رواية حورية وشيطان للكاتبة رحاب إبراهيم الفصل التاسع والأربعون
ترجلت حورية من السيارة وانتظرت عز حتى ابتعد بسيارته لتسير بالطريق باكية مع المطرة التي تزداد قسوة حتى جذبتها يد من معصمها، يد كانت قاسية بقدر قسوة عيناه، ارتجف جسدها وهي ترفع رأسها ناظرة اليه، عيناه الثاقبة تخبرها أن على شفا الانفجار، تحدث بتبرة تنذر بشيء خطير وقطرات المطر تتساقط على رأسيهما، هتف بعنف: -
أنتي عايزة ايه بالضبط؟! وعايزة مين؟ وبتعملي ده كله ليه؟
ابعدت يده عن معصم يدها ببكاء ثم ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تقل: -
ارجع لمراتك وابنك يا ياسين، أنت اخترتهم، وأنا قبلت اختيارك واعترفت أنك وجعتني، المفروض أنا اللي اسألك ليه مصمم أنك تعذبني اكتر؟! المفروض أنك بتحبني واللي بيحب ما بيوجعش اللي بيحبه!
ضيق عيهاه بألم لينثر شرر متطاير من الغضب بمقلتيه فصاح: -.
مابيوجعوش طول ماهو حاسس بيه، لكن أنتي شيفاني بموت وساكته. شيفاني بمدلك ايدي وبتبعدي وانا مش عايزك بعيدة، عايزك اقرب ليا من روحي...
رقت عيناه ونبرته ونظر لها بعشق قائلاً: -
خدي عمري كله، بس وأنتي جانبي، خدي مني اللي يرضيكي بس ما تبعديش انا بحبك
كانت ترتجف من شدة البرد وقد لاحظ ذلك، خلع معطفه الاسود والقاه على كتفيها بنظرة عاشقة، أردف: -.
أنا بحبك لدرجة تخطت الجنون، مابقتش حاسس بالحياة من غيرك، عارفة يعني ايه ابقى مستعد أنسى كل شيء وابدأ صفحة جديدة معاكِ؟
نظرت له بألم واجابت بعصبية: -
أنت اللي وصلتني لكدا، أنت اللي قولتلي وافقي على اللي هيقولهولك عز، أنت اللي ورا اللي حصل النهاردة، وفي الآخر الاقيك هترجع لطليقتك؟! يعني بدل القلم قلمين! المفروض اعمل ايه وقتها؟
ضيق ياسين عيناه بحدة واجاب: -.
أنا فعلا عزمتك أنتي وعز بس ما عرفش موضوع الخطوبة ده ولا حتى كنت ناوي ارجع لطليقتي هي اللي قالت كدا وانا اصلا مستحيل ارجعلها، اه جبتها لكن مش عشان رجوع، حورية أنا حضني مش هيضم غيرك ولا هقدر حتى احب تاني، عنيا مش هتشوف بعد عنيكي
ترقرقت عيناها بدموع أكثر وقد اطمئن قلبها له من جديد ولكن امر الاعتراف غير جائز الآن، قالت برجاء: -.
ياسين، احنا لازم نبعد الفترة دي وارجوك ما تطلبش مني اي اجابة، وامانة في رقبتك أن عز مايعرفش ان اسمي حورية لأنك كدا ممكن تضيعني...
قاطعها بقسوة وزم شفتيه بغضب صائحاً بها: -
يعني ايه؟ يعني بعد ده كله ولسه مش مقتنعة، بس أنا اللي غلطان لأني.
حبيتك بكل حاجة فيكِ، الضعف قبل القوة، بس يوم ما قويتي. قويتي عليا، ورغم جرحك ليا اللي حاسس أنه هيدمرني ويقضي عليا، بعترف أني لسه بحبك، يمكن حبيتك أكتر. يمكن ده عقابي أني وثقت فيكِ، أو ذنب عملته، كان ارحم أنك تعذبيني وأنتِ جانبي بس ما تمشيش، كرهتك مرة، بس بعشقك الف مرة، قدامك حل من الاتنين. يا تحبيني يا تموتيني...
كادت أن تجيبه ليهتف صوت آخر قد استمع عند اقترابه للجمل الآخيرة فقط: -.
ماكنتش متخيل يا ياسين أننا نحب نفس البنت بس طول عمري كنت بعتبرك مثلي الأعلى اللي ما بيكدبش ولا بيداري وعارف الصح من الغلط، انما دلوقتي أنت كسرت بإيدك ده كله وان كنت مابقتش عايز اعرفك فأنا مش هتخلى عن البنت الوحيدة اللي حبيتها...
اتسعت عين حورية بجمود الصدمة وهي تنظر له خوفاً ان يكون استمع لها وكأن صوتها اختنق بحلقها لم تستطع النطق بينما ياسين وكأنه قبل التحدي أو ربما حمد القدر على هذه المواجهة، قال: -
الحكم ليها يا عز
هتف عز بغضب: -
نظراتك ليها كانت محيراني وحتى كلامك كان غريب، الصدف رجعتني في نفس الدقايق تاني عشان اديلها شنطتها اللي نسيتها في عربيتي، والاقيها معاك، اللي لازم اعرفه حالاً، أنتوا تعرفوا بعض أزاي؟ ومن امتى؟
نظرت حورية وقد شحب وجهها بخوف لياسين وفهم نظرة الترجي بعيناها فصمت، قالت حورية: -
كنت بشتغل سكرتيرة عنده في المركز...
تطلع ياسين اليها بحيرة وفهم أنها لا تريد اخبار عز بأكثر من ذلك وهذا ما حيره كثيراً ولكنها حملته امانة عدم الافصاح فرغماً عنه سيصون الأمانة...
عز اشار لياسين بعصبية: -
هي دي البنت اللي كنت هتتجوزها وفجأة قولتلي أن الموضوع انتهى؟!
اجاب ياسين بثقة: -.
اه، بس الموضوع ما انتهاش، على الأقل معايا.
ابتلعت حورية ريقها بخوف حتى لمحت فجأة فهد وهو بداخل سيارته على بُعد مسافة ليست بعيدة ولكنه بمواجهتها ولشد انشغال عز وياسين بالتحدي لم يلمحوا ذلك المراقب للمشهد، رفع فهد سلاحه واشهره بإتجاه ياسين وهز رأسه بالنفي لتضيق حورية عيناها بحزن وقد فهمت أنه يريدها أن لا تأخذ مسار حبيبها، ترجته بنظرة متوسلة ولكنه اشهر السلاح بإتجاه ياسين مرة أخرى ليردد عز سؤال قاله ولكن حورية لم تستمع اليه لأنشغالها مع نظرات فهد، قال: -.
اختاري يا ياسمين، أنا ولا هو؟ أنا عارف اني همشي من هنا ويأما هكسبك يأما هخسركم انتم الاتنين، بس أنا مش زعلان على خسارته لأنه وقع من نظري...
رد ياسين بحدة: -
أنت خسارتك مكسب يا عز، لأنك مغرور وأناني ولا ناسي البنت اللي انتحرت بسببك...
شعرت حورية بمرارة وكره تجاه الذي يقف بجانبها وكأنه له الحق فيها ويتحدى، قال عز سؤاله لمرة أخيرة وبغضب حتى تمنت حوؤية أن لا تفعل ذلك ولكنها لابد أن تختار بين قربه وهلاكه، أو بعده ونجاته، قالت وحاولت أن تكن ثابته: -
عز، هختار عز الدين
حملق ياسين بصدمة جلجلت قلبه الذي كان أن يتوقف، لم تستطع النظر له فاستدارت وهي على وشك البكاء وقالت: -
عايزة امشي من هنا...
ابتسم عز وكأنه ربح اغلى جائزة بالكون وقال وهو يشير لسيارته: -
تعالي هوصلك
ابتعدت معه خطوتين وتركت ياسين فاغر فاه من الصدمة ليستفيق آخيراً بغضب لم يشعر به من قبل...
أمانه ودين عليا أنك هتكوني ليا ومش ليا، وفي اليوم ده هقولك اقصد ايه، روحي معاه، هرجعك بس مش عشان بحبك، هرجعك عشان انتقم منك...
ركضت الى سيارة عز ودخلتها وكأنها لصة هاربة، ليجلس عز بجانبها وحرك سيارته مبتعدا بعد أن رمق ياسين بنظرة قوية ومتحدية...
صلِ على النبي
بعد مرور بعض الوقت، اوقفته حورية مرة أخرى ليقل: -
المرادي لازم أعرف بيتك فين؟
قالت بتيهة: -
عز، أنا مش قادرة اتكلم ولا اتناقش في شيء، وبعدين أنا قولتلك أن ماينفعش حد يشوفني معاك على الاقل ومافيش بينا شيء رسمي...
نظر لها عز وقال: -.
اللي حصل ده صدفة غريبة يا ياسمين! محتاج أعرف تفاصيلها بس انا مقدر أن مش هينفع دلوقتي، مستنيكي بكرا في المستشفى يا حبيبتي...
وقعت هذه الكلمة بشعور منفر غريب على اذناها لتخرج من السيارة وسارت بالطريق ولم تغفل عن حقيبتها هذه المرة، ابتعد عز بعد أنا اشار لها مودعاً، ركضت حورية للمنول الذي به قمر حتى صعدت كاتمة بكائها وقرعت الباب بحدة، بقلم رحاب إبراهيم، مر دقيقتين حتى فتحت قمر الباب بحذر لتتفاجئ بشقيقتها وهي ترتمي بين ذراعيها باكية بحرقة...
قالت قمر بخوف: -
مالك يا حبيبتي حصل ايه؟!
كادت أن تغلق الباب وتجلس حورية التي تكاد تسقط حتى دلف فهد بنظرات حادة، وهتف: -
عشان كدا قولتلك تبعدي من الأول وما سمعتيش كلامي، ماكنش لازم عز يعرف حاجة عنك وعن ياسين ابداً غير لما المهمة تنتهي
نظرت له حورية بعصبية وقالت: -
كل حاجة أنت كنت عارفها أنا ماخبتش عنك حاجة، حتى المقابلة قولتلك عليها ووافقت أني اروح...
فهد بسخرية: -.
انا سمعت بطريقتي كل الحوار اللي دار ما بينكوا، وماكنش لازم تتفلسفي اوي كدا وتخلي عز يشك فيكي، أنا قولتلك خلي بالك وتجاهلي ياسين على اد ما تقدري، لكن طبعا ما عرفتيش لأ وكمان حبيب القلب حصلكوا بالعربية لحد ما جالك بعد ما نزلتي من عربية عز، لو كنتي حذرة اكتر من كدا كنتي على الاقل رجعتوا شقته واتكلمتوا وماكنش عز هيشوفكم لكن واقفين في الشارع واي حد ممكن يشوفكم ويسمعكم، أنتي الغلطانة، بقلم رحاب إبراهيم.
ربتت قمر على شقيقتها وقالت لفهد بحدة: -
أنت مش شايف حالتها عاملة أزاي؟!
زفر فهد بعصبية وقال لحورية التي كانت تبكي بحرقة: -
بكرا تروحي المستشفى وهتباتي هناك، عشان عايز الاوراق اللي في مكتب فاروق، المفاتيح هتلاقيها مع عز، أنتي تقدري تنهي المهمة دي بكرا لو جبتيلي كل اللي في خزنته...
استمرت حورية في بكائها ليقل فهد: -
بعد ما كل شيء ينتهي هفهمك عملت ده كله ليه...
استدار وخرج من الشقة مغلقا الباب خلفه...
قالت قمر بحيرة: -بقلم رحاب إبراهيم
أنا مش فاهمة حصل ايه احكيلي؟
نهضت حورية وقالت: -
أنا لازم اشوف ياسين انا مش قادرة انسى صدمته، هروحله
الحمد لله
بشقة ياسين...
وقف أمام باب شقته الذي للتو فتحه ونظرا للشقة جيدا وكره أي شيء يشير اليها وود لو يحرقها كاملةً بجميع محتوياتها حتى لا تذكره بها، رمق حقيبتها التي لم تفرغ محتوياتها فحمل الحقيبة والقاها بغضب على الأرض بقوة حتى تأذت يداه وتساقط منها قطرات الدم، بينما فتحت الحقيبة التي تركتها حورية بغفلةٍ منها مفتوحة قليلاً وهي تخرج الرداء، ليرمق وهو يضغط على جرحه بنظرات شرسة تلك الصور الخاصة بها، نظر للصور الذي من المفترض انها كانت بمكتب د. سارة ولكنه لم يصدم هذه المرة من غدرها وسرقتها له، توجه للمطبخ وأتى بقداحة ليشعل النار بصورها كاملة...
وقف يتأمل النيران التي تشتعل على الأرض ولم يعير أي اهتمام لأن تنجذب النار لأي شيء بالاثاث، وقف متأنلا وهج النيران المماثل لنيران قلبه وسقطت دمعة رغما عنه من عيناه، اغمض عيناه بقهر وهو يتذكر ذلك المشهد اللعين الذي طعنه طعنة لا شفاء منها...
ظل هكذئا لفترة لا يعي شيء حوله لتطال النار حافة الاريكة...
ركضت حورية للمبنى ودلفت المصعد سريعا لتقف أخيرا على باب الشقة الاي تندلع منه الادخنة فاتسعت عيناها بذعر، دفعت الباب الذي تركه ياسين مفتوحاً لتجده جالساً يشاهد تلك الرداء الاسود الذي اهداها به ذات يوم وهو يشعل به النيران بعدما اطفأ ما طالته الاريكة، لم تعي حورية ذلك بل ركضت اليه وجذبته بعيداً وهي تصرخ حتى نظر لها بعنف وصفعها صفعة مدوية على وجهها قائلا: -.
جاية تاني لييييه؟ جاية تشوفيني وانا بدمر؟ انا هدمرك أنتي الأول
صرخت به: -
انا جيت خوف عليك، جيت عشان احكيلك كل حاجة
نظر لها نظرة طويلة ثم اغلق باب الشقة والتفت لها بنظرة عنيفة تحمل من الانتقام ما جعلها ترتجف وتبتعد عنه، تلعثمت: -
ياسين اسمعني، لا يا ياسين أنت مش كدا، مش هتأذيني.
انتفخت عروق رقبته مما دل على شدة غضبه وهو يقترب لها بتوعد، امطرت عيناها دموعاً كثيفة كلما اقترب منها وهو بحالة الثورة هذه، قالت بخوف: -
مش ههون عليك تأذيني، ابعد يا ياسين عشان ما تخسرنيش للأبد
كان على بُعد خطوة منها حتى صرخت بعدما قبض على معصمها وتلوت بصراخ بين يده: -
مش عايزة اكرهك. سيبني
قال بعنف: -
عارفة يعني إيه الحرب الصامته؟
يعني تنتهي بالبطيء. يعني تتوهي جواكي وماتعرفيش تنقذي نفسك. ايوة هعمل فيكي كدا. كنت في سلامي عايشة جوايا في اجمل مكان فتحتهولك، قلبي، مافتحتهوش لحد غيرك، زي ما وعدتك قبل كدا امسح دموعك بوعدك دلوقتي أني ابكيكي، هندمك على خسارتي، هخونك وقدامك، هخليكي تعرفي يا حورية أنك اخترتي الشخص الغلط وقسيتي عليه، كل اللي فات انسيه ومن النهاردة، أنا بكرهك وحالف لوجعك، عارفة قلبي؟ ورحمة قلبي لانتقم منك.