآخر بالغضب المقيت من كل ما يحدُث و بداخله كان ناقمًا على والدته و على أشقائها وعلى كل شيء لذا نصب عوده وهو ينظر إلى الجميع قائلًا بجفاء
طيب يا جماعة. هستأذن أنا بقى عشان ورايا نبطشية.
لم يُعارضه أحد فقط هي شعرت بالشفقة عليه لتقوم من مكانها و تتبعه لتتجمد بمكانها حين سمعته يُجيب على هاتفه قائلًا
أهلًا يا شيري.
جملته كانت كالسهم نفذ إلى أعماق قلبها الذي لم يعد به ركنًا خالياً من الجراح التي آنت عليها دفعة واحدة لتتراجع إلى الخلف بهدوء مثلما أتت و ملامح وجهها كانت كالساحة التي اجتمعت بها جميع خيبات العالم.
حاجة رضا. أنا بعتذرلك بالنيابة عن أختي. أنتِ طول عمرك عايشة معانا و عارفة طباعها كويس، و للأسف محدش فينا هيقدر يغيرها.
رضا بهدوء
عارفة يا خالد يا ابني، و كتر خيرك عشان اللي قولتهولها.
خالد بنبرة صادقة
أنا مكذبتش. أنتِ فعلًا ربتينا كلنا، و ليكِ فضل علينا محدش يقدر ينكره، و مرة تانية بجدد اعتذاري ليكِ و للحاج عزام.
علي الرغم من محاولته لتصليح الأمر إلا أن الإهانة لن تُمحى أبدًا، و قد تجلى ذلك في ملامح كُلًا من أشجان و آسيا التي استأذنت لدخول الحمام، فلحق بها كمال الذي كما توقع وجدها تغلي من الغضب ليحاول احتضانها وهو يقول
حقك عليا. والله ما هعدي اللي حصل دا على خير.
جذبت نفسها من بين ذراعيه وهي تهتف بانفعال
هتعمل ايه؟ هتمحي الأهانة اللي اتعرضولها أمي و أبويا؟ ولا هترجع الزمن لورا؟
كمال بنبرة هادئة
آسيا.
بلا آسيا بلا زفت. خالد رد عليها و وقفها عند حدها. لكن انت فين؟ ساكت وكأن اللي بتتهان دي مش ام مراتك!
هكذا هتفت بحنق قابله كمال بالجمود الذي كان يحاول أن لا يخرج عن طوره حتى لا يتشاجران
و عشان خالد اتكلم أنا سكت. احتراماً ليه كان لازم أسكت، و أنتِ شوفتي هو رد عليها ازاي؟
اومأت برأسها بتهكم تجلى في نبرتها حين قالت.
احترامًا ليه؟ أه! قولتلي! طيب المرة الجاية لما تطرد أهلي هبقى اطلع اجري على خالد ماهو انت راجل محترم...
قاطعها بحدة أفزعتها
آسيا. خلي بالك من كلامك. أنا مش عيل صغير، و مكنش ينفع اعمل مشكلة قدام الناس. مش كل الأمور بتتحل بالخناق، ولا انا لما ازعق و اشتم كدا بجيبلك حقك.
صمت لثوان يتابع ملامحها التي خيم عليها الغضب المُريع ليُتابع بجفاء.
دي اول و آخر مرة هسمحلك تتكلمي معايا بالطريقة دي، و خليكِ عارفة أن الإهانة اللي بتتوجهلك أنتِ أو أهلك بتعدي عليا قبلك، وأنك مش محتاجة تجري على حد وأنا موجود.
أنهى جملته و التفت يغادر المكان دون أن يستمع إلى ندائاتها لتقوم بضرب أحد العبوات الموضوعة على الطاولة الرُخامية وهي تسُب نبيلة بشتى أنواع السُباب.
اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، و العجز و الكسل و البخل و الجبن، و غلبة الدين وقهر الرجال.
كانت تجلس أمام التلفاز بعقل شارد في البعيد لا تعلم كيف تُبرم أكثر هذه العُقدة التي أن انحل وثاقها سوف تسقط في بئر عميق لا مخرج منه سوى بموتها، فهل تبقى لحياتها معنى أن فقد القلب أحد بُطينانه؟
زفرت بتعب وهي تضع رأسها بين كفوفها بأسى ولوعة، وقلب يقتات عليه وحش الندم الذي لا يرحم. ليأتيها صوت جلادها الذي جعل الدماء تتجمد في عروقها وهي ترى عماد الذي دلف إلى المنزل بعد أن فتحت له الخادمة ليُشيعها بنظرات الخسة و هو يقول باحتقار
ازيك يا ام حمادة! يارب تكوني بخير دلوقتي بعد اللي عملتيه!
تشكلت غصة صدئة بحلقها حين استمعت إلى كلماته التي سرعان ما تبرأت منها، وهي تقول بارتباك.
أنت بتقول اي؟ أنا مش فاهمة حاجة!
عماد باحتقار
مالوش لزوم الإنكار. مها حكتلي على كل حاجة، و قالتلي أنك ساومتيها يا تكذب على غنى و توقع بينها و بين ياسر يا اما مش هتساعديها تنزل الحمل!