رواية حورية وشيطان للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل الثاني والأربعون
بعد مرور بعض الوقت الذي لم تدرك كم مر منه استفاقت ببطء وازعجها رائحة الدهان الذي تبدو حديثة الطلاء، فتحت عيناها لتجد نفسها على اريكة بمكتب كبير وكأنه قد اثث قريباً، اعتظلت ببطء حتى وقعت عيناها على ذات العينان الذي كانت سبب اغمائتها، ابتسم عز ابتسامة واسعة، يبدو وكأنه أكثر سعادة مما يبدو أيضا بما يلتمع بعيناه من سعادة، قال ناظرا لوجهها بتفحص: -
الف سلامة عليكي.
قطبت حاجبيها بضيق من نظراته التي وكأنه شريط سنيمائي يعيد ذكريات اليمة، قالت: -
أنا جيت هنا أزاي؟!
نهض من مقعده وسكب بعض المشروب من زجاجة بثلاجة المكتب الخاص بعيادته التي كان يجهزها منذ سنة ماضية واقترب اليها قائلا: -
اشربي العصير ده
رمقت الكوب بيده ثم رفعت عيناها اليه بنظرة قوية وهتفت برفض: -
لأ مش عايزة
وضع الكوب أمامها على طاولة وقال بابتسامة: -.
اولًا دي عيادتي، ثانياً أنتي اول ما شوفتيني اغمى عليكي، ثالثا بقى اكيد ماكنتش هسيبك كدا، جبتك هنا لحد ما فوقتي، خوفت عليكي أوي
ابتلعت ريقها وكرهت هذا اللقاء الذي وضعها مجددا بيد هذا المغرور وتذكرت ياسين بألم، نهضت من مقعدها وبحثت عن الدواء الذي كان بحوزتها ليقل عز مشيرا للأقراص: -
العلاج اللي كان معاكي جنب العصير
نظرت للأسفل فلمحته واخذته سريعا وتوجهت لتخرج دون حتى أن تشكره ليلحقها قائلا بضيق: -.
أنتي اسمك ايه؟
قالت بعصبية: -
ليه؟
تعجب من غضبها منه والمفترض أن تكن ممتنة له! قال: -
سألتك قبل كدا وما جاوبتنيش، اسمك ايه؟
احتارت تخبره بأي منهم هل تخبره برحاب أم حورية أو ياسمين، قالت: -
اسمي، ياسمين
ابتسم وهو يتطلع بعيناها المميزة بجاذبية مثيرة: -
ياسمين، اسم جميل زي صحبته
لم تطق أن تقف بجواره أكثر من ذلك فقالت: -
شكرا.
خرجت من المكتب وهي تركض وكأن هذا المكان مليء بالوباء، خرج خلفها مدهوشا من غضبها منه دون سبب!
خرجت للطريق والآن لو رأت ياسين لكانت ركضت اليه بدلا أن تهرب منه ولكن الحياة تخالف الظنون دائما، فكأنه تبخر من الحياة لم يبقى له وجود وبدلا أن يبحث عنها بحثت عنه بالطريق، التمعت عيناها بحزن وهي تردد اسمه ثم انتبهت لصوت عز مجددا: -
بدوري على ايه؟!
صرت على اسنانها بغضب والتفتت له وهتفت: -
وانت مااالك.
اطرف عز عيناه بصدمة من طريقتها واسلوبها معه حتى اوقفت سيارة اجرة وذهبت من امامه ببساطة وبأقل من دقيقتين!، وكأنما حلما واستيقظ منه، قطب جببنه بشدة من حدتها الغريبة معه وهو من كان سيقفز فرحا عندما رأها!
صلِ على النبي
فتحت قمر باب الشقة وقد كانت على بُعد دقائق حتى تخرج وتبحث عن شقيقتها فوجدت حورية تدلف بوجه يتصبب عرقاً فقالت قمر بقلق: -
اتأخرتي كدا ليه يا حورية قلقتيني عليكي؟!
تهالك جسد حورية المرتجف على الاريكة وبدأت تجهش بالبكاء وبدأت تروي ما حدث لها...
مرت دقائق حتى شعرت قمر بأنها مصدومة من هذه الصدفة فقالت: -
صدفة اغرب من الخيال، ومن بين كل الاماكن تدخلي عيادة عز الدين، والمفروض أنك كمان بتستخبي من ياسين!
مسحت حورية عيناها وقالت: -.
لما شوفته حسيت انه موجوع، مش ده ياسين اللي سيبته من يومين، كان بيدور عليا بلهفة غريبة، فجأة لقيت عز قدامي ولما فوقت لقتني في عيادته، انا بكره نفسي اوي وحاسة اني خاينة
واستها قمر وقالت: -
هو انتي كنتي تعرفي أن عيادة عز في المكان ده!، ده المصيبة كمان انها قريبة من هنا أوي...
حورية بتيهة: -
كنت بهرب منه مش عارفة ليه ولما خرجت من عند عز كنت عايزة اهرب ليه، لو شوفته ساعتها والله كنت جريت عليه...
قمر بحيرة وتعجب: -
ليه لما بتشوفي عز بتحتاجي لياسين يا حورية؟
هزت حورية رأسها ببكاء: -
مش عارفة بس بحس بكدا...
ربتت قمر على كتفيها بحنان وقالت: -
طب امسحي دموعك عشان تستعدي لبكرا. بكرا اهم يوم...
الحمد لله
مساءً...
وقف بشرفة غرفته متأملا الليل بكأبة مماثلة، لمعة عيناه الحزينة منذ فراقته لم تهجر مقلتيه، كاد أن يجن من سبب ابتعادها وهروبها منه! ارسلها لها رسالة أنها لو رأته تهرب منه فأستجابت القاسية، قال بحزن: -
ما مفهمتيش من كل االي قولتهولك غير آخر رسالة، أنتي أزاي بقيتي كدا يا حورية؟! بتهربي مني تعاقبيني ولا بتهربي خوف؟
اغمض عيناه بحزن قاتل وابتلع ريقه بغصة تقف بحلقه من مرارتها...
استغفر الله
باليوم التالي...
أمام ذات المبنى الذي شهدت به اقسى الليالي، رمقت المكان جيدًا قبل أن تدلف وتبدأ اولى خطواتها...
وصلت بالمصعد عند الطابق الثالث واستعلمت من احد الممرضات عن غرفة باسم مريض يدعى نادر رأفت فأخبرتها الممرضة غادة باتجاه الغرفة مع نظرة متفحصة، توجهت حورية اليها ثم فتحتها ببطء...
وقفت تتأمل شاب يبدو أنه في الثلاثين من عمره ذات وسامة لا بأس بها، دلفت للداخل وراقبت حركة جفونه بحذر، حتى ظهر محمود بعد دقائق عندما اخبرته للممرضة غادة بوصول زائر جديد لغرفة نادر...
ابتسم لها مرحبا: -
اهلا بأنسة بياسمين؟
اجابته بابتسامة بسيطة كتحية: -
اهلا بيك يا دكتور
نظر محمود لباب الغرفة ثم اقترب الى نادر قائلا بهمس: -.
معلش يا نادر قصدينك في خدمة، دي هتبقى خطيبتك موقتاً وهتيجي تزورك كل يوم واحياناً هخليها تبات معاك ببرنامح انا عمله ليك مخصوص، استحمل بس معايا الكام يوم دول
تعجبت حورية وقالت: -
هو سامعك؟
فتح نادر عيناه بقوة حتى ابتسم محمود قائلا: -
اهو جاوبك، هي دي اجابته، بيفتح عنيه وبيغمضها
قالت حورية لنادر: -
معلش هنتقل عليك الفترة الجاية يا نادر...
رمقه محمود بضحكة: -
لأ صاحبي مضياف وبيحب اللمة...
دلفت ميرنا للغرفة بهذا الوقت لتجد محمود وحورية يتشاركون الضحكات لتنظر لهم في صدمة: -
السلام عليكم، شكلي جيت في وقت مش مناسب!
هرب محمود بعيناه من ميرنا وقال بملامح جامدة: -
اتفضلي يا انسة ميرنا...
التمها نبرته وهي من اتت اليه لتتحدث معه وقالت دامعة: -
لا خلاص، أنا هرجع اوضتي، حاسة أني دايخة.
رفع محمود عيناها اليها بقلق ولكنه لم يتحدث وراقبتهم حورية بصمت، حيث أنها تأملت ميرنا بشعور غريب من ملامح سليهة لملامح تعرفها
خرجت ميرنا من الغرفة مرة أخرى وتوجهت لغرفتها مرة أخرى وتركت لدموعها العنان...
قالت حورية بتعجب: -
حسيت انها هتعيط؟
زفر محمود بقوة وقال: -
هبقى اروح اشوفها
قالت بغموض: -
طب ممكن اروح معاك، اصلها صعبت عليا
قال محمود بموافقة: -.
مافيش مشكلة، كدا كدا هنتجمع عشان حصص نادر بتاعت الرسم، هاخدك ونروحلها كأني بعرفك عليها عادي الامر مافيهوش أي شك، واصلا فاروق مش هنا...
شعرت حورية بالراحة في ذلك ليقل محمود: -
هجبيلك كتب تقريها وانتي قاعدة جنب نادر عشان تتسلي بيها وماتحسيش بملل...
شردت حورية بشيء ليهتف محمود: -
روحتي فين؟
نفت حورية الأمر وقالت: -
خلاص ماشي...
مر الوقت باليوم الأول ولم يكن الأمر بهذه الصعوبة مثلما اعتقدت ولكنها تحسبت رؤية عز وشعرت بكره شديد في رؤيته مرة أخرى...
خرجت حورية مع محمود وتوجهوا لغرفة ميرنا، تطلعت اليهم ميرنا ببغض ودهشة حيث عرفها محمود قائلا: -
دي آنسة ياسمين، خطيبة نادر
اتسعت عين ميرنا بذهول وهي تردد ليبتلع محمود ريقه بغضب، وقال وكأنه أراد استفزازها: -.
هروح امر على كام حالة يا انسة ياسمين وهاجي اخدك عشان اتكلم معاكي شوية على انفراد...
رمقته ميرنا بعصبية دون أن تتحدث ليتجاهل نظراتها ثم خرج من الغرفة وتركهم...
ابتسم حورية لها وقالت: -
اسمك جميل
اجابت ميرنا بجفاء: -
شكرا
شعرت حورية بأنها غير مرحبة بها خصوصا تحت هذه النظرات العدائية من ميرنا!، رمقتها ميرنا بغيظ ونظرت لكوب العصير بجانبها بمكر وقالت: -
كشكول الرسم بتاعي وقع تحت السرير ممكن تشفهولي؟
ابتسمت حورية بلطف وقالت: -
حاضر
اقتربت من فراش ميرنا واخفضت رأسها اسفل الفراش لتوقع ميرنا الكوب على ثياب حورية متظاهرة أن الامر مصادفةٍ وقالت باعتذار: -
اسفة ماكتش قصدي
استقامت حورية ونظرت لثوبها بضيق ولكنها لم تريد أن تشعر ميرنا بهذا فقالت بهدوء، هروح الحمام انضف هدومي، معلش لو اتأخرت لأن هدومي تقريبا اتبهدلت.
حاولت ان تبتسم ثم توجهت للحمام، رمقتها ميرنا بمكر ونهضت من الفراش ثم خرجت من الغرفة وتوجهت لمحمود بالطابق الثالث...
مثل النيران يكن هو الحب، ومثل رمادها الملتهب يكن الانتقام...
حجرة خاصة بداخل المشفى جدرانها مطلية باللون الازرق الفاتح ومزيجا آخر من اللون الابيض، تفوح رائحة الأدوية بها بعض الشيء ورحيق عطر انثوي يبدو أنه من اغلى الماركات. بعد أن دلفت للحمام الخاص بالغرفة حتى تنظف ملابسها من بقع العصير ولم تضع احتمال بدخول احدهم حتى اغلقت الباب الذي كان نصفه من الزجاج تقريباً...
دلف عز كعادته للغرفة حتى يتطلع على التقرير اليومي لحالة ميرنا ليجد الغرفة فارغة إلا من صوت يصدر من الحمام الذي على يمينه فنظر الى الباب ليرى ظل فتاة بشعرها الطويل الذي يتدلى بغنج وكأنهاتبدل ملابسها، مجرد ظل جعله يتسمر مكانه للحظات، مجرد خيال جعله لم يستطع الالتفات لاي شيء سوى حركة هذا الخيال الانثوي، لتخرج حورية فجأة ولم تدرك أن احدًا بالخارج لذلك كانت مطمئنة بعض الشيء، اطراف الحجاب المبتلة بسبب العصير لم تجعلها تستطع لفه على رأسها، خرجت بعفوية لتتقابل عيناها بعين حبيب الماضي وعدو اليوم، خرجت وخصل شعرها الشديد السواد تركض على وجهها بتمرد، والعين الثرية بالجبروت الساحر الناتج عن لعنة الانتقام بقلب حواء.
كيف تكن ردت فعله بعد رؤية هذا الجمال الذي سلب عقله وانفاسه منذ أول لقاء بينهم؟..