رواية حلم سندريلا للكاتبة علياء حمدي الفصل التاسع
و حيث انه دائما تأتى الرياح بما لا تشتهى السفن اضطر فارس للسفر لعده ايام بسبب العمل و لم يستطيع التأجيل للاسف مما سبب الاحباط و الحزن لسلمى فاحتجزت نفسها بغرفتها بعيدا عن شغب الفتيات بالخارج.
جلست شذى مع حنين و جنه بالحديقه يتهامسون عن كيفيه اخراج سلمى من حاله الحزن التي لا تليق بها مطلقا.
تفكير و تفكير، تخطيط ثم فكره و قرار عندما هتفت جنه: خروجه. سلمى بتحب الخروج.
مطت شذى شفتيها بسخط متمتمه بضيق: و انا هخرج ازاى يا جنه و ابيه عاصم لسه زعلان منى و مش بيتكلم معايا اصلا!
نظرت جنه لحنين التي شردت بعيدا عنهم قليلا و هتفت بها لتنتبه لهم قائله: حنين تقنعه.
نظرت اليها حنين بسذاجه ثم ضحكت باستهزاء هاتفه بنفى: انسى. انا مش هتكلم مع عاصم عن خروج ابدا.
تدلى كتفى شذى باحباط و هي تعقد ذراعيها امام صدرها هاتفه و هي تودع الفكره: و انا كده كده مش هعرف اكمله. هنعمل ايه بقى!
صمتت جنه و نظرت ارضا تفكر بينما تبادلت شذى و حنين النظرات و قد خطر لكلاهما نفس الفكره تقريبا عندما تبادلا الابتسامات ينظروا لجنه حتى رفعت رأسها لتُفاجأ بنظراتهم التي تعجبتها قليلا ثم سرعان ما خمنت ما يريدون فهتفت بسخريه: نعم. لا انسى خالص انا مليش دعوه و مش هتكلم مع البنى ادم ده ابدا.
رسمت شذى اكثر وجوهها براءه و رمشت بعينها بطفوليه لتهتمس برجاء: بليييز يا جنه علشان خاطر سلمى.
رفضت جنه مجددا و هي تهمس كأنها تحدث نفسها: هو اصلا هيسمع ليا بتاع ايه؟ و بصفتى مين؟ لا مليش دعوه انا مش ناقصه خناق و زعيق النهارده كمان.
ابتسمت حنين بهدوء هامسه لها تحاول اقناعها: علشان خاطرى يا جنه و ان شاء الله مش هيزعق.
و قبل ان تجيبها جنه ارتفع رنين الهاتف بجيب عبائتها فانتفضت تدفعه عنها بخضه فضحكت كلا من حنين و شذى عليها ثم هدأت و امسكته واجابت فوصلها صوت زهره تطمئن عليها فابتسمت جنه و هي تتحدث معها بسعاده حتى هتفت زهره و اخذت تدعو لها كثيرا و هي تقول بشكر و امتنان: ربنا يبارك في عمرك يا بنتى انا كويسه خالص و الممرضه بتهتم بيا كتر خيرك تعبتِ علشانى.
عقدت جنه حاجبيها متسائله بدهشه: ممرضه!
فأجابتها زهره و كانت مفاجئه و هي تحكى لها عن تلك الممرضه التي ذهبت لمنزلها في اليوم التالى ليوم وجود جنه عندها و قالت ان جنه من ارسلتها.
فأمسكت جنه لسانها قسرا حتى لا تخبرها انها لم ترسل أحدا حتى لا تُقلقها فألقت اليها بكثير من السلام و اغلقت الخط معها.
هاتفت ليلى اثناء وجودها بعملها و استفسرت عن الامر ربما تكون ليلى من فعلت و لكنها نفت ذلك و اخبرتها ان تسأل عاصم لربما يعرف عن الامر.
ترددت قليلا و فكرت في تجاهل الامر و لكن كيف تفعل و ربما يعود هذا الامر على زهره بالضرر او الاذى. نهضت لتدلف لتبحث عنه و تسأله و لكن قبل ان تفعل حانت منها التفاته لشرفه غرفته لتجده واقفا بها ينظر اليهم و يبدو انه يقف من مده فارتبكت قليلا ثم نهضت ووقفت اسفل الشرفه رافعه رأسها اليه فنظر لها بتعجب فظهر الحرج بوضوح على ملامحها و هو تقول بتوتر و كم تبغض ان تفعل هذا: عاوزاك في كلمتين لو سمحت.
رفع احدى حاجبيه مستنكرا مع ليه شفاه ساخره و تركها و دلف. فعقدت جنه حاجبيها متعجبه ثم نظرت لحنين خلفها متسائله بحيره و ضيق: افهم انا ايه كده! هينزل و لا لأ يعنى!
كتمت حنين ضحكه و هي تضغط شفتيها بقوه محركه كتفيها لاعلى علامه جهلها عما يقصده برد فعله هذا.
فجلست بجوارها تذم فيه و حنين تضحك على غضبها بانطلاقه. و بعد القليل من الوقت نهضت لتدلف للداخل مع حنين و شذى و لكن اوقفتها ام على لتحدثها فتحركت الفتيات للاعلى بينما هي وقفت تستمع لما تقوله ام على التي هتفت لها برجاء: ممكن تعملي قهوه لكابتن عاصم بدالى!
فرغت جنه فاها متمتمه بتساؤل و هي تشير لصدرها بيدها: انا!
تذكرت ام على عندما طلب منها عاصم قهوته و سألها هو عن تلك المره التي اعدت فيها القهوه باختلاف عن سابقها و لم تكررها مره اخرى فأخبرته ان جنه من اعدتها ذلك اليوم فطلب منها بخبث جعلها تعدها له بدلا منها و واقفت هي بترحاب فهى ترغب بالخروج للتسوق مبكرا و ها هي تخبر جنه و لكن كيف.
استدعت وجه الارهاق و تمتمت: معلش يا بنتى اعمليها بدالى على ما اخرج اجيب شويه طلبات ضرورى للغدا.
كزت جنه على اسنانها بغيظ و كرهها له يزداد فهى طلبت منه التحدث معها و لكنه لم يجيبها حتى و هي ستعد له قهوته بل و تأخذها له بنفسها، و كم كانت ترغب بطلب الامر من حنين و لكن هي مهما اعتادت عليهم تظل مجرد عامله لديهم. حسنا ليس واجبها و لكنها ستفعله فقط لاجل تلك السيده العجوز.
وقفت بالمطبخ تعدها و هي تضرب قدمها بالارض بحنق هامسه بغل و ضيق: يعني اطلب منه اكلمه ميردش عليا حتي، و دلوقتى انا اللي اعمله قهوه! اعمل فيه ايه بس و الله حلال فيه احطله بدل السكر ملح او شطه حتى.
دا انتِ شايله منى قوى بقى!
انتفضت جنه شاهقه و هي تستدير لتتفاجئ به يقف امام الباب عاقدا ذراعيه امام صدره وعلى وجهه ابتسامه جانبيه و في عينيه نظره عابثه فزمت شفتيها ضيقا فمجرد النظر لوجهه يصيبها بالغضب و الضيق و للاسف الخوف.
تجاهل عاصم نظراتها التي اخفتها سريعا و هي تلتفت للموقد فقال متسائلا: كنتِ عاوزه ايه منى؟
اغلقت الموقد و رفعت القهوه لتضعها بالفنجان الصغير و اتجهت اليه اعطته اياه و قالت و هي تتحاشى النظر اليه: كنت بس عاوزه اسأل حضرتك بعت ممرضه لداده زهره؟
اخذ الفنجان من يدها و هو يجيبها بمراوغه متلذذا باحمرار وجنتها ارتباكا: الدكتور اللي بعت مش انا.
زفرت جنه بضيق اشد و هي تكره تحاورها معه و لكنها يجب ان تطمئن على زهره مهما كلفها الامر: بس يعنى حضرتك اللي طلبت منه!
رفع عاصم فنجان القهوه لفمه مرتشفا القليل منها ثم اجابها و مازال يراوغ: ست كبيره و كان لازم حد ياخد باله منها.
و هنا اطمأنت رغم غضبها منه و لكن يجب عليها شكره راغمه: جزاك الله عنها كل خير.
فابتسم لها مرتشفا من فنجانه مره اخرى هامسا بشغب و هو يحاوطها بحصونه السوداء لتنظر هي ارضا منتظره منه ان يقف جانبا لتستطيع المرور او يرحل مشكورا و لكنه تمتم بدلا من هذا: حلوه قوى.
عقدت حاجبيها خوفا و ارتباكا من نبرته الهادئه ببحه صوته الرجوليه و لكنها رفعت عينها اليه بضيق واضح فأردف بخبث: القهوه اقصد.
تجاوزت الامر رغم ان وجنتها لم تفعل و عبرت عن خجلها و هتفت بحده: ممكن تعدينى لو سمحت!
ابتعد عاصم عن الباب و هو يدرك ان تلك الفتاه لا تفعل شيئا سوا انها تفقده عقله، تجاوزته جنه و لكنها توقفت و هي تفكر قليلا ثم بأقصى ما تملك من قوه التفتت اليه مجددا هامسه: ممكن اقول حاجه؟
نظر اليها عاصم بترقب مانحا اياها اماءه بسيطه من رأسه فأخذت نفسا عميقا تنظر ارضا و هي تقول بحرج: اعتقد شذى اتعلمت كويس من غلطتها ممكن كفايه عقاب لحد كده. هي زعلانه جدا انك متضايق منها و انا مش حابه اكون السبب في خلاف زى دا بينكم.
ثم رفعت عينها اليه و لدهشته اختفت نظرات كرهها و نفورها منه لتحل محلها نظره رجاء فأخذ نفسها عميقا قائلا بصوته الخشن و نبره محايده: شذى غلطت في حقك و كان لازم تتعاقب و اشد من كده كمان.
فأسرعت جنه بتوضيح موقفها و هتفت بدفاع: انا مش زعلانه منها صدقنى. هي مهما كان لسه طفله و لازم هتغلط علشان تتعلم من اخطائها و دورنا اننا نوجهها للصح خصوصا انها بتحبك جدا و تجاهلك ليها صعب عليها.
تعلقت عيناه بها و هي يستمع لحوارها المنمق الهادئ و لاول مره يتحدثا معا بعقل و هدوء هكذا و كم راقه هذا، ارتبكت عندما لاحظت نظراته بل و صمته ايضا فأعطته ظهرها تشتمه داخلها مغرور و همت بالرحيل و لكنها توقفت مره اخرى متذكره رغبتهم بالخروج فزفرت بغضب مكتوم و عادت للخلف مجددا لتواجهه لتجده يبتسم و هي يرفع احدى حاجبيه متسائلا عما تريد هذه المره فهمست بخفوت خجل: انا اسفه بس ممكن اطلب طلب؟
استند على الحائط خلفه باستمتاع منتظر طلبها فارتبكت بشده مع نظرته و ابتسامته الذي حاول اخفاءها: البنات حابين يخرجوا بس خايفين يقولوا ليك لانك معاقب شذى و كده. ممكن تخرجهم؟
اتسعت عينه هي من تطلب منه ان يفعل شيئا لشقيقاته! عجبا!
اقترب منها خطوه ينظر اليها بدهشه مستمتعه متسائلا بنبره زلزلت جسدها خوفا و أشعرها بهدوء كلماته انها تمادت و تدخلت فيما لا يعنيها: و انتِ بقى مش خايفه و جايه تطلبى منى اخرج اخواتى!
كأنه يخبرها ببساطه انها لا تساوى اى شئ هنا و انها بالفعل تمادت فازداد ارتباكها و عادت خطوتين للخلف معتذره بما تبقى لها من احترام بعد كلمته: انا اسفه مش قصدى طبعا. انا بس حاولت اعمل حاجه تفرحهم. انا اسفه.
و تحركت من امامه مسرعه، فعقد حاجبيه ضيقا ربما هو تعجب و بشده انها هي ما تطالبه بشئ هكذا! و ربما تسائل داخله من تكون هي لتسأله ان يفعل شيئا لشقيقاته!
و ربما اراد ان يوضح لها انها لا تمثل الكثير بهذا المنزل رغم شعوره هو شخصيا بالعكس!
و لكن نظرتها الحرجه و ملامحها المتجهمه ضايقته بل و بشده، ليُدرك انه من حقها ان تطالبه بأى شئ بل و من حقها عليه ان ينفذه، بصفتها من؟ لا فارق.
مر القليل من الوقت حتى اقترب موعد الغداء و جلست الفتيات معا بانتظار الطعام عدا سلمى انتظرت بالاعلى. شهقت شذى بخضه عندما شعرت فجأه بأحدهم يحملها و لكنها فور ان رأته تشبثت بعنقه بفرحه و هو يقول بابتسامه هادئه: هتفضلى مخصمانى كده كتير!
برمت شفتيها و عينها تعتذر له عما فعلته و لكنها هتفت بمرح: انت اللي مخاصمني على فكره.
قبلها عاصم على وجنتها هامسا بجوار اذنها: طيب انا جاي اصالحك اعمل ايه بقى؟
تعلقت بعنقه تعانقه بقوه و عبرت عن اعتذارها بهمس خافت: انا اسفه يا ابيه صدقنى مش هتكرر تانى و مش هغلط تانى ابدا.
بادلها الحضن بأخر احتواها بحنانه التي تراه جنه الان لاول مره منذ ان جاءت لهذا المنزل مما دفع بابتسامه حانيه لشفتيها و رغما عنها تخيلت اكرم و هو يحاوطها كما يفعل عاصم مع شذى الان.
لمعت عينها بدموعها و لكنها افاقت من تخليها على ضحكات شذى بعدما قبلت عاصم على وجنته بقوه حتى دفعها عنه و نظر لحنين ثم رمق جنه بنظره خاطفه قائلا بحذر: ايه رأيكم نتغدى برا النهارده!
و كما توقع صرخت شذى بصخب موافقه و نهضت حنين بشغف موافقه و اخبرته انها ستصعد لسلمى تخبرها على الفور و قبل ان تفعل ابتسمت جنه و هي تتحرك باتجاه المطبخ و لكنها تجمدت مكانها و صوته يصلها قائلا بجديه: انتِ رايحه فين؟
استدارت جنه له بتعجب ثم اشارت على المطبخ بقلق من نظرته المتفحصه و تمتمت: هدخل.
ثم اعطته ظهرها لترحل مجددا و قبل ان تفعل وصلها صوته مره اخرى و لكن بنبره قويه آمره: انتِ هتطلعى تلبسى علشان تيجى معانا.
عقدت ما بين حاجبيها بدهشه قائله باستنكار: اجى معاكوا فين؟ لا معلش مش هينفع.
فأخر ما قد ترغب به في حياتها ان تذهب مع هذا الكائن مكان ما. ابدا لن تفعل.
و عناد بعناد رفع رأسه ينظر اليها بجديه موافقا اياها: و انا قولت هتيجى يا اما مفيش خروج.
و هنا كان اقناعها دور شذى و حنين و التي اجبرتها بالنهايه على الذهاب معهم لترمقه قبل ان تصعد بنظره نافره اشعلت اوداج غضبه و لكنها احييت روح العناد بداخله.
و دون ان يفكر كثيرا عن سبب ما فعل صعد ليستعد هو الاخر.
سبب موافقته لطلبها، سبب رغبته في فرحتها، كان يتعجب اهتمام شقيقاته و حبهم لها و عدم وجود رسميه بينهم كما كان مع من سبقها و لكنه الان يفهم ما ألقته تلك الحمقاء بقلوبهم و ألقت اقوى منه بعقله هو. فتبا لها.
اخذ حماما وارتدى ملابسه و عندما هبط للاسفل ابتسم بسخريه فمن فرط حماسهم استعدوا قبل ان ينتهى هو حتى. و بمجرد ان رأته سلمى اطلقت صفيرا باعجاب واضح: ايوه بقى. ايه يا سياده النقيب انت ناوى تجيب عروسه النهارده و لا ايه؟
لتلاحقها شذى بغيظ و هي تقترب منه قليلا تنظر اليه بتهديد: لو اتعاكست النهارده انا هتخانق على فكره.
بينما حنين ظهرت غيرتها عليه بوضوح عندما اقتربت منه و قبل ان تقترب حتى وصلها شذى عطره الذي يمنحه جاذبيه خاصه فهمست و هي تعقد حاجبيها بضيق حقيقى: عاصم انا مش قولت لك قبل كده بلاش البرفيوم ده.
استند على سياج الدرج ينتظر انتهائهم من الاسطوانه المعتاد عليها و لكن الان و لسببا ما التفت لينظر لجنه التي رمقته بنظره بطرف عينها ثم تجاهلته فمهما ارتدى سيظل ذلك الغرور المعتوه الذي مزق رساله والدتها و هشم برواز صورتهم.
داخل السياره ارتفعت ضحكات شذى و سلمى و مزاحهم السخيف كما يعتقد عاصم و يعتاد ايضا بينما من حين لاخر ينظر لجنه بالمرآه ليستمتع قليلا بغمازتها الصغيره التي تظهر فور ان تتسع شفتيها بابتسامه واسعه.
حتى هتفت شذى و هي تنظر لعاصم و قالت بفرحه و حماس: انا حلمت حلم جميل قوى امبارح.
همهمت حنين و قالت بحنان ساخر: خير اللهم اجعله خير حلمتِ بايه؟
حدقت بعاصم قليلا ثم انفجرت ضاحكه و هي تقول من بين ضحكاتها: حلمت ان ابيه عاصم بيتجوز.
صمت خيم على السياره قليلا ثم انفجرت الفتيات ضحكا بينما ابتسم عاصم على رد فعلهم فهم محقون فشخص مثله كيف له ان يتزوج!
و عبرت سلمى عن ذلك بوضوح عندما هتفت و هي تربت على كتفه: طيب و دى حاجه حلوه! دا الله يكون في عونها اللي هتتجوزه.
دفع عاصم يدها عنه فازدادت ضحكاتها فهى بحق لا تتخيل ان يتزوج اخيها، يلتزم بامرأه و بيت، بل و يحبها و يدللها، و ينجنب اطفال بل و يربيهم ايضا فهو لا يطيق نفسه فكيف يطيق نفوس اخرى!
و هنا عضت شذى على شفتيها بعبث و هو تنظر له بمرح و متوقعه ضربه قاسيه بعد ما ستقوله الان: انا شوفت مين العروسه كمان.
ترقب الجميع اجابتها على سؤال سلمى: ايه ده بجد مين؟
فحمحمت شذى قليلا ثم اخفت وجهها بيدها متجنبه اى ضربات مفاجئه و هتفت بصوت عالى: جنه.
شعرت جنه بدلو ماء بارد يُسكب عليها و تجمدت الابتسامه على وجهها و هي تنظر بذهول لشذى و للوضع التي وضعتها به و خاصه عندما اهتزت السياره من ضحكات سلمى و حنين و الاسوء عندما اتسعت ابتسامه عاصم ناظراً اليها في المرآه يحاصرها بنظراته و هو يتسائل بخبث: و ايه اللى حصل يا شذى؟
رفعت سلمى حاجبيها بدهشه فشقيقها مُأكد قد وقع لا نقاش في هذا، بينما تبادلت معها حنين النظرات الماكره و هم ينظرون اليه غير مدركين ما حل بجنه في هذا اللحظه تحديدا و خاصه و شذى تردف برومانسيه غير مدركه كليا لتأثير ما تقول على جنه بل و عاصم ايضا: كنتوا بترقصوا سوا و انت كل شويه توشوشها و هي تضحك و بعدين بوستها.
ثم انهت كلامها الذي سحب الدم من وجه جنه بقسوه لا تدركها هي عندما تسائلت بفضول: انتوا ممكن تتجوزوا فعلا يا ابيه؟
انتفضت جنه و همت بالصراخ حاولت و حاولت و لكن صوتها لم يخرج، هي ابدا ابدا لن تتزوجه و ان كان اخر الرجال على وجه الارض، كيف تسمح بتحكم اخر في حياتها و الاهم شخصا مثله بقسوته و تعنته بل و غروره!
كيف تسمح بأن تعيش اسيره داخل قضبان سجن جديد يرسمه اخر لها!
كيف تسمح للخوف بأن يظل حولهاا، معها و داخلها دائما؟
هى تكرهه و بشده و لا ترغب بأى نوعا من العلاقات معه حتى و ان كانت لا معنى لها؟
فماذا ان كانت زواج!
اغلقت عينها و شعور بالاشمئزاز يحتاجها بقوه بينما هو يراقبها من المرآه ليصدمه رد فعلها و كيف ان غضبها و نفورها منه لم يختفى رغم خجلها الواضح، خوف، قلق، غضب، ارتباك، نفور و اشمئزاز رأى هو كل هذا على ملامحها فزفر بقوه متجاهلا الامر.
الامر الذي كان على وشك التفكير فيه او ربما فعل.
ان يتخيلها بجواره، بين ذراعيه، يستيقظ على ابريقها العسلى، ينام على قبلاتها الدافئه، يحضنها، يرى خصلاتها، تفوز اصابعه بملمس بشرتها و يرتاح من تعبه بين ذراعيها او ربما يضع رأسه على فخذها لتعبث بخصلاته بحنان ينتظره منها و منها فقط!
و في المقابل يرى هو اشمئزاز و نفور منها، اللعنه.
فى مدخل احد المولات الكبيره توقف ناظرا اليهم متسائلا و قد قرر ان يمنحهم رخصه التحكم في اليوم: تحبوا تعملوا ايه الاول؟
و كان الاتفاق على دخول السينما و بعد جدال بينهم استقر الجميع على فيلما كوميديا و قد كان.
اندمجت جنه معهم و نست او تناست ما حدث و ما شعرت به قبل قليل و انتهى الفيلم و حان وقت المحطه التاليه و قد ترك لهم حريه الاختيار ايضا فاتفق الجميع على شعورهم القارص بالجوع و قد كان و دقائق و جلسوا ينتظرون ما سيحضره عاصم لهم من مطعم المول.
وقف ينظر اليهم من بعيد يضحكون و يتجادلون سويا باندماج و أُلفه فابتسم و هو يراقبهم حتى جذبه صوتا حوله فاستدار ينظر ليجد شابين يضحكون و يتهامسون و اصابعهم تشير لطاوله شقيقاته فاحتدت عينه و هو يتابعهم و يتابع حوارهم.
- شايف البنبونايه اللى هناك دى!
• دول 3 مش واحده يا عم.
- لا اللى لابسه بنى دى زى القمر.
و ادرك عاصم ان الحوار عن جنه فأغلق عينه يتماسك فهو بمكان عام و لكن لم يتوقف الشابان عند هذا الحد بل استمر جدالهم.
• تصدق صح يخرب بيت جمال عنيها بس ممكن تكون عدسات
- و اذا لو هي كلها على بعضها صاروووخ.
• لا في دى معاك حق
- اوف بقى ياريتنى مكان ايديها.
استدار عاصم بحده ليجد جنه تضع يدها على فمها تمنع ضحكتها فجن جنونه و هو يخمن ببساطه ما يشغل تفكيرهم فرفع يده يحك جانب فمه بغضب اعمى و لكنه تحرك باتجاههم و ابتسامه سوداء ترتسم على شفتيه، استند على الطاوله امامهم منحيا بجذعه ليهمس بنبره رجوليه ادركها الشابان على الفور: حلوين. صح؟
ابتسم الشابان ليغمزه احدهم قائلا بوقاحه: عجبوك انت كمان!
اتسعت ابتسامه عاصم و هو يمنح لنفسه حق قتلهم ببساطه: مش هتكلموهم طيب؟ مش يمكن لوحدهم!
حك الفتى عنقه بتفكير ثم هتف بموافقه: معاك حق قوم يا بنى ناكل عيش.
ليضحك الاخر ناهضا معه مردفا: قصدك ناكل ملبن، شيكولاته، بسكوووووته.
ضرب كفه بكف رفيقه و تحركا باتجاه الطاوله التي يتجمع الفتيات حولها بينما حرك عاصم رأسه يمينا و يسارا حتى صدر صوت طقطقه عنقه و تحرك باتجاه الكاشير هاتفا و هو يتجه للطاوله هو الاخر: الغى الطلبيه.
وصل الشباب للطاوله و قبل ان تستدير الفتيات لندائهم كان عاصم يلكمه بغضب ليسقط ارضا و يباغط الثانى قبل ان يبتعد ليسقط بجواره و لم يكتفى بل انخفض يفرغ شحنه غضبه كلها بهم و هو يتذكر حديثهم، نبراتهم بل و ايحاءاتهم الوقحه.
حتى صرخ به شيخ مسن: مينفعش كده يا ابني بلاش تستقوى على خلق الله حرام عليك!
اعتدل عاصم ناظرا اليه بغضب اسود و هدر قائلا: بيعاكسوا اخواتي و اتجرأوا و كلموهم و اتعدوا على حرمه اهل بيتى، يبقي اعمل فيهم ايه؟
احتدت عين الرجل و هو يضم ابنته الواقفه لكتفه كأنه يحميها و صاح بغضب: تموتهم.
اتسعت ابتسامه عاصم الغاضبه و هتف بحنق و هو ينظر للبقايا الواضحه من وجه الشابان: و دا اللى انا بعمله.
جاء أمن المكان فأخرج عاصم بطاقته الشخصيه فتراجعوا قليلا و تحرك هو باتجاه الفتيات هاتفا موجها حديثه لرجال الامن: اطلبوا لهم الاسعاف.
ثم نظر للفتيات هادرا و هو يشير باصبعه للطريق امامه: اتفضلوا قدامى.
ساد الصمت بالسياره و كاد عاصم يُزيد من سرعته فربما يستطيع الحد من غضبه الذي يزداد كلما تذكر كلمات الشابان و لكن همسة جنه بأن يبطئ اجبرته على السير بسرعه معتدله، عاتبته حنين بخفوت: حرام عليك يا عاصم مكنش المفروض تأذيهم كده.
شدد قبضته على عجله القياده و هو يهتف بسخريه و انفاسه تتسارع بشكل اخبرها بوضوح عن غضبه: حرام! و اما يقعدوا يعكسوكوا مش حرام، لما يفضلوا باصين عليكم مش حرام، لما يقولوا كلام قذر عنكم مش حرام، و ضربي لهم هو اللي حرام؟
صمتت حنين مدركه ان هذا ليس بوقت عتاب او حديث فعاصم في اكثر اوقاته غضبا و لكن جنه لم تفهم هذا بل همست بخفوت: الرسول عليه الصلاه والسلام قال ليس الشديد بالصرعه انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب . كان ممكن تتكلم معاهم بهدوء م...
قاطعها بعنف و خرجت نبرته ساخره و لكن ما جمد الدماء بعروقها جرأته التي وصلت لحد الوقاحه: تصدقى عندك حق، يعني اللي كان بيشعر فيكِ كان المفروض اقوله بهدوء عيب يا حبيبى ميصحش، و اللي كان عايز يبوسك اقوله بالراحه غلط يا بابا مينفعش، على الاساس انهم يعنى مايعرفوش؟
و لم يدرك ما قال حتى هتفت سلمى بضيق و هي تشعر به يُحرج جنه بل و يمس كرامتها و احترامها: عاصم دا مش اسلوب مينفعش كده.
زفر بقوه فهو بالفعل تعدى حدود الاحترام في التحدث معها، ضرب بقبضته على عجله القياده و صمت ما بقى من الطريق و هو يسب من دفعه لمثل هذا الغضب و الذي دفعه ايضا ليغضبها بل و يُبكيها.
لمعت عين جنه بالدموع و هي تضغط على شفتيها مانعه غصه حاوطت قلبها، من سخريته، ادانته، وقاحته و قله ادبه معها.
حتى وصلت للمنزل و بمجرد ان ترجلت من السياره اسرعت للداخل و لكنه بحركه سريعه لحق بها لن يعتذر و لكن على الاقل ليطيب خاطرها و لكن بمجرد ان رأته امامها مجددا تساقطت دموعها رغما عنها و هي تهتف بوجهه بحزن و غضب و كره شديد له: انا قولت لك ابعد عنى، ليه مصمم كل مره تجرحنى اكثر، انا بكرهك، ابعد عنى و ارتاح و ريحنى.
ثم تركته و ركضت مسرعه للاعلى و عندما دلفت حنين و سلمى التي كانت تحمل شذى بعدما غطت في نوم عميق لم يجدوا احد منهم فاتجهت كلا منهما لغرفتها بصمت.
اما هو فكاد يكسر باب غرفتها و يدخل ليكسر رأسها من شده غضبه و لكنه اكتفى بضرب يده بالحائط حتى ما عاد قادر على تحمل ضربه اخرى فجلس على فراشه ينظر ليده بغضب و هو يُدرك حقيقه جديده و هي انه بجوار تلك الفتاه يفقد ما يملك من عقل، اتزان و هدوء.
لست النساء ماذا نقول
احبك جدا
احبك جدا و اعرف أنى أعيش بمنفى و أنتِ بمنفى
و بينى و بينك
ريحٌ
و غيمٌ
و برقٌ
و رعدٌ
و ثلجٌ
و نار
و أعرف ان الوصول لعينيكِ وهمٌ
و أعرف ان الوصول اليكِ انتحارٌ
و يسعدنى
أن أُمزق نفسى لأجلك أيتها الغاليه
و لو خيرونى
لكررت حبك للمره الثانيه.
نزار قبانى
خطوات تفصله عن منزل حلم العمر.
ها هو يتجه ليتحدث مع والدها، ليعبر، ليشرح كيف يحب و كيف يرغب و ماذا على استعداد ان يفعل لاجل ان تكون امرأته و في بيته و تحمل اسمه.
يعلم ان الرفض احتمالا اكبر من الموافقه، يعلم ان الطريق للخساره اقصر بكثير من طريق المكسب و لكنه سيفعل كل ما يستطيع ليفوز مهما كلفه الامر.
توقف امام الباب الرئيسى للمنزل يتحكم في انفعاله الداخلى، قلقه، توتره و الاسوء تفكيره و ظنونه التي تكاد تفتك به.
تمالك ما بقى من اعصابه و قرر اتخاذ الخطوه و ليرى النتيجه ايا كانت.
دقائق قليله و ها هو يجلس امام عز يتحدث بهدوء و رزانه رغم ما يموج في صدره من انفعالات.
تحدث باعتياديه، حوار خاص بالعمل، حوار قصير عن العائله جاهد فارس فيه الا يتحدث عن اكرم احتراما لرغبته، مزاح و بالنهايه تصريح بالمفاجئه هاتفا بقوه و ثقه: بصراحه يا عمى انا جاى اطلب ايد الدكتوره حنين.
تأكد عاصم من شكوكه و لكنه لم يعاتب و لم يتحدث مدركا ان فارس اخفى عنه رغبه منه ان يكون اول الحديث امام والده و احترم هو ذلك منه بل و ازداد يقينا ان فارس رجلا يطمئن على شقيقته معه.
تنهد عز متقبلا الصدمه بجداره رغم معرفته السابقه للامر و لكن ان تكون حنين هي من في وجه المدفع اثار قلقه كثيرا و عبر عنه قائلا بجديه نقلت التوتر لقلب فارس ايضا: انت عارف ايه عواقب طلبك ده؟ عارف ايه ممكن يحصل و ايه ممكن يواجهك انت و هى!
ضم فارس قبضته متجاهلا احساس الخوف الذي اصابه عليها و اعتدل ناظرا لعز باصرار واضح و عزيمه قويه و اخذ يقطع عليه وعدا بل ألف وعد بأن يحميها.
يلقى امامه كل حبه دفعه واحده دون خجل او اخفاء، يخبره انه لن يتنازل عنها لخوف من ماضٍ مات و لابد ان ينتهى.
يمنحه اقرار و عهد بأن تكون له اكثر مما تكون روحه، ان يحفظها في نفسه و في قلبه ما كُتب له من عمر.
و امام ثقته، اصراره، ارادته و قوه كلماته شعر عز بالاطمئنان على ابنته و لو قليلا.
محمد منحه وعد بالحفاظ على ابنته حتى و ان لم يفعل ابنه، و فارس يمنحه و عد اكبر بالحفاظ على من ملكت قلبه و تمناها ملكه لبيته.
فماذا يتمنى الاب اكثر من السعاده، الراحه و الحب لابنته و خاصه حنين و التي تستحق اكثر مما يكنه لها فارس حتى.
و هنا نظر عز لعاصم الذي وضع يده على كتفه قائلا بثقه هو الاخر: انا واثق في فارس يا بابا و عارف انه هيقدر يحميها و يحافظ عليها ثم ان الزمن اتغير و لازم جدى يعرف اننا مستحيل ندفن نفسنا دلوقت زى ما عمل هو مع ولاده زمان.
نظر عز امامه بهدوء يُفكر. فمثل هذا القرار لن يمر بسلام و لكن حان الوقت للتحرر و تمتم بقرار قاطع و هو يتذكر حديثه مع محمد الذي اخبره عن موقف فارس و اصراره: انا موافق مبدأيا يا فارس بس طبعا قرار حنين اهم و رفضى او قبولى هيعتمد بالنهايه على قرارها هى.
ابتسم فارس بصوره وضحت مدى فرحه قلبه و ما هذا الذي يسعده اكثر من انه وفي بوعده الذي قطعه لها منذ كانا اطفالا لا يفقهون الكثير.
و رحل على اتفاق بالاجابه على طلبه في خلال ايام و كم سينتظر هو ذلك.
منع عز عاصم من اخبار احد بطلب فارس قبل ان يفكر في الامر قليلا و قد كان و بعد يوما كاملا قضاه ليلا نهارا يفكر، أكد لنفسه انه يتخذ القرار الصحيح، ابنته تستحق ذلك و فارس شابا اكثر من رائع و يتمناه اى اب لابنته و فارس يتمنى ابنته و هو وافق.
اجتمعت العائله مساءا كالعاده دائما، جلس عز بجوار حنين محتضنا اياها لصدره مقبلا جبهتها ثم تمهيد، حوار مبهم عن العائله، حبه لهم، خوفه عليهم و اهتمامه بما هو الافضل لهم دائما ثم تمتم بالاخير و هو ينظر لليلى التي تعجبت حواره و نبرته التي حملت من الشجن الكثير و نادرا ما يتحدث هو به: فارس كان جاى يطلب القرب منى.
صدمه، قلق و خوف كبير اندفع لقلبها رغما عنها فهتفت بعدم تصديق: هو اتجنن؟
اختفت الابتسامه تدريجيا عن وجه سلمى التي كادت تطير من شده فرحها عندما استمعت لرد ليلى و التي اخبرها ان ربما مشاكل العائلتين التي لا تعرف عنها شئ تخرب حلمها كله، بينما اغلقت حنين عينها بعدما رأت من فرحه سلمى نهايه حلم الصغر و الذي اكتنف روحها حتى هذا اليوم.
اعتراف فارس لها بحبه ثم مبادلتها اياه باعترافها ثم قبلته، سخافته، ارتباكه و فرحته و التي جسدت منها لوحه حياتها و التي اعتقدت انها ستكتمل بزواجها منه، هي ليست غافله عن نظراته، عن شجنه كلما رأها، ضحكه عينيه، لهفه كلماته و اطمئنانه عليها، و يوم صرحت سلمى عن حبها، شغفها و تعلقها به كاد قلبها يموت بل بالفعل مات و ها هي اليوم تدفنه للابد، ستتخلى عنه و عن نفسها و قلبها و كل ما بها لأجل شقيقتها، ستترك خلفها قلبا يتألم و نفسا جازفت لتفوز بها و هي من ستبتعد، و حتى ان كان حلم شقيقتها مستحيل فهى لن تتحمل ان تكون هي سبب المستحيل ابدا.
وضع عاصم يده على يد ليلى يناظرها بتفحص و هو يحاول امتصاص قلقها فهو يثق تمام الثقه بفارس و الاهم انه يثق بنفسه فلن يسمح لاحد بإذاء شقيقته ما دام على قيد الحياه: ليه يا امى، فارس انسان ممتاز، انتِ عارفاه كويس، يعتبر متربين سوا، عارفين اهله و حياته و كل حاجه عنه، ليه هنحكم عليه بسبب تقاليد انا واثق انك مش مؤمنه بيها اصلا.
استدارت ليلى له بقلب أم تخشى الهواء على اطفالها و هتفت بحده و هي تجذب يدها من يده: انتوا متعرفوش حاجه، لا انت و لا هو و لا اى حد منكم، احنا بس اللي نعرف، احنا بس اللى مدركين لحجم المشاكل و القلق اللى هيحصل، لا جدك و لا جده هيقبلوا بحاجه زى دى ابدا و انا لا يمكن اسمح لبنتى تبقى في النص بينهم.
فتح عاصم فمه ليُجيبها و لكن بادر عز بالحديث و هو يضم جسد حنين اليه اكثر متسائلا: طيب ما عاوزه تعرفى مين عروسته الاول يا ليلى؟
انكمش جسد حنين و كم كانت تود الاختفاء نهائيا ففتحت عينها ببطء تنظر لسلمى التي تأهبت و هي تخفض وجهها خجلا و كل ملامحها تنبض بالسعاده و الانتظار فأغلقت عينها التي لمعت بدموعها حسره على شقيقتها، فارسها و على قلبها المسكين الذي كُتب عليه الموت قبل ان يعيش حتى.
ربت عز على يدها ففتحت عينها لتنظر اليه لتجده يبتسم غامزا اياها متجاوزا مدى قلقه هو الاخر و لكن هو عاهد نفسه على حمايتها قبل الاخرين و صاح مطلعا الجميع على رغبه فارس بها: فارس طلب ايد حنين يا ليلى.
صمت، صمت، صمت و صدمه
ارتفعت نبضات قلبها صخبا يبكى، و ارتجفت عينها بعدم تصديق و ابتسامتها تتلاشى تدريجيا و هي تنظر لحنين التي تحاشت النظر اليها لتصرخ روحها بالرفض.
شقيقتها!
فارس احلامها اراد الزواج بشقيقتها!
لا مانع من تحطم احلامها على صخره الواقع بل هي توقعت هذا و لكن ان تكون شقيقتها الواقع، وضعٌ لا يحتمل.
أنّ قلبها بين ضلوعها و جعا و هددت دموعها بالهروب من مقليتها و هي ترى نظرات حنين الحذره و المعتذره تجاهها.
كانت ترى بعينيه نظرات اساءت تفسيرها و ربما لم تفعل فقط اساءت فهم وجهتها.
اذا ما رأته لم يكن مشاعر حقيقه لها بل كان انعكاس لمشاعرها هى.
ارسلت حنين لها ألف اعتذار بنظراتها، صمتها، خزيها و لمعة عيونها بدموعها.
و لكن سلمى لم تتقبلها و لن تفعل. لن تستقبل اعتذارها بل سترده اليها اتهاما، لن تحترم صمتها بل ستجلدها بسياطه، لن تُقدر خزيها و لكنها ستمنحها عارا و لن تهتم بدموعها فقط ستحرقها لوما.
نظر عز لحنين واضعا يده اسفل ذقنها ليجعلها تنظر اليه و لاول مره تهرب هي بنظراتها منه اعتقد هو انها خجلى فابتسم متسائلا بتمعن: ايه رأيك يا حنين؟
كادت ليلى تصرخ به و لكنه اشار لها بالصبر منتظرا اجابه صغيرته و التي جاهدت لتنطق بها رغم رفض قلبها، تجاوزت كل أمانيها و التي كان هو اغلبها ان لم يكن جميعها و تمتمت بحزم رغم نبرتها المرتعشه: انا مش موافقه يا بابا.
تنهدت ليلى بارتياح بينما حدق عاصم بها قليلا ثم قال يحاول الوصول لسبب رفضها: مش موافقه على مبدأ الجواز عامه و لا على فارس بالذات؟!
تنهدت حنين فهى لا توافق على ان تكون السبب بألم شقيقتها فقط، جاهدت لترفع عينها و لكنها لم تستطع و دموعها تغلبها لتحرق عينها عجزا مهدده بالسقوط و لكن تحاملت و اجابته: الاتنين يا عاصم، مش عاوزه اتجوز دلوقت اولا علشان انا لسه مخلصتش دراستى و ثانيا علشان انا الصغيره مينفش اتجوز قبل سلمى و ثالثا بقى...
ابتعلت غصه اصابت روحها و هي تردف بنبره ضائعه: ماما معاها حق في كلامها و علشان كده انا مش موافقه على، على فارس.
قبضت يدها بعنف تحاول بقدر ما اوتت من قوه التماسك لكى لا تصرخ معبره عما يحرق قلبها و يكاد يُميت روحها، بينما سلمى تنظر اليها بحده و روحها المتمرده تشتعل غضبا.
صمت عز لحظات فا هي حنين تقطع عليهم اطول و اصعب الطرق و زفر مستشفا قرارها النهائى: دا قرار نهائى و لا محتاجه وقت تفكرى؟
اختنقت نبرتها و ظهر الالم جليا بها او ربما هذا ما شعرت به سلمى و هي تجيب بخفوت: لا يا بابا دا اخر كلام عندى.
و رغما عنها لم تعد تتحمل، فنهضت مستأذنه لتركض مسرعه للاعلى و اتجهت لغرفه جنه و بمجرد ان دلفت ركضت اليها تُلقى بجسدها بين يديها تبكى كما لم تفعل من قبل.
و لم تحتاج جنه ان تسأل فهى تعرف السبب فحنين سبق ان اخبرتها كل شئ عن حبها بل و حب فارس لها، اخبرتها عن طفولتهم معا، اخبرتها عن وعده بأن يتزوجها و عن وعدها بانتظاره، و بالامس عندما اتى فارس ادركت جنه انه ينفذ وعده و الان و هي بين ذراعيها تبكى ادركت انها اخلفت وعدها.
فحنين بصدق قلبها و براءته لن تسمح بأن تجرح شقيقتها جرحا كهذا، لن تمنحها الالم و تلذذ هي بحياتها، لن تدعها تخسر قلبها و تربح هي كل ما تتمناه روحها.
ضمتها اليها اكثر تاركه اياها تُفرغ مكنونات قلبها و التي لم تبخل حنين بها بل شاركها في هذا جسدها الذي ارتجف، صوتها الذي ارتفع بنحيبها و يدها التي اعتصرت جسد جنه حتى كادت تصرخ من ألمها و هتافها بصوت مذبوح: كل حاجه انتهت يا جنه، حبى، انتظارى، حبه و حتى فكره وجوده في حياتى بقت غلط. انا خلفت وعدى له، انا نهيت كل حاجه.
فزعت جنه و هي ترى سلمى تقتحم الغرفه دون سابق انذار بعدما سمعت ما قالته حنين كاملا و زاد ذلك غضبها غضبا لتغلق الباب خلفها بعنف جعل حنين تنتفض جالسه و سلمى تهتف: بتعيطى ليه يا حنين؟
رفعت حنين يدها تُزيل دموعها و هي تستعد لمواجهه من اصعب ما يكون عليها و قبل ان تنطق بادرتها سلمى و هي تعقد ذراعيها امام صدرها و انفعالات روحها تبدو بوضوح على ملامحها: صعبان عليكِ طبعا ترفضي حبيب القلب علشان خاطري، صح!
عقدت جنه ما بين حاجبيها و هي عاجزه عن التدخل و لكن سلمى الان تنظر للامر من اكثر اوضاعه خطئا. بينما حملقت بها حنين بصدمه و عينها تخونها لتنهمر دموعها مره اخرى، و هي تحاول ايجاد كلمات لتدافع عن نفسها متمتمه: سلمى انا عملت كده علشانك، انتِ.
و هنا اندفع ماردها المجنون و خزى حنين يدفعها اكثر للجنون صارخه بسخريه: علشانى! لا انتِ رفضتِ علشان تبقى الطيبه الاصيله اللى ضحت بسعادتها علشان اختها.
و دون ان تدرى ما تقول او كيف تقوله هاجت و انفرط عِقد ألمها لتتساقط حباته تباعا بألم اشد على حنين: لكن لا يا حنين، تمثيلك ده مش هيفرق، انا جيت لحد عندك و بكل فرحه قولت ليكِ انا بحبه، انا بتمناه و عاوزاه، قولت ليكِ قد ايه فكرت فيه، و انتِ.
اشارت اليها بسبابتها تلومها بأقسى ما قد يوجعها: انتِ وقتها سكتِ، رغم انك كنتِ متأكده انه بيحبك انتِ و عاوزك انتِ، لا فهمتينى و لا حاولتِ تشرحى سكتِ و بس، و جايه دلوقت ترفضى!
بدأت قسوتها تتلاشى تدريجيا ليظهر و لو قليلا من حزنها و هي توضح شارده: مكنتش متأكده هو بيحبنى و لا لأ، مكنتش اعرف القدر هيجمعنى بيه و لا لأ، كنت متقبله فكره انه ممكن يكون بيحب واحده تانيه او انه ممكن يتجوز غيرى.
لمعت عينها بالدموع في مشهد نادرا ما تراه حنين من شقيقتها المتمرده فازداد انتفاض جسدها وجعا عليها و على نفسها و سلمى تردف: كنت مستعده اتقبل الفكره دى، نصيب مش مشكله، هتجاوز الموضوع و هيعدى لكن.
ثم احتدت عينها بعنفوانها المعتاد لترفع يدها مزيله دموعها بقسوه و هي تشير على حنين بشئ من الغضب و الكثير من عدم التصديق: لكن ان التانيه دى تبقى اختى دا اللي مكنتش متوقعاه ابدا.
كانت جنه تنقل بصرها بينهم بحزن و شفقه، بينما ارتفع صوت حنين و هي تكتم فمها بيدها و سلمى تصرخ بوجهها مؤنبه غير عابئه بجرحها و الذي يبدو انه فاق جرح سلمى بكثير: بتعيطى ليه يا حنين؟ علشان رفضتيه و انتِ عاوزه توافقى! و لا صعبانه عليكِ فبتحاولى تواسينى! و لا مش هاين عليكِ هو يزعل و تخسريه! حقيقى يعنى هو انسان كويس خساره الواحد يخسره.
اعتصر قلب حنين قبضه قويه كادت تفقدها انفاسها. كيف تخبر شقيقتها انها بالفعل تحبه و لكنها ترفض كل هذا لاجلها!
كيف تخبرها ان حزنها و دموعها بل و انفعالها هذا يكاد يمزق روحها هي اربا!
كيف تقول لها ان الكون كله لا يساوى لحظه فرحه معها!
هى شقيقتها فكيف تخبرها ان لهذا عظم المعنى عندها!
اجل تحبه، بل تعدى الامر الحب بكثير ليصير شغفا حرق كلاهما انتظارا للوقت المناسب.
اجل كانت تنتظره و تتلهف ليوما يحمل اصبعها حلقته الذهبيه.
اجل تبكى روحها و قلبها و فارسا امتنعت عنه بارادتها كما يبدو و اه لو تدرى انه رغم انفها.
و اجل تحزن كل الحزن على فكره خسارته و عدم القدره على النظر اليه حتى فهو نفذ وعده و لكنها من اخفقت.
و لكن مع كل هذا هي اختارت شقيقتها، اختارت سعاده سلمى و لو على حساب سعادتها.
و بالرغم من ذلك تمنحها سلمى من الجرح اضعاف ما تحمله، تضع اطنانا من الوجع اكثر مما تشكو روحها بل و تراها مخطئه فقط لانها لم تخبرها.
اقتربت منها سلمى و هي تمعن النظر فيها و بأسوء اتهام ممكن ان تفعله قالت و قد تمكن الشيطان من افكارها فانحرفت لاقصى ما يؤلم و هي تتذكر ما سمعته قبل ان تدلف للغرفه: كنتِ بتشوفيه فين؟ كان بيجى ليكِ الجامعه! اعترف ليكِ بحبه امتى! و انتِ اعترفتِ برده و لا ايه؟ من امتى و انتِ بتغفلينا كلنا علشانه؟
اتسعت عين حنين بصدمه و هي ترى الاتهام بعين سلمى اسوء من كلماتها، بينما هنا لم تستطع جنه التزام الصمت بل اقتربت من سلمي هاتفه بقوه رغبهً منها في اعاده سلمى لوعيها: ايه اللي بتقوليه دا يا سلمي؟ انتِ مدركه انتِ بتقولي ايه!
التفتت اليها سلمي بعصبيه لتشيح بيديها في وجهها صارخه باستحقار شل حركه جنه تماما: انتِ مالك اساسا؟ اوعى تنسى انك في الاول و في الاخر واحده بشتغل عندنا بلاش تعملى فيها ناصحه و خليكِ في حالك، فاهمه!
عادت جنه خطوه للخلف و هي تحدق بها ذاهله، حسنا هي مجرد مربيه لشقيقتهم و لكنها اعتبرتهم اخوه لها، تحزن لحزنهم و تفرح دائما معهم و لكن قالها الابن الاكبر سابقا و ها هي ترددها هي الاخرى، لا يجب ان تنسى وضعها هنا.
و هنا تحدثت حنين بدهشه هي الاخرى من رد سلمى بل و مازالت لا تصدق اتهام سلمى لها و هتفت محاوله منها لجعل سلمى تستمع اليهم و هي تضع يدها على كتفها لتلتفت اليها: سلمى انتِ لا.
فوجئت حنين بانتفاضه سلمى و هي تدفع يدها عنها بعنف صارخه بكره غلف صوتها و نبره لاول مره تسمعها حنين منها: انا مش عاوزه اشوفك قدامى خالص و اوعى تقرب منى. فاهمه؟
صرخت بالاخيره بأعلى ما تملك من صوت ثم صمتت قليلا تنظر لوجه حنين المحدق بها بذهول فأخذت قرارها و وضعته قيد التنفيذ متمتمه: مش انتِ بتحبيه؟ و عاوزاه و نفسك توافقى على الجواز و انا السبب اللى منعك.
صمتت لحظات اخرى ثم تحركت باتجاه الباب و لكن قبل ان تخرج نظرت اليها منهيه حديثها: انا هنزل اقول لبابا انك موافقه و يبقى مبروك عليكِ يا عروسه.
فتحت الباب و خرجت بينما شهقت حنين و هي تتبعها تنادى اسمها و لكن سلمى لم تلتفت لها حتى و عندما وصلت لنهايه الدرج و همت بالتحرك لغرفه الاستقبال حيث يجلس والديها و عاصم، توقفت اثر صرخه حنين العاليه و هي تلتفت مسرعه لتتسع عينها بذهول و هي ترى حنين تتعثر ليختل توازنها و تسقط ليتدحرج جسدها على الدرجات، ثم سكون تام امام قدمها و خط رفيع من الدماء يسيل على جانب وجهها.
لحظات مرت، انتفاض والديها و عاصم، ركض باتجاه شقيقتها، صراخ ليلى باسم حنين و خوف بعين عز و اضطراب اصاب عاصم، دفعها، ابتعادها للخلف خطوات، حُملت حنين ثم سكون تام حولها فقط تقف بعدم استيعاب لما صار خلال دقائق.
اقتربت جنه منها و هي تحاول تمالك اعصابها لكى لا تنظر للدماء و صور من الماضى تتلاعب بتفكيرها و لكن هتاف سلمى المهزوز و اصابعها المرتجفه منعها من الدخول في حاله من اللاوعى بالحاضر: ح. حن. حنين!
حاولت جعل سلمى تتحرك معها، و التي دون انذار عادت للواقع دفعه واحده، لتوبخ نفسها، بكاء، صراخ باعتذار، و ندم، ندم، ندم.
حاولت جنه تهدئتها حتى نجحت اخيرا و تركتها تصلى و تدعو لشقيقتها بينما اتجهت هي لغرفه شذى للاطمئنان انها مازالت نائمه ثم توجهت لغرفه سلمى مره اخرى لتجدها جالسه ارضا تحتضن جسدها بقوه و دموعها تنهمر و الندم يحاوط ملامحها. اقتربت منها و جلست بجوارها وضعت يدها على كتفها فنظرت اليها سلمى ثم احتضنتها لتسمح اخيرا لتمردها و غضبها بالتصدع لتعبر عن وجع شمل روحها مدركه انه لا حلما يعنى لها اكثر من شقيقتها، تتألم او لا لكنها ابدا لن تتحمل تألم شقيقتها.
شددت جنه من احتضانها متمتمه بخفوت و هي تحاول ألا تتجاوز حدودها: ادعى لها، هي محتاجه دعواتك لها بس دلوقت.
تذكرت جنه عندما كانت تمرض دائما ما كانت زهره تداويها بالصدقه فابتسمت بهدوء مردفه و سلمى ساكنه تماما تستمع اليها: لما كنت اتعب كانت داده زهره تخرج من مرتبها مبلغ صدقه و لما سألتها قالت ليا حبيبك النبى قال دَاوُوا مَرضاكُمْ بِالصَّدقة و كمان ربنا سبحانه و تعالي بيقول الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.
ادركت سلمى مغزى حديثها و لكنها استمعت إلى بقيه كلامها و كأن الامر يمنحها بعضا من السكينه: و كانت بتحكى ليا عن قصه عن النبي عليه الصلاه و السلام لما كان دبح شاه و اخرج منها لله و بعدين بيسأل السيده عائشه ماذا تبقي يا عائشه، قالت لم يبقي سوي كتفها يا رسول الله فقال بل بقيت كلها الا كتفها.
وافقتها سلمى و نفذت كلتاهما االامر، ثم اتصال سريع بالعائله و اطمئنان على حنين، اعتذار من سلمى و قبول من جنه، و انتظار قاسى لعوده العائله للمنزل.
متى ستعرف كم اهواك يا رجلا
ابيع من اجله الدنيا و ما فيها
يا من تحديت في حبى له مدنا
بحالها و سأمضى في تحديها
لو تطلب البحر في عينيك اسكبه
او تطلب الشمس في كفيك ارميها
ان احبك فوق الغيم اكتبها
و للعصافير و الاشجار احكيها
ان احبك فوق الماء انقشها
و للعناقيد و الاقداح اسقيها.
نزار قبانى.
ينظر للاماام و هي تنظر اليه، حلما جميلا طالما انشغل تفكيرها به، اشتعل قلبها شغفا بانتظاره، دقت نبضاتها باسمه معلنه انه يملكها و ها هو يفعل، سطرت بكل ما فيها حبه على صفحه قلبها البيضاء حتى صار جزءا منها او ربما هي جزءا منه.
تنظر لملامحه، هدوءه، شروده و ابتسامته العابثه.
هو معتز قلبها و ان وقف الجميع امامها، هي اختارته و لم تعتاد ابدا سهل الاختيار، هي تحدت به الجميع و لم تعتاد ابدا الفشل، ستحارب حتى و ان كانت ستحاربه نفسه لتفوز، سيحتضن قلبه قلبها و تعانق روحه روحها، لن تتخلى و لن تتنازل حتى و ان كلفها الامر كل ما تملك، فحلمها به يستحق.
يعلم انها تنظر اليه، واعٍ هو بتأملها و يدفعه ذلك للغرور، يبتسم بطاووسيه متفاخره فموج عينيها يحتضنه آلاف المرات بنظراتها، و لكنه هنا يشتعل شوقا.
لا تعنيه نظراتها و لا يهمه مشاعرها فقط هو ارادها و حصل عليها.
و لكن من يريدها كسابق عهده ليست هنا.
من يريدها بين يدى اخر، يلعب بخصلاتها، يستنشق عبق رائحتها، تدرس يداه خريطه جسدها، و تعبر شفتاه عن شغفه بها.
هو تخلى عنها يُدرك ذلك و لكنه لا يتحمل فكره زواجها.
هو هرب من مسئوليته يوم احبها و لكنه لا يستسيغ ان يتولى اخر مسئولياتها.
هو يسير مع زوجته الان و التي تعد تحديا جديدا و يبدو انه فاز به قبل ان يبدأه فهى تكاد تموت به عشقا، و لكنه لا يستطيع لمسها.
تضع هي ما تسميه مبادئ و مجبر هو على تحملها.
يتذكر عندما كان يحتضن بيده يد ملكه قلبه، عندما داعبت اصابعه خصلاتها التي دائما ما كانت تصبغها بلون العسل، و يا ليته أدرك ان عسلها مر المذاق و حياته بدونها و بدون مداعبتها علقم.
يتذكر عندما كانت تميل على كتفه ضاحكه لتطرب اذنه بصوتها الذي يشتاقه الان.
يجلس هو الان و بجواره من اختارها شريكه لحياته بهدوءها و عقلانيتها و نظراتها الحالمه تجاهه فيتأكد انها زوجه مناسبه، من يأتمنها على بيته، ماله، متعته و كفى.
و لكنه يود لو يهرب من نفسه ليركض لمن كان يعيش معها اجمل سنين عمره.
ربما لانها تمنحه ما يحتاجه رجلا مثله من شغف بالحياه، الاموال و الفاتنات مثلها.
و ان كانت الجالسه بجواره بموج عينيها تفتنه فهو لا يستطيع تذوق مدى فتنتها و هذا يغضبه.
زفر بضيق و حاول تجاوز هذا باندماجه مع من تسمى زوجته و رفع يده ليضعها على كتفها ليضمها لصدره ليطفئ بعضا من لهيب صدره بها او بحبيبته السابقه و لكنها فاجأته بحدتها و هي تنتفض مبتعده عنه هاتفه و هي تنظر حولها بخجل و شيئا من الغضب يلمع بعينها: انت بتعمل ايه يا معتز؟
عقد ما بين حاجبيه من رد فعلها الغريب لا قليلا بل كثيرا و هو يتمتم باستنكار ضايقها قليلا: بحضنك.
ارتجفت عينها بحياء و هي تنظر ارضا فازداد انعقاد حاجبيه متعجبا خجلها البادى بوضوح من حمره وجنتها و هي تخفى عينها عنه. ثم اضاف بما هو مقتنع به: هو الموضوع في مشكله؟ انتِ مراتي و من حقي اعمل كده، و اهو احسن ما احنا قاعدين كل واحد في ناحيه كده.
ازدردت ريقها ببطء و هي تحاول تجاوز ما احتاجها من خجل من جرأته التي تراها زائده خاصه على فتاه لم يكن لها اى احتكاك بجنس ادم من قبل سوى نادرا، امتدت يدها تُمسك يده بخفه و رفعت عينها ببطء لتستكين في اتساع عينيه التي تعشق التيه بهم: صح مراتك و من حقك، بس مينفعش في الشارع يا معتز.
ثم نظرت حولها باشاره منها لمن حولهم من اشخاص و اردفت بخفوت مس قلبه باحساس غريب ربما يختبره لاول مره: حوالينا ناس و انا مش حابه حد يتكلم علينا.
ثم اخفضت عينها عنه مره اخرى مبتسمه و هي تكمل: اما حقك تقدر تعملوا زى ما تحب في بيتك وقتها محدش يقدر يقولك ثلث الثلاثه كام!
انهت حديثها الخجل بضحكه صغيره و هي تتوارى خلف قناع من المرح هاتفه و هي تدفع يده عنها بعدما كانت تحتضنها بكفها: و بعدين يا سيدي انا بتكسف الله.
هل هذا معنى العفه التي طالما تحدثت شقيقته عنه!
هل هذا هو الفارق الذي حاول محمود اخباره به!
الفارق بين هبه و سالى و شتان بينهم حقا.
جرأه يقابلها خجل، صخب يقابله عقلانيه، شهوه يقابلها حب، امرأه متفجره الانوثه يقابلها انثى شديده النقاء.
و هو في هول مقارنه بينهما و النتيجه لا يعرفها.
بين من اختارها و من اختارته، بين من تعلق بها و من احبته، بين امرأه امام الجميع تتفاخر بأنوثتها الطاغيه و بين امرأه تختص انوثتها فقط له، بين ماضٍ و حاضر يضم بين ثناياه المستقبل، بين ما يريد و ما يريده له القدر.
راقب هروبها منه بخفه و هي تخفى خجلها الذي جعل وجنتيها في اسوء حاله لها و اعظم حاله له، ارتباك اصابعها التي تضغطها بتوتر و عيناه تتوه في حركتها، اهتزاز قدمها و الذي سرق انتباهه اليها، و شفتاها التي تعض عليها لتتدافع رغبته تحاوطها.
اخذ نفسا عميقا و هو يُخرج علبه سجائر ليشعل احداها منفسا بها غضبه، توتره و الاسوء رغبته.
احتدت عينها متناسيه ما مرت به من خجل و هي تعقد ما بين حاجبيها متسائله بشئ من التعجب: انت بتشرب سجاير؟
و يبدو انه فهم تعجبها انبهار متذكرا كيف كانت تشاركه سالى سجائره فابتسم ناظرا اليها و ها هو يجد نقطه مشتركه بينهما: بتحبيها؟
اتسعت عينها بدهشه مردده و جانب شفتيها يرتفع باستنكار: بحبها!
و هنا فهم استنكارها فتمتم ببساطه و هو يستنشق نفسا عميقا منها موضحا و كأن الامر لا يفرق معه: اه في بنات بيشروبها عادى.
حملقت به قليلا ثم رددت خلفه باستنكار اكبر: عادى!
ثم احتدت عينها اكثر و هي تهتف به: انت بتتكلم ازاى؟ انت سامع انت بتقول ايه؟
اخذ نفسا اخر ثم نظر اليها مخرجا الدخان امام وجهها مجيبا اياها ببساطه اكثر: و ايه المشكله في كلامى؟
سعلت هبه و هي تُدير وجهها للجهه الاخرى باشمئزاز و رفعت يدها تحركها امام وجهها رغبه منها في ابعاد الدخان عن مرمى تنفسها و هتفت بنزق: ممكن تطفيها علشان بتضايقنى.
نظر لملامح الامتعاض على وجهها و على مضض اخذ نفسا طويلا ثم القاها ارضا مطفئا اياها، ثم استدار ليتحدث و لكنها سبقته هاتفه بنبره حملت من الامر بقدر ما حملت من التوسل: ممكن تبطل السجاير دى خالص؟
رفع احدى حاجبيه مستنكرا و عيناه تسألها عن السبب باستخفاف، فأغلقت عينها لحظه ثم منحته اجابتها بنفسٍ خائفه عليه و روحٍ تتألم لفكره انه يتأذى: لو هتسألنى عن السبب فأنا متأكده انك عارفه يا معتز. انت بتأذى نفسك و بكده بتأذينى ف علشان خاطرى انا، و علشان خاطر نفسك تبطل.
ثم امسكت يده مره اخرى و هي تتعلق بعينه لتُغرقه بأمواج حبها الهائجه بمقلتيها و همست بخفوت اصاب روحه بأكثر احساس يفتقده: انا خايفه عليك و مقدرش استغنى عنك، علشان خاطرى حافظ على نفسك علشانى.
ما هذا الشعور أهذا ما يسمى الاهتمام؟
هل ما يموج بصدره من سعاده الان هو معنى شعور الاهتمام، الخوف و القلق و كل هذا فقط لاجله!
هل تُوصيه بنفسه لان ما يؤلمه يؤلمها؟
كيف لها ان تتألم لاجله و أمه لم تفعل؟
كيف لها ان توصيه بنفسه و ابيه لم يفعل؟
كيف لها ان تخاف عليه و حبيبته لم تفعل؟
كيف لها ان تقرن وجعها بوجعه و هو نفسه لا يفعل و لا يهتم!
ما معنى كل ما تفعله بل و ما لا تفعله حتى، ما معنى ما تقوله و ما لا تقوله ايضا، ما معنى هذا الذي يراه بعينيها.
و دون ان يهتم برفض او قبول، دون ان يهتم برغبته وافق بقنوط على رغبتها و التعجب هو شريك تفكيره: حاضر يا هبه هبطلها.
و كأنها تفهمه و كأنها تقرأه بل و تدرك مدى صعوبه ذلك على نفسه: انا عارفه انه مش سهل تبطلها بس اتمنى على الفرح تكون بطلتها.
اومأ مبتسما و عقله يدور في صراع مقارنه تقتله، قلبه يبحث عن مكان لها وسط آلاف مثلها هناك، و لكن رغم من مر من النساء بحياته و رغم ابتسامه هذه و نصيحه تلك و شغف الاخرى و ضحكه هذه كانت هي افضل مثالا للبراءه بحياته و اول مثال لها.
تجلس بتوتر امام شاشه الحاسوب الخاص بها، تنظم امورها استعدادا للهرب، لن تمنح لاحد الفرصه بهدم كل ما جنته يدها، لن تسمح لتلك اليتيمه الحمقاء بالاستيلاء على كل ما سعت لاجله حتى و ان كلفها الامر حياتها او ربما حياه غيرها لا فارق عندها.
ارتفع رنين الهاتف يقطع تركيزها فأجابت بحنق و لكنها ما لبست ان اتسعت حدقتيها و هي تستمتع لصوت السكرتيره الخاصه بها تهتف بقلق: انا اسفه بس في حد هكر الايميل الشخصى بتاع حضرتك و اخذ نسخ من كل الايميلات اللي عليه.
هاجت، ماجت، صرخت، لعنت و انفعلت و هي تكاد تجن، بدأ السعى اذا؟
كل ما جنته يوما يتسلل من بين يدها الان.
تلك الملفات تحمل الكثير مما يدينها، صفقات قادمه و صفقات انتهت.
كانت تخشى ما ستؤول اليه الامور و لكن يبدو انها ستواجه اكثر بكثير مما تخشاه.
وجود اشخاص تحبهم يرفع قدرتك على تحمل صعوبات الحياه.
جان جاك روسو
مضى اليوم بأسوء ما يكون على الجميع.
عادت العائله للمنزل و استكانت حنين بغرفتها مع تعليمات بالراحه حتى تُشفى قدمها الملتويه تماما و تطيب كدمات جسدها.
اعتقلت سلمى نفسها بغرفتها غير قادره على مواجهه اخرى تحمل في طياتها الاعتذار و الندم و كم هو امر قاسى على متمرده مثلها و لكنها الان لا تتمرد، لا تتعنت فقط تأسف و تتمنى لو لم تفعل ما فعلت.
طلبت حنين رؤيتها و شجعتها جنه على الذهاب اليها و قد كان.
اعتذرت سلمى، أبدت ندمها بكل ما اوتت من قوه، تنازلت، تأسفت، و عبرت عن خزيها من هذيانها و انفعالها، و بكل رحابه صدر تقبلته حنين بدون مماطله فهى لا تعرف ما معنى الخصام و خاصه مع شقيقتها، منحتها عذرا و صدقته، هدأ قلبها و احتضنت شقيقتها تعتذر هي الاخرى، تشرح عجزها، عدم تعمدها، و تأسف حبها و لكن سرعان ما حدقت بها بذهول و سلمى تقول بهدوء و لكن نبره قويه حملت من الاصرار الكثير: وافقي على فارس يا حنين.
ابعدتها حنين عن حضنها ناظره لوجهها بدهشه ثم نقلت بصرها لجنه لا تستوعب ما تتطالبها سلمى به فإن كانت تموت به حبا فأختها تتألم و هي لن تتحمل وضعا كهذا و عبرت عن ذلك باعتراض صريح: لا مش هوافق.
عادت سلمى لطبيعتها المتمرده و عنادها اللامحدود و جلست امامها قائله بهدوء قوى: انتِ بتحبيه و هو بيحبك، انتِ عاوزاه و هو عاوزك، يبقى ليه لأ؟
و كعادتها تخفى من مشاعرها اضعاف اضعاف ما تُبديه فرفعت رأسها بعنجهيه تتميز بها و نبرتها احتدت بعنادها و تمتمت بنبره تحمل من الصدق ما جعل جنه و حنين يصدقوه: انتِ عارفه انى مش ضعيفه يا حنين، بالعكس انا بقدر اتحمل اى حاجه تواجهنى، انا هنساه، هنسى تفكيرى فيه و هيبقى جوز اختى، هحترمه و هقدره و هعامله احسن معامله لانه جوزك و بس.
ثم اردفت و هي تتماسك بقدر ما تستطيع متواريه خلف قناع من القوه و التمرد اجادت صنعهم الان اكثر من اى وقت سابق: انا اكيد هيجى يوم و احب و اتجوز و اعيش حياتى، فا بلاش تخربى حياتك و احلامك علشانى و انا ببساطه قوى طالما حلم ضاع هجرى ورا غيره بسرعه جدا و انتِ عارفه اختك كويس.
ثم امسكت يدها لتجعل ما يسكن قلبها الان حبها لشقيقتها الصغرى فقط و تمتمت بصدق رغم تألمها و لكنها وجدت ألامها لا شئ بجوار فكره أذى لشقيقتها: بلاش تكسرى قلبك و قلبه يا حنين، سواء اتجوزتوا او لأ انا و فارس عمرنا ما هنتجمع فا ليه تدفعى انتِ و هو ثمن حاجه ملكوش ذنب فيها.
ثم تعمدت الدخول من اكتر نقاط حنين ضعفا و مست قلبها بكلماتها: فارس بيحبك و واضح انه اتمناكِ من زمان و مستعد يتحمل المشاكل و الخلافات علشان خاطرك فا بلاش تكسريه يا حنين، صدقينى بلاش تخسريه.
و قبل ان تعترض حنين او تُبدى حتى رأى بما تقوله سلمى، اشتعلت عين سلمى بالتحدى مطفأه اى ألم اكتنفها الان و هي تحاول اصلاح ما افسدته و كأنها بهذا تعوض حنين عما جرحتها به: و علشان انتِ عارفه انى مش هتحايل كتير لانه مش طبعى و لا هحاول اقنعك كتير فأنا هقولك ان لو موافقتيش، اقسم بالله يا حنين ما هتجوز عمرى كله و دا وعد منى ليكِ قدام ربنا و انتِ عارفه انى مش برجع في كلامى.
و قبل ان تستمع للرد تحركت لتخرج من الغرفه متنفسه الصعداء.
حسنا هو كان اكثر امنياتها اهميه، شكل جزءا من احلامها، رأته شريكا لمستقبلها، نعم احبته و لكن هي ليست بضعيفه ليكسر ظهرها قصه حب فاشله.
ليست هينه ليتحكم بقلبها فارس احلام بقى في الاحلام فقط.
ليست هشه لتُزعزع نفسها خساره صادفتها في مشوار حياتها.
مازالت الحياه امامها، ستنساه بل ستنى كل الاحلام التي لم تخلو منه و تبدأ بأحلام اخرى، او ربما تعيش الواقع كما هو.
فبعض الاحلام خلقت لتظل احلام فقط.
نظرت حنين لجنه لا تدرى ماذا تقول و لكن جنه احترمت ذلك و تمتمت قبل خروجها من الغرفه مباشره: فكرى في كلامها...
اعتدلت حنين تُلقى برأسه على وسادتها.
فارس لم يكن اهم امانيها بل هو كلها، لم يكن جزءا من احلامها بل هو الاحلام ذاتها، لم تراه شريكا لمستقبلها بل رأته المستقبل و من فيه، لم تحبه بل فاق ما تحمله له ذلك و لكن تقف الكلمات عجزا عن شرح ما يعنيه لها لان باختصار هو هى.
و في المقابل شقيقتها، كيف تتجاوز امر حبها له؟
كيف تنسى امر رغبتها به زوجا لها؟
كيف تتقبل فكره ان تكون شقيقتها منجذبه اليه؟
كيف توافق؟ و لكن كيف ترفض؟
اغلقت عينها متنهده ببطء و دموعها تنساب على جانب وجهها رغما عنها و قلبها يمزقها ألما على تفكيرها في خسارته، عقلها يعاندها و يتجاهل الامر و يطالبها بالابتعاد، و ضميرها يترنح بينهما بين لوعه و لوعه، فكسرها لشقيقتها وجع و بعدها عنه اوجاع، اهمالها لمشاعر شقيقتها ذنب و نحثها بوعدها له ذنوب، وفائها لميثاق الحب ألم و وفائها لمثياق الاخوه ألام.
و مع تذبذب نفسها و ضعف تفكيرها في قرار القدر تركت الامر بين يدى الله طالبه رحمته قبل ان يغلبها تعب جسدها و روحها لتسقط في بئر نوم عميق.